ماذا ينفع الشعور بالذنب؟
فوّاز طرابلسي
تعالج هذه المداخلة عددا من المواضيع تتشارك فيما بينها بعاطفة معينة وقصة توراتية وفنان تشكيلي، بالاحرى فنانين تشكيليين. اما العنوان المستفزّ فليس المقصود منه استتنفاد الموضوع بقدر ما اثارة اسئلة عن الموقع الذي يحتلّه «الذنب» الفردي والجمعي في منظومة من الظروف الرمزية او الحقيقية. لهذا الغرض، اخترت البدء بالنزعة الثقافوية، ثم الانتقال الى مسألة ثنائي الذنب/العار الدارج في الادبيات الاستشراقية؛ وبعدها التحري عن موقع قصة داوود وجوليت في التراث العربي والاسلامي، قبل الانتقال لتبيّن ما هو المشترك بين كارافاجيو وبيكاسو والختام بعدد من الملاحظات عن الذنب في الحروب الاهلية، في حالة لبنان.
١. الثقافوية بما هي سردية كبرى
يزعم دعاة البعد حداثية انهم معارضون لكل انواع السرديات الكبرى. الا انهم برفعون احدى تلك السرديات – الثقافة – الى مصاف السردية الكبرى، حتى لا نقول السردية الاكبر. (ايغلتون: ٢٠٠٢، ١٧-١٨). دعوني أسمّي تلك النزعة «الثقافوية»، وهي تفسير للحياة والظواهر المجتمعية وسلوك البشر بناء على جواهر ثابتة وهويات راسخة عادة ما تكون منبثّة في الدين واللغة. ومعروف ان الاباء المؤسسين للثقافوية في مجال الجيوسياسي هما برنارد لويس وصموئيل هنتنغتن، اللذان ينسبان الى الجماعات جواهر ثقافية وهويات متفردة تستدعي دوما تراتبات وتمايزات وفوارق كما في حالة فرادة الغرب عند هنتنغتين، ومقولته عن «الغرب والآخرون» وما اليه. باختصار: ان ما تتميز به جماعة او هوية من صفات يحرم منها الاخرون.
وان كتاب دومينيك مواسي عن جيو-سياسات المشاعر (مواسي ٢٠٠٩) مثال جيد عن الكيفية التي تعرّف بها الثقافات على أساس المشاعر، او حتى كيف تصير المشاعر ثقافات بذاتها، طالما ان المؤلف يشدد على دور المشاعر والاحاسيس في صياغة السياسة الدولية. وغرض المؤلف هنا تقديم نظرية بديلة لتلك التي كانت تنسب ذلك الدور سابقا للاديولوجيات. ولكن، ما دام المؤلف يبدأ بأن ينسب الى الصين والهند ما يسمّيه «ثقافة الامل» فإنه يعطب نظريته من البداية، ذلك انه لا يقدم «الامل»، والحالة هذه، بما هو سبب ما يسميه الكاتب «الانجازات الاقتصادية الاستثنائية» للبلدين، وانما يقدمه بما هو نتيجة تلك الانجازات. اما دول الشرق الاوسط، فينسب لها «ثقافة الذل» بسبب تراجع المنطقة تاريخيا ودورها بما هي اداة سياسية في خدمة الاهداف الغربية وبسبب انشاء دولة اسرائيل ونزعتها التوسعية. ويجري تقديم ثقافة الذل هذه بما هي حاضنة الارهاب والاصوليات الاسلامية. وعلى فرض ان الذلّ هو الشعور المحرّك للمنطقة، كيف لنا تفسير حقيقة ان «ثقافة الذل» هذه تنتج فجأة لا المزيد من الارهاب والاصوليات الاسلامية وانما موجة من الحركات الديمقراطية الشعبية في الشرق الاوسط انطلقت من الثورتين التونسية والمصرية وإكتسحت المنطقة من الجزائرالى اليمن ومن الاردن الى البحرين دون استثناء ايران؟ فهل نحن شهود على انبثاق ثقافة جديدة ام اننا نكتشف فقط انه لا يجوز التعاطي مع الثقافات بمثل هذه الخفّة؟
مهما يكن من امر، ينسب مويسي الى الغرب «ثقافة الخوف»، لا شك بتأثير من التشبّث الغربي بمقولة الارهاب بعد ضربات ١١ ايلول. الا انه يفسّره بالخوف الاوروبي من التقهقر وبخوف الولايات المتحدة الاميركية من ان تخسر دورها بما هي قوة عظمى. والغريب في الامر ان هذه «النظرية» في العلاقات الدولية ليست تملك تصنيفا لسائر بلدان ومناطق العالم على اساس «الثقافة» و«المشاعر ». والحالات المستعصية التي لا تدخل في قمقم النظرية يجري اسقاطها من النظرية بكل بساطة. وهي الحالات كثيرة تشمل سائر بلدان آسيا وايران واسرائيل وروسيا وقارات اوستراليا وافريقيا وجنوب اميركا.
