العودة إلى المحاضرات والمقابلات
محاضرات ومقابلات مقابلات

حوار العربي الجديد

ليس التنوع تشتتاً هنا: الخيط واحد، من التاريخ إلى الثقافة الشعبية، هو الكتابة لأوسع القراء و«تصنيع» التجربة.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

جئت إلى العمل السياسي من الثقافة ( كما قلتَ عن نفسك في صورة الفتى بالأحمر)-وكتبت في كل شيء تقريباً: في المسرح والتاريخ والرسم والاقتصاد والثقافة الشعبية. ترجمت وكتبت يوميات، كتبتَ في سيرتك وسيرة الآخرين. ماالذي كنتَ تريده من كل هذا التنوع، هل تعتقد بوجود وظيفة لابد يضطلع بها المثقف؟

أكيد ثمة وظيفة. همي الأول هو الوصول إلى أوسع عدد ممكن من القراء وهذا يعني الآن أن أدوّن شهادات عن تجربتي وعن تحصيلي للجيل الجديد.

بدايتي أدبية. كنت مصابا بالربو، وبيتنا في شارع كليمنصو رطب، فعشت خلال قسم من طفولتي لدى جدي وجدتي لأمي. والجد عيسى اسكندر المعلوف مؤرخ مخضرم تعلمت على يديه أشياء كثيرة. عندما ينتقل الى بيته الصيفي في زحلة، ازوره واسكن عنده ايضا. وكان يسمح لي بالدخول إلى مكتبته، ويعطيني كتباً لأقرأ. لا شك في ان هذا ترك أثرا كبيراً علي. أذكر انه مرة أملى عليّ دفترا كاملا من الأمثال الشعبية. أضعته مع الأسف لكنه بقيت في ذاكرتي طرافة الأمثال الشعبية وعبقريتها.

جوّ البيت مشبع باخبار واشعار الأخوال الشعراء، فوزي وشفيق ورياض، واخوال الاخوال الشعراء ايضا منهم قيصر، صاحب قصيدة «رلى عرب قصورهم الخيام» وشاهين الذي كان ينظم الشعر بالعامية. نحفظ اشعارهم ونلقيها في المناسبات العائلية. خاصة منهم فوزي الذي توفي باكرا. ورياض الذي عاد باكرا الى لبنان من البرازيل ، وعرفت شفيق الذي زار لبنان ذات مرة واحدة.

في مدرسة برمانا العالية، نما ميلي إلى الادب. كنت قويا في المواد الادبية وبائساً في المواد العلمية. أسست مع الصديقين يوسف دعبول وشفيق أبو جودة مجلة أدبية اسمها “البراعم” وتسلّمنا ادرة النادي الادبي العربي الذي كان يشرف عليه استاذانا في نذير العظمة وحليم بركات. وكلاهما من اعضاء الحزب السوري القومي الاجتماعي، بل ان نذير العظمة هو الآن رئيس فرع سوري للحزب هو الاكثر تطرفا في تأييد للنظام. رغم ذلك، كنت قوميا عربيا اسهمت في تأسيس تنظيما سياسي طلابي ناصري سرّيا في المدرسة بتأثير من العدوان الثلاثي على مصر العام ١٩٥٦.

للانتقال إلى سؤالك، لم أفكر كثيرا في هذا الموضوع. أجازف في تفسير. تعطيك الماركسية الثقة بأنك تملك نظرة شاملة إلى الحياة والوجود تقنعك باستسهال الكتابة والانتاج في أكثر من ميدان وحقل. وكان الادب عندي مقرونا بالرسم. وحين سافرت إلى بريطانيا لإكمال دراستي الثانوية، درست فن الرسم مدة ستة أشهر، قبل ان أستقرّ على الاقتصاد السياسي. وكانت لي دائما صلة خاصة بالفن. زوجتي نوال ترسم، وابنتي رسامة وغرافيكية. الرسم يملأ علي حياتي وهو مصدر متعة وحبور بلا حدود.

عمري ككاتب بدأ عام ١٩٨٢ تحت وطأة العدوان والاحتلال الإسرائيلي ونهاية الحرب الأهلية اللبنانية. صممت على أن أعبر عن هذه التجربة بأشكال وادوات واساليب مختلفة. مشاهد الغزو والحرب أوحت لي بكتاب «غرنيكا-بيروت». وخلال حصار بيروت صيف ١٩٨٢ والمشاركة في نضال «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» لبيروت دوّنت “عن أمل لا شفاء منه”.

