العودة إلى المحاضرات والمقابلات
محاضرات ومقابلات محاضرات ومؤتمرات

محيي الدين اللبّاد وثقافة العين

مشروع حياة لإحياء ثقافة العين العربية: الكتاب ضيافة — ثلاثة أرباع الصفحة للكاتب وربعها بياض للقارئ. وأمام بطّة الجاحظ: «هذه ليست بطّة!»

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

محيي الدين اللبّاد وثقافة العين

«إن عشقنا فعذرنا ان في وجهنا نظر».

عندما إستعذر محيي الدين اللباد للعشق بحاسة النظر اراد اكثر من المعنى المباشر لبيت من شعر الاخطل الصغير غناه محمد عبد الوهاب. اراد ان العين مبتدا العشق، لأنها مرآة الجمال. ولنلاحِظ انه تحدث عن «عشق» لا عن «حب». وقال «نظر» بدلا من «بصر».

بيت الِشعر هذا يافطة خط عليها محيي الدين اللبّاد عنوان مشروع وهب له الحياة كلها. هو مشروع إحياء فن النظر وثقافة العين في عالم عربي تطغى عليه الثقافة الشفوية او اختلطت المرئيات عنده او شحّ منه النظر فبات بحاجة الى منشطات ليستعيد كل ما تملكه العين من امكانات ومتع.

على تنوع مواهبه واهتماماته ومنتجاته، ظل محيي الدين اللباد طوال حياته يؤلف كتابا واحدا ويضيف اليه الصفحات والرسوم والزخارف. انه «كتاب العين». ولا اعتذار من الاصمعي صاحب كتاب بالعنوان ذاته. يؤلف الاخير في لغة الكلمات. وصديقنا يعمل على لغة بلا كلمات. لا يكتفي بتراكيب الخطوط وانعكاس المسطحات والاجسام واحجام الكتل وموشورات الضوء وهالات الالوان وتدرجات الشفافية والظلال. يضيف اليها ما يؤلفه وينحته من عندياته.

هو كتاب بسيط يتوجه الى القاريء لتحريضه على ثلاثة:

  • – ان يمارس الانتباه والملاحظة المستمرة بعينيه.
  • – ان لا يهتم بالشكل وحده بل بما وراءه.
  • – ان يظل يستَبْين العلاقات بين الاشياء.

اول التفكير تمييز. والنظر تمييز بإمتياز. يبدأ اللباد من البداية. الغربيون ينظرون ويقرأون ويكتبون من الشمال الى اليمين. والعرب ينظرون ويقرأون ويكتبون من اليمين الى الشمال. ليس يفيدنا عما يستتبع ذلك الفرق، اللهم الا اصراره على ان تُقرأ كتُبُه المترجَمة الى اللغات الاجنبية من اليمين الى الشمال. يدهمنا بسؤال: كيف يحلُم العرب؟ ويجيب: لعلهم يحلمون ايضا من اليمين الى الشمال.

لإستقامة النظر، يتوجب تحرير العين العربية من «العين الغريبة» وحمايتها من «صَيبة العين».

يسلّط محيي الدين اللباد سوط النقد على النتاج الاستشراقي في الفن الغربي بما يضمره او يفصح عنه من تخييل كولونيالي وتعال عنصري على العرب واهل «الجنوب» عموما. لكنه يدرس ايضا كيف صوّر اهلُ الجنوب اهل الشمال. فالغاية تحذير الشرقيين من ان يستشرقوا. ينقد ابطال القصص الاجنبية المصورة. وفي مواجهة «سوبرمان» و«باتمان» يدعو لروايات واشرطة مصورة تروي حكايات ابطال عرب من التاريخ والمخيلة.

يدرس الخط العربي بما هو خاصة جمالية من خواص الثقافة والحضارة العربيتين. يدعو لاحيائه بكافة خطوطه ومدارسه. نبّه باكرا الي الجمالية الاستثنائية والطواعية العظيمة التي يتمتع بها للخط الكوفي القابل لكل انواع التجريب والاستخدام. ولفت الى ان الخط اداة تصوير ايضا: البسملة التي تتشكل بما هو إجاصة او نعامة، «الطغراء» التي يحررها الفنان من الهيمنة الدهرية للسلاطين ليضعها في متناول الناس: بصمةً شخصية او عنصرا في زخرفة او تزويق.

وعين الفنان النقدية عينٌ تضامنية. فمحيي الدين اللباد الذي شبّ في ظل التجربة الناصرية ونضال حركات التحرر الوطنية والاجتماعية في القارات الثلاث وانحاز يسارا، اراد ان يكون الفن مثل الماء والخبز والعشق في متناول الجميع. إختار قصدااشكال التعبير الفني الايسر وصولا للناس والاسهل رواجا، من كتب الاطفال واليافعين والشرائط المصوّرة الى الملصقات ومنوعات الفن المطبوع. ولا غرابة ان نعرف بولهه الكبير بما تبتكره العبقرية الشعبية من أقنعة افريقية وسجاد يحوكه اطفال مصر او متواليات الالوان البدائية الزاهية على جدران البيوت الفلاحية او تحنية الكفين والقدمين عند اهل الخليج رأى فيها الفنانُ المرأةَ وقد تحولت الى عمل فني.