وثمة صيغة اخرى للثقافوية ترتبط بالنيوليبرالية المتعولمة تقول بإمكان الغرب ان يلقّح الآخر غير الغربي بالبعض من خصائصه الثقافية. يمكن تسمية هذا المنوّع من الثقافوية بـ«ثقافوية الوجبات السريعة » التي تفترض ان «الثقافات»، بما هي قيم ومشاعر وأمزجة غالبة، يمكن نقلها عن طريق التعليم والتدريب والتبشير.
لقد كان العالم العربي مستهلكا كبيرا لتلك «الثقافات» المعلّبة خلال العقدين الاخيرين. وقد تصدرت مسألة الديمقراطية وتفسير غيابها وعلاقة ذلك بالاسلام جدول الاعمال تلك المهمة التربوية. ولكن دعونا من هذه الاشكالية الآن، ذلك ان الثورتين التونسية والمصرية قلبتا رأسا على عقب كل المفترضات والادعاءات المتعلقة بهذا الموضوع على نحو كاسح وجديد وخلاق.
اود ان اكتفي بذكر عينة عن تلك الوجبات الثقافية التي تقدّم للمستهلكين العرب. كثرة من دورات التدريب تعلّم الشباب العربي «ثقافة التفاؤل» بعد ان أجري مسح على ٣٠٠ شاب مصري (من سكان يبلغ عددهم ٨٥ مليون نسمة) تبيّن منه ان ٩٠٪ منهم يعترفون بأنهم أميل الى التشاؤم منهم الى التفاؤل. كذلك تبيّن ان الذَكَر الاردني يمارس ثقافة «العبوس» وهذا مبعث حاجته الى دورات تدريب من اجل تبشيره بثقافة «الفرح» و«الامل». وتبيّن ايضا انك تستطيع ان تزوّد الشباب العربي بـ «ثقافة القيادة» لينضموا الى عالم «الناجحين». لهذا الغرض فقد تلقى من يشجعك على الانضواء في سلك يسمّى «القادة العرب الشباب»، ومفردة «القادة» تعني هنا رجال الاعمال الصاعدين اجتماعيا في الثلاثين والاربعين من العمر. كذلك يستطيع معسكر سياسي لبناني ان يوظف خدمات شركة دعاية واعلان دولية مثل شركة «ساتشي آند ساتشي» لتنظيم حملته السياسية تحت شعار «اننا نحبّ الحياة » والترويج لـ«ثقافة الحياة» ضد المعسكر الخصم المفترض انه يمجّد «ثقافة الموت». وفي المقابل، تلقى ان حزب الله، وهو الخصم المقصود، يمجّد «ثقافة المقاومة». وهذا المصطلح الملتبس يشير الى تراث التضحية الشيعي المستلهِم لحياة الامام الحسين واستشهاده، ما يوحي بأن الشيعة يملكون الوكالة الحصرية لتلك «الثقافة»، ثقافة المقاومة المسلحة للاحتلال الاسرائيلي في جنوب لبنان.
٢. ثقافة الشعور بالذنب وثقافة العيب
اودّ التعامل هنا مع المقولة الاستشراقية التي تجابه ثقافة الشعور بالذنب الغربية بثقافة العيب الشرقية. والافتراض ان الفارق بينهما يصوغ طبيعتين وديناميتين متفاوتين ومتمايزتين يكون الامتياز فيها لثقافة الشعور بالذنب الغربية طبعا. يتحدث رونالد شارپ عن «إغراء الذَنب» الذي يؤدي الى اكتساب المعارف الجديدة ويوجّه «المذنب» نحو المستقبل (شارپ، ٢٠١٠). بل ان مثل تلك الافكار عن التفوّق الثقافي لـ«المذنبين» قد دفعت صحافيا لبنانيا الى اقتراح تلقيح المجتمعات العربية المهووسة بـ «العيب» بحقن من «الشعور بالذنب» الغربي الحضاري. (صاغية، ٢٠١٠).