كانت هذه هي البدايات. الاهتمام المبكر بالأغاني الفيروزية – وهو ادمان تفاقم مع سنوات الدراسة في الخارج – نبّهني الى أن مسرحيات الرحابنة حكايات تروي وتمسرح قصة لبنان واللبنانيين بين حربين اهليتين (١٩٥٨-١٩٧٥). هذا مصدر كتاب «مسرح فيروز والرحابنة: الغريب والكنز والاعجوبة».

اقرأ اعمال ميشال شيحا منذ فترة طويلة. زادتني الحرب فضولا بالنظام اللبناني فكان كتابي «صلات بلا وصل. ميشال شيحا والاديولوجيا اللبنانية». وهوتشخيص لفكر رجل استثنائي علّمني الكثير عن النلن الاقتصاد والسياسي اللبناني، لأنه كان يكتب وهو يشارك في تأسيس هذا النظام. والكتاب طبعا نقاش نقدي مع فكره.

الحقيقة ان كل انتقال من موضوع او اسلوب كتابي كان يقرّبني اكثر فاكثر من اسئلة التاريخ. والتاريخ، كما تعلم علم العلوم الانسانية، العلم الشامل. فكان تتويج هذه الجهود «تاريخ لبنان الحديث. من الإمارة الى اتفاق الطائف». وهو ايضا تلبية لحاجة أحسستها أثناء التعليم الجامعي واكتشافي فضول الأجيال الجديدة عن تاريخها وعن تجربة الحرب.

من الابحاث عن تاريخ لبنانوالمنطقة تولد كتاب «حرير وحديد». فيه اكتشفت ان في التاريخ الفعلي ما هو أغرب من الخيال، وهو ما شجعني على كتابة نوع من الرواية التاريخية، مكتوبة على باسلوب الحوليات. اسماه الصديق عباس بيضون «السحرية التاريخية».

في عودة الى سؤالك. يعود تنوّع كتاباتي ايضا الى تنوع اهتماماتي وتجاربي.أنا مدين في كتاباتي اولا بأول لتجاربي في الحياة. لولاها لست متأكداً من اني كنت سأكتب اصلا. لذا أحب استخدام تعبير “تصنيع تجربتي” للتعبير عن وظيفة الكتابة عندي، أي إعادة انتاج التجربة بواسطة الادب او النقد او الفكر.

كتابك “أن كان بدك تعشق” لافت للانتباه من حيث مضمونه؛ الثقافة الشعبية. كتبتَ عن الدبكة والأمثال وصناعة الحرير وعيد البربارة،- اهتمام غير معتاد من مثقف عمل وكتب في السياسة طويلاً.أسلوبه مستعجل قليلاً وكأنه اقتراحات لدراسات لاحقة لك أو لآخرين. لماذا هذا الاهتمام بالثقافة الشعبية؟

أنا شغوف بالثقافة الشعبية واهتمامي بها قديم. كتاب «مسرح فيروز والرحابنة» هو كتاب عن الثقافة الشعبية. صحيح استدراكك انهم انتجوا ثقافة جماهيرية لكنها مبنية على الثقافة الشعبية، على الفولكلور. وقد اقمت التمييز بين ثقافة ينتجها ابناء الشعب في بيئاتهم الطبيعية وثقافة منتجة للاستهلاك من قبل الجمهور الواسع، قد تسلتهم الثقافة الشعبية او لا تستلهمها. على عكس كثير من المثقفين اعتقد انه يجب على المثقف ان يعرف ثقافته الشعبية بعمق بما هي مكوّن اساسي لثقافته ومورد لانتاجه ومصدرا لالهامه.

«إن كان بدّك تعشق…» مجموعة مقالات يا ليت كان لدي وقت كي اتعمق في مواضيعها واتبسط في البحث والدراسة فيها وهي من نتاج ابحاثي خلال تأليف الكتاب عن الرحابنة. طقس البربارة، الذي يستخدمه الرحابنة في «هالة والملك»، أعدتُ تمثيله على مشهد الصراع الاهلي ونهب اسواق بيروت من قبل ابنائها. الدبكة في الكتاب من وحي دبكات الرحابنة وزكي ناصيف. اما الفصل عن الامثال الشعبية فمحاولة لتجاوز نهج تجميع الامثال والعمل على استنطاقها حول مضامينها بما هي تأملات في الحياة وافكار وامثولات وحكم صادرة عن التجربة الجمعية عبر الاجيال.

