العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

ترجمة النظرية: تجربة شخصية

الترجمة غواية وصراع بين لغتين؛ ونجاحها الوحيد أن يبدو النص كأنه وُلد بالعربية.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

ترجمة النظرية: تجربة شخصية

الترجمة عندي هواية. بل غواية. ولا تزال. لم احترفها. رغم أني تقاضيت اتعابي من بعض الترجمات.

بدأت بترجمة الشعر: اول قصيدة ترجمتها الى الانكليزية وانا في المدرسة الثانوية كانت قصيدة سياسية لنزار قباني ضد زيارة مبعوث أميركي كان يروّج لاحد مشاريع الاحلاف العسكرية في المنطقة. أرسلتها للشاعر، ردّ عليها، وهو ملّم بالانكليزية بسبب عمله الدبلوماسي، وقد شطّب منها وصحّح من الكلمات اكثر مما ابقى من صحيحة. بعدها ترجمت قصائد لشاعر قصيدة النثر محمد الماغوط وقد انتقل الى بيروت اذكر منها قصيدة «حزن في ضوء القمر» وقد نشرتها في مجلة مدرسة برمانا العالية بالانكليزية التي كان يحررها زميل الدراسة رياض الريس، الصحافي والناشر حاليا. كانت تلك ادقّ ترجمة لغةً. كان ذلك قبل ان ابدأ بترجمات من الانكليزية والفرنسية.

أحبّ نصا فأترجمه. ولست استطيع ان نعيّن بدقة سبب ذلك. اهو من قبيل الاستحواذ والتماهي على النص؟ لا بدّ ان لدى كل مترجم مثل تلك الشهوية الاستحواذية. ام ان الامر من قبيل حبّ مشاركة من لا يملك اللغة الأجنبية لتذوّق العمل؟ ام ان الترجمة هنا من قبيل الترويج لمضمون النص او لأسلوبه. مهما يكن، امارس تلك العادة خصوصا مع جون برجر واتيل عدنان، اترجم، ابحث لاحقا في النشر. وقد لا انشر. واحسب ان الميل الى المشاركة هو من غلب مع الوقت. على هذا المنوال، ترجمت رواية بارّيكو القصيرة «حرير» فور الانتهاء من قراءتها ودفعة واحدة ودفتها للنشر لاكتشف ان ثمة ترجمتين لها في المكتبات.

لفترة في الستينات والسبعينات، كانت الترجمة لي حرفة بل عمل جزئي: «فري لانس» على تعبير هذه الايام. ترجمت الكثير من النصوص اليسارية والماركسية كما اعمالا عن حركات التحرر الوطني. كان ذلك ضمن ورشة من رفاق وأصدقاء يرون الى ان نقل الماركسية ونظريات التحرر الوطني والاجتماعي مهمة في التوعية والتثوير بذاتها. كان ذلك في زمن دار الطليعة وصاحبها الناشر الكبير بشير الداعوق ذلك القاريء الذي الاستثنائي والناشر السخي. ترجمت اعمالا نظرية لماركس ولينين وتروتسكي، وغرامشي، وتشي غيفارا، ودراسات عن بناء الاشتراكية في الصين، وعن تجربة الانتقال الى الاشتراكية في التجربتين السوفييتية والكوبية، الى سيرة لستالين لاسحق دويتشر. كان معظمها مترجما عن الانكليزية والفرنسية. أي اننا كنا نترجم ترجمات.

انقطعت عن الترجمة من السبعينات الى التسعينات خلا بعض الترجمة كانت لتمضية الوقت خلال أيام الحرب في لبنان والليالي، عندما يشتدّ القصف وتشتعل المعارك فتحبسنا في البيوت. ترجمت خلال تلك الفترة كتاب لينين الأساس في الاقتصاد الاجتماعي: تطور الرأسمالية في روسية.