ويمكن النظر الى ثنائية الذنب/العيب على انها ناشئة عن مقاربتين: دينية وتاريخية. دينيا، تبدو لي الاشارات المتكررة الى رواية آدم وحواء والخطيئة الاصلية بما هي الاسطورة المؤسسِّة للشعور بالذنب، على انها متهافتة الى ابعد حد. المؤكد ان آدم وحواء، حسب الرواية، شعرا بالذنب بسبب اكل الثمرة المحرّمة. على ان رواية الخروج من الجنة هي ايضا رواية عن العيب لأن آدم وحواء قد خجلا من عريهما.
المطلوب هنا التذكير بأمرين. الاول، هو ان الاسلام يشارك في رواية آدم وحواء. والثاني ان في الاسلام تراثا من «الشعور بالذنب» مهماً يعبّر عنه طقس عاشورا، الذي تمارسه الطائفة الشيعية من خلال اعادة تمثيل مأساة استشهاد الامام الحسين حفيد النبي محمد، الذي تمرّد ضد الخلافة الاموية وقتِل وافراد اسرته في كربلاء. وعاشوراء طقس ينطوي على الضرب بالسياط والجنازير رمزيا وجسديا وتجريح الجسد قصدا، يمارسه مؤمنون بما هو عقاب ذاتي على الذنب التاريخي الذي إرتكبوه بعدم نجدة الحسين في كربلاء وتركه يقاتل وحيدا.
وترتبط الصيغة الثانية من ثقافة الذنب الغربية بآثار المحرقة النازية كما تتجلى في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. سوف اكتفي هنا بملاحظة ان العلاقة بين المحرقة والذنب قد أدت الى ظهور مؤلفين مراجعين يربطون الآن تجربة معسكرات الاعتقال النازية بالعيب اكثر منه بالشعور بالذنب. ويمكن مراجعة مناقشة نقدية لاسباب ذلك التحوّل على امتداد الاربعين سنة الاخيرة في كتاب روث لايس، «من الذنب الى العار» (لايس، ٢٠٠٧) او عند جيورجيو آغامبن، الابرز بين الكتّاب المراجعين هؤلاء، الذي يفسّر رواية آدم وحواء والخطيئة الاصلية بواسطة «العيب» بدلا من «الذنب»: عيب الانتماء الى الجنس البشري، عيب معسكر الاعتقال، العيب الناجم عن ان ما حدث [المحرقة] قد حدث، والعيب الذي «نعاني» [نحن البشر] منه بسبب عرينا الاصلي.(لايس، ٢٠٠٧: ١٧١-١٧٣)
٣. داوود وجالوت: انقلاب في الادوار
على الرغم من انها وردت في القرآن، ليست تتمتع رواية داوود وجالوت بحضور بارز في التراث العربي والاسلامي. ومع ان الاشارات تتكرر اليها في صدد النضال ضد الظلم، الا انها لم تحظَ بالمنوعات ولا بالتفسيرات اللامعة التي حظيت بها رواية يوسف في الادب العربي والفارسي على حد سواء.
على ان العرب المعاصرين اختبروا صيغة اخرى للرواية بما هي واحدة من الاساطير المؤسِّسة لدولة اسرائيل (ومادة دعاية دائمة لها) ما لبثت ان استحوذت على المخيلة الاوروبية والاميركية. بناء على الصيغة المسيّسة للرواية، تظهر دولة اسرائيل بما هي «داوود» الذي يكاد ان يكون مجرّدا من اي وسائل دفاع قياسا الى «جالوت» العربي، الكاسح ديمغرافيا وعسكريا والذي يشكل الخطر الدائم عى وجود اسرائيل.
