عبد الرحمن منيف يؤسِّس لأدب الصداقة
والباهي محمد يحلم بالطُوفان
فوّاز طرابلسي
صديقي عبد الرحمن،
منذ وقت لم نلتقي. دعنا من البحث كيف حصل ولماذا صرنا نتهادى الكتب بالواسطة، عبر ياسر او عزّة. انتظرتك في بيروت منذ اسبوعين فتعذّر عليك المجيء بسبب المرض. وهذه مناسبة للكتابة.
انت تنعي على العرب غياب ادب المراسلة بينهم. وهذا تحديدا ما يدفعني للكتابة اليك عن كتابك »عروة الزمان الباهي«.اعرف انه ليس آخر كتبك. ولكن لم يفت الاوان للادلاء بشهادتي في الكتاب والكاتب والموضوع.
إلتقيتُ الباهي في زيارته الاولى للبنان عام ١٩٥٩. كان ذلك في فندق سپلانديد في بحمدون المحطة. كان برفقة فؤاد الركابي. وكان اللقاء بُعَيْد احدى الندوات التي عقدناها في فندق سميراميس في بحمدون الضيعة في اطار »رابطة الدراسات الاشتراكية« التي شاركتُ في تأسيسها والصديق كلوفيس مقصود. انت سمعت عن الباهي من المهدي بن بركة. انا، على العكس منك، سمعت من الباهي عن المهدي بن بركة والاتحاد المغربي للشغل والحركة الوطنية المغربية.
لفرط ما يؤكد المغاربة اعجابهم بالمشرق وتأثرهم فيه، تجد ان معظمنا، نحن المشارقة، لا يعترف بما تركته في نفوسنا وافكارنا التجربة الوطنية والعمالية المغربية فترة الخمسينيات والستينيات. هذه مناسبة لمثل هذا الاعتراف.
منذ ذلك اللقاء البحمدوني المبكر يلازمني الباهي بشكل او بآخر. يغيب ويظهر فجأة مثل بدوي خارج للتوّ من الصحراء. يلي البشر بعضهم ببعض.
– محمد بن سعيد هنا، يقول. يجب ان تراه. هؤلاء جماعة منظمة العمل الديمقراطي تأثروا بكم وبتجربة لبنان الاشتراكي ومنظمة العمل الشيوعي في لبنان. خربتم بيوتهم. قابلوهم علي الاقل.
– ابو جابر عندي. يريد ان يراك.
فيضرب لي موعدا والصديق الكبير يوسف زعيّن في مقهى قرب بيته في باريس الخامسة عشرة.
اليس هو الذي جمعنا انا وانت في المنفى الباريسي بعد فراق طويل؟ وهو الذي اسس لجلساتنا الاسبوعية في مقهى »الپيريغوردين« المشرف على نهر »السين«؟
يغيب الباهي ثم يظهر. لا حاجة لان تسأل هذا البدوي: اين كنت يا باهي كل هذه المدة؟ فالجواب معروف. إما ان يجيبك: »أمارس فضيحة الحياة« وإما ان يعلِمك »انا هنا، متوافر في الاسواق بأسعار متهاودة« وإن كان مزاجه عكراً، يقل لك »متوافر في الاسواق باسعار بخسة«.
كثيرآ مما قد اقوله عن الباهي قد قلته انت، با عبد الرحمن، وبافضل ما يقال.
كان قليل الحديث عن نفسه. تعرف عنه من الاخرين. القليل الذي قاله لي عن نفسه هو عن علاقته الثقافية بلبنان. ولد على نهر السنغال، ويروي كيف انه وهو فتى كان يسير عشرات الاميال ليصل الى مكتبة تقع الآن في دكار يشتري منها الكتب الصادرة في لبنان، وعلى الاخصّ منها مؤلفات جبران واشعار خليل مطران وكتابات مي زيادة ومارون عبود. لقد كان شديد التعلّق والاعجاب بمارون عبود.
هذا هو النذر القليل الذي تستطيع انتزاعه من الباهي عن نفسه. فهو لا يحدثك الا عن الاخرين. هؤلاء دائما مهمّون. يجب ان تعرفهم، ان تراهم وان توثّق صلتك بهم. مرت سنوات قبل ان ادرك دوره في المقاومة المسلحة في الصحراء. الى ان بدأ محمد بن سعيد يكتب مذكراته عنها.
