العودة إلى المنشورات
منشورات مذكرات

قصة دراسة عن فلسطين

نُشرت الدراسة أولاً، ثم عادت أطروحتها بعد عقود بلا اعتراف: هكذا تظهر عقدة اليسار الأوروبي حين تصل المسألة إلى فلسطين.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

قصة دراسة عن فلسطين

عمرها خمسون سنة

لو لم انجز غير تلك الدراسة في ذلك العام، لاعتبرت ان عاميّ كان مثمراً.

اتحدث عن دراسة مستفيضة أعددتها عن القضية الفلسطينية لمجلة «نيو لِفت ريڤيو» خلال دراستي اللندنية العام ١٩٦٩. مضى نصف قرن على كتابتها. وتستحق ان تروى قصتها.

كنا لا نزال نعيش ارتدادات ربيع ١٩٦٨وكانت فرصة ثمينة لعربيّ ان ينشر في احدى أبرز مجلات اليسار الاوروبي والعالمي الجديد. كنت ولا أزال من قراء المجلة المُدمنين. اما في السبعينات فكانت نكهتها وشهرتها غير ما هي عليه الآن. انها المجلة التي عرّفت بريطانيا على التيارات الفكرية والثقافية السائدة آنذاك في أوروبا من مدرسة فرانكفورت الى البنيوية والالتوسيرية، مرورا بلوكاش وغرامشي، إضافة الى كونها المجلة النظرية لـ«اليسار الجديد» بلا منازع.

كنت على صلة بعدد من أعضاء اسرة التحرير، وأقربهم اليّ فْرِدّ هاليداي، زميل الدراسة في «كلية الدراسات الشرقية والأفريقية» (سواسSOAS ) بجامعة لندن. ربطتني بفْرِدّ صداقة وزمالة وثيقتان، وقد شكلت معه ومع زميلين آخرين من الكلية، هما هيلين لاكنر وكِن ويتِنْغهام، «لجنة الخليج»The Gulf Committee و«الجمعية الاشتراكية» Socialist Society . وتعاونت مع فْرِدّ أيضا في تأسيس «لجنة التضامن مع فلسطين» Palestine Solidarity Campaign التي لا تزال قائمة الى الآن. سافرت وفْرِدّ في زيارة لليمن الديمقراطي وظفار تنفيذا لمشروع اعداد كتاب عن الثورة في اليمن والجزيرة والخليج صدر لاحقا عن دار پِنغوين بعنوان «الجزيرة العربية بلا سلاطين» (١٩٧٥).

بناء على اقتراح من فْرِدّ عَرَضتْ عليّ اسرة تحرير «نيو لِفت ريڤيو» كتابة دراسة عن القضية الفلسطينية. اجتمعتُ بالأسرة وقدمت عرضا شفويا لما انوي تضمينه في الدراسة تحت عنوان «المسألة الفلسطينية: الامبريالية والصهيونية في الشرق الاوسط». استغرق العمل على الدراسة نحو ستة أشهر وبعد تسليمها الى اسرة تحرير المجلة، جاءني فْرِدّ مقترحاً أن اكتب ملحقا عن التركيب الطبقي للمجتمع الفلسطيني. فعلت. ثم عاد ليبلغني ان أسرة التحرير ارتأت نشر تعليق نقدي عن المقال مع منحي حق الردّ عليه في العدد ذاته او العدد الذي يليه. كان المقال بتوقيع م. أ. مالك. وهو كما علمت اسمٌ مستعار للشخص الثاني في المجلة ويدعى روبِن بلاكبُرن. يتهم بلاكبُرن النص بأنه «قومي» يفتقر الى التحليل الطبقي، وقد قررّ الرجل ان المقال يعيد وصف واقع معيّن باستخدام مصطلحات ماركسية في غياب اي تحليل ماركسي-لينيني للمسألة المعينة على اعتبار ان التحليل المذكور يتطلب تحليلا طبقيا. وهذا مفقود، بسبب وقوع الكاتب – يعني انا – ضحية الاوهام القومية وهي أوهام تتشارك فيها الصهيونية والقومية العربية على حدّ سواء. اعترضت على تعليق م. أ. مالك لأنه موقّع بإسم مستعار، ولم اتلقّ مبرراً مقنعاً عن سبب عدم ردّ الكاتب باسمه الصريح، والاسوأ أن الاسم المستعار يوحي بأن الناقد كاتب عربي يردّ على كاتب عربي آخر. ولما رفض بلاكبُرن نشر التعليق باسمه الحقيقي، تنازلت عن حقي في الردّ على مجهول.

