العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

رجلٌ ظننته شجرة

ليس برونو من يقف على رأسه — عالمنا هو المقلوب. اقلبوا المنحوتة ليمشي: «الرجل الذي يمشي يفتح مع كل خطوة أفقاً جديداً».

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

رجلٌ ظننته شجرة

«تلك الشجرة، ظننتها خطأ رجلا. كنت مخطئا» (يانيس ريتسوس)

«وإعلم ان الانسان شجرة من الشجرات أنبتها الله شجرة لا نجما لأنه قائم على ساق، وجعله شجرة من التشاجر الذي فيه لكونه مخلوقا من الاضداد…» ابن عربي

ظننتني قد أبصرتُ شجرة.

كنت أنظر من اعلى الى زاوية الطبقة الاولى من السلالم المؤدية الى محطة مترو «بوتسدامر بلاتس» في وسط برلين.

ظننتني قد أبصرتُ شجرة. ولكن، عندما نزلت السلّم الكهربائي، أدركت اني مخطيء. الشجرة أنسٌ لا نبات، رأس مغروزة في الارض ورجلان ويدان الى اعلى.

انا هنا بدعوة من الصديقة الشاعرة الجنوب إفريقية للقاء النحات الالماني الكسندر بولتسن. وها نحن متحلقون حول منحوتته المنصوبة في هذا الموقع المركزي من العاصمة الالمانية. والمنوحوتة تحية لجيوردانو برونو، العالم الايطالي في القرن السادس عشر الذي انكر، قبل غاليليو، المعتقد الديني السائد عن مركزية الارض. فإعتبر اكتشافه هرطقة استحق عليها الحكم بالاعدام حرقا.

رابعنا اميركي بإسم كارل فيبر. فوجئت مسرورا بوجوده وقد فرغت للتوّ من قراءة ترجمته لمجموعة مسرحيات هينر موللر بعنوان «آلة هاملت». اكتشفت المسرحي الالماني الكبير عند قراءة قصة حياته في ترجمة فرنسية لكتابه «حرب من دون معركة. الحياة في ظل دكتاتوريتين». بعدها، رحتُ ألتهم كل ما أقع عليه من أعماله في الفرنسية والانكليزية. تدخّل بولتسن في حديثي مع فيبر ليفهمني ان وجود فيبر بيننا هو بسبب صداقة بولتسن الحميمة لموللر وقد كان من حوراييه إن لم نقل أحد مريديه.

ظلت صورة الرجل الشجرة تراودني فيما أقلعنا في المترو نحو مرسم بولتسن في بانكاو، في القسم الشرقي من المدينة. لم يكن المرسم يشي بحضور موللر الطاغي فقط. موجوداته تعبير مشخصّ عما يشترك فيه النحّات الشاب مع المسرحي الراحل: رغبة لا تقاوم في الضغط والاختصار والصهر. واحدهما مارسها ببراعة استثنائية وعنف مدوّخ في اللغة والحوار وحركات الجسد على المسرح. والثاني نقلها الى طرائق تعامله مع مواد النحت. والابداع عند هذا وذاك دينامي، متوتر، قسري، لا يخلو من العنف.

منحوتة بولتسن «الملاك الساقط» تحية للشاعر بول سايلان، تتجلى بوحشية وأناقة معا. بدت لي النقيض من منحوتة أرنست بارلاخ «الملاك الطائف»، على الرغم من ان الكسندر يصرّ على انه متأثر بمنحوتة النحات التعبيري الالماني. يتحدى عملُ بارلاخ قانون الجاذبية وكل التراث «الارضي» للنحت. هي منحوتة تطير وتحلّق وتطوف في الجوّ. في المقابل، ترتضي منحوتة بولتسن طوعا الانصياع لجاذبية الارض. بل هي تسعى الى مضاعفة مفاعيل تلك الجاذبية. يقول الكسندر عن ملاك بارلاخ انه يشبه الصاروخ. ويذّكر بأن النحات التعبيري إستوحي وجه ملاكه من وجه الرسامة الالمانية اليسارية كاثي كلوفتس الصارمة الحزن. الصواريخ مصنوعة لتقع على الارض. صاروخ بارلاخ يطوف متحرراً من الجاذبية. فيما صاروخ بولتسن يعلو ليسقط بقوة اكبر ساحقا من قد يقع عليه.