مع أسف انه لن يتاح لي المجال للتعمّق في البحث في كل هذه المواضيع التي احبها. يبقى ان الجهد المطلوب اكبر بكثير من طاقة الافراد. اعمالي في هذا المجال اقرب الى لفتات نظر وتشجيع على البحث والكتابة في هذا المجال.

قمتَ بتحقيق الأعمال المجهولة لأحمد فارس الشدياق وكتبتَ عنه أيضاً فصلاً في “حرير وحديد” – لمَ الاهتمام بهذا المثقف النهضوي بالتحديد؟

اعتقد انه يقع على الكاتب أن ينتسب. ان يبني شجرة عائلة فكرية وثقافية لنفسه. يزعجني جدا المثقف الذي يعلن عن نفسه بانه مقطوع من شجرة ومتفرد.

السبب الاول لاختيار التعريف الشدياق والترويج لاعماله هو انه تعرّض ولا يزال يتعرّض للرقابة والاهمال بسبب مواقفه الجريئة في الدين وتحرر المرأة والنقد الاجتماعي واحيائه الادب الجنسي والساخر في التراث العربي. والشدياق هو الصوت المختلف في النهضة العربية التي بالغت في التشديد على التعليم. الشدياق في المقابل أعلى قيمة العمل والوقت. لم يسقط في اشكالية شرق/غرب. كان ناقدا للامتيازات الاجتماعية والاستغلال في مجتمعه مثلما كان ناقدا لاشكال التمييز والاستغلال في المحتمعات الصناعية الأوروبية. ولم يجد ان تعارض بين الدعوة الى تمثّل الديقمراطية وبين نقد الرأسمالية. وفوق هذا كله، هو من اوائلل الاشتراكيين العرب، على الاقل في مرحلته الباريسية وهو ناحت مصطلح «الاشتراكية» اصلا.

تأثرت ايضا بلغة الشدياق وخياله وسخريته. و« الساق على الساق» اول رواية عربية، كما برهنت الراحلة رضوى عاشور. بهذا المعنى لدي سلف صالح اسمه احمد فارس الشدياق.

هل ثمة سلف آخر، ترى نفسك امتدادا له؟

أنا ابن التراث الماركسي ولا اختزله بشخص واحد رغم ضخامة اثر ماركس وانجلز. لانني ماركسي منشق امكنني قراءة عدد واسع من روافد الماركسية وعلمتني ان المهم ان يستوعب كل هذا ويستخدم في الإنتاج المعرفي والفعل النضالي، لا أن يستخدم في بما هو نصوص سحرية او تمائم. لن استثني لينين في هذا التراث. كانت الثورات العربية مناسبة للتذكيربه بما هو احد منظّري الثورات اضافة لكونه من صانعيها. وقد بلور جملة من المفاهيم في فن التغيير الثوري تبدأ بالاهمية الحاسمة لمعرفة الخصم والتحليل المحدد للواقع المحدد، ومفهوم «الوضع» بما هو عقدة علاقات وتناقضات وتوازنات قوى يجب الفعل فيها، وتمييز هذا «الوضع» عما سبقه، وصولا الى مفاهيمه في الاستراتيجية والتكتيك والتعلّم من التجربة والتنوّع في اساليب النضال، الخ. لا حاجة لكبير جهد لملاحظة مدى حاجة فكر وممارسة التغيير عندنا للافادة من هذا التراث الذي هو علم وفن في آن معا.

كتبتْ ايتل عدنان مرة كتابا عنونته بـ “ عن مدن ونساء، رسائل إلى فواز” والمقصود أنت. هل كان هناك رد؟ هل ثمة رسائل من فواز إلى ايتل ؟

كنا انا وجوزيف سماحة نصدر مجلة « زوايا» في المنفى الباريزي في الثمانينات وكنا بصدد تحضير عدد خاص عن المرأة، فطلبت من إيتيل أن تكتب لنا مقالا. لم يصدر العدد الخاص بسبب عدم توافر التمويل اعتبرت اتيل التكليف مناسبة للكتابة عن المرأة والمدن، خلال تجوالها في أوروبا وزياراتها للبنان. وكانت كلما كتبت رسالة ارسلته لي، وانا محتفظ بالأصول. لم يكن الاقتراح هو التبادل، لكن كتبت عددا من ال رسائل مستوحاة من رسائلها، قسم منها زيارات لإسبانيا وأول زيارة لي للاندلس، وتنتهي بزيارة موقع مجزرة قانا، في الجنوب. نشر بعضها في الصحافة وسوف ينشر في مجموعة كتابات قادمة بالتأكيد.