لا تلتقي الاسطورة بشيء والحقيقة التاريخية. نعلم الآن – و«نحن» هنا تعني كائنا من يهمّه ان يعرف – ان الجيوش الصهيونية في عامي ١٩٤٧-١٩٤٨ لم تكن متفوقة بما لا يقاس على سكان فلسطين المجرّدين من السلاح تقريبا، وانما كانت اكثر عددا وافضل تسليحا وتجهيزا واقوى عسكريا بما لا يقاس من الجيوش العربية مجتمعة. فبناء على تقرير لوكالة الاستخبارات الاميركية في تموز ١٩٤٨، كانت الوحدات العسكرية لـ«داود» الاسرائيلي تضم اكثر من ضعف عدد جيوش مصر والاردن وسوريا ولبنان والعراق والعربية السعودية ومجاهدي «جيش الانقاذ» المتطوعين، مجتمعين. اي حوالي ١١٠،٦٠٠ عسكري يهودي صهيوني مقابل ٤٦،٨٠٠ عسكري عربي. وفوق ذلك لم يكن يساور القيادة الصهيونية، ول ارعاتها الاميركيين، اي شك في نتيجة الحرب والانتصار المعقود للجيوش الصهيونية (غندزير، ٢٠٠٩: ٤١)
تلعب الاساطير احيانا حيلا غريبة على الذين يبتكرونها. فمع الوقت، حصل انقلاب مزعج في الادوار كان له بالغ الاثر على صدقية رواية داوود وجالوت المسيّسة. فقد صعب جدا اقناع العالم بأن اسرائيل-داوود تخوض حربا مظفرة ضد جالوت-غزة الجبار او بأن جيش داوود-اسرائيل قد تمكن من ان يصرع بنجاح جالوت المتمثل في «اسطول الحرية » التركي عند شواطيء غزة.
[صورة الولد والمقلاع]
والاهم هو ان انقلاب الادوار قد تمثل اكثر ما تمثل في الانتفاضة الفلسطينية حيث انتقل مقلاع داوود الى يد الصبية الفلسطينيين.
[صورة الولد يرمي الدبابة بحجر]
وقد اثار ذلك الانقلاب في الادوار اسئلة شائكة تتعلق بالعلاقات العامة. لنأخذ ردة فعل عشوائية من اوستراليا مثلا. ها هي ميشيل-روخاس-طاي، العضوة في منظمة التربية الاسرائيلية «قفوا معنا»، تخاطب اجتماعا في مدينة سيدني عن دور الكلمات والصور في تكوين الرأي العام العالمي. سألت «كيف يمكن تحدي صورة صبي فلسطيني يرمي حجرا على دبابة؟ كيف يمكن قلب هذا رأسا على عقب؟» (شاليڤ، ٢٠١٠)
[صورة صبي آخر يرمي حجرا على دبابة]
والاشارة الى داوود وجالوت في عنوان هذا الفصل موجودة من اجل التشديد على سؤال هو: كيف نقلب دبابة الميركافا الى داوود والصبي الفلسطيني رامي المقلاع الى … جالوت؟ يبدو ان التعليم يتعلّق بقلب الاشياء رأساً على عقب! وهي مهمة ليس باليسيرة على ما يبدو. بل انها تزداد صعوبة عندما يعجز داوود-اسرائيل عن اسداء الهزيمة لجالوت، كما هو الحال في الحرب الاسرائيلية ضد لبنان في تموز ٢٠٠٦.
مهما يكن، بواسطة جهود اضافية وحقنات زائدة من ثقافة الذنب الغربية، يمكن لعملية «الانقلاب التربوي» هذه ان تنجح. بل انها آخذة في النجاح.
[صورة الصبي يرفع اشارة النصر في وجه الدبابة]
٤. عندما بيكاسو يلتقي كارافاجيو
كما هو معلوم، فإن سلسلة اللوحات التي رسمها كارافاجيو عن داوود وجالوت، وعن العلاقة بين تلك اللوحات وحياة الرساّم ليست واضحة منذ البداية. في صيغة العام ١٥٩٩ يظهر داوود بصورة الرسام الشاب نفسه. لا يتغيّر شيء في نسخة اخرى رسمها الرسّام العام ١٦٠٧ بعد ان إرتكب جريمة القتل. اما في آخر صيغة للوحة المرسومة العام ١٦١٠ حيث يُشاهَد داوود، الذي لا يزال يحمل ملامح كارافاجيو الشاب، رافعا رأس جوليت المقطوع حيث جوليت يشبه كارافاجيو الهرم شبها قويا.