ويبقى ان ابرز مساهمات محيي الدين اللباد هو في التصميم الكتبي الحديث. هنا ايضا، يعود للتراث من اجل اجتراح «حداثة ممكنة» ومرغوبة.

الكتاب العربي القديم مثل البيت العربي، يقول. تطالعك خضرة صحن الدار ورطوبة نوفرة الماء وهناءة الفيء قبل ان تستقبلك عبارات التأهيل. «اهلا وسهلا» يقول لك الغلافُ وعنوانُه والصورةُ التي تزينه. «شرِّفنا بالقراءة»، يدعوك التصميم والخط والزخرفة والتزويق.

يكتب اللباد ملاحظا انكتبنا في الماضي كانت اجمل وارحب. كان الكاتب او الناسخ يكتب على ثلاثة ارباع الصفحة ويترك ربع الصفحة الباقي بياضا للقاريء يكتب عليه. يستعيد اللباد في ممارسته الغرافيكية هذا التقليد ويطّبقه. انظره مثلا في المجلدات السبعة البديعة من سلسلة كتب «التراث العربي»، التي اصدها في باريس مع فاروق مردم والياس صنبر.

هذا هي المُجاورة بين الكاتب والقاريء. والكتاب عند اللبّاد ضيافة ومجاورة. وهكذا يصير الكتاب «خير جليس في الأنام».

يأبى هذاالصنايعي المتواضع الا ان يشارك. لا يكتفي بتسمية معلميه، تعبيرا عن عرفان بجميل، ينظّم دورات تدريب لصنايعيين شباب ينقل اليهم تجاربه ويشاركهم التخييل والابتكار والتجريب وهو «الشيخشاب» بينهم، كما يسمي نفسه. فهو يعلم جيدا ان الصنايعي لا تكتمل له شخصية ولا يبرع في «الكار» إلا عندما ينتظم في سلك الحرفة. فلا يكتفي بالتعرّف الى ملهميه وزملائه، يتبرع بالتعريف بهم للقراء من غرافيكيين ورسامي كاريكاتور واشرطة مصورة، عربا واجانب.

وفي ثقافة العين عند اللباد ما هو اكثر من ذلك.

لأن النظر حاسة. والعين تتحسس. يلامس النظرُ الاشياء لمساً، متحسساً ملمسَها واللميس. يدعوك الفنانالى قصر الحمراء بغرناطة الاندلس لتلمسَ بعينك بالعين المقرنصات في زوايا البناء ناتئةً مكورة متراكبة مثل انصاف خلايا نحل، قبل ان يطلب منك ان تخفِض نظرك الى أسفل لتتلمّس بالعين سطح الجدار وقد إخشوشن بالنقش والرقش والنمنمة.

وليست الواقعية مقصد الفنان. فالحسي في التصوير ليس هو الحسي في الانسان او الطبيعة. والحسي في الصورة الفوتغرافية ليس هو الحسي في الصورة الفنية. يريك اللباد صورة بطة من روائع الصور التي تزيّّن مخطوطة كتاب «الحيوان» للجاحظ. ويحذرك على مذهب مارسيل دوشان والسورياليين قائلا: «هذه ليست بطة»! او هو يعرض عليك صورة تمثال حمار من نحت آدم حنين مركوز في حقل والى جانبه حمار طبيعي يرعى العشب، ليحذّرك: إياك ان تخلط بين حمار الفن وحمار الحقل.

والحسّي هو التخييل وهو الشعر. وحسّية العين قابلة لأن تجمّع عدة حواس في حاسة واحدة.

بالنظر يكتشف فناننا شميم الاشياء. يستطيع ان يشمّ الروائح في الصور والبطاقات البريدية التي كان يجمعها بشغف.

هذا أريج وردٍ يفوح من دكان عطارة مغربي في بطاقة بريدية.

وهذا شميم لوز اخضر مخلوط بروائح خشب قديم مبلل بالماء في صورة مئذنة.

وهذه رائحة اليانسون تتضوع من منظر واجهة مدينة ساحلية.

رحل هذا «الشيخشاب» قبل الاوان.

هذه الاسطر غصّة ثلاثة عقود وازود من صداقة ما شابها الا تقطع السفر وتباعد المسافات. بدأتْ عندما انتخب محيي الدين زوجتي نوال لتزيين كتب الاطفال في «دار الفتى العربي» وقطعها الموت وابنتي جنى تتهيأ لرحلة تدريب الى مرسمه في القاهرة. يحضرني طيف محيي الدين اللباد الآن كما كان يحضر في حياته طفلا مشاغبا يسكن قامة جبّارة تخف حتى تكاد تمّحي لفائض الدماثة ورقة الحساسية وشفيف العشق. الامر الوحيد الثقيل في محيي الدين اللباد هو الارث الذي يلقيه علينا وعلى جميع من يهتم بالعين العاشقة: ان نواصل جهاده الاكبر من اجل نشر ثقافة العين وتنمية ثقافة العين.

* القيت في حفل تكريم الفنان محيي الدين اللباد، معرض الكتاب العربي، بيروت، ١٢ كانون الاول ٢٠١٠

المواضيع
أدب وفن
البلدان
العالم العربي مصر
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
التاريخ الثقافي العالم العربي الفن والأدب الفن والثقافة البصرية النقد الثقافي تحية شخصية مصر

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.