العودة إلى المحاضرات والمقابلات
محاضرات ومقابلات مقابلات

مقابلة مع أسماء عزايزة

حين يدخل الفن على التاريخ تنكشف الأكاذيب: خرائط تُفكك، حروب تُقرأ من لوحاتها، وثورات تُرى من داخل تناقضاتها.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

مقابلة مع أسماء عزايزة

دائمًا ما يوضع التاريخ والفنّ وسط صنّاعهما في مبارزة أبديّة. مبارزة في مقدار الخيال والصدق والكذب والحتمية والخلود فيهما. أنت بدأت بدراسة الرسم وكتبت الشعر في سنّ مبكرة، حتّى في كتاباتك للتاريخ لا يمكن فصل الكثير منها عن فنّ السرد. هل تبارزا عندك؟ ولم وجد التاريخ السياسيّ أكثر من الفنيّ عندك مكانًا؟

-يوجد فن في كل أنواع الإنتاج الفكري. لست فنانا، وإن كنت اتذوق الفن وادرس تاريخ الفن وقد ترجمت بعض الاعمال الأدبية والفنية (جون برجر، يانيس ريتسوس، اتيل عدنان، ادوارد سعيد) واكتب النقد الفني كهاوٍ. الى هذا، استزيد من الفن بمتعة أني محاط في اسرتي الصغيرة بزوجة فنانة وابنة فنانة. والفن حاضر في نتاجي التاريخي.

في السرد كتبت يوميات، وكتبت رحلات، وكتبت حوليات، وكتبت تواريخ. لم تقتصر مرة كتابتي التاريخية على التأريخ السياسي. «تاريخ لبنان الحديث» محاولة في التأريخ الشامل: اقتصادي، اجتماعي، سياسي، ثقافي. فيه صفحات لا بأس بعددها عن نهضتي بيروت الثقافيتين: منتصف القرن التاسع عشر، وستينات القرن العشرين. «حرير وحديد» يصرّ كثيرون على اعتباره رواية. مع انه تقميش لِسيَر شخصيات واحداث ورحلات عبر المتوسط في النصف الأخير من القرن التاسع عشر.

في كتابي «غيرنيكا-بيروت: الفن والحياة بين جدارية لبيكاسو وعاصمة عربية في الحرب» يلتقي الفن بالتاريخ. رويت للبنانيين حربهم الاهلية من خلال رواية الحرب الاهلية الاسبانية، ورويت قصة بيروت في الحرب من خلال تحليل مستفيض لجدارية بيكاسو الرائعة التي قرأتها بعينين شهدتا حربا أهلية. هنا التقى التاريخ بالفن وبتاريخ الفن على اعتبار ان الكتاب هو أيضا دراسة لثلاثة عقود من فن بابلو بيكاسو، من اعلان الجمهورية الى الحرب العالمية الثانية.

على سيرة الفن والتاريخ، حصل اني لعبت بالتاريخ عن طريق التخييل. مثّلت في فيلم قصير وبديع بعنوان «الايام الأخيرة لرجل الغد» لفادي باقي. رويت في الفيلم عن زيارة الجنرال شارل ديغول للبنان بعد الاستقلال العام ١٩٤٣ وتقديمه هدية للبنان الجديد هي كناية عن رجل ميكانيكي، يروي الفيلم سيرته حتى أيامه الأخيرة في الحرب الاهلية ١٩٧٥-١٩٨٩. الرجل الميكانيكي كنية عن النظام الاقتصادي-السياسي اللبناني الموروث من فرنسا والفيلم يروي مصيره. كثيرون صدقوا روايتي التاريخية المختلقة مع إني كنت أساهم في تخييل فنّي، يقوم على كذبة تاريخية، هو رواية الساخرة عن حالة السياسة في لبنان.