– ترجمتَ أشعاراً لها أيضاً وقبلها أشعار لريتسوس….

المترجم عندي هو من يحاول الاستحواذ على النص لولهه به، فيضعه في لغته. بدأت الترجمة على مقاعد الدراسة. ترجمت قصائد لنزار قباني ومحمد الماغوط الى الانكليزية، ونشرتها في مجلة «الرواق» الطلابية التي كان يرأس تحريرها الصديق رياض الريس في مدرسة برمانا العالية. على المنوال نفسه كانت علاقتي بكتابات اتيل.

في كل الاحوال، اترجم كثيرا لمتعتي الخاصة، خصوصا في الادب ولست انشر كل ما اترجمه.. ترجمت ليانيس ريتسوس أناشيد المقاومة اليونانية ضد الاحتلال النازي والديكتاتورية، من وحي للمقاومة اللبنانية والفلسطينية ضد اسرائيل.

لكن الشعر كان حاضراً أيضاً في مسيرتك الثقافية. قلت في المذكرات أنك في البداية كتبت شعرا، وقال ادونيس عن قصيدة لك: انك تشبه ايلوار، كما كتبت عن علاقتك بمحمد الماغوط وأنك ترددتَ إلى خميس شعر. ثم أن لك علاقة خاصة بالعديد من الشعراء، كما لو انك تمشي على حافة الشعر.

انا متذوق قديم للشعر، الكتابات الشعرية من امراض المراهقة، فكما تعلم كل مراهق عربي شاعر حتى يثبت العكس، او حتى يكبر. صحيح نشرت «اغنية الى الموت» في «البراعم» وهي مستوحاة من قصيدة ايلوار الشهيرة «حرية». وأظنها آخر محاولاتي في الشعر . بمعنى ما، كان الشعر طريقي الى اليسار، من خلال القراءات المبكرة لايليوار ونيرودا وناظم حكمت وآخرين.

أنا محظوظ بعدد واسع من الأصدقاء الشعراء. تعرفت الى محمد الماغط ليه من خلال نذير العظمة ونحن بعد طلاب ثانوية، ونجالسه في مقهى «الانكل سام» قبالة الجامعة الاميركية على طاولة عمّدها «طاولة القلق».نختلف معه في كل شيء يتعلق بالفكر والسياسة ونعجب بشعره وروحه الساخرة. وفي المقهى ذاته نلتقي بغسّان كنفاني وقد ترافقنا لفترة خلال كتابتي في جريدة «المحرر». ثم تكونت مجموعة تضم خليل حاوي وعلي الجندي وروزغريب وليلى بعلبكي ورياض الريس وامين وليلى الحافظ وغيرهم يسهرون ليليا تقريبا في مقهى بالطابق الاول من «البناية الزرقاء» في آخر نزلة عبد العزيز اسمه «شيخ آند كوزن».

اصدقاء المحطة الثانية هم سعدي يوسف الذي جاءنا في اطار «الفيلق العربي» الذي كان يناضل مع المقاومة الفلسطينية ورافقت سعدي في منافيه العديدة وخصوصا منفاه العدني. في المنفى الباريسي تجددت الصلة والصداقة مع عبد الرحمن منيف. ثم يوجد محمود درويش. انا محظوظ بكثرة الاصدقاء في هذا الوسط.

وصولا الى محمود درويش، الذي تربطك به علاقة شخصية مديدة من بيروت إلى المنفى الباريسي. كيف تصف هذه العلاقة؟ وهل تفكر بالكتابة عن هذه الصداقة؟

مع محمود عشنا حصار بيروت معا يوميا تقريبا. ثم التقينا في باريس . وعشنا بضعة سنوات من الصداقة الكثيفة والعائلية والحلوة وقد شاركت في تحرير مجلة «الكرمل» خلال تلك الفترة ايضا. .

محمود درويش رجل يعيش للشعر والحب. وحين يتعارض الاثنان، يختار الشعر. لم يخطر في باله الانجاب ربما لكي تختصر ذريته بالقصائد. قلت معظم ما اريد قوله عنه في رثائه بعنوان «محمود درويش: ذكاء القلب» وهذ المعادلة تختصره.

تسأل عن حياته اليومية. يقرأ الصحف بعناية يكتب قبل الظهر، يخرج للغداء، عادة مع اصدقاء. بعد القيلولة يقرأ الشعر بنهم، لكنه يقرأ الروايات خصوصا. كان يتمنى ان يكتب رواية. والباقي، يمارس حياته الاجتماعية ليلا، لم أره سكران على مدى سنوات. اناقته الشخصية جزء من تعبّده للجمال.

