العودة إلى المحاضرات والمقابلات
محاضرات ومقابلات محاضرات ومؤتمرات

ليس بالثقافة وحدها يحيا الانسان

حين تتحول الثقافة إلى هوية جاهزة، تُمحى السياسة والاقتصاد ويُطلب من مجتمع ناقص الإنتاج أن يكتفي بـ«مجتمع المعرفة».

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

ليس بالثقافة وحدها يحيا الانسان…

عندما نسمع كلمة ثقافة يتبادر الى الذهن: قيم، رموز، تقاليد وعادات، انتماء وأدب وفن وابداع. ويمكن اجمال الثقافة بتعريف يقول انها «منظومة قيم وعادات ومعتقدات وممارسات يتشكل منها نمط حياة جماعة معينة من البشر». للمزيد من التدقيق يضع المفكر المماركسي البريطاني ريموند وليامز الثقافة في اطارها من المجتمع والسلطات فيه، فيقول ان الثقافة «نظام دلالات يتم من خلاله تعميم نظام اجتماعي معيّن وإعادة انتاجه وإختباره وإستكشافه». ويترافق وضع الثقافة في النصاب المجتمعي مع وضعها في التاريخ. فيرى تيري أيغلتون الى الثقافة على انها «مجموعة طاقات تتولد عن التاريخ ولكنها تعمل داخله على نحو مشاغِب وتخريبي احيانا».

وهذا ما يعيّن اثنين من مفارقات الثقافة. المفارقة الاولى هي المفارقة بين الخاص والعام. والمفارقة الثانية هي تلك بين وجه للثقافة يكاد ان يكون قَدَرياً ووجه ارادي بل ارادوي. هكذا تبدو الثقافة إلتزاماً طقوسياً بسلوكيات معينه – هي سلوكيات لا تحتاج الى التفكير بها، نؤديها كأنما بالسليقة- وهي في الوقت ذاته انتاج لاروع إبداعات الوعي الانساني.

على ان الذي يهمني هذه الليلة ليس التبحّر في دلالات ومفارقات الثقافة عموما وانما ان نتشارك معا فيما طرأ ويطرأ على الثقافة من تحولات في عالمنا المتعولم وخصوصا في عالمنا العربي.

+++

لا بد من لفت الانتباه اولا الى التوسع الاستثنائي الذي تشهده الثقافة في كافة نواحي الحياة المجتمعية. من القيمة الاقتصادية الى النفس البشرية مرورا بالسلطة السياسية باتت ثقافية فيما يزداد من جهة اخرى تسليع الثقافة واستخدامها المتزايد لترويج السلع (بواسطة الاعلان ).

ولعل من ابرز اثار العولمة هنا هو ذاك الاختلال الكبير الذي احدثته في ادوار الدولة القومية بما في ذلك ادوارها الثقافية. سابقا، كانت الدولة القومية هي صلة الوصل بين الثقافة القومية والثقافية الكونية-الانسانية. اما الآن، فنحن شهود على تصدّع هذا الدور بفعل نزعة كوزموبوليتية تتجاوز حدود القومية على غرار تجاوزها من طرف الفقاعة المالية والشركات متعديّة الجنسيات. وفي حين كانت النزعة الكونية تنحو منحى التوحيد، تنحو النزعة الكوزموبوليتية منحى التهجين.

ومهما يكن من امر، تتعايش النزعة الكوزموبوليتية على نحو كبير مع نمو وانتشار الثقافات دون القومية من اثنية وجهوية ودينية ومذهبية وقبلية ولغوية وما شابه. بل اننا نستطيع القول انه بقدر ما يزداد عالمنا توحدا الكترونيا وإعلاميا، يزداد في الوقت ذاته تشتتا وتذررا الى جماعات ما دون قومية.

ولعل الاهم من ذلك كله ان النزاعات الكونية التي حملتها الدولة القومية لم تكن متساوية بين الدول كافة. فقد هيمن الغرب على الكونية بثقافته وهويته جامعا المجد من طرفيه: فإذا ثقافته المميزة التي تعبّر عن نمط حياته المخصوص هي نفسها نواة الهوية والثقافة الكونيتين.