[كارافاجيو، داوود وجالوت، ١٦١٠]
يمكن النظر الى اللوحة على انها اعتراف من الرسام بالذنب الذي ارتكبه ومحاولته الحصول على الغفران. على ان المذنب هنا قد تمّت معاقبته تصويريا بالقتل. والمفارقة في المشهد هي ان كارافاجيو الابن هو الذي يقطع رأس كارافاجيو البالغ. هنا ايضا نلقى «انقلابا» في الرواية. لكن انقلاب الادوار والمسؤوليات يفتح المجال امام تفسر مختلف لرسالة الفنان من مجرد استخدام الرواية التوراتية كمبرر لرسم اللوحة ما دامت الشخصية هي القاتل والضحية في آن معا.
ان فكرة ثنائي «القاتل/الضحية»، على ما قد يسمّيها رينيه جيرار، توصلنا الى عند بابلو بيكاسو الحرب الاهلية اللبنانية.
[بيكاسو، «جدارية غيرنيكا» ١٩٣٩]
في العام ١٩٨٧، نشرت كتابا بعنوان «غيرنيكا-بيروت، جدارية لبيكاسو/مدينة عربية في الحرب ». للكتاب ثلاثة مواضيع غير مترابطة. الاول هو مجرد رواية قصة حرب اهلية اخرى للقاريء اللبناني دارت بين معسكر جمهوري ومعسكر فاشي تراكبت مع تدخل خارجي اجنبي، وهي حالة ليست عديمة الشبه بحالة لبنان في الحرب بدأت العام ١٩٧٥ بين معسكر يسعى الى الاصلاحات الاجتماعية والسياسية وآخر يدافع عن الوضع القائم ويقاوم التغيير، وما لبث اطرفان ان جرّا منظمة التحرير الفلسطينية وسوريا واسرائيل الى النزاع. الا ان الجسم الرئيس من «غيرنيكا-بيروت» كناية عن تحليل متعدد المناهج والمستويات لرائعة بيكاسو، في اطار الانتاج الفني للمعلّم الاسباني الكبير من اعلان الجمهورية الاسبانية الى نهاية الحرب العالمية الثانية. اما القسم الثالث والنهائيفهو تنويعات على مقولة الحياة تتمثّل بالفن من خلال المجابهة بين تفاصيل من جدارية بيكاسو وبين مشاهد فوتغرافية من الحروب اللبنانية، مع تشديد خاص على الغزو الاسرائيل وحصار بيروت في صيف العام ١٩٨٢.
كانت الشبكة التي اخترتها لـ«قراءة» رائعة بيكاسو شبكة بصرية قامت على التحديق باللوحة بواسطة عينين شاهدتا حربا اهلية. وبما انه جرى تصوير المراحل المختلفة من تأليف «غيرنيكا»، يمكننا تتبّع تحولات اللوحة بدءاً بتمثيلها عملية تدمير بلدة غيرنيكا في منطقة «الباسك» بواسطة الطيران الحربي الالماني الى تمجيد المقاومة ضد الفاشية ووصولا الى ادانتها الكاسحة لمأساة الحرب وفواجعها.
على المسرح يجري تمثيل مأساة. يصوّر المشهد مجزرة، الا ان القاتل متوارٍ. انه حاضر في اجساد ضحاياه: الفرس المجروحة المتهالكة، الام الحاملة ابنها القتيل، اشلاء المحارب، الاشبه بتمثال متحطم لمقاتل قديم مبعثرة على الارض، وذراعه متشبثة بسيف مكسور فيما تنبت الى جواره زهرة هشّة.
الفكرة التي أود لفت الانظار اليها هي ان بيكاسو غالبا من كان يستخدم اسلوب التقطير. في «غيرنيكا» جرى تكثيف القاتل والضحية وصبّهما في جسم واحد. يجري التشديد على ذلك تشكيليا في حالة اثنين من الشخصيات الثانوية في المشهد. ان جسم المرأة المتهاوية الى يمين اللوحة مختلط بحطبة محترقة. وإن اردتَ ممارسة بعض التواطوء، وأنت العارف بأن بلدة غيرنيكا تعرّضت لقصف الطيران الحربي، تستطع ان تتصوّر المرأة ايضا على انها طيّارة. اما العصفور، في مؤخرة اللوحة الى يسار، فتشاهده مذبوحا بسكّين شديدة الشبه بجناحه.