من جهة أخرى، قد يجيز المؤرخ لنفسه استخدام الخيال في كتابة التاريخ للزيادة في تنفير حادثة معينة او مميزات شخصية معينة. هذا ما لجأت اليه، ولو في حالتين او ثلاث فقط، في «حرير وحديد. من جبل لبنان الى قناة السويس». (٢٠١٢)

صدر حديثًا كتابك “سايكس- بيكو- بلفور، ما وراء الخرائط”. العنوان، الذي يجعل حوارنا هذا يجري إلكترونيًّا، لم مسّك شخصيًّا؟ وماذا حمّلت الكتاب غير حمولته كوثيقة تاريخيّة؟

-الحافز المباشر للكتابة هو الذكرى المئوية للوثيقتين وقد صادف عبور مقاتلي تنظيم داعش للحدود العراقية-السورية وإعلان ابو بكر البغدادي «كسْر حدود سايكس-بيكو». اثار الموضوع فضولي خصوصا ان الحرب العالمية الاولى تشكل تتمة للفترة التي انتهت اليها ابحاث كتابي «حرير وحديد.».

استولت اتفاقية سايكس-پيكو وخريطتها (ومعها تعهد ماكماهون واعلان بلفور) على مداركنا والمخيال عن تلك الفترة التأسيسية للمشرق العربي ولا تزال. صارت سايكس-بيكو هي الجريمة التأسيسية، والخطيئة الاصلية، والجرح الرمزي، واللعنة الأبدية، والخريطة التي خرطت المنطقة أشلاء، ولها وظيفة وحيدة لا تني تتكرّر: تقسيم المنطقة وتقسيم تقسيمها في انتهاك مستمر لوحدتها المقدسة.

ونُسجت حول «الاتفاقية-اللعنة» شبكة من التعميمات وانصاف حقائق وتهويمات وبديهيات ليست بالبديهيات، تدّعي تفسير كل ما يبدو انه عصيّ على الفهم او يتكاسل الفكر عن السعي لفهمه. وصارت سايكس-پيكو هي المشجب الذي تعلّق عليه الأخطاءُ والسلوكيات ليجري تحميلها للغير او بنائها على مجهول، تبرّيء الذات، وتبيّض صفحة الحكاّم، فهم تارة مخدوعون وتارة ضحايا «مؤامرات» و«مشاريع».

هكذا دخلت سايكس-پيكو واخواتها حومة الخرافة والاسطورة وبات لها صلابة المعتقدات الايمانية الراسخة. فليس من المستغرب ان الموضوع جزء من ذاكرة جمعية وثقافة شفوية وله حضور كاسح في الاعلام وعلى مواقع التواصل المجتمعي لكنه لا يكاد يحظى ببحث جاد من قبل كتّاب عرب.

من جهة ثانية، اختزل سابكس-بيكو بخريطة. وقد صادر الوله بالخرائط المسار التاريخي. اردت في بحثي ان أعيد تركيب هذا المسار بالنظر في ما وراء الخرائط. اي دراسة لحظة تاريخية لا تتجاوز العقد من الزمن تقرر خلالها مصير المشرق العربي في غمرة الصراع، على توازع مغانم الحرب بين قوتين منتصرتين تحكمتا بَنَتا سيطرتهما عليه بواسطة نمط جديد من النفوذ والسيطرة الاستعماريين.

بدأت من تفاصيل مثيرة للفضول: لورد جيمس بلفور وقّع رسالة «وعد بلفور»، ولكنه لم يكتبها. فمن كان صانعها؟ ومن يقرأ «الوعد» بشيء من الدقة يكتشف ان فيه اكثر من الوعد وأفدح. مارك سايكس وجورج پيكو وقّعا خريطة سايكس-پيكو، وسواهما وقّع على نص الاتفاقية، مع ذلك سمّيت الاتفاقية على اسميهما مع ان اسمها الرسمي «اتفاقية آسيا الصغرى». يجري الحديث باستمرار عن «اتفاقية سايكس-پيكو السرّية»: الى أي متى ظلّت سرّية، وعلى مَن؟ ومن هو الطرف الثالث في الاتفاقية؟ وهل اتفاقية فيصل-وايزمان، حقيقية ام مزوّرة؟ وماذا عن رسالته الى الصهيوني الاميركي فرانكفورتر؟