وليس الاختلاط بين الثقافة والهوية بالاعتباطي هنا. انه التعبير عن تحوّل الثقافة الى هوية مخصوصة عند طرفي عملية التمايز بدلا من ان تكون تجاوزا للهويات.

واود فيما يلي ان اعالج عددا من مظاهر هذا الاختلاط عندما تنزلق الثقافة لتصير هوية فتداخل في الصراع على السلطة وعلى مقاومتها وتختلط بالاقتصاد والتنمية.

١. الثقافة بما هو هوية

تبشّر الحركات الاسلاموية بدعوتها وتمارس معظم نشاطاتها في ميدان الثقافة والهوية، حيث تختزل الثقافة الى كونها انتماء الى جماعة. اكانت هذه الجماعة هي «الامّة» ذات المليار مؤمن او احد المذاهب الاسلامية. ولكن على النقيض مما هو متوخى، هنا ينفصل الدين عن الروحانية في هذا التمييز الموفّق الذي يجريه ريجيس دُبريه حين يقول ان الدين قوامه الـ«نحن» والروحانية قوامها الـ«انا»، اي العلاقة المباشرة بين الفرد والالوهة والنص الديني. وعندما يصير الدين تعيينا لهوية يغلب عليه الوجه القبلي-الاتباعي-التراتبي. وهنا تتساوى النزعة البطريركية المسيحية والنزعة المشيخية الاسلامية في الغلبة على المؤمنين.

في عالمنا المتعولم، يحلّ الاسلاميون النزاعات الثقافية – نزاعات الهوية والتمايز في العادات والقيم المفترضة- محل النزاعات بين المراكز الامبريالية والاطراف المخضعة والمستغلة او المهمشة، على ما يذهب سمير امين. ولست اتردد في القول ان الاكثرية الساحقة من الحركات الاسلاموية، والانظمة الاسلاموية كذلك، اذا كانت تتنازع على رمزيات ثقافوية مع بعض رمزيات الرأسمالية فإنها ليست تضع الرأسمالية موضع تساؤل في اي من قوانينها وميادينها الرئيسية.

التيارات الاسلاموية قاطبة تقدّس السوق والملكية الفردية. وهذا ما يفسّر مثلا لماذا الاخوان المسلمون المصريون أيدوا الارتداد على قانون الاصلاح الزراعي الذي سنّه جمال عبد الناصر، بدعاوى انه لا يجوز نزع ملكية احد. ومن جهة اخرى، يقرّ الاسلامويون بمبدأ الربح، المبدأ الاسمى للرأسمالية، وإن كانوا يرفضون الربا، وهو الفرع من الاصل في الرأسمالية. ولا حاجة للتذكير بأن الانظمة النفطية الاسلاموية تتعايش في وئام تام مع قوانين الرأسمالية السارية في هذا القطاع المتعولم الاكثر ادرارا للربح. كذلك الامر، يستبدل الاسلامويون القانون الضريبي الحديث – وغرضه التوزيع الاعدل للثورة والدخل – بالزكاة التي تحلّ الإحسان محل الحقوق الاجتماعية. بل ان بعض غلاة الليبراليين بين الاسلامويين – امثال اسامة بن لادن- في ندائه الاخير الي الشعب الاميركي يزايد على الرئيس الاميركي جورج بوش داعية خفض الضرائب. فيدعو الاميركيين الى الدخول في الاسلام لأن لا ضرائب في الاسلام اصلا! وهو يعني طبعا ان الزكاة، التي تقرّر انها تساوي ٢،٥ بالمئة من المال، هي اخفض من اخفض نظام ضرائبي!