بعد الحرب في لبنان، عدت للترجمة. ترجمت لادوارد سعيد بالصدفة. جاءنا ادوارد الى بيروت في احدى المناسبات الاكاديمية في الجامعة الاميركية، وأطلعني على عدد من الصفحات اختارها من سيرته الذاتية قيد الاعداد وقد ترجمها له أحد الأصدقاء. أجريت بعض التعديلات عليها. قبل ان يغادر، سألني هل انت مستعدّ ان تترجم السيرة الذاتية عندما تصدر؟ ابديت الاستعداد لذلك واشترطت: لغتك عويصة وحصيفة سوف افككها وابسّطها وأعيد تركيبها باللغة العربية. قال انا موافق. وهكذا صار. بعد «خارج المكان»، ترجمت لادوارد كتابين صدرا بعد الوفاة: مجموعة محاضرات بعنوان «الانسنية والنقد الديمقراطي» تتوّج نظرته الانسانية العلمانية فيما أسميه المرحلة الثالثة من تطوره الفكري؛ على اعتبار ان الاولى هي مرحلة نقد الاستشراق، والثانية مرحلة الثقافة والامبريالية. اما الكتاب الآخر فهو «عن الأسلوب المتأخر. أدب وموسيقى عكس التيار» وهو

للترجمة نوادرها.

لترجمتي سيرة ستالين لاسحق دويتشر قصة تعطي فكرة عن خطورة فعل الترجمة. في أكثر من مناسبة كان الطاهر كنعان ووميض عمر نظمي يبلغاني كل على حدة عن ان صدام حسين ابلغه اعجابي بترجمتي سيرة كتاب دويتشر. واستخدم كل منهما عبارة ان ترجمتي محفوظة على المائدة قرب سرير الدكتاتور العراقي. بل ان مسؤول صفحة ثقافية في احدى المجلات اللبنانية كتب يحمّلني مسؤولية أفعال الدكتاتور بناء على ما سمعه عن تعلّق الدكتاتور العراقي بتلك الترجمة. لمن لا يعرف، اسحق دويتشر ماركسي بولوني منشقّ افتتحت سيرته للحقبة الستالينية في الاتحاد السوفييتي أفعال تبرؤ شيوعيين وماركسيين كثيرين من ستالين والتجرؤ على نقد التجربة السوفييتية من منظار يساري.

اما ترجمة كتاب تروتسكي «الثورة الدائمة»، كتاب تروتسكي، غريم ستالين وضحيته، فقد جذبت الى بيروت سكرتير القائد البلشفي وهو الفرنسي بيار فرانك للتعرّف الى ذلك اللبناني الذي خطر بباله ان يكسر الحرم الستاليني على رفيق لينين ومؤسس الجيش الأحمر. لست ادري كيف عثر عليّ فرانك، وقد نشرت الترجمة باسم مستعار، مهما يكن، اورثتني تلك الترجمة تهمة التروتسكية في الحركة الشيوعية العربية دون ان يرحمني التروتسكيون العرب لأني لم اكن منهم.

على ان الترجمات تأتي أحيانا بالحفاوة والاعجاب، وإن بعد دهشة. في تلك الفترة أيضا ترجمت كتاب الصحفي الاميركي جون ريد «عشرة أيام هزّت العالم» وهو تحقيق صحفي لامع عن استيلاء البلاشفة على السلطة في روسية. قدّم لينين للكتاب وترجمت الترجمة. عند تجهيز الكتاب للنشر، اقترح عليّ الصديق الراحل ناجي علوش، مدير الدار حينها، ان اخط المقدمة بخط اليد. وقد فعلت. في تلك الايام كانت الإشارة الى المصوّر بأن يبقى النص المصوّر على حاله هي كتابة meme بالفرنسية. وقد كتبها ناجي بالقلم الأزرق كالمعتاد. يبدو ان المصوّر صوّر التعليماة الوجهة له بدل ان يلتزم فقط بتنفيذها. فبدت كأنما هي توقيع. زرت العراق بعد صدور الكتاب ولقيت حفاوة كبيرة بصفتي مترجم كتاب جون ريد وانا استدرك مؤكدا إني مجرّد المترجم. لكن الذي لفت النظر هو مقدمة لينين بخط اليد فتكاثرت الأسئلة الضاجة بالاعجاب والدهشة «هاه! هو الرفيق لينين كان يعرف اللغة العربية؟!َ»

يجب ان اعترف لكم بأني، عدا ملاحظات مقتضبة في مقدمات ترجماتي لادوارد سعيد، لم اكتب في الترجمة. ولا انا مطلّع بما فيه الكفاية على نظريات الترجمة وقد اكتسبتْ ابعاداً جديدة مع العولمة وباتت اختصاصا اكاديميا بذاتها. فلا تتوقعون مني هنا الا بعض السوانح والأفكار المستمدّة من تجربتي في تلك الصنعة.