ثم كبرت الاسئلة: هل احتلّ البريطانيون والفرنسيون المنطقة لتقسيمها ام قسّموها ليسيطروا عليها؟ وكيف قسّموها ولاي اعتبارات ومصالح وتصورات استراتيجية؟ وهل يقتصر الفعل الاستعماري على التقسيم، أصلا؟

هل الرئيس الأمريكي ولسن هو صاحب مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير، ام سبقه أحدهم اليه؟ والبريطانيون، هل قرروا احتلال فلسطين لتقديمها موطنا قوميا لليهود ام استخدموا الوعد بالموطن القومي لشرعنة احتلالهم لفلسطين؟ ولماذا الحدود الحالية لدول المشرق العربي لا تتطابق مع خريطة سايكس-پيكو مع انها منسوبة اليها؟ الخ.

هي تفاصيل وخيوط واسئلة تحوّل البحث التاريخي الى ما يشبه التحقيق البوليسي.

ماذا تركت لك معاصرتك لثورات سابقة كالثورة الجزائريّة والثورة الفلسطينيّة في لبنان، ودراستك كمؤرّخ لثورات العالم؟ ما هي المناظير التي أكسبتك إياها في قراءة ثورات الربيع العربيّ؟

-انا رجل محظوظ لأني عشت في زمن الثورات وعايشتها او عشتها. يمكنك ان تضيفي الى ما ذكرتِ اعلاه ثورة ظفار، في جنوب سلطنة عمان، ومعايشتي الطويلة لحكم اليسار في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. كتبت عن هذه التجارب في عدد من المؤلفات على شكل مذكرات ويوميات ومتابعات ومقالات صحافية وتحقيقات ودراسات.

الاجوبة على اسئلتك تطول. دعيني أوجز ما علّمتني اياه الثورات.

اولا-الثورات عمليات تغيير جذري للمجتمع والدولة تتم عن طريق القوة والعنف. تلجأ الجماهير الى قوة العدد لفرض تنازلات واصلاحات. تواجه بالقوة والعنف من قبل قوى الامر الواقع، فتنتقل الثورة الى استخدام العنف. وينقسم المجتمع الى فريقين مسلحين او أكثر.

ثانيا-لا توجد ثورات سلمية. يمكن ان تسهم حالة عصيان شعبي في تقوُّض نظامٍ واقعٍ ضحيةً لتناقضاته الداخلية، كما حصل في بعض بلدان أوروبا الشرقية. اما التبشير بالسلموية، وخصوصا من طرف بلدان الحروب الكولونيالية والحروب العالمية والاقتصاديات المتعيّشة على انتاج الاسلحة واسلحة الدمار الشامل، ففيه الكثير من النفاق. فالتمثيل بسلموية النضال الاستقلالي في الهند، فيه مقدار لا بأس به من التحوير حتى لا أقول الادلجة. تصوري لو ان المهاتما غاندي كان يقود مسيراته السلمية الحاشدة في وجه مفوض سامٍ بريطاني من مدرسة بشار الأسد مثلا. وتفكرّي معي لماذا لم تلجأ السلطات الكولونيالية البريطانية الى العنف في وجه حركة غاندي السلمية: لقد لجأتْ الى ما هو أفتك من ذلك، تحريك النزاعات المذهبية بين هندوس ومسلمين حتى أفلت الامر من سيطرتها فانسحبت ومهّدت لتجزئة الهند مع انفصال باكستان وحملات التهجير والتهجير المضاد.

ثالثا، الثورات عمليات جراحية جذرية تضطرها المجتمعات ابّان أزمات شاملة هي نفسها أزمات جذرية. والثورات بهذا المعنى «قاطرات التاريخ» على ما اسماها ماركس، على اعتبار انها تنقل المجتمع من مرحلة معينة من حياته او تاريخه الى مرحلة اخرى.

رابعا، عادة ما تكون الثورات متعددة القوى، متضاربة المطالب والاهداف. وهنا تكمن بذور الانقسامات في صفوفها.

خامسا، نادرا ما تنجح ثورة في تحقيق أهدافها من اول مرة. على ان الثورات الفاشلة عادة ما تشكل مرجعية وذاكرة لثورات قادمة.