على ان تسييس الثقافة بحيث تصير هوية ثابتة جوهرية متجمدة ومكرسة لا يقتصر على الحركات الدينية. في لبنان، دخلت الثقافة السياسةَ من باب جديد هو باب العولمة. فقد اوكل تحالف ١٤ آذار الى شركة اعلان وعلاقات عامة بريطانية متعولمة مهمة صياغة شعاراته السياسية. فإخترعت له شعار «إنا نحب الحياة» في مواجهة ما إعتبره جماعة ١٤ آذار هوساً خاصاً بالموت ينم عنه خصومهم الجهاديين في حزب الله. ولم يقتصر الامر على هذا. بل تحوّل التعارض بين الكتلتين تعارضا بل تناقضا بين «ثقافتين»: «ثقافة حياة» من جهة و«ثقافة موت» من جهة ثانية. وقد تظن ان منطق احترام الآخر والنفاق الذي تتعامل به الطوائف بعضها مع بعض يقتضي احترام «ثقافة» الآخر ما دامت تبدو هنا مستجرّة من المعتقد الديني. فتكون الدعوة الى الحوار مثلا. ابدا. يدعو جماعة «حب الحياة» جماعة «حب الموت» الى لا اقلّ من ان يتخلون عن «ثقافتهم» وان يتبنوا «ثقافة الحياة»، اي «ثقافة» خصمهم. ولم تنته القصة هنا. بعد عام لا اقل. وقد تغيّرت المعطيات الاقليمية، كما يسمّونها، اي لاحت امكانيات مصالحات بين المعسكرين العربيين المتنازعين، معسكر الممانعة ومعسكر الاعتدال، وحلّت ادارة اميركية محل ادارة اخرى اعتمدت لغة التهذيب مع خصومها في المنطقة، بطل التناقض الثقافي، وتحول الى شيء آخر تماما

…………………

………………

ليس بالثقافة وحدها يحيا الانسان. ولكن لا بد من ان نضيف. احيانا تصير الثقافات هويات للقتل. تحرّض عليه وتستفزّ.

٢. الثقافة والإتكال على الخارج.

ولعل اخطر ما تنطوي عليه عولمة القطب الاوحد الرأسمالية في شغلها على منطقتنا هو اعادة التعريف الشامل للمنطقة ولحاجاتها وتوصيف التحولات التي تشهدها والاصلاحات التي تحتاجها. والابشع من كل هذا ان صفّا واسعا من النخبة الثقافية العربية يرضخ على نحو متزايد لمنطق القطيعة مع ماضيه المباشر والبدء من الصفر في تمثّل مشكلات المنطقة والحلول، راضيا مرضيا بأملاءات صندوق النقد الدولة والبنك الدولي ووكالات التنمية الدولية ناهيك عن مصانع الافكار الاميركية.

ولعل ابرز مخزون لهذا الرضوخ يكمن في تقارير التنمية البشرية العربية التي بدأت في الصدور عام ٢٠٠٢. والمفترض ان الجديد فيها هو لم يعد يجوز الاكتفاء بتنمية الموارد المادية للمنطقة وسكانها بل بات الامر يقتضي الاهتمام بالانسان وبتنمية موارده. والتنمية البشرية تعيدنا الى الثقافة لأن جلّها ثقافة. فالعنوان الابرز والمشترك لتلك التقارير والمقترحات التي تحملها هو وجوب انتقال المجتمعات العربية الى «مجتمع المعرفة». وما ادراك ما مجتمع المعرفة. معلوم ان مجتمع المعرفة هو الطور التكنولوجي-الحضاري الارقى الذي بلغته البلدان الصناعية المتقدمة بعد الحقبة الصناعية.

طبعا ما من احد يسأل: ولكن ماذا عن رصيد وتقييم تجارب التنمية «المادية» الى الآن؟ هل استنفذنا التنمية المادية المواردية، حتى ننتقل الى الطور الارقى الذي هو التنمية البشرية/الانسانية؟ لنضرب الصفح عن هذا السؤال مؤقتا. لبلوغ مجتمع المعرفة يقترح علينا اهل تقارير التنمية البشرية اقنومان اساسيان: توسيع التعليم وزيادة كميات الكتب المترجمة.

