العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

فن رندا مداح - او التعلّق بحبال الهوا

امرأة معلّقة مثل بلادها الجولان — تردّ على الرصاص الحيّ بالتصوير بالرصاص الحيّ، وشعب في حريته المتوحشة «معلّق بحبال الهوا».

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

فن رندا مداح
او التعلّق بحبال الهوا

رندا مداح امرأة معلّقة. مثلها مثل بلادها الجولان: منطقة سورية تحت الاحتلال الاسرائيلي. أرض محتلة مثل أرض فلسطين دون ان تكون فلسطينية. هضبة مضمومة الى دولة اسرائيل يرفض اهلها حمل الجنسية الاسرائيلية. يتمسّك اهلها بانتمائهم الى سورية التي ترزح تحت وطأة الاستبداد والقهر.

التعليق والحبال حاضران منذ تجهيز رندا الاول بعنوان «بلا بشارة». مجموعة شخوص معلّقة. انتظارٌ معلّق على كرسيه المعلّق. آمال معلّقة.

لا تصمد حبال التعليق دائما. الكائن المعلّق هو ايضا الكائن الذي يهوي، الكائن الذي ينسحق على الارض. تقاوم رندا الجاذبية بالأمل والرجاء. وتهزمها النكسات والحروب.

تبدأ الثورة في سورية ويبدأ القمع.

الجولان منطقة معلّقة من جديد بين احتلال الغريب واستبداد ذوي القربى. ورندا الرافضة الاحتلال والاستبداد معاً تردّ بالتعليق. في فيديو قصير تعتقل فرقة عسكرية وتعلّق أفرادها بالحبال (تشنقهم؟) على وقع واحدة من أهازيج الثورة السورية.

استوطنت الحرب. تتقلّب رندا في تصويرها بين استخدام الرصاص (الحيّ؟) والتكوين بالطين. تردّ رندا على الرصاص الحيّ ضد التظاهرات بالتصوير بالرصاص الحيّ. تصوّر بالرصاص لتقول كم ان «الرصاص الحي» يقتل. الوجوه والاجساد الطينية ممعوسة. كما قد تلقاها وقد إنتشِلتْ من تحت ركام بناية دمّرتها البراميل المتفجّرة، آخر مبتكرات صناعة الموت. تسمّي رندا شغلَها بالطين «الطين المشوي» في زلّة لسان تقول شواء الجسم البشري في الحرب. التوحّش يعيد تكوين الجسد البشري: الضحية البشرية طائر قتيل مثلما تموت الطيور منقلبة على ظهورها.

مع الموت يتغيّر التعليق. يصير أفقيا بعدما كان عموديا.

في حروب الاخوة الاعداء يقتل الاخ اخاه، وفي حفلات التوحّش العربيدة تتسع أشداق الكبار لتلتهم الأطفال، أطفالهم، كما عند بعض الحيوان.

نعود الى مشاهد التعليق. نسوة معلقات بشعورهن. قتلى سابحون في فضاء محيّر، غادروا الارض لكنهم يعاندون قضاء الآلهة التي حكمت على الانسان «انت من التراب والى التراب تعود». انهم «الموتى الاحياء» كما في الثارات القبلية. او هم المفقودون. متأرجحون مثل شلو هذا الطفل على الارجوحة. او قل، عكساً، انهم يسبحون في فضاء غامض مثل الاحلام. ها هي ارجوحة العيد وها هي المسافة القاتلة التي تفصل الطفل عن فرصة ان يمتطي الارجوحة ليعلو فوق كل هذا التوحّش.

يقال في بلادنا عمن يرجو امراً بلا كبير امل في تحقيقه او الحصول عليه انه «معلّق بحبال الهوا».

لا تلعب رندا مداح مع الحرب والقتل والموت. تأخذها على اقصى محامل الجدّ. صمّمت ان تصوّر وتكوّن بواسطة أدوات الحرب وعنف الحرب وتشظي الحرب وبشاعات الحرب. وهذه الاعمال هي جزء من الملحمة السورية المأسوية، هذه حبال صوتية نابحة لشعب مستوحد في سجنه وإنقسامه وعذابه وموته، لكنه، في حريته المتوحشة وتشبّثه المهووس بالحياة، لا يزال معلّقاً بحبال الهوا.

المواضيع
أدب وفن
البلدان
سوريا فلسطين
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الاحتلال الإسرائيلي الحرب الأهلية السورية الفن والثقافة البصرية المقاومة النقد الثقافي سوريا فلسطين مرتفعات الجولان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.