العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

الوقاحة بما هي سياسة دولية

الوقاحة بلا حدود — ليبرمان يقلب المبادرة العربية: ليست الأرض مقابل السلام بل تبادل السكان، أي إجلاء فلسطينيي ٤٨.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

الوقاحة بما هي سياسة دولية

فواز طرابلسي

مع تقدم المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية، تتسع الفوارق، بطريقة فاغرة، بين الشروط والطروحات التي يتقدم بها الفريق الاسرائيلي وبين الشروط والطروحات التي يعلنها المفاوض الفلسطيني.

يحين موعد انتهاء العمل بقرار التجميد الجزئي للبناء الاستيطاني في الضفة الغربية في غضون ايام. يصرّ السيد محمود عباس بأنه لن يستمر في التفاوض اذا استؤنفت اعمال البناء الاستيطاني (وهي لم تتوقف اصلا) تتقدم الولايات المتحدة بمشروع للتمديد لشهرين او ثلاثة يصعب ان يلقى الرفض الكامل من قبل المفاوض الاسرائيلي.

ولكن فيما الانظار تتجه الى الراهن من الخلافات، حدود الدولة، الامن، القدس، قبل البحث فيما يسمى الحل النهائي، تميّز الاسبوع الاخير باعلان المسؤولين الاسرائيليين صيغهم للحل النهائي، وفق منطق يقول ان غرض المفاوضات ليس مجرد التسوية بل هي «إنهاء للنزاع». في اقل تقدير، باتت كل الاوراق – الاسرائيلية- على الطاولة. بها يعود المفاوض الاسرائيلي، على نحو غير مسبوق، الى اساسيات النزاع الفلسطيني- الاسرائيلي والعربي-الاسرائيلي.

الوقاحة عند افيغدور ليبرمان بلا حدود. يذكّر من لم يدرك بعد ان اسرائيل ترفض مبادرة السلام العربية جملة وتفصيلا. يقلب معادتها رأسا على عقب. ان المعادلة ليست معادلة الارض مقابل السلام، انما هي معادلة مبادلة الاراضي والسكان. يدعو اسرائيل لتتأهب من اجل حل يتضمن تبادلا للسكان الى جانب تبادل الاراضي. يدعو ان تكون مسألة مواطني اسرائيل العرب احدى القضايا المركزية على طاولة المفاوضات.

السبب الذي يعطيه ليبرمان لهذا الانقلاب هو رفض الفلسطينيين الاعتراف بيهودية دولة اسرائيل. لأن الفلسطينيين يرفضون الاعتراف بيهودية اسرائيل، يجب ان يجري تبادل سكاني «يخرج» بموجبه فلسطينيو اراضي الـ٤٨ و«يدخل» المستوطنين اليهود ومعهم اراضي الضفة الغربية والقدس الشرقية التي بنيت عليها مستوطناتهم واستوعبها الجدار. علما ان البناء الاستيطاني مستمر والجدار يمتد ويتوسع.

هذا ما يجب ان يجري اذا رفض الفلسطينيون الاعتراف بيهودية دولة اسرائيل. ولكن، ماذا لو اعترفوا بيهودية دولة السرائيل؟ النتيجة ذاتها. اذا قبل المفاوض الفلسطين الاعتراف بيهودية اسرائيل، يكون قد اعترف بحق اسرائيل في ان تجري تبادلا للسكان لتتخلص من الاقلية العربية في اسرائيل، طالما انه من غير المنصف، كما يدعي ليبرمان، ان لا تضم الدولة الفلسطينية يهوديا واحدا في حين تضم الدولة اليهودية اكثر من مليون عربي!

مع ان هذا الرأي صادر عن الشخص الثاني او الثالث في تراتبية الحكومة الاسرائيلية، سارع ليبرمان الى التصريح بانه يورد هذا الاقتراح بالصفة الشخصية.

يمكن الرد على هذا اقتراح التبادل السكاني هذا باقتراح بديل. لماذا، مثلا، لا يجري تبادل للسكان بين الدول العربية واسرائيل؟ فتستعيد الدول العربية الجاليات اليهودية التي غادرتها وتستعيد دولة اسرائيل اللاجئين الفلسطينيين. ما من شك في ان معارضي التوطين في لبنان سوف يسرّون لهذا الاقتراح.

الحقيقة ان الاقتراح ليس رأيا شخصيا لكاتب هذه السطور. انه مشروع تقدم به الاخ ابو مازن في السبعينات، بما هو عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، واشتغل عليه لسنوات واقام له مؤسسة ابحاث واجرى له الاتصالات، بل الّف عنه الكتب. يستطيع الرئيس محمود عباس (الاخ ابو مازن) ان يوفر على نفسه عناء التشاطر الكلامي بأنه اعترف بدولة اسرائيل في اوسلو، و«سمّوها ما شئتم» – وكأن الموضوع موضوع تسمية- فيقدم هذا الاقتراح، بالصفة الشخصية، طبعا. كما يستطيع متحمّس فلسطيني او عربي، أن يرد على اقتراح التبادل الليبرماني بإقتراح للتبادل السكاني يعود بموجبه اليهود الذي هاجروا الى فلسطين بعد العام ١٩٢٠ الى بلادهم الاصلية، في مقابل عودة اللاجئين الفلسطينيين هم ايضا الى بلادهم، فلسطين. ما دام البحث هو على مثل هذا المستوى «الجذري»، فعلى المستوى ذاته يجب ان يكون التفاوض والنقاش.