كيف وصلنا الي هنا؟ تقوم التقارير على فرضية مشتركة هي فرضية استشراقية بامتياز تقول ان الدول العربية تعيش في حالة نقصان دائمة. ينقصها كل شيء: والمصطلحات الاثيرة هنا هي «نقصان»، «فجوة»، «عجز» «غياب» وسواها. والتوصيف الحالي لوضعنا يجعلنا «عاجزين» عن بلوغ «مجتمع المعرفة». مثال واحد على هذه الاشكالية المستنبطة حديثا هو طبعا «غياب» الديمقراطية. كم من مؤتمر عقد وندوة ورشة عمل ومشغل ومحاضرة تدور مدار هذا الغياب خلال السنوات العشر الاخيرة! ذلك هو فن البحث عما ليس لدينا حتى لا نبحث فيما لدينا: الاستبداد، آلياته، تناقضاته، كيفية تحاوزه، قوى التجاوز، مسارات التجاوز، طبيعة المراحل الانتقالية الى الديقمراطية، الخ. تعرفون مؤسسات عديدة مستعدة ان تموّل مثل هذه الدراسات؟ انا لا. هناك غياب ومطلوب تفسيره. واقتراح البديل الجاهز: الجواب على غياب الديمقراطية هو … الديمقراطية. اليس كذلك؟ كلها مجبوبة جبّا بواسطة التبشير وبالتمني.

لتدارك النقصان في كافة مجالات الحياة العربية، دعي نحو ٢٥٠ مثقفا عربيا للاجتماع في الاسكندرية في آذار/مارس ٢٠٠٤ صدرت عنهم وثيقة اصلاحية شاملة عرفت بوثيقة الاسكندرية. ومع ان الوثيقة لم تتمحور كليا حول «مجتمع المعرفة» الا انها قدمت وصفات كاملة للتكيّف عربيا مع النيوليبرالية الزاحفة.

في ميدان انتاج المعرفة عن المنطقة، بل المعارف، لن تلق ما يفيد، يجري التعامل مع ٢٢ دولة عربية ونحو من ٣٠٠ مليون عربي على انهم متساوون في «النقصان» و«الغيابات». فتتجمع بالتالي ضرورات «الحضور». وهذا ابرز الوصفات:

+ القطاع المالي هو القطاع المحرّك للاقتصاديات العربية، فيجب فتحه للاستثمارات الخارجية. لا يقال لنا اين هو المقفل هذا القطاع. والحديث يجري عنه كأنه قطاع مؤمم في دولة سوفياتية.

+ يصعب تبيّن اين هي التنمية الاقتصادية، فالوثيقة خلو من اي ذكر لقطاعين اقتصاديين: القطاع الزراعي وقطاع النفط. اي القطاع الذي يعيش عليه اكبر عدد من السكان العرب من جهة والقطاع الذي يشكل اكبر ثروة طبيعية واكبر مورد فرد للدخل للمنطقة برمتها وبالتالي اكبر طاقة ممكنة للتنمية.

+ يدعو النص الى الخصخصة طبعا، وخصخصة المصارف خصوصا. هل يعرف احدنا اين هي المصارف التي لا تزال مؤممة في الامة العربية؟ وما عددها؟ واي نسبة من الودائع تسيطر عليها وما حجم عملياتها؟

ـ الغاء احتكارات الدولة. ممتاز. ولكن ما من ذكر لمكافحة الاحتكارات في القطاعات الاقتصادية الخاصة ولو باعتماد قوانين مكافحةالاحتكار السارية المفعول في الولايات المتحدة مثلا!

+ تحت بند الديمقراطية يرد كل شيء اللهم عدا ثلاثة: المساواة المسياسية والقانونية بين المواطنين؛ فكرة المواطنة؛ والدعوة الى فصل الدين عن الدولة.

+ في بنود «الثقافة» يرد التشجيع على اعتماد الاسلام المعتدل، تلك الاكذوبة الثقافوية التي تريد اقناعنا ان البشر نتاج ثقافاتهم التي لا تحول ولا تزول وان هويتهم الاساسية – التي هي الهوية الدينية- تفسّر سلوكهم. فيكون ان سبب التطرّف هو تفسير متطرف للاسلام وان الجواب عليه يكون بتفسير للاسلام «معتدل».

+ تمكين المرأة. والدعوة هنا ليس الى تحررها ولا الى تمكّنها بل الى تمكينها بواسطة «تحرير ثقافة المرأة». ما يعيدنا الى الثقافة والى فكرة تقول ان المرأة هي المسؤولة عن حالتها الدونية المقيّدة بسبب «الثقافة» التي لها.