اخبرني انه يكوّر يده امام الورقة التي يكتب عليها مع انه يكون وحيدا على مكتبه. سألته لماذا؟ قال انه لا يريد ان يراها احد فربما قرر ان يمزّقها. عادة ما يحتفظ باصول قصائده. لكنه قد يحجم عن نشر قصيدة لم تعجبه او اكتشف أن ثمة من له قصيدة أفضل منها في الموضوع ذاته. نشر في مجلة «شؤون فلسطينة» قصيدة في رثاء بابلو نيرودا، لكنه لم يضمّها الى اي من مجموعاته الشعرية بعد ان نشرت إيتيل عدنان قصيدتها «بابلو نيرودا شجرة موز». يعمل على تنمية لغته الشعرية بدأب مخيف. يقرأ في القواميس يوميا لاصطياد مفردة مناسية او مبتكرة.

لديه حساسية مفرطة للمكان والنبات. يتصل ليلا، يصف لي نبتة او زهرة سائلا عن الاسم. معظم الاحيان لا يكون لدي جواب. يقول بأسى: «كنت اعرف اسماء كل نباتات فلسطين. بدأت انسى.» هكذا كان يعيش فلسطين ايضا.

لديه حساسية مفرطة للمكان. أتذكر مرة كنت أنا وعائلتي في منطقة جبلية فرنسية على حدود سويسرا. فقدم هو والياس وسامية صنبر بالسيارة لزيارتنا. انبهر بالمشاهد والمناظر على طول الطريق من باريس. وحين وصل الى حيث كنا، في قرية حديثة ممتلئة بمعمارات اسمنتية مملة، يسكنها أناس يعملون في جنيف، أصيب بحالة من الصدمة والقرف. لم يكن بمقدوره ان يفهم كيف ان رحلة ممتعة بصريا الى ذاك الحد تستطيع ان تنتهي في مكان تافه كهذا. تعكّر مزاجه وعكّر لنا مزاجنا

لن ازيد.

عرفتَ أيضاً إدوارد سعيد معرفة ثقافية وشخصية وترجمتَ له كتابين

ثلاثة كتب.

تعرفت إلى ادوارد عندما دعاني بصفته مسؤول الثقافة في «جمعية الخريجين العرب الاميركيين» الى مؤتمر الجمعية العام ١٩٧٠ الذي انعقد في مدينة بوسطن. ساهمت في ندوة مخصصة للثورة في الجزيرة والخليج واليمن تحدثت فيها مع اريك رولو، العائد من زيارة لجمهورية اليمن الديمقرايطية الشعبية، عبدالله الاشطل، مندوي اليمن الديمقراطي في الامم المتحدة. منحتني السفارة الاميركية في بيروت تأشيرة دخول ثم استردتها والغتها. اغلب الظن ان المنع كانت له علاقة بماركسيتي المعلنة وبنشاطي في الجامعية الاميركية ضد حرب فيتنام. فاعتذرت من عدم الحضور فأجرت الجمعية بواسطة محاميها عابدين جبارة اتصلات انتهب بأن فسمح لي بحضور المؤتمر خلال اربعة ايام فقط.

خلال الحرب في لبنان، تباعدت اللقاءات مع ادوارد وزوجته مريم قرطاس، زميلة الدراسة الثانوية والجامعية. التقيته خلال زياراته القليلة لبيروت في اطار نشاطات ثقافية او سياسية تتعلق بالمقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية.

عندما نظّم الياس خوري وعدد من الاصدقاء حفل تكريم لادوارد في مسرح بيروت، قرر ادوارد ان يقرأ بالعربية نصا مترجما من كتابه «خارج المكان» وقد كان لا يزال مخطوطة. اراني الصفحات المترجمة فاقترحت عليه بعد التعديلات. في نهاية تلك الزيارة، سألني هل اقبل ترجمة الكتاب الى العربية. فقبلت دون تردد. والسبب ان ادوارد ظُلِم َ في ترجمات كتبه الى العربية وقد جاءت مدّعية ومتفذلكة تزيد لغته العويصة أصلا تقعيدا. قلت له: ساجعلك تحكي بالعربية. واظنني فعلت. بعد الوفاة ترجمت ايضا له «الانسنية والنقد الديمقراطي» الذي يبسط فيه المرحلة الاخيرة من تطوره الفكر ونظرته العلمانية الإنسانية متجاوزا ثنائية شرق/غرب. وصدرت له في نهاية العام المنصرم ترجمة «عن الاسلوب المتأخر. موسيقى وادب ضد التيار».

