العودة إلى المنشورات
منشورات مقدمات

في أدب الصداقة: المهم هو النور

الكتاب الجديد رغيف خبز والمخطوطة خمرة معتّقة — ومروان ينتظر النور ببرلين. ربيع ٢٠١١: نفّذ بوعزيزي وصية حكمت: «إن لم نحترق كيف تصير الظلمات ضياء؟»

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

في أدب الصداقة: «المهم هو النور»

فواز طرابلسي

الى سعاد قوادري

الرسائل التي بين ايديكم مساهمة في ادب الرسائل.

بها يسهم عبدالرحمن منيف ومروان قصاب باشي في هذا النوع الادبي النهضوي بامتياز. نهضوي لأنه درج إبان النهضة العربية في مرحلتيها المتأخرة والمتقدمة. ونهضوي ايضا بمعنى النبرة الفردية والثقة بمفعول الكلمة وباهمية التبادل والحوار. ونهضوي ايضا وايضا لتطلّبه النور الذي يملأ هذه الصفحات.

لم تكتب هذا الرسائل بقصد النشر اصلا. كما هو حال بعض المراسلات الادبية الشهيرة عندنا. تقرر نشرها بعد وفاة عبد الرحمن بمبادرة مشكورة من سعاد قوادري منيف ومروان. ولا شك عندي بأن عبد الرحمن كان سيوافق لو سئل.

لسائل ان يسأل: هل بقي موقع او دور او حتى ضرورة لهذا النوع الادبي في عصر وسائل الاتصال الاجتماعية: الايميل والفايسبوك والتشاتينغ وتويتر وغيرها؟ الجواب البسيط هو بالايجاب طالما ان متبادلي الرسائل عبر وسائل الاتصال الجديدة قد بادروا اصلا في نشر رسائلهم ورقياً بلغات عديدة. لعل هذا «الارتداد» يفسّر سبب استمرار الحاجة الى الوسائط الورقية، في زمن يكثر الحديث فيه عن «زوال الكتاب الورقي». أحسب ان من ينشر مراسلاته الالكترونية ورقيا لا يزال يساوره الاعتقاد بأن الوسيلة الورقية ابقى واكثر حسيّة من الوسيلة الالكترونية، تُشرِك مزيدا من الحواس في متعة الكتابة والقراءة. قارن حسيّة حفيف الورق وصرير القلم الخافت عليه بالتكتكة الرتيبة للترقين الآلي. وتحسّسْ مَلمَس الورق وانت تقلّب الصفحات. وشُمَّ رائحة ورق المجلات والكتب، حديثها والقديم. ولا تستخفّ بالنشوة العابرة المتولدة من رائحة كتاب خارج للتو من المطبعة تتضوّع منه روائح حبر وصمغ وخشب. او حاول التكهن عن عصر تدوين مخطوطة او قيمتها من مجرد شميم ما بقي فيها من تلك الروائح ومعها بصمات خطاطين وقراء. الكتاب الجديد رغيف خبز. والمخطوطة خمرة معتقة.

يقول ويواصل الترقين على الكمبيوتر!

وربما كان السؤال الاصعب والاهم هو: ماذا الذي تغيّر ويتغيّر عند الانتقال من التراسل الورقي الى التراسل الالكتروني؟ ولست اقول التراسل «الافتراضي»، لأن التراسل غالبا ما يكون بين اشخاص حقيقيين ليسوا يخفون هويتهم كما قد يحصل في حالات معينة من التراسل الافتراضي. تكثر الاجوبة المحتملة. منها وتيرة الاتصال الآنية التي تتم عفو الخاطر في اللحظة اياها (ما سمح بأن يطلق على البريد العادي في الانكليزية لقب «بريد الحلزونة» للمقارنة). وربما امكن القول ان التراسل الالكتروني يتيح المزيد من العفوية ومقدارا ارحب من الحرية مع انه لا يسمح مع ذلك بالتفلّت الكامل من الرقابة والمنع والقطع. ليس يزعم هذا الاستدراك التوسع في المقارنة بين وسيلتي التراسل، بل مجرد التقديم لمراسلة تنشر على الورق. لذا يمكن وقف المرافعة عند هذا الحد.