سادسا، تستدعي الثورات منذ البداية رِدّات مضادة لها (نسمّيها «ثورات مضادة») من طرف سلطات وقوى الامر الواقع او من قوى شعبية تسعى للمحافظة على الامر الواقع او حتى للارتداد عليه باتجاه آخر (كما في حال الحركات الجهادية الإسلامية). وعادة ما تنقلب الثورات الى اقتتال اهلي تستدعي التدخلات الخارجية او تستدرجه.

سابعا، يدفع المجتمع والدولة ثمنا باهظا لقاء عمليات الانتقال الجذرية هذه، ناجحة كانت ام فاشلة.

هذه بعض الدروس التي استخلصتها من دراسة ومعايشة الثورات، وبعض المفاهيم التي اهتديت بها للنظر الى الثورات التي عرفتها المنطقة انطلاقا من العام ٢٠١١.

لا يمكن فصل علاقة العرب الشبحيّة مع الجغرافيا الممنوعة والمتخيّلة للقضية المظلومة “فلسطين” عن أيّ عمليّة تفكير أو إنتاج فكريّ عربيّ. كيف تشكّلت منذ نشأتك علاقتك “الفكريّة” بفلسطين؟

-السؤال مثير. عادة ما يفترض ان كل عربي له علاقة بديهية – أي اصلية وبالسليقة – بفلسطين. يحفزّني سؤالك على استذكار سيرتي الفلسطينية ما لم افعله من قبل. هذا بعض من الـ«سي. ڤي» تبعي.

تحضر فلسطين في ذاكرتي كطفل في المرويات عن وصول اللاجئين الى لبنان العام ١٩٤٨وقد استقبلتْ أسرتنا احدى السيدات من مخيّم المية مية كانت بمثابة مربّية لي ولشقيقتي لفترة وجيزة. كانت ماتيل، وهذا اسمها، تروي لنا حكايات لا تنتهي عن فلسطين. مع اني لم اعد أتذكر من اين منطقة من فلسطين قد نزحت.

من جهة أخرى، استقبلت بلدتنا مشغرة، في البقاع الغربي، مخيما للاجئين الفلسطيني لفترة وجيزة بعد العام ١٩٤٨. ومشغرة بلدة يقوم اقتصادها على الدباغة، الى جانب الرعي والزراعة، وقد تضرر أصحاب الدباغات وتجار الجلود فيها، وأسرتي منهم، من قيام دولة إسرائيل واقفال الحدود بين لبنان وفلسطين وقد كانت فلسطين سوقا أساسيا لتصريف انتاج البلدة من الجلود.

على ان وعيي الوطني يبدأ مع العدوان الثلاثي على مصر ومعه يبدأ نشاطي الوطني زمن الدراسة. ومن هنا أستطيع القفز الى العام ١٩٦٧.

اعتقلت بعيد هزيمة حزيران (لبضعة أيام) لإني ومجموعة من الرفاق، وهم النواة التي تشكل منها تنظيم «لبنان الاشتراكي»، وزّعنا بيانا ينتقد الجيش اللبناني لأنه لم يشارك في الحرب. وخلال اقامتين في بريطانيا للدراسة ١٩٥٩-١٩٦٠ و١٩٦٨-١٩٧٠خصصت حيزا كبيرا من وقتي للدعاية لقضية فلسطين وقد شاركتُ في تأسيس «حملة التضامن مع فلسطين» وإطلاق نشرتها «فلسطين الحرّة». وكانت لي أولى المساهمات العربية في نشر دراسة مطولة عن القضية الفلسطينية في «نيو ليفت ريفيو»، وكان ذلك خرقا مميزا بسبب الهيمنة الصهيونية آنذاك على فكر اليسار البريطاني ومنشوراته. اتحدث عن العام ١٩٦٩. والدراسة تضع القضية الفلسطينية في صلب العلاقة بين الصهيونية والامبريالية في المنطقة، وتحلل النضال الفلسطيني بما هو جزء مكوّن مما كنا نسمّيه آنذاك «الثورة العربية».

بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧، اختلط نشاطي اللبناني بنشاطي الفلسطيني اول الامر عندما أسهمت في دعم الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين ابان نشأتها. وهذا قبل ان اتفرّغ للعمل في منظمة العمل الشيوعي في لبنان.