[صورة المرأة المحترقة، تفصيل من «غيرنيكا»]
على ان بطل المأساة هو الثور. عادة ما يصوّر الثور، في التقليد الاسباني خصوصا، بما هو رمز للعدو الذي يتوجب مصارعته وقتله في حفلات مصارعة الثيران. الا انه يحضر في اللوحة بما هو رمز لاسبانيا الابدية التي يستنجد بها كل شخصيات المأساة الباحثة عن العون والقوة والتوّاقة الى خلاص.
[صورة الثور]
٥. ما نفع الشعور بالذنب في الحروب الاهلية؟
هل من آثار للشعور بالذنب في الحروب اللبنانية؟ الشهادات المباشرة لافراد الميليشيات الذين قاتلوا وقَتَلوا في المعارك والحروب المختلفة، تعرّضت لسؤال مشترك: لو كان للبداية ان تعاد، هل كنت تفعل ما فعلت؟ وقد اجاب معظمهم على السؤال بالايجاب.
ان الاعترافات الميليشياوية الاكثر اثارة هي دون شكل اعترافات اسعد شفتري، مسؤول الامن في ميليشيا «القوات اللبنانية». غادر اسعد لبنان الى سويسرا العام ١٩٨٩ قيبل نهاية الحرب. ومن هناك ارسل فعل ندامة لجميع مواطنيه الذين تأذوا منه يستميحهم المغفرة. بعدها عاد الشفتري التائب (وهو من مذهب الروم الكاثوليك) الى لبنان وأسس جمعية غير حكومية تعنى بالعدالة والمصالحة. معظم ما قاله الشفتري عن تجربته موثّق في مقابلة شهيرة له في جريدة «الحياة». ومن بين العديد من اعمال التعذيب والخطف والاغتيال والسيارات المفخخة، اعترف انه فكّر، مع بشير الجميّل، قائد «القوات اللبنانية»، في تسميم مجاري المياه الخارجة من المنطقة الشرقية المسيحية من بيروت والصابّة في المنطقة الغربية المسلمة.
المذهل في اعترافات شفتري هي انها لم تثر اي رد فعل او تعليق، او بالكاد. وفي تقديري ان ثمة تفسيرين لا ثلاث لهما لذلك. الاول هو حالة فقدان الذاكرة، بل إفقاد الذاكرة، المُطبِقة على لبنان منذ نهاية الحرب. والثانية هو الرعب الذي تنطوي عليه الاعترافات، وخصوصا الاعتراف الاخير، الذي لا يمكن تفسيره الا التفسير الطوائفي، في بلد نزف من حروب اقتتال طوائفي خلال ١٥ سنة. لنفكّر في صبي مسلم في بيروت الغربية يقرأ اعتراف الشفتري الآن، فما من شك في انه سوف يخلص الى ان «المسيحيين» – وليس مجرد مسيحي فرد او اثنين او جماعة محدودة منهم – كانوا يخططون، او هم يخططون الآن، لتسميم «المسلمين» بالجملة.
حقيقة الامر ان الذنب جزء من مسألة اعمّ هي مسألة ذاكرة الحرب والذاكرة في مرحلة ما بعد الحرب. وبودي ان أميّز هنا بين ثلاث عمليات ذهنية مرتبطة بالصدوع التي تتركها الحرب:
١) فقدان الذاكرة، بما هي عجز في عملية التذكّر او نوع من قمع للذاكرة يسير وفق منطق الاستبدال والنقل ذاته الذي تسير عليه النفس البشرية الفردية حيث يجري استبدال الاحداث الاهم باحداث ثانوية او بسرديات عنها؛
٢) الذاكرة؛
٣) النسيان.
ثمة مقابلة ساذجة تضع النسيان والذاكرة واحدهما في مواجهة الآخر. في بحث ثري بعنوان «النسيان» يذكّرنا مارك اوجيه بالعكس: النسيان إن هو الا «مكوّن من مكونات الذاكرة ذاتها». ان المرء لا يتذكر كل شيء وهو ليس ينسى كل شيء. هذا يعني ان عملية النسيان متواصلة مع عملية التذكّر. ولعل الاهم هو قول اوجيه بأن قمع الذاكرة (الامنيزيا) ليس ينطبق على حدث او ذاكرة، او على اثر معزول مسجل في اذهاننا. الاحرى ان فقدان الذاكرة عملية قطع للوشائج والاواصر الواصلة بين تلك الذاكرات او تلك الاثار. (اوجيه، ٢٠٠٤: ٢٠-٢٥)
هنا تلتقي مسآلة الامنيزيا بمسألة السببية، كما سوف نرى بعد قليل.