هذه المراسلات قصة صداقة. صداقة سابقة على بدء التراسل. وصداقة تجلّت وتطورت اثناءها ومن خلالها. في تعليق على كتاب عبد الرحمن منيف «عروة الزمان الباهي »، عن صديقه المناضل والصحفي المغربي الباهي محمد، كتبتُ ان عبد الرحمن يؤسس في كتابه لادب جديد هو ادب الصداقة. في هذه المراسلات، يكتب الصديقان عبد الرحمن منيف ومروان قصاب باشي سفرا جديدا في هذا النوع الادبي.

واشدد على «ادب» بمعناه الارحب والاغنى. هذه صفحات لصديقين تخلو رسائلهما من كلمة نابية في حق احد ومن اي تعريض بأحد. ولا حذف هنا ولا رقابة. يدخل اصدقاؤهما المشتركون الرسائل كما يزور الصديق صديقه. وما عدا ذلك، ما يجعل الصداقة ادبا: النخوة والدماثة والوفاء والاهتمام الحقيقي بالآخر والتواطؤ العميق معه. والادب هنا كنية عن رقي في المشاعر والسلوك هذّبها سعي مشترك نحو الحقيقة والجمال.

تبدأ القصة بروائي يفقد ثقته بالكلمة، الى حد اعتبارها قد تعهرت. فيتمنى لو انه يرسم. بل هو يحاول في الرسم. من جهته، فنان مغترب، لم يعد يكتفي بلغة الخط واللون والكتلة، يريد «البوح»، حسب تعبيره المفضل، البوح بالكلمات. يتقاطع الصديقان عند هم كبير: فنان يبحث عن طرق تعبير بالكلمات، وروائي، مهووس بالفن يجرّب في طاقة الكلمات على تعبير عن الخط واللون والكتلة. مروان لا يستطيع ان يكتب عندما يرسم. وعبد الرحمن لن يستطعي الجمع بين الرواية والرسم. ولسان حاله، «لو لم اكتب لرسمت ». والسؤال المشترك: كيف للكلمة ان تقول الشكل واللون. بل كيف التعبير عن الفن من غير استخدام لغة الكلمات: قول، قراءة، الخ.؟ يصل الصديقان الى حد تبادل الادوار: اكتب انت رواية وانا ارسم. وكل هذه تقاسيم على مهمة مستحيلة طبعا. ولكن كل القصة وكل الفن والادب والمتعة كامنة في التقاسيم ذاتها.

يتولد عن الاستحالتين ايجاب. الروائي، الذي ينعي «الامية البصرية» عند العرب، يقرر تأليف كتاب عن صديقه الفنان. يوافق الفنان على ان «يبوح» بما لديه عن حياته وفنه. هكذا يدور القسم الاول من المراسلات مدار مشروع الكتاب الذي سوف يصدر بعنوان «مروان قصاب باشي: رحلة الفن والحياة » (١٩٩٦). يبنى الروائي كتابه مثلما يبني رواياته محاولا تلبّس الشخصية التي يروي عنها. يضع عشرات الاسئلة لصديقه الفنان. والفنان، الساكن برلين منذ عقود، يجيب في رجع ذاتي الى طفولة في جنة مفقودة إسمها دمشق وفي بستان الاب في غوطة دمشق. فيذكّره الروائي بأن «الطفل ابو الرجل ».