تصعد امبراطوريات وتتهاوى امبراطوريات في هذا المَنْحَت. برتولد بريشت مرسوم على شاكلة إمبراطور روماني. ولكن في المقابل، ها هي ثلاثية «كارتاغو» تندب سقوط قرطاجنة التي هزمتها روما. ترى، هل يذرف النحات دمعة حزناً على سقوط المانيا الديمقراطية على يد «روما» الحديثة؟ لا يستبعد.

وهنا نموذج مصغّر لمنحوتة تري عاشقَين صهرهما حبُهما فإختلط لحمُ العاشق بلحم المعشوقة. وعلى الغرار ذاته من الضغط والصهر، تلقى تمثال «سيزيف» مجبولا جسده في الصخر. لقد حُكِم على جيوردانو برونو بالعقوبة ذاتها الذي حكم بها على الاله الاغريقي الذي سرق النار من الالهة واعطاها البشر. كلاهما عوقب على تحديه الآلهة. وكلاهما إرتبطت خطيئته بالنُور. كتب برونو يقول: «ليس يوجد عالم واحد، ولا كرة ارضية واحدة، ولا شمس واحدة. توجد عوالم عديدة بعدد أشعة النور التي نراها حولنا».

التعدّد نور عند برونو.

تكمن حيلة بولتسن الحذقة تحديدا في الطريقة التي بها شخّص العقوبة التي أنزلت ببرونو. حُكَم على برونو بالموت حرقا وهو مقيّد بعمود خشبي. فنحت النحات تمثاله من المادة ذاتها التي إستخدمت لمعاقبة العالِم. وتأكيدا على ان الذي تراه هو خشب، إستبقى النحات ملمس الخشب عندما صهر التمثال في البرونز.

بلى. جيوردانو برونو شجرة برونزية.

تتراءى لك رأسه المغروزة في الارض على انها جذور شجرة. واذا كانت الاعضاء التناسلية للمنحوتة غائبة فلأن الشجرة لا جنس لها على الرغم من انوثتها اللغوية. ثم ان احدى يديّ المنحوتة لها ست أصابع. هل هذه غمزة متشيطنة من الفنان نحو المُشاهِد لامتحان قدرته على ملاحظة التفاصيل؟ ام هي رمز باطني يريد النحات منه رفع منسوب الإلغاز الذي يلفّ المنحوتة؟ او لعلها ببساطة أصبعا اضافية نمت على جسد المنحوتة، مثلما في الشجرة يتفرّع غصن من جذع.

جيوردانو برونو شجرة برونزية.

وهو، في اكتشافه العنيد واستشهاده، يوجّه لنا رسالة من الماضي الى الحاضر.

انه منشقّ معاصر ضد الاحدية في عصر العولمة.

منشقّ ضد الـ«قرية الكونية» المعسكرة، والمنمطة على شاكلة الغرب ومثاله، تفرضها على الكون القوة الامبراطورية، ومتمرّد على لاهوت السوق ووحدانية «الفقاعة المالية» (وقد انفقعت في غير موقع مؤخرا!) وهو كافر بمحاكم التفتيش الناشطة في العداء للاسلام مثلما كانت سابقتها ناشطة في تعقّب الهراطقة، ومناضل ضد «الحرب على الارهاب» وأخيرا ليس آخرا هو رافض لتسييس الهوية او عسكرتها!

تقول رسالة برونو ببساطة ان في عالمنا متّسعاً لعوالم عدة وفيه من الموارد ما يكفي الجميع.

ليس برونو من هو واقف على رأسه ورأسه مغروزة في الارض. انه يبدو كذلك لأن عالمنا هو من يقف رأساً على عقب.

فرجاءً ، اقلبوا جيوردانو برونو عقباً على رأس عقب ليقف على قدميه فيستطيع ان يمشي. فالاشجار لا تمشي والرأس لا يمكنها ان تكون كتلة جذور.

«ان الرجل الذي يمشي يفتح مع كل خطوة أفقا جديدا »

هكذا تكلّم الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت.

المواضيع
أدب وفن
البلدان
ألمانيا
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
ألمانيا الترجمة الفن والثقافة البصرية النقد الثقافي

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.