العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

هاينر موللر - ومسرح العدوان على الواقع

مسرح هاينر موللر لا يفسّر الواقع بل يعتدي عليه: قليل من الدولة يُنتج ملهاة، وكثيرها يُنتج مأساة.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

هاينر موللر ومسرح العدوان على الواقع

فواز طرابلسي

«اول شكل للأمل هو الخوف. اول مظهر للجديد هو الرعب » (هاينر موللر )

لم افهم اول الامر لماذا أهدتني إتيل عدنان السيرة الذاتية للمسرحي الالماني هاينر موللر «حرب بلا معارك. الحياة في ظل دكتاتوريتين.» ولم اكن سمعت بميوللر من قبل. سوف اعرف لاحقا ان إتيل تعرّفت اليه وقد شاركا معا في مسرحية متعددة المؤلفين بعنوان «حرب اهلية ». قبل ان انهي السيرة، كنت قد ادركت السبب. الكاتب والمسرحي الشيوعي الالماني الذي عاش معظم حياته في المانيا الشرقية ثم انتقل الي المانيا الغربية قبل انهيار الجدار الشهير، لا يلوك كلامه. عاش حياته في ظل دكتاتوريتين: الشيوعية والرأسمالية. واتخذ المسافة النقدية منهما معا.

هاينر موللر انسان ممزق بين ايمانه بالاشتراكية وبين ما يشهد من ارتكابات بإسمها في بلده، المانيا الشرقية. شبّه نفسه بالفنان الاسباني الكبير فريدريكو غويا في موقفه الفاجع من الثورة الفرنسية. كان غويا موزَعاً بين ايمانه بمُثُل الحرية والمساواة والاخوة التي حملتها الثورة الفرنسية وحاول نابليون فرضها على اوروبا بحد السيف من جهة وبين إرهاب الاحتلال النابليوني لبلاده من جهة ثانية. فكانت تتأرجح عواطفه بين الحماس للحرب الوطنية الشعبية التي يخوضها الفلاحون ضد الاحتلال وبين معارضته الحرب التي تخاض دفاعا عن مضطهِدي الفلاحين، الاقطاع والكنيسة والنظام الملكي. (٣١١) ففي تلك الحرب، كان الفلاحون الاسبان يقاتلون «التقدم» الذي يأتي اليهم على شاكلة الارهاب النابليوني (٢٣١).

كان الصمم هو السلاح الذي لجأ اليه غويا للدفاع عن نفسه ازاء زحف الفاجعة، طالما ان عين الفنان – وأي عين!- تحرمه «نعمة» العمى. (٣١١) لكنه عندما اصيب بالصمم اخذ يخشى العمى، فصار فنه كناية عن «عدوان على الواقع»، وأحسب ان هذا العدوان الذي يمارسه الفن والفنان على الواقع هو اكثر ما استهوى موللر عند المعلّم الاسباني. بل يمكن القول ان هاينر موللر نفسه فنان يعتدي على الواقع من خلال المسرح.

كان برتولد بريشت مثاله الاعلى وهو يعتبر خليفة بريشت على المسرح الالماني. ولا عجب فإن موللر يرى الى بريشت على انه المثال الحي على امريء يستطيع ان يكون شيوعيا وفنانا في آن معا: شيوعي دون النظام او معه؛ او شيوعي ضد النظام او رغما عنه. (٩٢)

حياته

ولد هاينر موللر في ٩ كانون الثاني ١٩٢٩ في بلدة صغيرة من مقاطعة ساكسوني الالمانية لدى اسرة من اصل عمالي إذ كان والده موظفا ثم صار مناضلا سياسيا متفرغا في الحزب الاشتراكي الديمقراطي عشية الحرب العالمية الاولي. لم يكن هاينر قد تجاوز الرابعة عندما انتخب هتلر مستشارا للرايخ الالماني في ٣٠ كانون الثاني ١٩٣٣. في اليوم التالي، وقعت الحادثة التي سوف تشكل الصدمة الكبرى في حيات موللر. دهمت فرقة من الـ «إس.إس » البيت العائلي وانتزعت الوالد من سريره وبعثرت له كتب مكتبته ثم ساقته الى المعتقل. من ثقب الباب، شاهد الطفل عنصرا امنيا يلطم والده على وجهه الا انه تظاهر بالنوم عندما فتح النازيون باب غرفته وهمس والده بإسمه. قال عن تلك الحادثة «ذلك هو ذنبي. تظاهرت بالنوم. هذا هو حقا المشهد الاول في مسرحي». وسوف تخترق فكرة الخيانة مسرحه من الاول للآخر.