+ الترجمة. لتقارير التنمية البشرية هوس خاص بالترجمة. ينعي التقرير على المنطقة كلها انها لا تترجم اكثر من ٣٠٠ كتاب في السنة، دون ذكر لمرجع. وقد نقض باحث الماني هذا الرقم مبينا انه مأخوذ من تقرير لطالبة نيل الماجيستير مبني على خمس بلدان عربية وليس عليها كلها.

ومن اجل المزيد من الثقافوية يقارن تقرير العام ٢٠٠٢ الحال الحاضرة للترجمة بالترجمة زمن الخليفة المأمون في العصر العباسي حيث ترجم ١٠٠،٠٠٠ كتاب لا اقل ولا اكثر. واذا تقرير العام التالي ٢٠٠٣ يستدرك الشطحة فيبلغنا ان الرقم عشرة الاف بالتمام والكمال ولا من كتاب ناقص او زائد (ص ٦٧)

خلاصة الامر ان الوثيقة المذكورة التي صاغها موظفون في وكالة التنمية التابع للامم المتحدة وجرى التصويت عليها من دون تعديل، على طريقة المؤتمرات السوفياتية، حالة نموذجية من استهلاك الثقافة. ففي الوثيقة ٣٦ عبوة من المشتريات كل منها تحتوي على عدة سلع اصلاحية بالمعنى الحرفي الذي يعنيه صاموئيل هنتنغتن عندما يتحدث عن انه يمكن للغير غربيين، بمن فيهم اهل النفط العرب، تسوّق الحداثة، بما هي اشبه بسوبر ماركت كبير. ولكن لا يمكن للعالم العربي ان يبلغ «الغربنة» التي هي خصوصية غربية فقط.

اثارت وثيقة الاسكندرية انتباه محرر صفحة «القضايا والآراء» في جريدة النهار اللبنانية الذي كان حاضرا المؤتمر فلاحظ بأنها لا تختلف إطلاقا عن المبادرة الاصلاحية التي اقترحتها الادارة الاميركية في وقت سابق من ذلك العام. فخلص الى ان الاصلاح في العالم العربي لا يمكن ان يأتي الا من الخارج!(جهاد الزين، «الاصلاح لن يأتي الا من الخارج»، النهار، ٣١ مارس ٢٠٠٤)

طال انتظار الصحفي المذكور وزملاءه من موقّعي الوثيقة الاسكندرانية للاصلاح تهل طلائعه من الخارج. لم يلح في افق الغرب شيء بل لاحت في افق العرب اشياء. دعاهم الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رئيس وزراء دولة الامارات العربية وحاكم دبي، الى ظهرانيه. والمناسبة: اطلاق مؤسسة ثقافية على إسم الحاكم بوقفية من عشرة مليارات دولار، كما زعم (صدّق او لا تصدّق). لم تكن مبادرة الشيخ محمد بن راشد تستدعي النقاش النقدي لو انها اقتصرت على مشاريع ثقافية لدبي والامارات. الحال انها تطمح لأن تكون مبادرة عربية شاملة تهدف الى لا اقل من بلوغ «مجتمع المعرفة» اياه بواسطة «الثقافة والتعليم والإبداع والريادة في الاقتصاد»، وهي العناوين اياها المستمدة من مشاريع التنمية البشرية العربية آنفة الذكر وهذه بدورها من مقولات ومصطلحات وارشادات العولمة النيوليبرالية المتأمركة.

يعين تقرير الشيخ محمد ثلاث قضايا رئيسية يختزل بها قضايا المنطقة تدور كلها مدار النقصان والهوة والغياب والعجز. ١) في العالم العربي اعلى معدلات البطالة في العالم ٢) في العالم العربي ادنى مستويات البحث العلمي ٣) مشكلة الفقر. وتعيّن وثيقة اعلان مؤسسة الشيخ نحوا من ١٥ مهمة من اجل بناء «مجتمع المعرفة» العربي بالتعاون مع مشروع الامم المتحدة للتنمية اياه صاحب تقارير التنمية البشرية. اهم تلك المهمات هي: التعليم والمنح المدرسية وبرامج التعليم علي الانترنت للنساء (على اعتبار ان «واجباتهن الزوجية» يفرضن عليهن البقاء في المنازل، اليس كذلك؟) وتدريب رواد الاقتصاد على الريادة والقيادة ومساعدات للاجئين (دون تعيين من هم) وبرامج الإحسان (للمساهمة في مكافة الفقر) واخيرا ليس آخرا الترجمة ولا شيء الا الترجمة.