قبل ذلك بعض الملاحظات على فورة الترجمة في العالم العربي مطلع القرن الحادي والعشرين. استهلاك ولا انتاج. ترجمات تقاس بالعدد الصادر خلال

لا تأبه بتوحيد المصطلحات ولا بدراسة أثر الترجمات ولا حتى تلبية الطلب. مثله مثل الإنتاج الرأسمالي: العرض يفوق الطلب.

#الإخلاص للنص ام خيانة للنص. فكرة خيانة النص مغرية، وهي تقوم على لعبة لغوية بالايطالية traduttori-trattori. يمكن نسبها الى ثرفنتس الذي شبّه النص المترجم بقفا السجادة. على اني اعتقد ان ملاحظة ثرفنتس موحية أكثر مما يبدو للوهلة الاولى. فإذا كان النص المترجم هو قفا النص الأصلي، فقد لا يعني ذلك فقط انه نسخة فجّة او غير مجلوّة من الأصل، بل قد يعني ان القفا يفضح تركيب لغة الأصل والأسلوب، مثلما قفا السجادة يشي بكيفية حياتكها: يكشف الوان الخيوط، القُطب وعملية المشج. هكذا يتغيّر معنى التشبيه عند الروائي الاسباني الكبير.

في مواجهة تشبيه ثرفنتس، يمكن ان نضع فلسفة بورخس في الترجمة وهو الذي كان يقول لمترجمه «لا تكتب ما أقول، أكتب ما عنيت قولَه».

#التقريباً. في مقدمة مجموعة نصوصه في نظرية الترجمة، يعرّف امبرتو اكو الترجمة على انها تقول الشيء ذاته تقريبا. Dire presque la meme chose وكل الموضوع في هذا التقريباً. الى اين يصل التقريب؟ وهل ان الترجمة الأقرب الى النص يمكن اعتبارها الانجح؟ وأين موقع الدقة والنقل ليكون المقياس هو التقريب. كأنما نحن هنا في معرض البحث في درجات الخيانة ودقائقها. احسب ان في حكمة إكّو اكثر من ذلك. ولي عودة.

#الترجمة بما هي حوار. على صعيد آخر، قيل الكثير ان الترجمة حوار بين لغتين.

في تقديم «خارج المكان» شبّهت عملية الترجمة بالتوزيع بالنسبة للقطعة الموسيقية. على اعتبار ان الموسيقى لغة على ما يذكّرنا احمد فارس الشدياق العظيم. وعلى افتراض ان ما نسمعه في حصيلة إعادة التوزيع، التي قد تغيّر في الآلات جديدة والايقاع الى اعتمادها التنويع والتقسيم، فإذا الحصيلة هي القطعة الاصلية تقريباً ولكنها ليست تماما. هنا نعود فنلتقي إكّو: التوزيع الموسيقي هو القطعة الاصلية… تقريباً.

مع الوقت، صرت اعتقد ان عملية الترجمة اكثر من ذلك: أرى اليها على انها عملية صراع بين لغتين. مدارها تطويع لغة لحمل معاني وتراكيب واستعارات لغة أخرى. وهذا ما يقتضي مجموعة من الحيل.

#المترجم والنص. يقال انه على المترجم أن يتوارى خلف النص. أؤيد هذا القول خاصة ان بعض المترجمين العرب، ومنهم من ترجم لادوارد سعيد، يرى ان المترجم يجب ان يكون ندّاً للمؤلف. حدا ذلك به الى المزيد من تعقيد لغة معقدة والى نحن مصطلحاته العربية الخاصة على سبيل تأكيد حضوره في الترجمة. قد يكون هذا شأن المترجم. لكن اللغة الاصلية، ببنيتها وتراكيبها واستعاراتها، ليست تتوارى بسهولة خلف اللغة الجديدة. من هنا أعمد دائما الى أكثر من صياغة للنص، صياغتين على الأقل: تبقى الصياغة الاولى تحت رحمة الأصل وتحتاج الى تعريب له.