لا تطابق بين الصديقين من حيث العلاقة بالمكان. مروان، الاوروبيّ المدينيّ السكنى والغربة، مرجعه ريفي. او فلنقلْ مرجعه الطبيعة المدجّنة التي سيطر عليها الانسان – البستان. فلا تصوير دون الطبيعة: خطوطها، الالوان، العناصر من البرعم الى الشجرة فالغابة. لا بد من الطبيعة هما بلغت درجة التجريد في الفن. ليس يستطيع مروان الرسم إن لم يستعد نور دمشق. تيمناً، يعمّد مرسمه البرليني «البستان».

لا يكتم عبد الرحمن شغفه بالطبيعة «انا والبنفسج توأمان»، يقول. لكن يبقى مرجعه مدينيا، على غرار اسلافه الذين خرجوا من الصحراء لبناء اعظم المدائن في عصرهم وحلمهم الدائم إرم ذات العماد، الجنة-المدينة على الارض. ترحّل هذا البدوي كثيرا بين المدن، دراسة وإقامة ومنفى، وروى عن مدن وحلم بمدن. لكنه عاد ليستقر ويموت في دمشق. ودمشق هي آخر المدن التي اراد عبد الرحمن ان يكتب عنها.

الى الصداقة، تشكل هذه الرسائل شهادات نادرة عن عملية الانتاج الادبي والفني والعلاقة بينهما. أترك للقاريء خوض هذه الغمار، من رهبة الصفحة البيضاء، ورقة او قماشة، الى كيفية اتخاذ القرار النهائي بأن الرواية انتهت واللوحة اكتملت. وما بينهما من سوانح وافكار واحاسيس ومصاعب وطموحات ومشاريع.

حسبي الشكل. والمدهش فيه مدى التواطوء بين الروائي والفنان على تطلّب العودة الى «الاول» فيما يشبه قدسية وثنية. اقول الاول ولست اقول الاصل. يريد عبد الرحمن «غسل» الكلمات. مروان من جهته، يبحث عن براءة اللون الاول، «المادة الاولى للحياة ». من تقنيات الغسل عند عبد الرحمن استعادة دور العامية والامثال الشعبية في الرواية الذي ابدع فيه في «مدن الملح» و«ارض السواد». ومن تقنيات الغسل عند مروان استلهامه فن التصوير الشعبي من الواسطي البغدادي العباسي الى ابو صبحي التيناوي الدمشقي المعاصر.

لكن عبد الرحمن يريد اكثر. الغسل عنده يعني شحن الكلمات بطاقتها القصوى. فإذا هو، صاحب النظام الصارم في البناء الروائي، يتمنى الكتابة الاوتوماتيكية على طريقة السورياليين. يسمّيها «حديث الحشاشين ». ولا يجد اي تعارض بين الاعجاب بالتيار الادبي الفني الذي طبع القرن العشرين كله، وبين دعوته مروان الى كتابة نص سومري او بابلي مشترك ولكن بشكل معاصر. الهم واحد: حرية التعبير القصوى تقلب العالم رأسا على عقب. المهمّ «ان نحاول اعادة ترتيب الكون »!

مروان ينظف اللوحة عل طريقته. هذا فنٌ متعبّد لوجه. يروي مروان لصديقه عبد الرحمن انه فرح لأن ناقدا فنيا المانياً قال عنه انه «بدوي متحضّر». حري به ان يفرح اكثر لو قيل عنه انه صوفي. لأنه صوفي إنساني قضى العمر بحاله في إستنطاق وجه، بل قل «الوجه». يسائله عن هوية وصفات ومعاني ومشاعر ورؤى واحساسيس لامتناهية. والنتيجة هي «البوح»، الكلمة الاثيرة عند الفنان. فبينه وبين «الوجه» علاقة عاشق بمعشوق. هكذا افهم لماذا اراد مروان ان يوضع في مقدمة كتاب عبد الرحمن عنه هذا الاستشهاد من الحلاج: «رأيت ربّي بعين قلبي فقلتُ من انت؟ قال: انت ». هو بحثٌ عن هوية الانا من خلال استنطاق هوية الآخر.

