العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

لا «تغيير»! - فمن اين يأتي «الامل»؟

أوباما غيّر اللغة لا الجوهر — وميتشل نجح في إيرلندا لأنه ربط العنف بالاحتلال. هل يجرؤ على فلسطين؟ إذا فُقد التغيير، من أين يأتي الأمل؟

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

لا «تغيير»!

فمن اين يأتي «الامل»؟

فواّز طرابلسي

لا تغيير.

ذلك هو الانطباع الذي تركه خطاب الرئيس اوباما في السياسة الخارجية وأكده حديثه الاخير على قناة «العربية». ففي الحالين، لم يحد الرئيس الاميركي الجديد قيد شعرة او بالكاد عن ثوابت السياسة الاميركية تجاه النزاع العربي-الاسرائيلي، بما في ذلك ثوابت عهد بوش.

بلى حصل تغيير. ولكن في اللغة والنبرة وطرائق التوصيل. اي في فن العلاقات العامة حيث تحلّ البلاغة محل المعنى والرمز محلّ الفعل.

ثمة من قال لباراك حسين اوباما ان العرب والمسلمين قوم يؤخذون بحلو الكلام وتعزّ عليهم الكرامة. فإستدرك:«ان نوع اللغة التي نستخدم مهم»، داعيا الى استخدام «لغة الاحترام». وما من شك ان المقارنة هنا هي مع فظاظة التعابير البوشية. طمأن الرئيس الاميركي المسلمين الى ان الاميركيين لا يكرهونهم. قَلَب بذلك المعادلة التي طرحها برنارد لويس بعيد ١١ ايلول:«لماذا يكرهنا العرب والمسلمونَ؟». واعلن اوباما أن «اميركا لم تولد كدولة إستعمارية»(فهل يعني ذلك انها سوف تكفّ عن ان تكون دولة استعمارية؟). وذكّر ان العرب والمسلمين كانوا يحظون بالاحترام في اميركا لثلاثين او اربعين سنة خلت. ثم كرر الوعد بتوجيه رسالة الى العالم الاسلامي من على منبر احدى الدول الاسلامية خلال المئة يوم الاولى من ولايته. امام هذا الفيض من الكياسة، كانت الفرصة سانحة لتوجيه كلمة مؤاساة على ما حلّ بمليون ونصف من المسلمين (والمسيحيين) العرب إبان المسلخ الاسرائيلي بغزة. أحجم اوباما عن ذلك. اكتفى بالحديث عن اهتمامه بالـ «الوضع الانساني».

من البلاغة الى المعنى.

تواضعا، قال الرئيس الجديد انه يرغب في «الاستماع» وفي الإنعتاق من «الافكار المسبقة». ومع ذلك، تلقاه له رأي في الجوهري من كل قضايا المنطقة الرئيسية:

– مبادرة السلام العربية. في خطابه، اخذ رئيس الادارة الاميركية منها شطرها الثاني- التطبيع الكامل- وطالب الفريق العربي بتطبيقه. وتجاهل «بيت القصيد»، اي الانسحاب الكامل من الاراضي العربية المحتلة عام ١٩٦٧، والدولة الفلسطينية وحق العودة. ولم يأت جديدا، في الحديث المتلفز، غير ابداء الاعجاب بشجاعة الملك عبد الله السعودية على مبادرته (التي اطلقها بوحي من صحفي اميركي ينتمي الى فريق الرجعيين الجدد). ولا يبدو ان احدا نبّه الرئيس الى ان المبادرة التي يكال اليها كل هذه المدائح «موضوعة على الرف» الاسرائيلي والاميركي منذ ما يقارب السنوات السبع (وهي ليست «موضوعة على الطاولة» كما يحب ان يعتقد صاحب المبادرة).

– الدولة الفلسطينية. كرر الرئيس الجديد تبني ادارته فكرة «الدولتين المتجاورتين». ووعد بوضع «اطار زمني» لقيام الدولة الفلسطينية، وهو ما فعله غير رئيس اميركي منذ اوسلو وآخرهم جورج دبليو بوش.

في المقابلة التلفزيونية، لم يكتفِِ اوباما بالتأكيد على ان امن اسرائيل «في ذورة الاهمية» بالنسبة لاميركا، مثله مثل حقها في الدفاع عن نفسها. رهن قيام الدولة الفلسطينية بمدى استعداد الاسرائيليين لـ«بذل التضحيات عندما يحين الوقت المناسب واذا ما وجد شريك جدّي لدى الطرف الآخر».

هنا ايضا لا جديد ولا تغيير. فتبني الذريعة الاسرائيلية عن غياب الشريك الفلسطيني، نهج لدى الادارة الاميركية بدأ عندما نزعت عن ياسر عرفات صفة الشريك وبدأت المطالبة بزيادة صلاحيات محمود عباس رئيسا للوزراء. وإذ اغتيل باسر عرفات وجيء بمحمود عباس رئيساً للسلطة، فتبيّن انه هو ايضا لا يصلح شريكا في عملية السلام، والانظار متوجهة الآن الى رئيس الوزراء سلام فياض. والحبل على الجرار.

