التقصير!
فواز طرابلسي
إذا كان من المبكر توقع السياسات التي سوف ينتهجها باراك حسين أوباما تجاه منطقتنا والعالم، فليس مبكراً التعليق عما أعده العرب الرسميون لاستقبال الرئيس الأميركي الجديد، ولا هو مبكر المقارنة بالأداء الإسرائيلي في الموضوع ذاته.
بدلاً من أن يكون العرب هم الذي يواجهون أوباما بالضغوط الاستباقية، كمثل الإعلان عن تعليق مبادرة السلام العربية، انصبّ الاستباق والضغط من الطرف الإسرائيلي: خمسة آلاف طن من القنابل على غزة خلال الفترة بين الولايتين. هكذا أفادت دولة الإرهاب حتى اللحظة الأخيرة من الدعم المطلق لإدارة بوش من أجل فرض أمر واقع جديد على الرئيس الجديد. من جهة ثانية، أعفت إسرائيل حامل مشعل »الأمل والتغيير« من تعميد ولايته بدماء أطفال ونساء غزة. ومع ذلك، لم يطل صمت الرئيس المنتخب قبل أن يدلي ناطق باسمه أن أوباما »يتفهّم حاجة إسرائيل للرد«.
وفي معرض الاستباق أيضاً، استقبلت دولة الإرهاب حفلة تنصيب الإمبراطور الأميركي الجديد بوقف لإطلاق نار من طرف واحد وبسحب معظم قواتها من داخل غزة. وعلى سبيل الاحتياط، ها هي تسيبي ليفني، الإرهابية، ابنة الإرهابي، تستبق أية محاسبة دولية لإسرائيل، بالإعلان أن حركة »حماس« هي المسؤولة عن الحرب في غزة وهي المسؤولة عن الدمار.
لولا المسلخ في غزة، لأمكننا القول إن الموقف الرسمي لم يعدّ شيئاً لاستقبال أوباما. والحال أن عدوان ٢٢ يوماً على قطعة من الأرض العربية والشعب العربي أوقع حسب آخر إحصاء ١,٥١٤ شهيداً و٥,٤٠٠ جريح، ألف منهم في حالة خطرة، بدلاً من أن يحفز الرسميين العرب على ممارسة أي نوع من أنواع الضغط، أدى المفعول العكسي: المراوحة بدل الاستباق، الانقسام بدل الوحدة، الانتظار بدل المبادرة.
قمة متأخرة وفاشلة على مستوى وزراء الخارجية العرب تصل متأخرة إلى الأمم المتحدة وتستصدر قراراً من مجلس الأمن لا تلتزم به إسرائيل: ما يكفي لشل دور جامعة الدول العربية، وأمينها العام المصاب بخوف الغرق، وتهميشها بطريقة غير مسبوقة في تاريخها.
لا قمة الدوحة ولا قمة الكويت طالبت الإدارة الأميركية الجديدة بشيء. لا احتجاج مثلاً على قرار الكونغرس الأميركي تأييد المسلخ الإسرائيلي في غزة بشبه إجماع أصواته. ولا خطر في بال أية وزارة خارجية عربية تقديم شكوى رسمية على شحن الولايات المتحدة ألف قنبلة من أحدث قنابلها الذكية من طراز »دجي. بي. يو ٣٩ س« إلى إسرائيل قبل أيام معدودة من العدوان على غزة.
في الدوحة وشرم الشيخ، لم يفد إدخال إيران في الأولى وتركيا في الثاني إلا للتشديد على أن العرب صاروا أشبه بـ»الرجل المريض« في المنطقة، بحاجة إلى التدخل الدائم لتلك القوتين الإقليميتين. أما الاستعاضة عن غياب محمود عباس بحضور الثلاثي مشعل ـ شلّح ـ جبريل، فلم يسهم إلا في تكريس الانقسام الفلسطيني. صحيح أن »حماس« تملك أكثرية برلمانية منتخبة، ولكن الصحيح أيضاً أن محمود عباس المنتهية صلاحيته لا يزال رئيساً للسلطة الوطنية إلى أن يخلفه رئيس جديد. والأصح أن مواقف عباس قضت على أي أمل له في الصلاحية الوطنية الفلسطينية.
في القمة الاقتصادية في الكويت، عاشت المصالحة العربية نصف نهار وانطفأت. حاول العاهل السعودي التكيّف مع التغيّر في موازين القوى الفلسطينية والعربية جراء صمود أهل غزة وعجز الجيش الإسرائيلي عن تحقيق أهداف حقيقية في حق حركة »حماس«، فدعا إلى استعادة وحدة الصف العربي معلناً أن مبادرة السلام العربية، التي ارتفعت الأصوات في قمة الدوحة تطالب بإسقاطها قابلة لإعادة النظر. هبّ أولمرت لنجدة طويل العمر بمسعى لإطالة عمر مبادرته فأعلن تأييده لها.