#وجه آخر لعلاقة المترجم بالمؤلف. كانت الترجمة عندي مناسبات للتعرّف على المؤلفين الذين ترجمت لهم، او كنت على الفة بكتاباتهم قبل اختيار نص للترجمة. قرأت لهؤلاء الكتاب فيما يتعدى النص الذي اترجمه له. لم اتبع فكرة النص المستقل القائم بذاته، النص البلا مؤلف. بمناسبة ترجمة ثلاثة كتب لادوار سعيد قرأت قسما كبيرا من مؤلفاته التي لم أكن قد قرأتها واكتشفت طبعاً اوجها لا تطل اطلاقا من كتاب الاستشراق ولا من كتاباته عن القضية الفلسطينية وهما الوجهان منه السائدان في المنطقة العربية. لم ينتج عن ذلك فهما أعمق للنصوص التي ترجمتها وحسب. وانما معرفة نقدية بأبرز نتاجاته وهي في مجال الادب والادب المقارن.

#الترجمة مدرسة عظيمة لتعلّم لغتك. وللاستزادة منها. هذه اللغة العربية الاعجازية التي نصل الى آخر العمر وبالكاد قد بدأنا نلّم بها إلماما، ناهيك عن الامل في التمكّن منها. هراء القول الاستشراقي إن قداسة القرآن تمنع تطوير اللغة. أولا محال الإحاطة ولو باي كسر على واحد من لغة القرآن ومفرداته. تتطور اللغة العربية باستمرار من خلال الادب، والاستخدام العامي لها الذي يبسطّها ويجلوها ويسهل اللفظ، والاعلام والمسلسلات والسينما. وقد ولدت عربية جديدة افتتحتها الصحافة وطورها الاعلام المرئي والمسموع وأجهزة التواصل المجتمعي، وأحيانا شوّهتها بخلطها بالعامة. يجدر تقييم الكتّاب العرب بناء على مقياس ثراء مفرداتهم، كما هو دارج عبر العالم. مهما يكن، الترجمة شغل قواميس. أعظم معلّم للغة هو القاموس. طبعاً بمرافقة أمهات النصوص. والقاموس معين لا ينضب ولا ينفكّ يفاجئك. كان محمود درويش يفتح القاموس (قاموسه، لسان العرب) يوميا على طريقة الاستخارة، أي عشوائيا، ويتعرّف الى مفردة واحدة على الأقل. كان يقول عن ذلك انه واجبه اليومي.

تفاجأك لغتك. خلال ترجمة «خارج المكان» كان المؤلف يكثر في استخدام نعت finicky. استعصى عليّ. قلت لنفسي انه يشبه مفردة «نِيْقَة» بالعامية اللبنانية. راجعت القاموس، الفيت المعادل الفصيح: نيّق، ونيّقة في المؤنث. الترجمة تثري اللغة المترجم بلا ادنى شك.

ولكن احياناً لا يتوفّق المترجم بالعثور على المفردة المحكمة. للمناسبةout of place وليس عنوانا موفقا قد ذهبتُ بالتقريباً الى بعيد. حاولت «كان لا مكان» في تحريف لـ«كان يا ما كان»، طالما ان في الامر سيرة، والعنوان من اقتراح الصديق عزيز العظمة، وآثرت «خارج السرب» وهو من قبيل أقرب التقريب، دون جدوى، ولكن بعد جمّة مداولات ومشاورات استسلمت ومي الناشر الى الترجمة الحرفية وهي ثامنة الاثافي في الترجمة

يبقى موضوع الأسلوب. بورخيس يريد ترجمة المعنى، كيف يترجم الأسلوب؟

المقياس في نهاية الامر. النجاح في ان تقرأ النص وكأنه مكتوب باللغة المترجم اليها. او تفشل الترجمة. كل الباقي أعذار. من هنا كان وعدي لادوارد عندما اتفقنا على ان اترجم «خارج المكان» هو «سأجعلك تتكلم بالعربية». لعلني نجحت.

المواضيع
أدب وفن تاريخ
البلدان
العالم العربي لبنان
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الأدب العربي التاريخ الفكري الترجمة السيرة الذاتية والمذكرات الشعر

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.