ومع ذلك، فإن الرئيس اوباما يدعو الطرفين للعودة الى طاولة المفاوضات. من اجل ماذا، طالما لم يحن الوقت الاسرائيلي بعد ولم يعثر على شريك فلسطيني؟

– هذا في السياسة. ماذا في الاقتصاد؟ الاغرب من كل ما ورد في حديث الرئيس الاميركي المتلفز انه في توصيفه الشروط الاخرى للدولة الفلسطينية يكاد يتطابق مع نظرة بنيامين نتانياهو الذي يؤجل اي حل النزاع الاسرائيلي-الفلسطيني الى حين تحسن الاوضاع المعيشية والاقتصادية لاهالي الضفة والقطاع. ولذا فالسياسي الاسرائيلي الاوفر حظا في تشكيل الوزارة الاسرائيلية القادمة، يعلن عن استعداده التفاوض على الاقتصاد مع السلطة الفلسطينية لا التفاوض في السياسة. يأخذ الرئيس الاميركي الفكرة على علاتها ويتصوّر ان الفلسطينيين هم الذي يعرقلون الحل على الصعيد الاقتصادي ايضا. فيشترط على الدولة الفلسطينية العتيدة ان تكون «دولة تسمح بالتبادل التجاري مع الدول الاخرى، وتسمح بإنشاء المؤسسات الاقتصادية والتجارية بحيث يكون للشعب حياة افضل».

يظن من يسمع هذه العبارة ان السلطة الفلسطينية قد أممت كل مرافق الانتاج والخدمات في الضفة الغربية بما فيها التجارة الخارجية وكذا فعلت حركة «حماس» في القطاع. فقد خفي على الامبراطور الاميركي ان القسم الاكبر من اقتصاد الضفة والقطاع في قبضة اسرائيل، موارد وعمالة وتصنيعا وتصريفا للمنتجات الزراعية والصناعية وتجارة خارجية. وخفي عليه ان «الشيكل» هو العملة الرسمية في اراضي السلطة الوطنية. الى هذا كله، فالعقبة الرئيسية امام ان يكون للشعب في غزة «حياة افضل» هو الحصار الذي تفرضه اسرائيل عليه – بمباركة الديمقراطيات الغربية- عقابا لانتخابه حركة «حماس» في «انتخابات حرّة ومتنافس عليها وفي ظل رقابة دولية»! وعكسا، فالانفاق التي حفرها اهل غزة بالمئات لكسر الحصار الاجرامي والتزوّد بالحد الادنى من المواد الغذائية والطبّية إتقاء لغائلة الجوع وتفشي الاوبئة، انما هي وسيلتهم الوحيدة لـ«التبادل التجاري مع الخارج»!

– مهمة جورج ميتشل. قد يقال ان «الرسالة» المباشرة التي بعث بها الرئيس الاميركي الجديد هي تعيينه جورج ميتشل مبعوثا رئاسيا الى المنطقة. والسناتور السابق، ذو الام اللبنانية الاصل، معروف بنجاحه في حلّ الازمة الارلندية. اما المنطقة فتعرف جورج ميتشل بصفته الرئيس السابق للجنة تقصي الحقائق في فلسطين المنبثقة عن قمة شرم الشيخ عام ٢٠٠١. حينها، طرح ميتشل معادلة «وقف «الارهاب»/وقف التوسع الاستيطاني». لم تلقَ توصياته كبير اهتمام من الطرف الاسرائيلي. بل نسفها من اساسها. ومع ان العمليات العسكرية توقفت في الضفة الغربية بعد ذلك بسنوات، ورفدتها «التهدئة» في قطاع غزة، لم يتوقف «التوسع الاستيطاني» الاسرائيلي ناهيك عن الاستيطان ذاته. وصل عدد المستوطنات الى٢٣٠ مستوطنة وقارب عدد المستوطنين في الاراضي المحتلة عام ١٩٦٧ نصف المليون، بمن فيهم السكان اليهود في ضواحي القدس الشرقية.

ارجح الظن ان ميتشل الذي يزور المنطقة الآن سوف ينشغل بما فيه الكفاية بمتابعة موضوع تثبيت وقف النار في غزة الى ان تنجلي الانتخابات الاسرائيلية عن الحكومة الجديدة.

على انه يجدر التساؤل ما اذا كان المبعوث الاميركي سوف يفيد من تجربته الإرلندية في مهمته الجديدة في المشرق العربي. وهو التساؤل الذي اثاره نوام تشومسكي في حديث اذاعي اخير.

في إرلنده، عمل ميتشل على قاعدة ان تخلّي «الجيش الجمهوري الارلندي» عن العنف في إرلنده الشمالية يجب ان يتزامن مع تحقيق المطالب السياسية والامنية والاقتصادية والاجتماعية للجماعة الكاثوليكية. عليه، لا يعود نجاح حل الازمة الارلندية الى مجرد شخصية دبلوماسي كفء في ميدان «حلّ النزاعات» بقدر ما يعود الى التوفّق في وضع اليد على الصلة بين العنف الكاثوليكي الارلندي من جهة وبين المشكلات التي يثيرها الاحتلال البريطاني والامتيازات البروتستانتية من جهة اخرى. فهل يجرؤ ميتشل، ومن اوفد ميتشل، على تطبيق هذه القاعدة على فلسطين فيجري التخلي التدريجي عن العنف بالتزامن – لا مع وقف التوسع الاستيطاني- وانما مع تحقيق الحد الادنى من الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني في الارض والدولة المستقلة والعودة؟

وضع المرشح اوباما حملته الانتخابية تحت شعار «التغيير والامل». حتى الآن، لم يأتِ الرئيس اوباما باي تغيير يذكر قياسا للمعهود من سياسة الادارة الاميركية فيما يخص باساسيات النزاع العربي الاسرائيلي.

واذا كان «التغيير» مفقودا الى هذا الحد، فمن اين يأتينا «الامل»؟

المواضيع
سياسة علاقات دولية
البلدان
العالم العربي فلسطين
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
السياسة الخارجية الأميركية الصراع العربي الإسرائيلي النظرية السياسية فلسطين

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.