يجب ان اتحدث عن غرائبية علاقة الباهي بالمدن، وخصوصا باريس. لست ارى فيه مجرد حداثي مبهور بأم مدن الحضارة الغربية. الاحرى ان الباهي، في شغفه بباريس، يكمل احدى اجمل واغرب خصائص تاريخنا العربي: حلم الخارجين من الصحراء في بناء المدينة. هذا الحلم بالمدينة هو، في الواقع، حلم بالجنة. لقد إبتنى اجدادنا مدنهم في الخيال اولاً وتتويجها إرم ذات العماد. ولما خرجوا من صحرائهم، ابتنوا على الارض اكبر واجمل واعظم مدن عصورهم.
هكذا كانت علاقة الباهي بباريس. سميناه: مختار باريس. كان اكثر من ذلك. كان علاّمة في شؤون تلك المدينة. درس تاريخها وجغرافيتها وتقسيماتها وخبر احياءها وعاداتها وحدائقها. شرّحها تشريحا. قطعها طولا وعرضا خلال عقود من الزمن. قرأ عنها مئات واجازف بالقول آلاف الكتب والمقالات. يكفي لذلك، عزيزي القاريء، ان تقرأ مقالاته المتسلسلة عنها في مجلة »اليوم السابع«. يجب ان نعمل على نشر تلك المقالات في كتاب، يا عبد الرحمن.
يجب ان يقال المزيد عن مدى تخلي انظمة المشرق عن الباهي وهو الذي لم يتخلّ قط عن مشرقه. هل تذكر عندما طردوه من العمل في وكالة الانباء العراقية؟ كان في سهرة مع اثنين من الموظفين العراقيين. اخذوا يتبارون في شتم الرئيس السوري حافظ الاسد ونَعْتِ نظامه بأبشع النعوت. لم يعد الباهي يحتمل. قال لهم: كل ما تفوّهتم به ينطبق حرفيا واكثر على نظام الحكم عندكم وعلى رئيسكم. إعتذر الموظفان من الباهي بانهما مضطران الى الابلاغ عن الحديث الى السلطات العراقية والا تعرضا لاقسى العقوبات. هكذا صار. ابلغوا عنه. فجرى استدعاء الباهي الى بغداد. طبعا، لم يذهب. هكذا صُرِفَ الباهي من العمل. ظل طويلا بلا عمل حتى عمل فترة في مكتب جريدة »السفير« في باريس. ثم تعطل مجددا، الى ان وجد له احد الاصدقاء وظيفة في السفارة الليبية، يكتب التقارير عما تقوله الصحف اليومية الفرنسية، بادئا عمله في السابعة صباحا.
يجب ان يقال المزيد عن تخلي المشرق، بل انظمة المشرق، عن الباهي. وفي المقابل، يوجد اشياء يجب ان تقال عما قدّمه الباهي للمقاومة الفلسطينية عن تضحيات الباهي من اجل قضية فلسطين. انها سرّ عميق في قلب الذين يعرفون. يجب ان نخرجه من الصدور ذات يوم.
هذا بعض مما حدث بعدما غادرتَ انت باريس. بعد اول زيارة لي الى بيروت، هتف يسأل:
– هل التقيت البدوي؟
– أجبته: لا. البدوي في دمشق وانا لم ازر دمشق.
– ترى ما هي اخباره؟
وانت تعلم انه ليس من هواة كتابة الرسائل. ولا انت على اي حال…
يتصل من مكان: هاتفي معطّل. لم ادفع الفاتورة. قطعوا لي الخط. انا اتصل بك. لازم نبقى على اتصال. ويقفل الخط قبل ان يتيح لك الفرصة حتى للاستفسار عن احواله.
»ذاكرة الرمال«. كنا معا عندما اسرّ الينا اخيرا برغبته في انهاء الرواية ونشرها. أكتبها وخلصّنا، يا باهي، قلنا معا.
كان يهتف بعد منتصف الليل.
– يوجد طائر في لبنان يهاجر من الصحراء المغربية. ويروح يصفه لي بتفاصيل غريبة. ما اسمه؟
– يا باهي كيف لي ان اعرف اسمه؟ والله ما انا عارفه.