«خارج المكان» سيرة لرجل اكتشف قرب الموت فعاد الى طفولته والنشأة.خلال الترجمة نشأت مراسلة الكترونية تمنّيت عليه فيها اكثر من مرة ان يكتب عن «ادوارد» الآخر الذي صنع نفسه وهو يعيش في الغرب و تحت وطأة هزيمة ١٩٦٧. كان هذا هو الطلب ذاته الذي طلبه منه ناشره. لكن ادوارد امتنع عن الخوض في كتابة الباقي من سيرته. ولعله لبّى الطلب، بطريقة غير مباشرة، في كتابه «عن الاسلوب المتأخر». وهو دراسة عن موسيقيين وادباء من التراث الغربي في المرحلة الاخيرة من حياتهم ونتاجهم يجمع بينهم انهم لم يستسلموا للامر الواقع، واستمروا في المساءلة والمشاغلة والمناكفة والانشقاف. بهذا المعنى ارى ان ادوارد في «عن الاسلوب المتأخر» كان يتحدث عن حياته واعماله من خلال من اعجب به من مفكرين وموسيقيين وادباء لم يرضخوا للقدر الجسدي. والكتاب بهذا المعنى ايضا وصية ادوارد سعيد الادبية والفكرية والجمالية.

كتاب “عن الاسلوب المتأخر” مركب من ثلاث طبقات مثيرة للاهتمام : أعمال الموسيقيين والكتاب كموتزارت، بيتهوفن، وجان جينيه، في أسلوبهم المتأخر، ثم قراءة أدورنو المتأخرة أيضاً لبعض هؤلاء المبدعين، وهي الطبقة الثانية ثم تأتي قراءة سعيد لهذه القراءة كطبقة ثالثة، فبدا الكتاب كما لو كان مؤلفا من طبقات جيولوجية كثيفة. كيف تعاملت من خلال الترجمة ( إن صح القول أنها طبقة رابعة) مع المصطلحات الموسيقية والمفاهيم الفلسفية. وكيف تغلبت على صعوبة ايجاد مقابل لها بالعربية؟

اظنني تعاملت مع الترجمة انطلاقا من نقطة ضعف، بسبب ان ثقافتي الموسيقية الكلاسيكية ضعيفة. وبسبب الفقر في تعريب المفردات والمصطلحات الموسيقية الغربية الى العربية. ولما كان همي ان أتوجه للقارئ العربي العادي،إضطررت للاكثار من الهوامش. الى هذا فالاسلوب المتأخر لادوارد سعيد نفسه يتسّم بخاصتين. الاولى، ان ادوارد، مثله مثل كثيرين من ابناء المستعمرات ممن يكتب بلغة المستعمر يريد ان يبزّ أهلها في لغتهم. وادوارد من جهة ثانية، في اسلوبه المتأخر لم يكن قد بلورة اسلوبه الى ارقى مستوى من الرهافة، وانما كان يغرف من مستويات راقية من المفاهيم والمصطلحات الغربية في الادب والانسانيات عموما.

بهذا المعنى كانت الترجمة مغالبة بين لغتين، وكان على الترجمة العربية ان تكون عملية اعادة تأليف وابتكار وتحايل في غير موضع، والغرض توليد المعاني المناسبة، التقريبية احيانا، في اللغة المنقول اليها.

هل السبب هو غياب المعاجم المتخصصة؟ أم غياب الكتابة في هذه الحقول المعرفية؟ أم غياب حواملها الاجتماعية؟

النقص فيها جميعا. والمؤلف بالغ الصعوبةا هو الالماني ثيودور آدورنو العصي على التعريب لاوروبيته الجذرية. وقراءة ادوارد لادورنو لا تزيده الا التباسا.

لكن ثمة مشكلة اخرى في الترجمة. هي غلبة الترجمات العددية خصوصا بعد ان قرر احد تقارير التنمية العربية ضرورة انتقال البلدان العربية الى «مجتمع المعرفة» ومثلّ على النقصان الذي نعاني من في هذا المجال بأن المنطقة كلها لا تترجم اكثر من ٣٠٠ كتاب بالسنة. عند التحقيق، تبيّن ان الرقم مغلوط. لكن ذلك لم يمنع من تكاثر مؤسسات الترجمة، ومعظمها خليجي او بتمويل خليجي، وصار السباق على كمية الكتب المترجمة سنويا. فلم تعر كبير اهتمام لتوحيد مصطلحات الترجمة في الحقول المختلفة او على الاقل إحصائها ووضعها بتصرّف المترجمين.