يستدعي المشروع عددا من الملاحظات، فيما يلي اهمها.

١. هنا مناسبة للتذكير بوجه بارز في اوجه دور الثقافة في العولمة. وهو الاهمية المتزايدة المعطاة ليس فقط للمعارف العلمية في االنتاج والاعلام والمعلوماتية والخدمات، وانما الميل المتزايد لاحتكار هذه المعارف في المركز الاميركي اولا والاوروبي ثانيا في الوقت الذي يجري فيه تفريع الانتاج الصناعي عبر العالم. بعبارة اخرى، ان عولمة المعرفة لم تؤد الى توزيع عادل، او اعدل، في الوصول الى الانجازات التكنولوجية والعلمية تخترق الفوارق الطبقية والجغرافية في العالم. بل العكس هو الصحيح، فقد ازداد التشبث بها واحتكارها بما هي ارقى اشكال رأس المال المدر لاعلى مستويات الربح في العصر الالكتروني. وليس صدفة ان اغنى رجل في العالم الآن هو صانع البرامج الالكترونية بل غيتس.

هذا يعني ان كسر هذا الاحتكار سلسلة من المعارك وليس مجرد استهلاك ما هو في متناول اليد.

٢. يصعب تصوّر كيف ان هذا البرنامج الطموح في التنمية الثقافية – وخصوصا في شقه التعليمي- يساعد علي زيادة فرص العمل وعلى ايجاد ٨٠ مليون فرصة عمل عربية جديدة خلال السنوات العشر الاخيرة، وهو الرقم الذي يستمده المشروع من تقارير التنمية العربية للتدليل على مدى النقصان المتوقع في فرص العمل اذا استمرت الحال عربيا على هذا المنوال. كل ما في امر التعليم انه قد يزيد عدد العاطلين عن العمل بين الخرّيجين، اي يرفع المستوى التعليمي للعاطلين عن العمل اذا لم يرتبط بتوسع الانتاج او زيادته القطاعات الانتاجية والخدمية في الاقتصاد.

٣. لم يكن محض صدفة ان تغفل مؤسسة راشد بن مكتوم اي ذكر للنفط مثلها مثل التقارير التنمية البشرية العربية. والحال ان العالم العربي يملك ثروات طبيعية تسمح له ببناء قاعدة انتاجية زراعية-صناعية لا غني عنها كقاعدة مادية لمجتمع المعرفة العتيد ولاستيعاب الايدي العاملة في آن معا. ليس يحتاج العالم العربي الى تراكم اولي مكلف من جيث الزمن ومن حيث الاستغلال المضاعف لليد العاملة، على الطريقة الهندية او الصينية، لبناء نظام متكامل اقتصاديا وتحقيق النمو الاقتصادي المطلوب لزيادة موارده المادية والبشرية والمعرفية. ان العالم العربي يملك انطلاقا ثروات طبيعية قابلة لأن توفر له مثل هذا الانتقال باكلاف بشرية زهيدة. واننا نتحدث عن عالم عربي متكامل اقتصاديا من حيث السوق وتوزيع العمل والعمالة بين اجزائه لأنه السبيل الوحيد لاحتلال مكانته في عالم ينحو بازدياد نحو التكتلات الاقتصادية الكبرى من مثل اوروبا او نحو دول ذوات طاقات اقتصادية كبرى مثل الهند والصين قادرة على منافسة المركز الامبراطوري الاميركي.