– يحتدّ: كيف؟ ليش ما بتعرفو؟ يقولها بلجهة شامية-لبنانية مؤنّبا وضاحكا.
ما هو هذا الوطن الذي يقتل، يا عبد الرحمن؟
بلا عمل ومع ذلك لم يستطع الباهي مبارحة باريس. والسبب: البيت. كل ما اقتناه في عمر كامل كناية عن بيت ولم يكن للبيت من معنى لذاك البدوي لولا المكتبة. البيت اشتراه بالتقسيط وظل يجاهد للاستمرار في دفع اقساطه. والمكتبة هي المكتبة. مثل جحيم دانتي، الكتاب الداخل اليها ليس بخارج. اخد نسختي من »الساق على الساق« لاحمد فارس الشدياق ولم يعدها. عبثا حاولت. لا جدوى. لن اغفر له ذلك.
وفي اول عودة الى المغرب، تقع المأساة. يفقد ابنته في حادث مفجع. في مجالس العزاء، يجادل رجال الدين في مقالة نشرها في الصحافة المغربية دافع فيها عن كتاب سلمان رشدي واثبت ان ما ورد من المقاطع المدانة في »الآيات الشيطانية« انما اتى الطبري على ذكرها في تاريخه. جادلهم، هو المفجوع. ردّ عليهم بالحجج المستمدة من التاريخ والحديث والآيات القرآنية والاحاديث النبوية. والناس آتية لتعزيته بابنته…
عاد الى باريس ليبرأ من مأساة موت ابنته. لم يشفَ من حزنه. تكررت المحاولات لاعادته الى المغرب. كعادتنا عندما كنا معا، كنت اشجعه على العودة الى الحزب وقبول العرض بأن يتسلّم رئاسة تحرير صحيفة »الاتحاد الاشتراكي«. وهو متردد.
لم يبرأ من الصدمة الاولى. مع ذلك، قرر الانتقال مجددا الى المغرب. قَبِل رئاسة تحريرالصحيفة الناطقة باسم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. صدمه الرفاق. وصدمة الرفاق قتّالة، يا عبد الرحمن: تصدّع قلبُه الكبير وهو في المطار، في طريق العودة الى … باريس.
وبعد، ماذا اقول لك؟
لم تقم بمجرد حضّنا جميعا على »الادلاء بالشهادات وتدوين التجارب«. انك ترسي الاساس للون جديد من الادب: ادب الصداقة. ففي زمن صار المرء ملزماً فيه ان يناصر اخاه ظالما او مظلوما، والاغلب ظالما، وصار قانون القبيلة يقضي بالايغال في كل ما لم يختره المرء، تؤثر انت حق الاختيار. وحده الصديق هو من تختار. قد لا تختار رفاقك في النضال. حتى هؤلاء يُفْرَضون عليك فرضا عند انتسابك، الطوعي معظم الاحوال، الى الحركة او الحزب او النضال.وحده صديقك هو من تختار بكامل الطواعية. تصوّر زمن الصداقات ذاك الذي عشناه، كان المرء من الجزيرة العربية او من لبنان يكون له صديق من الصحراء الموريتانية. اما الان…
كيف اشكرك؟ ما نشرته ليس مجرد مختارات من كتابات الباهي. احب ان ارى فيها وصية الباهي محمد لنا جميعا. وصية على شكل حلم. لا يطالب الباهي بشيء. يشير الى حلم خصيب. يحلم الباهي بالطوفان: نُوحٌ جديد يطيح بالاتكالية البليدة السائدة. رجل وامرأة تحدوهما الرغبة في المضاجعة والانجاب والعمل. الحب والعمل. وها هو الباهي ثاني اثنين يبقيان على قيد الحياة بعد الطوفان »ويقومان بتعمير الدنيا الجديدة حسب ذوقهما، ويملآن الارض عدلاً بعد ان ملأها الناس جورا… اين انت ايها الطوفان العظيم؟«. ويأتي الطوفان، فـ»يصبح كل شيء ممكناً وتحذف كلمة مستحيل من القاموس«.
اين انت ايها الطوفان العظيم؟