من مجلة “البراعم” الى “بدايات” مشوار طويل من الصحافة. صدرت “بدايات” بالتزامن مع الثورات العربية. كيف يمكن انجاز مجلة في ظل الصعوبات الكثيرة التي ترافق عادة مثل هذا الانجاز” التمويل، والتحرير والتوزيع وتكوين قراء.. ؟

« بدايات» فكرة نشات بعد محاولات عديدة قامت بها مجموعة من اليساريين بعد تعثّر محاولات لتجديد اليسارفي لبنان. قلنا نؤسس منبراً للتفكير النقدي على الاقل. حتى لا نقول ان لا شيء يمكن عمله. اقصد بنحن النواة المؤسسة: زهير رحال وغسان عيسى وسلمان تقي الدين وعساف كفوري وميسون سكّرية. ونحن في معرض الاعداد للاصدار، اندلعت الثورات العربية. فاسرعنا في وضع هذا الجهد بتصرّف التفكير والدعوى والتضامن معها.

نريدها مجلة بمتناول القارئ، لا نخبوية ولا مجلة دراسات اكاديمية. والمغامرة شبه عسيرة لانها لا تثير اهتمام الجهات المانحة. نوزع في سبع بلدان عربية، بما فيها فلسطين. ولنا موقع الكتروني. لفتت لنوعية اخراجها، وإقبال الشباب على الكتابة فها واهتمامها بمجالات مبتكرة متل ثقافة العين والذاكرة والموسيقى والثقافة الشعبية. في الاعداد الاخيرة، نشرنا ملحقات خاصة بادوارد سعيد وعبد الرحمن منيف.

وثقتَ تجربتك المديدة في اليمن بكتاب “ وعود عدن”، ثم ظفار في “ شهادة من زمن الثورة”. كيف ترى هذه التجربة الآن؟

تعرفت الى اليمن واليمنيين خلال وجودي في بريطانا لاكمال الدراسة الثانوية (١٩٥٨-١٩٦٠) من خلال دوري في المكتب العمالي لحزب البعث العربي الاشتراكي في بريطانيا. وقد امضيت فيه قرابة السنتين، ناشطا في جناحه الماركسي ببريطانيا قبل ان اطرد لمعارضتي الانقلابين البعثيين في سورية والعراق وخصوصا الاضطهاد الدموي للشيوعيين والحرب على الاكراد في العراق. ضم المكتب العمالي متطوعين للعمل مع العمال اليمنيين في الشمال البريطاني وتأسيس نقابة تدافع عن حقوقهم هم خالد عسكر وسعد الله الفتحي والمسؤول عنا هو مكي العاني والثلاثة عراقيون.

دعني اروي لك هذه النادرة. منذ عام زرت بريطانيا وكنت مدعوا لمحاضرة في كلية لندن للاقتصاد. اتصل بي صديق من كوادر الحزب الاشتراكي اليمني يقيم في ليفربول ودعاني لمحاضرة لدى الجالية اليمنية في المدينة. اعتذرت لاضطراري للعودة الى بيروت. فقال لي متأسفا: لكنهم يتذكرونك هنا. كنت تأتي مع شخص آخر. وهذا الشخص الاخر هو خالد عسكر. يتذكرون بعد اكثر من نصف قرن.

تعرفت الى عبد الفتاح إسماعيل في بيروت العام ١٩٦٨ عن طريق محسن إبراهيم ومحمد كشلي، من قادة يسار حركة القوميين العرب حينها، وكنا نتفاوض لتحقيق الاندماج بين «لبنان الاشتراكي» و«منظمة الاشتراكيين اللبنانيين» وقيام منظمة العمل الشيوعي في لبنان العام ١٩٧٠. في العام نفسه زرت اليمن وظفار مطلع عهد اليسار برفقة الكاتب اليساري البريطاني فرد هاليداي وعبدالله الاشطل، احد قادة اليسار في الجبهة القومية.