يمكن التوقف هنا فالباقي معروف الى حد ما.

بالنسبة للفكر العربي حول فلسطين، لن تتوقعي مني أكثر من عناوين برقية نحو توسيع وبحث. يمكنك اعتبارها تمنيات فكرية للسنة الجديدة. هي عناوين برقية لكني آمل ان يكون فيها بعض البَرق.

بعد أسلو ليس مثل قبل أوسلو. وأوسلو منح السلطة لقيادة وإدارة على جزء – متقلص من فلسطين منذ ذلك الحين– بديلا عن منح حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. واوسلو ايضا اعلان فصل النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي عن النزاع العربي-الإسرائيلي. من هنا نبدأ.

-كيف التحرر من وهم ان الصعوبات القائمة في وجه هدف مرحلي تجعل الهدف النهائي أقرب مَنالاً وأسهل تحقيقا.

-كيف يستعيد الشعب الفلسطيني بناء حركة تحرر وطني جديدة، تنطق باسم مكوناته الثلاثة الرئيسة.

-كيف يمكن لتلك الحركة ان تجدد الصلة بأهداف ومطالب ونضالات الشعوب العربية.

-كيف يمكن تحرير قضية فلسطين من وهم «القضية المركزية» و«البوصلة» والاتعاظ من دروس ٢٠١١ للاعتراف بأن قضية فلسطين تنمو وتتطور وتتجذر في الرأي العام والجماهير عندما تندرج في نضالات شعوب المنطقة من اجل الخبز والعمل والحرية والعدالة الاجتماعية.

-كيف التحرر من ثنائية هزيمة/انتصار العسكرية، القائمة على توقع لحظة رؤيوية تحل المسألة الفلسطينية ضربة واحدة. وكيف يستعاد التفكير بالآني والمرحلي والاستراتيجي، وإعطاء توازن القوى وكيفية الفعل فيه بكافة الوسائل ما يستحقه من تقدير واهتمام. وكيف تبنى عمليات الحشد والتعبئة للجماهير العربية، وللفعل العربي، بحيث لا تنهار حالما تتوقف معركة على جبهة غزة او في جنوب لبنان.

-كيف تتحرر كل قضية عربية من نزعتها لاحتكار المظلومية ونستعيد منطق التكامل في المطالب والنضالات والتضامن بينها.

-كيف التحرّر من الوهم القاتل بأن أنظمة الاستبداد العربية، بمنوعاتها المشيخية والقوموية، أنظمة قوة في وجه إسرائيل وقد تبيّن، على مرّ العقود وبألوف الادلة الدموية والمأسوية، انها مهندسة أكبر الهزائم الوطنية في تاريخنا المعاصر، والمسؤولة الاولى عن الحروب الاهلية، وما يترتّب عليها من الامعان في اختلال موازين القوى بين مجمل البلد المعني (من حيث الوحدة الوطنية الشعبية، والقوة العسكرية، والقدرات الاقتصادية، الخ.) وبين العدو الخارجي، ناهيك عن الانظمة التي تدفعها تبعيتها للسياسات الاميركية الى الانصياع لإملاءات التحالف مع إسرائيل ضد ايران.

صدرت لك أيضًا العديد من التّرجمات لمفكّرين عالمين أمثال أنطونيو غرامشي وإدوارد سعيد وجون برجر وجون ريد. حدّثنا عن أفكارك عن ترجمة الفكر العالميّ انطلاقًا من تجربتك الشخصيّة. وكيف تقيّم ما يتم اختياره ليُنقل للمكتبة العربيّة من الفكر المعاصر؟