لماذا علينا ان نتذكر حربا اهلية؟ الجواب «البسيط» هو: لكي نتفادى حربا قادمة. على ان الجواب، حتى لا يبقى تبسيطيا، يستدعي تعيين ماذا علينا ان نتذكر وماذا علينا ان ننسى من احداث واسباب، ونتف واثار، او وشائج وعلاقات.
للاجابة على تلك الاسئلة، حري بنا ان نرمي نظرة على آليتين من آليات تشغيل فترة ما بعد الحروب اللبنانية: الامنيزيا المفروضة رسميا والعفو العام.
تستغل الامنيزيا الرسمية عملية ميلا عاما لدى الناجين من الحروب لقمع الذاكرة وتوظفها في خدمة مصالح مكرّسة في نصابي السلطة والمال. وقد كان التحالف بين رجال الاعمال وامراء الحرب الذي تسلّم السلطة بعيد الحرب شديد الاهتمام بكبت اي نقاش في المسألة الآتية: هل كان يمكن تفادي الحرب؟ وقد كان تقديم الحرب بما هي قدر محتّم، بكل ما يرافق ذلك من تلميحات الى «مؤامرات»، اسهل وسيلة لقتل السؤال اصلا.
وثمة سبب آخر لتلك الامنيزيا الرسمية: الحاجة لاعادة اعمار نظام لبنان الاقتصادي والاجتماعي والسياسي على الاسس ذاتها التي كان يقوم عليها قبل الحرب: المحاصصة الطوائفية للسلطة ونظام الاقتصاد الحر القائم على المال والخدمات. وهي آليات تتشارك في واحد من امرين: إما فرض التحريمات وإما قطع الاواصر بين الاحداث والازمنة.
جرى تقدم لبنان الجديد اقتصاديا، الذي مثّلته عملية اعمار وسط مدينة بيروت، على انه مجرد عودة الى «عهد ذهبي» من التعايش الطوائفي والازدهار الاقتصادي سادا قبيل الحرب. على ان هذا التمثيل كان يقتضي قمع سؤال آخر هو: اذا كان وضع ما قبل الحرب رائعا الى حد تسميته «عهدا ذهبيا »، لما اندلعت الحرب اصلا؟
من اجل قطع الطريق على هذا السؤال، وبتر اية صلة بين فترة ما قبل الحرب وفترة ما بعد الحرب، وجب تقديم الحرب بما هي «حرب الآخرين » او «حرب من اجل الآخرين» دارت رحاها على الارض اللبنانية. تبريء الصيغتان اللبنانيين عموما من اي ذنب او مسؤولية وتعفيهم عن اية مساءلة عن الحرب. «الاخرون» هم من يقع عليهم اللوم ولك ان تختار «الآخر» الذي يناسبك، حسب نوع «كبش المحرقة » الذي تريد القاء اللوم عليه وتحميله الذنب. هنا يتسلّل عنصر «العيب»: ان الحرب قد لطّخت سمعة لبنان واللبنانيين في العالم. وإذ يجري تبرئتهم من اي دور في تلك الحرب، يفترض انه يمكن منحهم عذرية جديدة لسمعتهم التجارية خصوصا.
تكفّل قانون العفو الصادر العام ١٩٨٩ بالمحاسبة والعقاب فيما يتعلق بأمراء الحرب وقد باتوا حكام البلد الجدد واصدر حكمه على براءة اللبنانيين في حروبهم. تضمن القانون فضيحة اضافية للمزيد من اهانة المئة الف ضحية وعشرات الوف المعاقين والمخطوفين. فقد استثنى من احكامه دزينة من السياسيين او رجال وعلماء الدين قتلوا في تلك الفترة او جرت محاولات لاغتيالهم. تلك الجرائم، المسمّاة «جرائم في حق امن الدولة» لا تزال عرضة للمحاكمة والعقاب. بعبارة اخرى، اذا كنت قتلت بضعة الاف من المدنيين الابرياء في مجزرة من مجازر الحرب، فإن قانون العفو يبرئك من الجريمة، اما اذا أنت قتلت، او حاولت قتل، رجل سياسة او شخصية دينية، فأنت لا تزال عرضة للملاحقة والمحاكمة والعقال.