صدرت الدراسة في العدد ٥٧ من «نيو لِفت ريڤيو» في أيلول-تشرين الاول ١٩٦٩، مع تقديم لها يقول:

«مع ان «نيو لِفت ريڤيو» لا تدعم كل الاطروحات الواردة في هذا النص، الا اننا نعتقد انه يقدّم مساهمة هامة نحو بلورة تحليل ماركسي لتلك المسألة ووضع استراتيجية ثورية للثوريين الإسرائيليين والعرب. يعقب النص نقاشٌ نقدي لـ م. ا. مالك وسوف يردّ فواز طرابلسي في العدد القادم.»

لاقت الدراسة بعض الرواج لاعتبارها من أوائل الدراسات عن قضية فلسطين. ترجمت الى الفرنسية والهولندية والسويدية والنروجية والاسبانية. وبسببها تعرّفت الى الصديق العزيز عساف كفوري، وزوجته آيرين غندزير. فقد نشرت الدراسة في العدد ذاته الذي نشرت فيه مقابلة مع نوام تشومسكي عن الالسنية. وتشومسكي في تلك الفترة ينشط ضد الحرب في فيتنام وقد انعقدت صداقة بينه وبين عساف وأيرين. قرأ نوام الدراسة وسأل عساف عن كاتبها. ولما كان عساف في زيارة للبنان سأل عني وتعرّف الى رفاق لي في مجموعة «لبنان الاشتراكي» اعطوه عنواني في لندن فاتصل بي في طريق عودته الى بوسطن. هكذا كسبت صداقة هذين الصديقين الغاليين. وسوف أتعرّف من خلالهما الى نوام تشومسكي خلال احدى زياراتي لبوسطن، تلتها لقاءات خلال زياراتي للولايات المتحدة او زيارات تشومسكي الى لبنان.

لست اريد أن أثقل على القاريء بقصة نشر هذه الدراسة لولا دلالتها عن اليسار الاوروبي وعُقَده تجاه الصهيونية ومصاعب خرقها. ابرز ما ورد فيها ١) الصراع على فلسطين صراع قومي ولم يكن له ان يكون غير ذلك عندما واجه شعب فلسطين مجتمع مقيم مستوطنين متكتلين بما هم جماعة موحدة تحدوهم عقيدة تقول ليس فقط بأحقيتهم في فلسطين وانما باستحالة تعايش الأقلية مع الأكثرية،؛ ٢) الطابع الاستيطاني الاجلائي للمشروع الصهيوني جعل من المستحيل عقد تحالفات طبقية بين عمال وفقراء الجماعيتن اليهودية والعربية؛ ٣) شددتْ الدراسة على ان المسار الثوري العربي واحد، وإن يكن متعدد التعبيرات، ودعت الى عقد تحالف تاريخي بين حركة التحرر الوطني الفلسطينية والفصائل اليسارية والثورية في النضال ضد الصهيونية وضد الامبريالية وركائزهما المحلية؛ ٤) ختمت المقالة بالقول إن حل للنزاع العربي الإسرائيلي لا يمكن ان يقتصر على المطالبة بجلاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة. وانما يقتضي الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره على ارضه وبحق العودة وقيام فلسطين ديمقراطية لكل ابنائها بنزع الطابع الصهيوني المؤسسي عنها بما هي دولة اليهود في كل العالم، ووقف مصادرة الأراضي، الخ.