جُنّد موللر في «القوة العاملة» التي كان بها يسوق النازيون الشباب الى العمل بالسخرة والحرب تشارف نهايتها. وفي عام ١٩٤٥ ارسل الى الجبهة. إعتقلته القوات الاميركي الزاحفة لتحرير المانيا لكنه تمكن من الهرب والعودة سيرا على الاقدام الى قريته. في الطريق استسلم للقوات الروسية فأطلقت سراحه.

في المانيا الديمقراطية، اكمل موللر دروسه وعمل لفترة مكتبياً قبل ان ينتقل الى الصحافة والنقد والنشر. وكان والده طرد من الحزب الاشتراكي الديمقراطي بتهمة الانحراف التيتوي فغادر الي المانيا الغربية وبقي الابن شرقا. يقول انه بقي في المانيا الديمقراطية لأنه كان يؤمن بالشيوعية، ولم يكن لستالين علاقة بذلك.

في آب ١٩٥٦ توفي برتولد بريشت الذي كان معلمه وصاحب الاثر الكبير عليه. وفي ذلك العام ذاته التي انفجرت فيه الانتفاضة المجرية ضد الحكم السوفييتي، انتقل للعمل في «مسرح الشعب» في برلين وباكورته مسرحية مستوحاة من كتاب جون ريد الشهير عن الثورة الروسية «عشرة ايام هزت العالم » عرضت في خريف ١٩٥٧.

تزايدت اعمال موللر المسرحية نقدا للنظام في المانيا الشرقية بناء على تلك العلاقة المتقلبة التي نسجها معه بين تأييد ونبذ وتراجع وقطيعة. في العام ١٩٦١ طرد موللر من اتحاد الكتاب الالمان. وفي ١٩٦٤ انتحرت زوجته بعد ان عانت سنوات طويلة من الاكتئاب. ومع ذلك دعي في العام ١٩٦٩ الى الانضمام الى فريق «برلينر انصابل »، المسرح الذي أسسه بريشت .

تميّز مسرح موللر في السبعينات بالعودة الى فترة الخمسينيات ومحور موضوعاته «الفصام الالماني »، يصوّر أسرة تضم اخا شيوعيا وآخر نازيا، ولكن المسرحي يسخر من النازيين فيصوّر غوبلز في الطَلْق يلد ذئبا كاسرا. في العام ١٩٧١ أفاد من الانفراج النسبي الذي اعلنه الزعيم الجديد للحزب هونيكر فزار اميركا وتسلّم عند عودته وظيفة مدير «مسرح الشعب» في برلين.في كل الاحوال ظل موللر مؤمنا بالشيوعية، لا في صيغتها الاشتراكية الواقعية المطبقة في المعسكر السوفييتي وخصوصا ليس في المانيا الديمقراطية، آمن بها بما هي انها الامل الوحيد الباقي للانسانية.

نظام عاجز عن منع تمثيل مسرحية

في نهاية العام ١٩٨٧ إكتشف موللر ان النظام في المانيا الديمقراطية آيل الى انهيار، عندما عجزت قيادة الحزب والدولة عن اتخاد قرار بمنع مسرحية له بعنوان «طريق الدبابات» (٢٩٧). حينها اطلق نكتته اللاذعة الشهيرة: الفرصة الوحيدة لانقاذ الشيوعية في المانيا الديمقراطية هي ان يتسلّم الشيوعيون السلطة فيها ! (٣٠٢) رأى ان نهاية الحرب الباردة آذنت بنهاية المانيا الديمقراطية التي هي احد منتجات تلك الحرب، بل اغلى منتجاتها كلفة (٣٠٨-٩) كتب يقول:

«كان بناء جدار برلين محاولة لتجميد الزمن، كان دفاعا مشروعا في وجه الهجوم الاقتصادي للغرب الرأسمالي، لكن الجدار هو الصورة الاسمنتية عن الواقع الراهن» (٣١٠)