كتابي «ظفار. شهادة من زمن الثورة» تحقيق صحفي نشرته مسلسلا في مجلة «الحرية» العام ١٩٧٠. وقد اسهمت مع فرد هاليداي في تأليف كتاب «المنطقة العربية لا سلاطين» وأسسنا في بريطانيا لجنة للتضامن مع الثورات في ظفار واليمن ومع الحركة الوطنية في البحرين والخليج وعمان. كذلك وثّقت تجربتي اليمنية توثيقا اولياً في كتاب «وعود عدن. رحلات يمنية» وهي مشاهدات وتقارير ومقابلات رحلات مكتوبة باسلوب خلال خلال زياراتي اليمنية. وانا عاكف الآن على الادلاء بتجربتي ومعايشتي للتجرية في اليمن الديمقراطي خلال ربع قرن في اطار العلاقة المميزة للتجربة مع اطراف اليسار الفلسطيني واللبنان، وخصوصا الجبهتين الديمقراطية والشعبية والحزب الشيوعي اللبناني ومنطمة العمل الشيوعي في لبنان.

كانت آخر زياة لي الى اليمن في العام ١٩٩٣ برفقة محمود درويش وميشيل خليفة وقد خططنا لمشروع فيلم يخرجه ميشال عن امرؤ القيس. كنا بدعوة من الرفيق العزيز جار الله عمر وكان وزيرا للثقافة حينها. وصلنا اليمن والاستنفار على اشدّه بين الحزبين الحاكمين، حزب المؤتمر الشعبي العام برئاسة علي عبدالله صالح، وشريكه الاصفر في الحكم، الحزب الاشتراكي اليمني. الناس متوترة ومحمود اكثر توترا من العادة عندما يكون على اهبة ندوة شعرية. نجحت ندوة صنعاء وكان الاقبال حاشدا والاستقبال عاطفيا وحماسيا. كان حظ ندوة عدن اقل نجاحا من سابقتها في صنعاء. المهم، جلسنا اياما في الفندق بعدن ننتظر طائرة ملائمة الى حضرموت. حتى ملّ محمود وكان ميشال مضطرا لتسليم سيناريو لفيلم آخر يريد انجازه. فلا اقتفينا اثار اقدام امريء القيس في حضرموت ولا تذوفنا عسل دوعن، اعظم عسل في الدينا.

بايجاز. عشت في زمن الثورات. وثرت مع الثوار ولا ازال ثائرا.

صدر “عن امل لا شفاء منه” خلال فترة حصار بيروت في ١٩٨٢. يوميات تسجل ما عانته المدينة تحت الاحتلال. بعد ٣٣ عاماً، مدن كثيرة تدك الآن ببراميل متفجرة وصورايخ وأسلحة كيميائية، ولكن من أنظمتها. هل مازال ثمة من “ أمل لاشفاء منه” كتب في فترة الحصار وكان فعلا يوميات إعادة قراءته كم كان الوضع مريعا ومخيفا قرأتنه مؤخرا قلت كان حصار لمدينة واحدة.

الامل لا يعني التغاضي عن الانتكاسات او الهزائم او المآسي ولا هو تشبّث بحتمية او قدريّة. به نعوّد انفسنا على البقاء والصمود والمقاومة والتطلع الى الأمام. ولا امل بلا عمل ولا عمل بلا امل. حسب التحية اللامعة لاجدادانا القرامطة: تحية العمل والامل.

الامل الذي تمسكت به وانا خارج من حصار بيروت هو الذي عوّضني بمعايشة الثورات الشعبية لعشرات الملايين من الشباب وغير الشباب في العام ٢٠١١ تستعيد مبدئي السيادة والارادة الشعبيتين وشعارات: العمل والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الانسانية.

دعني اقرأ لك هذا المقطع لآلليخو كارپنتييه في كتابه «الملكوت الارضي»: «يسعى الانسان دوما وراء سعادة ليس من قسمته. لكن عظمة الانسان تكمن تحديدا في رغبته تغيير العالم وتحمّل الاعباء. في ملكوت السموات، لا توجد عظمة يمكن بلوغها. لأن كل شيء هناك تراتبٌ مقيم ووجود بلا نهاية، حيث لا تضحية ولا راحة بال ولا ملذّات. ولذا فالإنسان الذي يسحقه الالم وترهق كاهلَه الاعباءُ، جميلا في بؤسه، قادرا على الحب وسط المآسي، لن يقدّر له ان يبلغ عظمته وأسمى قدره إلا في هذا الملكوت الارضي».

المواضيع
أدب وفن تاريخ
البلدان
العالم العربي
نُشر في
العربي الجديد
الكلمات المفتاحية
إدوارد سعيد التاريخ الفكري الترجمة النقد الثقافي اليسار اللبناني غرامشي مقابلة

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.