تكمن كل عبقرية التصوير عند مروان في تمييزه بين سطح اللوحة واللوحة. السطح هو «القشرة»، سطح ارض منقوبة، كما يصفها، بقيت عليها آثار الكدح من تراب ورمل وجذور. والتشبيه قاصر دوما، كما لا يُخفى. وعملية النقب والحفر تتكرر الاف المرات وتنتج الاف السطوح. بعبارة اخرى، ليست القشرة هي اللوحة. المخفي اعظم. المخفي هو اللوحة. في احدى رسائله، يكتب مروان بعض السطور لصديقه بمداد «الصماق»، حبر الاسرار الذي كان يستخدم في المخطوطات القديمة. اللوحة مكتوبة بما نسميه الحبر السرّى. المطلوب الخيمياء التي تستظهره.

«الجسد قميص الروح » يقول الصوفي. والقشرة عند مروان هي قميص اللوحة تتمظهر به على الناس.

يصمت الصديقان وتنقطع المراسلة بينهما لاشهر ابان غزو الاميركي للعراق. يكسر عبد الرحمن الصمت شارحا السبب: الحزن والاحباط. يبلغ صديقه انه توقف عن الكتابة الادبية واقتصر على كتابة المقالات السياسية وعزف عن القراءة. اعادت له دراما العام ٢٠٠٣ مناخات نكسة حزيران ١٩٦٧. رأى المنطقة العربية تدخل مجددا في نفق ليس له نهاية «كأنه مكتوب عليها ان تبقى كذلك قرنا آخر والى ان يستطيع العربان ان يمتلكوا زمام امرهم، اذا ظل لهم زمام». من جهته، أقلع مروان عن التدخين، كأنما في رد فعل مازوشي على الحرب والاحتلال. ومع ذلك لا يستسلم الصديقان. يعتصم عبد الرحمن بالحكمة الشعبية «إذا ما خربتْ ما بتعمر ». ويستقوي مروان بقول سعدالله ونوس «لقد حكم علينا بالامل».

مشهد ختامي: مروان في مرسمه الجديد ينتظر النور تنقشع عنه غيوم المانيا العنيدة: «المهم هو النور » يقول.

ربيع ٢٠١١.

جاءنا النور.

نفّذ محمد بوعزيزي وصية ناظم حكمت: «إن لم احترق انا/وإن لم تحترق انت/ وإن لم نحترق جميعا، كيف للظلمات ان تصير ضياء؟».

رؤيا: ختم عبد الرحمن كتابه عن الباهي محمد مستشهدا بهذا النص الرؤيوي لصديقه، صديقنا المشترك:

«يأتي الطوفان فيصير كل شيء ممكنا وتحذف كلمة مستحيل من القاموس. نوحٌ جديد يطيح الاتكالية البليدة السائدة. رجل وإمرأة تحدوهما الرغبة بالحب والإنجاب والعمل. يعمّران الدنيا الجديدة حسب ذوقهما ويملأن الارض عدلا بعد ان ملأها الناس جورا.

اين انت ايها الطوفان العظيم؟ »

ربيع ٢٠١١.

جاءنا الطوفان.

اخذ «العربان» يمتلكون أزِمّة أمورهم. تشققت السدود وتمرّد النهر. وبدأ الخراب الذي دونه لا عمار.

كلمات-صور: نور. ماء. دماء.

نحن «المحكومون بالامل»، نحن مرضى «الامل الذي لا شفاء منه»، اكثر ما يحزّ في القلب ان لا يكون عبد الرحمن والباهي وسعدالله معنا في هذا الطوفان تحدونا معاً رغبة في اعادة تعمير هذه الدنيا العربية من جديد وملئها عدلا وحرية وخبزا ومساواة.

المواضيع
أدب وفن تاريخ
البلدان
العالم العربي سوريا
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الأدب العربي التاريخ الفكري النقد الثقافي النهضة العربية

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.