السيد ليبرمان صريح وعنصري ومتهم بالفساد. اما رئيس وزرائه، فمناور ودجال. ولسنا نتجنى عليه اذا تهمناه بالكذب. فقد اعترف هو نفسه بأنه كذب على ادارة الرئيس بوش الاميركية في صدد تجميد المستوطنات، إبان ولايتة السابقة، من اجل نسف اتفاق اوسلو. ويجب الاعتراف له بأن كذبه كان مجزيا.

للمزيد من توضيح صيغة «دولتان لشعبين»، يدعو نتنياهو الى «تقرير المصير» للشعبين. يقول انه طالما ان اسرائيل اعترفت، في اوسلو، بحق الشعب الفلسطيني في «تقرير المصير»، على محمود عباس والفلسطينيين الاعتراف بحق الشعب اليهودي في تقرير المصير «في وطنه التاريخي».

كذبة! لم تعترف اسرائيل للشعب الفلسطيني بحق تقرير المصير في اتفاق اسلو؟ اعترفت بمنظمة التحرير ممثلا للشعب الفلسطيني وبإقامة بسلطة انتقالية ذاتية علي الضفة الغربية وغزة. اما الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، على ارضه، فيعني في اقل تقدير: حقه في الاستقلال والسيادة على ارضه، حقه في الانفصال او الوحدة مع اي شعب او دولة في الجوار، وحقه في بناء دولته المستقلة. فأين في مواقف الحكومات الاسرائيلية ظهر الاعتراف بالاستقلال الناجز والسيادة الكاملة للشعب الفلسطيني على ارضه، حتى في حدود الاراضي المحتلة عام ١٩٦٧، ولم يبق منها قيد البحث اكثر من ثلاثة كانتونات منفصلة فيما رئيس وزراء اسرائيل يصر، في تصريحه ذاته، على بقاء الجيش الاسرائيلي على الحدود بين الضفة الغربية والاردن، منعاً لقيام «جبهة شرقية» ضد اسرائيل، حسب تعبيره.

وهل من حاجة لأن نكمل ملاحقة الكذاب الى باب داره، فنسأله اين يقع «الوطن التاريخي» للشعب اليهودي؟ واين تقع حدود دولة اسرائيل؟ وهل يعترف نتنياهو للشعب الفلسطيني بحق تقرير المصير فقط او بحق تقرير المصير «في وطنه التاريخي»، وطالما اننا نبحث في صيغة «دولتين لشعبين»، فأين يقع «الوطن التاريخي» للشعب الفلسطيني ليمارس عليه حق «تقرير المصير» الذي يزعم السيد نتنياهو انه اعترف له به؟

وفق منطق التوازي ذاته بين الدولتين لشعبين، يخلص نتنياهو لاقتراح «حق عودة» للشعبين ايضا. يقول:«مثلما منحتْ اسرائيل كل يهودي في العالم حق الهجرة الى اسرائيل، على الدولة الفلسطينية الجديدة ان تسمح للفلسطينيين في جميع انحاء العالم بالهجرة الى اراضيها. ان اللاجئين الفلسطينيين لا يملكون الحق في المجيء الى الدولة اليهودية».

هذا اوضح رفض رسمي علني اسرائيلي لحق العودة الفلسطيني، المكرّس في قرار الجمعية العمومية للامم المتحدة (بتاريخ ١١ كانون الاول ١٩٤٨). بل الافدح، والاوقح، هو انقلاب المعادلات مرة اخرى. ليست اسرائيل هي من يمنع اللاجئين من «العودة»، انها السلطة الوطنية الفلسطينية التي تمنعهم من العودة الى الضفة الغربية وغزة او ما بقي منهما. صدّق او لا تصدق. هل من احد يسأل هذه الدجال اذا كان يوافق على ان يدخل أربعة ملايين ونصف المليون فلسطيني الي الضفة الغربية وغزة اصلا؟

ليس هذا تمرينا في تحليل النصوص. لكنه تنبيه الى ان هذا المستوى من التصعيد الجذري في الاهداف والمطالب، لا يواجه بالجزئيات والتشاطر الكلامي.

مع اننا لسنا ندري بعد ما حدود الدولة التي اعترفت بها منظمة التحرير الفلسطينية او تلك التي إعترفت بها مبادرة السلام العربية سلفا، اقترب نتنياهو وليبرمان كثيرا من صياغة شروط الاستسلام الاسرائيلية على الشعب الفلسطيني والعرب عموما. ولم يعد الحديث عن برنامج «تصفية» من قبيل المبالغة الدعاوية او الارتياب المؤامراتي.

ولمن يعتقد ان هذه كلها مناورات اسرائيلية لاستدرار التنازلات، فليقتدي بالعدو. ولتُطرحْ شروط الاستسلام الفلسطينية العربية على اسرائيل! على افتراض ان في ذلك ما يستدر التنازلات لصالح الفلسطينيين والعرب مجتمعين.

المواضيع
علاقات دولية
البلدان
الاردن العالم العربي فلسطين لبنان
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
إسرائيل الاحتلال الإسرائيلي السياسة الخارجية الأميركية الصراع العربي الإسرائيلي فلسطين

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.