وعندما انهار جدار برلين، ايد موللر الوحدة الالمانية لا من منطلق قومي بل لان الوحدة محاولة لطوي صفحة التجربة الالمانية الشرقية. على صعيد آخر، أيّد الوحدة لأنه راهن، كما فعل غنتر غراس، على أنها سوف تطلق المجال امام الصراعات الطبقية الآيلة الى التغيير، بسبب عجز الحكام في شطري المانيا عن الاستمرار في نسب كل شيء الى الخصم، في الشطر الآخر من البلاد، وتحميله كل أوزاره (٣٠٦). لم يرحّب موللر بإنهيار الاتحاد السوفييتي لكنه توقع ان انهياره سوف يشرّع المزيد من الابواب امام رأس المال، ما سوف يضعف رأس المال العالمي في الآن ذاته. وهو من جهة اخرى، لم يتردد في إطلاق ملاحظاته اللاذعة ضد الذين اخذوا يفككون الشيوعية في روسيا. قال عن يلتسين انه يطبق ما قاله كافكا ذات مرة: «إفرحوا ايها المرضى، لقد وضعنا الاطباء في أسرّتكم! »

عصرنا والمسرح

وظيفة المسرح مزدوجة في عرف موللر: ان يمثل المآسي التي تسير اليها البشرية، وان ينمّي الرغبة في بناء عالم آخر. من هنا ضرورة التفكير بطريقة جذرية، والتحري عن التيارات الاجتماعية والتاريخية لعالمنا ومواكبتها الى حين نهايتها القاتلة. لذا تجد موللر يدافع عن الفرد بما هو ضحية قمع قوى المجتمع الصناعي الحديث بعدوانية لا يضاهيها اي مسرحي آخر حتى وهو يتوقع هزيمة الفرد واختفائه.

من حيث الاسلوب، يقول موللر ان بنية الاحلام قد أثارته على الدوام حيث «غياب الروابط، وحياد العلاقات السببية، يولّدان الدفق المتسارع. وتتلخص صعوبة الكتابة في صعوبة ارتقاء المرء ليبلغ مستوى احلامه نوعيا» (٢٥٣). بهذا المعنى يمكن القول إن مسرح مويللر مسرح تفكيكي، وان نصوصه انتقالية في طور الصياغة دوما. بل يمكن تشبيه عمله بالفوتومونتاج ايضا. والفوتومونتاج هو التوليف الصوري الذي ساد في تلك الفترة، وممثله الابرز في المانيا هو جون هارتفيلد في صوره المركبة القاسية ضد الرأسمالية وضد النازية والحرب. ولا بد القول ان مفردة التوليف لا تعبّر عن معنى هذا اللون الفني. ففي اعمال هارتفيلد كما في مسرحيات موللر، ثمة مسرحة الصراعات تتقابل فيها الصور وتتصادم.

ولموللر علاقته الغريبة بالامل. يقول عن نفسه: لست ابلها ولا انا مروّج آمال. كما قد يقال عن المرء انه ليس «مروّج مخدرات». فهو يؤمن بالصراع وليس يؤمن باي شيء آخر ويسعى في كتاباته الى إرهاف الإحساس بالنزاع والى تصعيد المجابهات والتناقضات. مثله مثل بريشت، ليس موللر مهتما بالاجوبة والحلول. يقول ان ليس له ما يقدّمه في هذا المجال او ذلك. همه المشكلات والنزاعات.

وهو معجب ببيكاسو. يقول عنه: انه آخر الفنانين الكونيين. فقد كان بيكاسو عالَمًا بذاته. بعده، لم يعد لأي فنان إلا قطعته الخاصة من هذا العالم. وبيكاسو يذكر موللر بغويا. وحري به ان يفعل. فمَن اكثر من بيكاسو ينطبق عليه القول بأنه الفنان الذي يعتدي على الواقع؟

ومثل تقنية التصوير لدى بيكاسو، خصوصا في مرحلته الاخيرة، يعبّر كل شغل موللر المسرحي عن رغبة عميقة في الضغط، والاختزال، والصهر. الابداع عنده فعل حشر، وقسر وعنف. العنف هو الخلط بين السياسة والمسرح.