سوف تمضي ثلاثة عقود من الزمن قبل ان اكتشف بالصدفة حقيقة ما جرى في اسرة تحرير «نيو لِفت ريڤيو» بصدد تلك الدراسة. كان ذلك في العام ١٩٩٨ خلال سهرة في منزل الصديق ادوارد سعيد في نيويورك دعا اليها صديقه الكاتب والصحافي كريستوفر هيتشنز. والاصح القول: صديقه آنذاك، لأن الصديقين سوف يختلفان وتقع القطيعة بينهما، بعد ان اّيد هيتشنز غزو العراق وأصيب بحالة حادة من العداء للاسلام والمسلمين. كان هيتشينز أحد أعضاء الجيل الجديد في اسرة تحرير «نيو لِفت ريڤيو» مع أني لست اذكر اننا قد تعارفنا زمن دراستي في لندن. أخذ هيتشنز يحدثني في السهرة عن خلاف حول دراستي عن فلسطين نشب في اسرة تحرير المجلة، وكأني مطلع عليه. وكيف ان السجال المحتدِم بين پيري أندرسن وسائر أعضاء أسرة التحرير دفع الاول الى تقديم استقالته من رئاسة تحرير المجلة احتجاجا على عدم الاخذ برأيه الرافض لنشر الدراسة. ولما استغربتُ مضاعفات القصة ونفيت علمي بالاستقالة، ذكّرني كريستوفر بأنها معلنة في العدد ذاته. عدت من قبيل الفضول للعدد الذي نشرتْ فيه الدراسة وبالفعل ورد في أسفل صفحة تقديم العدد ملاحظة تقول إن پيري أندرسن منشغل مؤقتا في عمل آخر وهو لن يرأس تحرير «نيو لِفت ريٍڤيو» للاشهر القليلة القادمة (المجلة تصدر مرة كل شهرين). لم اذكر أني قرأت تلك الملاحظة في حينها، والمؤكد إني، لو فعلت، فلم أقم صلة بين تنحّي اندرسن المؤقت عن رئاسة تحرير المجلة، وهو أحد أبرز مؤسسيها و«شيخها»، إذا جاز التعبير، وبين احتجاجه على نشر دراستي عن المسألة الفلسطينية.

لن تنتهي القصة هنا. عاد پيري أندرسون الى رئاسة تحرير المجلة، بعد فترة الاستنكاف، ثم حلّ محلّه آخرون لفترة قبل ان يعود رئيساً للتحرير مجددا وقد اكتسبت «نيو ليفت ريڤيو» حلة جديدة. في افتتاحية الإصدار الجديد، اختار اندرسن الكتابة عن قضية فلسطين تحت عنوان « الهرولة الى بيت لحم». وقد افتتح مقالته، النقدية ضد الصهيونية وضد الاحتلال الاسرائيلي الضفة الغربية وغزة، والمؤيدة للحقوق الفلسطينية، بعبارة «الصراع على فلسطين هو صراع …قومي!». لم يعثر أندرسن على أي أثر للطبقات ولا للصراعات الطبقية في النزاع العربي-الإسرائيلي في مقدمته تلك. ولم تُشِر المجلة للدراسة «القومية» التي نشرت على صفحاتها العام ١٩٦٩ مع انها تتعمد، في تقديمها كل مادة جديدة الإشارة الى نصوص ذات صلة صدرت في أعداد سابقة.

ليست كل النصوص «القومية» في تفسير قضية فلسطين سواسية!

المواضيع
تاريخ
البلدان
فلسطين
نُشر في
نيو لفت ريفيو
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
التاريخ الفكري السيرة الذاتية والمذكرات القومية العربية اليسار العربي اليسار اللبناني فلسطين

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.