ما الذي يجب ان نتذكّره وما الذي يجب ان ننساه في الحروب الاهلية؟ الجواب بايجاز: ثمة واجب للذكرى ولكن ضرورة للنسيان.
في هذه الآونة، ترتكز عملية التذكير بالدرجة الاولى على الحرب بما هي عمليات عنف، تتضمن ما يلزم من الشعور بالذنب. كان هذا الطابع الغالب على نشاط معظم الجمعيات غير الحكومية العاملة في مجال العنف والذاكرة. اقترح في المقابل بناء الذاكرة عن اسباب الحرب لا مجرد مظاهر العنف فيها.
التذكّر واجب. ولكن يقع على الذاكرة ان تستذكر اسباب الحروب وتعيد بناء الصلات والاواصر بين الاحداث والاسباب والنتائج والاوقات، تلك الصلات والاواصر التي قطّعتها الامنيزيا. وما ان تؤخذ المسافة اللازمة تجاه الحرب، يمكن الشروع بروايتها بما هي ماضٍ بدلا من الحالة السائدة حاليا في لبنان حيث الحرب يعاد تمثيلها باستمرار، فرديا وجميعا، بما هي حاضر.
وهنا يقع دور النسيان تحديدا. اننا مدينون لأرنست رينان بمعادلة مثيرة: ان الامة تبنى على ذكريات مشتركة ونسيانات مشتركة. في حال لبنان، لنقل ان فظائع الحرب، وجرائمها، ومنوعات العنف فيها، الجسدية منها والطقوسية والرمزية، «خيرٌ لها ان تنسى»، حسب تعبير الذي استخدمه ارنست رينان بصدد واقعة «سانت بارتيليمي»، وهي المجازر التي ارتكبت بحق البروتسطانت في القرن الثالث عشر (رينان، ١٩٩٢: ٤١-٤٢)
ولكن اسمحوا لي ان اكرر: اننا نستطيع ان ننسى فقط ما نتذكره. «ذاكرة للنسيان» هو عنوان يوميات محمود درويش عن الحصار الاسرائيلي لمدينة بيروت في صيف العام ١٩٨٢. يقول العنوان كل ما يعنينا هنا: انك تستطيع ان تنسى اراديا فقط ما انت تتذكره، اي ما قد انقذته من اعدام الذاكرة ومن الامنيزيا. قد تختار ان تغفر ايضا. هذا اذا كانت المقصود ان يستمر مجتمع ما في التعايش بين ابنائه.
يقول مثل عربي ان الانسان سمّي انسانا لأنه ناسٍ. يمكن للنسيان ان يكون بنّاءً وان يكون انسانيا.
المراجع:
Giorgio Agamben, Remnants of Auschwitz. The Witness and the
Archive (New York: 1999)
Marc Augé, Oblivion (Minneapolis: 2004)
Ernst Bloch, The Principle of Hope (Cambridge, 1986)
Terry Eagleton, The Meaning of Life (Oxford: 2007)
Sigmund Freud, Psychopathology of Everyday Life (London:
1914)
René Girard, Le bouc émissaire (Paris: 1982)
René Girard, La violence et le sacré (Paris: 1972)
Sudhir Kakar, “The Many faces of Guilt”, Guilt conference I,
Kate Hamburger Kolleg (Bonn: November 2010)
Ruth Leys, From Guilt to Shame-Auschwitz and After (Princeton
and Oxford: Princeton University Press, 2007)
Dominique Moissi, The Geopolitics of Emotion. (New York:
2009)
Ernest Renan, Quest ce qu’une nation? (Paris: 1992)
Elly Shalev, “David and Goliath – Israel and the Media”,
JWire, August 20, 2010.
Ronald Sharp, “Guilt Vision and the Seduction of Knowledge”,
Guilt conference I, Kate Hamburger Kolleg, Bonn November
2010.
فواز طرابلسي، غيرنيكا-بيروت. جدارية لبيكاسو/مدينة عربية في الحرب» الكرمل/المؤسسة العربية للدراست والنشر، نيقوسيا وبيروت، ١٩٨٧.