لنقرأ معاً ملاحظته اللامعة عن شكسبير: لا يمكن تصوّر شكسبير دون الدولة. لا يمكن تصوّر شكسبير في نظام ديمقراطي. حضور الدولة مأسوي. يقول: كلما ازداد حضور الدولة كلما ازداد ظهور امثال شكسبير «قليل من الدولة ينتج الملهاة، كثير منها ينتج المأساة» (٩٢) وكلما ازدادت وطأة الدولة ازدادت الحاجة الى شكسبير.

يكثر موللر في استخدام العري في مسرحه. يفسّر قائلا: «عندما ينهار كل شيء يحق لنا ان نتعرّى ».

موللر مخرجا لبريشت

تسنّى لي في خريف العام ٢٠٠٨ ان أشاهد مسرحية «الصعود المتنازع عليه لآرتورو اوي »، لبريشت في اخراج هاينر موللر. اول ما يجب قوله ان موللر طاغ في المسرحية على بريشت. وقد حورها ايما تحوير. لعله اراد ان يكسر القاعدة في المسرح الالماني التي تقول ان ما احد يستطيع اللعب بمسرحية لبريشت. هو لعب بها حد العبث. لكنه حافظ على الفكرة الرئيسية: الكارتل الرأسمالي في المانيا المهزومة، المضروبة بالازمة الاقتصادية، يلجأ الى رئيس عصابة ويستخدمه لضرب الحركة الشيوعية وضبط النقابات، فإذا رئيس العصابة والعصابة يتحولان الى سلطة بذاتها تتحكم بالكارتل بدل ان يتحكم هذا بها.

على ان موللر اللاذع يبالغ في التهكم على الاصل الاجتماعي والاخلاقي الوضيع لهتلر. يصوره في صورة كلب مجارير يلتقطه الكارتل الرأسمالي ويسلطه على الجمهورية والشيوعيين والنقابات فإذا هو الذي ينتهي الى الاستيلاء على السلطة ويتسلط على الكارتل. فصعود هتلر مزدوجا، صعودا الى السلطة، يتم ايضا على أشلاء منافسيه في الحزب النازي ذاته وعلى اشلاء الشيوعيين، الذين يتهمهم باحراق البرلمان الالماني -«الرايخستاغ»- الذي أحرِق بتدبير منه. وصعوده الآخر هو ارتقاءه الاجتماعي الذي يتوّج بإنضمامه الى البيئة البرجوازية مرتديا بدلة «السموكنغ» ومضاجعا زوجة رئيس الكارتيل الرأسمالي. المشهد الابدع في المسرحية هو تحضير اوي لذلك الارتقاء من خلال تدريبه النطق والخطابة على يد أستاذ متخصص. هنا تتجلى طاقة التمثيل العبقرية عند فوبكه، الممثل القدير الذي يجسد دور اوي على مسرح البرلينر آنصابل منذ لا اقل من عقدين من الزمن. يلوك الممثل مروحة واسعة من الاصوات ترتقي من التأتأة والنأنأة وصولا الى ما يشبه النباح وتتقلّب بين الصوت الانثوي المستضعف والجهورية المسترجلة المضخمة. والى تمارين الاصوات تنضاف تربية حركات فرخ الدكتاتور المترددة المتخشبة، الآلية، العصبية، الى ان يكتسب وضعات اليدين المعهودة لدى هتلر: عقد الذراعين على مستوى الذقن من جهة او ضمهما أسفل البطن كأنما لستر عورته من جهة ثانية.

هذه هي سخرية موللر تضاعف وتضخّم من سخرية بريشت وتلدغ مثل افعى. في مشهد اغتصاب زوجة الرأسمالي، لستَ تدري من هو المغتصِب ومن هو ضحية الاغتصَاب، مع ان «أوي» يعتلي المرأة اعتلاء، الا انه اذ يخرج منها، ينتصب وقوفا وقد اختفى عضوه! تلك ذروة البُعاد البريشتي تقلب المعادلات رأسا على عقب: المغتصِب مسلوب الرجولة. او هو قد خسر عضو الرجولة عندما دخل فرج المرأة البرجوازية.