لم امتهن الترجمة وإن كنت تقاضيت بعض الاتعاب على بعض الترجمات. لكنني اعتبر الترجمة حرفة أمارسها بشغف. في الستينات والسبعينات، ترجمت عددا من المؤلفات اليسارية والماركسية ولفكر ونضال حركات التحرر الوطني عبر العالم. كان ذلك ضمن ورشة من رفاق وأصدقاء يرون الى نقل الماركسية ونظريات التحرر الوطني والاجتماعي على انها مهمة في التوعية والتثوير بذاتها. خلال تلك الفترة كانت لي ايضا عادة ان اترجم النصوص التي احبّها بغض النظر عما اذا كنت انوي نشرها ام لا. يستهويني نص لجون برجر واتيل عدنان وناظم حكمت او بابلو نيرودا او ريتسوس، او بول ايليوار، خصوصا ايليوار، أعرّبه ثم افكر بنشره او عدم نشره. بعد الحرب، ترجمت لادوارد سعيد خصوصا. حدث ذلك بالصدفة. جاءنا ادوارد الى بيروت في مناسبة اكاديمية، وأطلعني على عدد من الصفحات اختارها للالقاء من سيرته الذاتية وقد ترجمها له أحد الأصدقاء. فأجريت عليها بعض التعديلات. قبل ان يغادر، سألني هل انت مستعدّ ان تترجم السيرة الذاتية عندما تصدر؟ ابديت الاستعداد لذلك واشترطت: لغتك عويصة وحصيفة سوف أفككها وابسّطها وأعيد تركيبها باللغة العربية. وافق. وعدته بأن اجعله يتكلم العربية. وهكذا صار. اعتقد اني نجحت في ان اجعل ادوارد سعيد «يتكلم العربية». بعد «خارج المكان»، ترجمت لادوارد كتابين صدرا بعد الوفاة: «الانسنية والنقد الديمقراطي» و«عن الأسلوب المتأخر. أدب وموسيقى عكس التيار».

لست ملمّا بسوق الترجمة. ولا انا دارس لها. ولكني اعتقد انه يجب اعطاء الاولوية في بلادنا للانتاج الفكري على حساب الاستهلاك. بل قُولي: ينبغي اخضاع الاستهلاك دوماً لضرورات الإنتاج. والإنتاج الفكري هنا يعني الاستيعاب النقدي والانتقائي – نعم الانتقائي – لموارد ومصادر مختلفة، عربية وخارجية، كمادة أولية لتصنيعها. وهذا يعني رفض ادعاء أي فكر او مدرسة فكرية للشمولية؛ وعدم الاعتراف بإنطباق أي مفهوم على كل زمان ومكان؛ والتسليم بأن الممارسة هي مادة فكرية. وأخيرا، اعتبار النظرية والمفاهيم بما هي مدخل لعملية الإنتاج الفكري وليست نهاية المطاف.

منذ صدور تقارير التنمية البشرية العربية، ساد منطق قوامه تعداد «الفجوات» بيننا وبين «مجتمع المعرفة» المرجو، الذي لم يعد أحد يتحدث عنه الآن. ومن أبرز تلك «الفجوات» الترجمة، أي القصور العربي في ميدان نقل المعرفة من اللغات غير العربية وذلك بالمقارنة مع الترجمية في ماضي العرب والترجمة في حاضر غير العرب. على هدي هذا المشروع، تكاثرت هيئات ومؤسسات تتسابق على الترجمة الكمية بمبادرة من بلدان خليجية.

لن أنكر ان هذا الدفق الكمي مفيد، بعجره وبجره. ولن أخفي اعجابي بولادة جيل جديد من المترجمين العرب الموهوبين المتمكنين من لغتهم الام ينتجون ترجمات تضاهي الأصول. على ان مأخذي ان العملية تتم على نحو شبه عشوائي. والمفارقة الكبرى انه على وفرة فرص الترجمة ومنتجاتها، فليس ثمة من اعتراف بأن الترجمة مهنة، في معظم البلدان والمؤسسات، وهي لا تزال تعتبر عملا جزئيا على القطعة.

من جهة اخرى نادرا ما تؤخذ ترجمة سابقة بعين الاعتبارعند تقرير ترجمته من جديد؛ ونادرا ما يَسعى مترجمٌ الى البناء على مصطلحات مَن سبقه، او حتى التعليق عليها، والأندر هو تناول نقاد الكتب التعليقَ على ترجمة الكتاب. الى هذا بالكاد توجد هيئات عامة متخصصة بالترجمة تجهد لتوحيد المصطلحات، ولو من قبيل تعميم الإفادة المتبادلة بين المترجمين. والاهم ان الترجمات مطروحة في سوق مجهول لسنا ندري حاجاته ولا الفوائد التي يجنيها متلقّي هذه الترجمات ولا بين أيدينا أي تقييم لأثرها على الإنتاج الفكري والثقافي والادبي.