٤. كلمة في الترجمة. يجري تصوير الترجمة بما هي الواسطة الرئيسية لنقل المعارف من الغرب الى العالم العربي. تتكاثر مشاريع الترجمة واهدافها العددية. ثمة في ابوظبي مشروع لترجمة الف كتاب. الترجمة ضرورية ومهمة لنقل المعارف والتفاعل بين الثقافات والشعوب. ولكن يجري العمل كما العادة كمن يبدأ من الصفر. من بين عشرات الملايين المخصصة للترجمة لا يوجد مبلغ زهيد مخصص لدراسة رواج الكتب المترجمة – ما هي انواع الكتب المترجمة، وما هو مدى التوازن بين تلك الانواع، كم نسخة تطبع منها، اين توزع، من يقرأها- .ولا من مبلغ مخصص لتدريب المترجمين والتفاعل فيما بينهم وتوحيد مصطلحات الترجمة، وهو دور كانت تضطلع به المجامع العلمية العربية ولم يعد يتولاه احد.

+++++

حاولت في هذا الحديث تبيان البعض من استخدامات المعرفة في غير موضعها ونبهنت الى ان مقولة الغياب تضع البحث والجهد في اللازمان واللامكان وتحول دون جرد الحسابات او تعيين الاولويات او تقدير البات ومراحل الانتقال من طور الى طور في اي عملية تنمية. والاهم انها تثير ثنائيات الحسد والاستهلاك بديلا من جهود العمل والانتاج.

يكثر الحديث عن بلورة مشروع نهضوي عربي. ويعكف على اعداده عدد من الباحثين في كافة الاختصاصات منذ سنوات عدة. لا تتم نهضة بقرار ولا بتخطيط ولا بالارادة الحسنة. والاهم من ذلك ان المشاريع النهضورية الحالية تستلهم نهضة القرن التاسع عشر ورجالاتها وانتاجها الثقافي. حقية الامر ان نهضويي ذلك الزمن توزعوا بين اتجاهين. اتجاه ثقافوي رأى في التعليم الغربي والنقل العلمي عن الغرب سبيلا لخروج العرب والمسلمين من حالة التخلف واللحاف بالغرب واستعادة مجدهم الآفل منذ قرون..

هذا هو اتجاه الافغاني وعبده والبساتنة واليازجيين في لبنان. ولكن كان ثمة اتجاه آخر لم يلق بعد ما يستحقه من اهتمام رأى الى النهضة عملي يتم يموجبها تأسيس في المنظقة العربية للظروف والمؤسسات والنشاطات التي انتجت النهضة والتفوق الغربيين: اعني الصناعة ورواج قيمة العمل ومنظور آخر للوقت ودولة القانون والعدالة الاجتماعية. ذلك كان اتجاه الطهطاوي واحمد فارس الشدياق. استلهم هذا التيار تجربة محمد على باشا المصرية وانتج محاولات عبد الناصر والسنوات الاولى من حكم صدام حسين في العراق. ليس صدفة ان يكون هذا التيار هو الذي شنّت عليه الحروب الاستعمارية. وليس صدفة ان يكون هو الآن موضع الاهمال والتهميش، بل الهجوم والتهشيم. ذلك انه مسّ بالمحظور: الوحدة العربية، الاستقلال الاقتصادي، الوحدة العربية، واقلها السوق المشتركة، اطارا للتنمية العربية، الدولة واسطة الارشاد الاقتصادي واداة للتوزيع الاجتماعي العادل، الخ.

سوف يقال ان هذه كلها تعوزها الديمقراطية. صحيح. ولكن المطلوب ربطها بالديمقراطية لا الاطاحة بها باسم الديمقراطية.

فلتستعد الثقافة دورها الفضائحي بما هي ادب وفن بلا اغراض، وتلذذٌ بالحياة واثراء لها بالجمال والمعنى، وبما تنطوي عليه من نقد صامت او فاضح للقيم التجارية وللعقلانية الوظائفية. ذلك هو الرهان الثقافي الذي نحتاج اليه.

(توسيع لمحاضرة القيت في مركز الشيخ ابراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والادب،

المنامة البحرين، ٢ ت٢، ٢٠٠٨)

المواضيع
أدب وفن
البلدان
العالم العربي
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
التاريخ الثقافي التاريخ الفكري العالم العربي الماركسية النقد الثقافي غرامشي

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.