لا حدود للابتكار والعبقرية لدى الممثل الاول. لكن فردية ادائه ومبالغات لغته الجسدية المضخمة تحوّل صعود هتلر الدموي الفاجع وسيطرة الحركة النازية الذي اراده بريشت اداة لرأس المال (مع أغفال نسبي لجاذبية النازية لدى جماهير المانية واسعة ) الى ما يشبه السخرية من فرد وهجائه. الاكيد ان موللر-المخرج حوّر تحويرا وقلب قلبا في نص بريشت، ومن ذلك نقله المشهد الاول الذي يقدم فيه بريشت الشخصيات، الى المشهد الختامي في المسرحية.

«ماوزر» و «القرار »

انه العام ٢٠٠٨. موسم موللر المسرحي مستمر. في «بيت الشعب » المسرح التقدمي في برلين الشرقية سابقا، الذي شغل موللر ادارته لفترة من الوقت. يعرض «القرار» لبريشت من اخراج موللر، وقد دمجها بمسرحية قصيرة من تأليفه بعنوان «ماوزر»، على إسم الاسلحة الالمانية الشهيرة. تروي مسرحية بريشت قصةَ خلّية من الشيوعيين الصينيين إضطر أفرادها لقتل رفيق لهم فداء الثورة. موضوع مسرحية موللر لا يختلف كثيرا، يروي ايضا قصة القتل فداء الثورة ولكن في الاطار السوفياتي.

الإخراح متطاول زمنا – اكثر من ثلاث ساعات- مرهِقٌ ينطوي على مشاهد ممطوطة لا مبرّر لها غير قرار المخرج إنهاك الاعصاب واختبار تقنيات مسرحية جديدة، كما في مشاهد «اللغة الجسدية ».

أمثولة المسرحية البريشتية: «لستَ انت من لا يرتكب الاخطاء. لكنك انت من يستطيع تحسين الاحوال ». موللر، الذي يشارك بريشت في ان مهمة المسرح هي التأثير في الجمهور، لا يجاريه في نزعته التعليمية. فالامثولة مبنية على حوار بين الفرد والجوقة. الفرد لا اسم له، يشار اليه بحرف الالف. يستدعي العنف العبثي فيها لاستحضار المأساة الاغريقية: الضحية هو الجلاد:

«الجوقة: لقد قاتلتَ على الجبهة في الحرب الاهلية

لم يعثر العدو على اي نقطة ضعف فيك

لم نعثر نحن على اي نقطة ضعف فيك

والآن آنت نفسك الضعف

الذي لا يجب ان يكتشفه العدو فينا »

البطل الذي قَتَل من دون أمر ولم يقتل عدوا، عليه ان يُقتل، لأنه صار هو العدو، لأن الخبز اليومي للثورة هو موت أعدائها، ولأنه يجب اقتلاع العشب ليبقى العشب اخضرا…

ليس من جديد في كل هذا. الثورة التي تأكل ابناءها موضوع قديم ومستهلك. الجديد عند موللر-بريشت ان الثورة تريد المذنِب ان يوافق على موته.

«أ- لكني قمتُ بواجبي

الجوقة: قم بواجبك الاخير

أ- لقد قتلتُ من اجل الثورة

الجوقة: فلتمُتْ من أجلها

أ- لقد أخطأتُ

الجوقة: أنت الخطأ

أ- أنا بشر

الجوقة: ماذا يعني «بشر»؟

أ- لا اريد ان أموت ! »

ليس المذنب مطالبا بأن يوقع قرار اعدامه بيده فقط، عليه ان يتعلّم ايضا كيف يموت. يموت وهو يتعلّم او يهجر الثورة

«أ- اني أرفض. لن اوافق على موتي

إن حياتي ملكي.

الجوقة: انت لا تملك شيئا »

وتختتم المسرحية على لعبة ميوللرية بإمتياز سبق له استخدامها في مسرحية «آلة هاملت » هي اللعبة التي تندمج فيها الشخصيتان، أ والجوقة. يجيبان معاً على سؤال أ: «ماذا بعد الموت؟ »

«انت تعلم ما نعلمه. ونحن نعلم ما انت تعلم

وسؤالك لا يفيد الثورة.

عندما تصير الحياة هي الجواب،

حينها يصير سؤالك مشروعا. غير ان الثورة

بحاجة الآن لأن تقول «نعم» لموتك. والثورة بحاجة الآن لأن تحْجِم عن السؤال ».