مطالب طموحة؟ ربما. لكن تنفيذ الحد الأدنى يضعنا عند بداية السكّة.

مجلّة بدايات التي ترأس تحريرها، وهي مجلّة تتصدّر واجهة الكتابة العربيّة في الفكر العالميّ، ما هي الأسئلة التي تشغلها فيما يتعلّق بالقارئ العربيّ؟ هل تعطيه ما يريد أن يقرأ؟ هل تعطيه ما تريده هي؟ وهل تؤمن المعرفة الفكريّة بقدرتها على إحداث أيّ تغيير؟

«بدايات» فصلية ثقافية فكرية ولدت في بيروت العام ٢٠١٢ في غمرة الانتفاضات. كانت (ولا تزال) مغامرة صحافية طموحها المباشر ان توفّر منبرا للتفكير والتحليل والانتاج الفني والتبادل من اجل معرفة ادق لتلك الاحداث وما تلاها من تحولات.

لا تخفي «بدايات» انحيازها الى اليسار وهي تدافع عن قيم الحرية والديمقراطية والعلمانية والعدالة الاجتماعية. المجلة متعددة الاختصاصات، تجمع التطلّب العلمي والاحتراف الصحافي والفني وتسعى لأن تكون في متناول الجمهور الواسع.

في العلوم الاجتماعية والإنسانية نتناول الاحداث الجارية والقاء اضواء المتعاكسة عليها وتعريضها للتحليل المعمّق. ولكن همّنا الاول هو الإنتاج المعرفي عن المنطقة، وخصوصا ان ننقل الى العربية ما يصدر عن متخصصين في شؤونها من عرب وسواهم في العوالم الاكاديمية الخارجية. ومن بين المواضيع الاكثر استئثارا باهتمامنا دراسة آثار العولمة والنيوليبرالية على الاقتصاديات والمجتمعات وأنظمة الحكم العربية، ومتابعة ما يواجهها من فكر وحركات مقاومة.

في التحرير والنشر، نعطي الكلام بالدرجة الاولى للنساء والشباب، قدر ما نعطيه لجيل الستينات والسبعينات ليشهد على سِيَره وتجاربه.

في الثقافة تفتح «بدايات» صفحاتها مختبرا للتجريب الادبي والفني والغرافيكي، ولتنمية «ثقافة العين» بكافة جوانبها. الى هذا تخصص المجلة زاوية خاص للموسيقى والثقافات الشعبية.

«بدايات» الآن احدى قلة من الفصليات الثقافية المستقلّة الباقية على قيد الحياة في المنطقة. يعود الفضل في ذلك لعناد الفريق الصغير الذي ينتجها ولاستعداد كتابنا على الكتابة دون مقابل، ولما منحنا اياه قراؤنا من تشجيع. على امتداد هذه السنوات الست كنا نموّل المجلة عددا بعدد بواسطة تبرعات فردية ومساهمات مالية محدودة من هذه الجهة المانحة او تلك.

اننا نوزع الآن في العراق والاردن ومصر ولبنان بالإضافة للاشتراكات. ونعمل على دخول تونس وفلسطين.

نسعى لحد أدنى من الاستقرار المادي بتأمين ميزانية كاملة للعام القادم ما يسمح لنا بتوجيه المزيد من الوقت والجهد لتحسين أدائنا في كافة المجالات.

يبقى ان أفضل وسيلة لتشجيعنا هي قراءتنا والكتابة لنا.

المواضيع
أدب وفن تاريخ
البلدان
العالم العربي
نُشر في
بدايات
الكلمات المفتاحية
إدوارد سعيد إيتل عدنان التاريخ الثقافي التاريخ الفكري الترجمة الفن والثقافة البصرية مقابلة

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.