مشى نحو الجدار واصدر الامر [امر إعدامه ]

وهو يدرك ان الخبز اليومي للثورة

هو موت اعدائها، وهو يدرك انه

لا بد من ان نقتلع العشب ليبقى العشب اخضرا

أ: «الموت لاعداء الثورة! »

«ثمة شيء عفن في مملكة الامل»

في حديثه عن مسرحيته «آلة هاملت » يعترف موللر باستلهامه شخصية اورليكه ماينهوف من عصبة بادر-ماينهوف اليسارية الجذرية الالمانية التي لجأت الى العنف المسلّح لاسقاط الانظمة الرأسمالية في اوروبا. اورليكه الذي انتهى بها الامر الى الانتحار في السجن. يرى موللر فيها الخروج التام عن الحياة البرجوازية والدخول في اللاشرعية.

«اذا كان لا شيء يتقدم من جهة الرجال، يجب ان يصدر الابداع من لدن النساء… كان لينين يقول دوما ان الحركة تأتي من الارياف والمرأة هي ريف الرجل» (٢٥٠)

عودة الى هاملت. مأساة الامير الدنماركي انه يتمنى لو ان أمه كانت بلا رحم، وفي الآن ذاته يريد ان يصير إمرأة. بل يصير امرأة عندما يرتدي ملابس اوفيليا. هنا يكرر موللر تقنيته اياها: الدمج/الادغام بين الشخصيات.

«ثمة شيء عفن في مملكة الامل ».

هذه هي الرسالة الاولى لعملية تحوير موللر لمسرحية شيكسبير الاشهر. نقيض الامل هو الغثيان، الغثيان الذي تسببه اجهزة الأعلام الرأسمالي. وكم ان موللر استباقي في غثيانه هذا من الاعلام المعاصر.

«التلفزيون. الغثيان اليومي. الغثيان.

يا ايها اللغو المصنّع سلفا،

ايها الحبور الذي يتحقق بالاوامر …

أعطنا اليوم جريمتنا اليومية

طالما ان جريمتك انت هي الفراغ

يا غثيان

يا فراغ اكاذيب يصدقها

الكذابون ولا احد سواهم

يا غثيان

امشِ في الشوارع

وافتُك بمستهلكين يكافحون وجوه الفقر

دون كرامة، الفقر دون كرامة

السكين والقبضة الفولاذية

والقبضة المضمومة

وأجساد النساء المهانات

أمل الاجيال

يغرقها دم الجبن والبلاهة

والضحك الصادر عن بطون ميتة

تمجِّد الكوكاكولا

مملكةً

لمجرم

تختتم المسرحية على هذا المشهد: المؤلف يمزق صورته بنفسه. تنطفيء شاشات التلفزيون. ينزّ الدم من البرّادات. تظهر ثلاث نساء هن ماركس-لينين-ماو يعلنّ كل واحدة بلُغتها القومية وفي آن معا:

«النقطة الاساسية هي إطاحة كل الاوضاع القائمة ».

ويمكن الاستمرار في قراءة كارل ماركس في “مقدمة لنقد فلسفة القانون عند هيغل” ».

الممثل الذي يمثّل هاملت – لأننا لن نقع فريسة الوهم فنحسب انه هو هاملت – في زيه النسائي يتبرّج. يرفع فأسا يهوي بها على رؤوس ماركس-لينين-ماو:

«تسقط سعادة الخنوع.

يعيش الحقد والاحتقار والتمرد والموت.

عندما تمضي [؟] مجتازة غرف نومكم حاملة سكاكين الجزارين،

سوف تعرفون الحقيقة ».

كتب موللر عن پينا باوش، صاحبة مدرسة مميزة في الرقص الممسرح، «الصورة في مسرحها شوكة في عين ». وكتب عنه كارل فيبر، مترجم مسرحياته، انه « يثقب لنا عيوننا لنرى على نحو اوضح ».

اراد موللر ان يقدم حلا لاشكالية غويا حيث التقدم محمول على أسّنة الرماح يقاومه ضحاياه بإسم الاستقلال والحرية. ففقأ العيون لتصاب بعمى الوضوح.

المواضيع
أدب وفن
البلدان
ألمانيا
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
ألمانيا إيتل عدنان الفن والثقافة البصرية الماركسية المسرح النقد الثقافي

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.