حقيقة الأمر أن الموقف الرسمي العربي استقبل باراك أوباما بمبادرتي سلام. الأولى هي »مبادرة السلام العربية«، ذات الرعاية السعودية ـ المصرية وهي المبادرة المنتهية صلاحيتها ليس فقط لأن لا شريك إسرائيلياً لتحقيقها، بل أيضاً وخصوصاً لأن قواها قد ضمرت إلى أبعد حد، بعد انتهاء صلاحية ركيزتها الفلسطينية، محمود عباس، وعصيان غزة وحركة »حماس« على الكسر. ومع أن الفارق لا يبدو كبيراً في شروط الوحدة الفلسطينية بين حكومة »وفاق« تدعو إليها جماعة السلطة وحكومة »وحدة وطنية« تدعو إليها حماس، إلا أن الانقسام المستجد بين الضفة والقطاع يدق مسماراً إضافياً في نعش مشروع الدولة الفلسطينية.
باختصار، ترعى السعودية مبادرة سلام لا تأثير لها بصددها في بلدين من البلاد الثلاثة المعنية بها: سوريا ولبنان. ولنقل في سبيل الدقة إن لها في لبنان نصف الموقع الذي لها في فلسطين، وذلك بانتظار الانتخابات النيابية اللبنانية.
في مقابل ذلك، تنهض مبادرة سلام برعاية سورية ودعم إيراني، ليست تخرج إطلاقاً عن منطق الحلول الثنائية وتقوم على معادلة »الجولان مقابل السلام«. وليس من قبيل الصدفة أن يستقبل الرئيس بشار الأسد أوباما في مقابلة »دير شبيغل« بالتأكيد على معادلة كيسنجر »لا سلام من دون سوريا«. وإذا كان يعلن أن لا تفاوض مع الحكومة الإسرائيلية الحالية ـ وهي المنتهية الصلاحية أيضاً ـ لأنها »حكومة ضعيفة«. إلا أنه يطالب بحكومة قوية لتحقيق السلام. وشعور الرئيس الأسد بالقوة مردّه أنه يستطيع التفاوض لا باسم سوريا وحدها بل باسم المقاومتين اللبنانية والفلسطينية أيضاً. فعلى ما قال مستشار للوفد السوري في المفاوضات غير المباشرة في أنقرة، المقاومات لا تنتصر، الدول هي التي تنتصر. والمقاومات تساعد الدول فقط على الذهاب إلى طاولة المفاوضات من أجل… السلام.
أخيراً، تستحق القمة الاقتصادية في الكويت النظر في ما قدمته في مجال اقتصاديات النزاع العربي ـ الإسرائيلي. لم ترد المقاطعة الاقتصادية العربية لإسرائيل على جدول الأعمال، ولا جرى التطرق إلى الخروق التي تمزقها إرباً من خلال إمداد إسرائيل بالغاز والنفط العربيين ناهيك عن الأشكال المختلفة من التبادل التجاري بين غير دولة عربية وإسرائيل.
والمفارقة الفاجعة في الأمر هي مدى التستير على تلك المبادلات ومدى تخفيها وراء خفاء الرقابة والمنع. نعرف مثلاً أن إسرائيل تبيع الأردن ماء، بعد أن سرقت معظم مياه نهر الأردن وإذ هي تحرم فلسطينيي الضفة الغربية حتى حق حفر الآبار من المياه الجوفية تحت أرضهم. ونعرف أن إسرائيل قد توسطت لدى الولايات المتحدة لكي توقع واشنطن معاهدة حرية تجارة مع عمان.
نسينا: في اليوم العشرين ووقف النار على الأبواب، أعطت قطر مهلة أسبوع واحد لأعضاء المكتب التجاري الإسرائيلي لمغادرة الإمارة. لعله أيضاً خطوة من خطوات الاستباق!
في المقابل، قررت القمة الاقتصادية إعادة إعمار غزة والعناية بالوضع الصحي لسكانها. ولكن غاب عنها البحث في الأضرار قبل الإعمار وفي التعويضات قبل التبرعات النفطية.
في مجال المقارنة أيضاً: جهّزت إسرائيل لائحة بخسائرها تمهيداً للمطالبة بالتعويض. فالرجاء أن نتأمل معاً فداحة الخسائر بالتفصيل: ١,١٢٠ طلب تعويض، بينها ٨٩١ طلباً تتعلق بأضرار في مبان و٢٨ عائلة دون مأوى.
بانتظار أن نعرف لمن سوف تتوجه إسرائيل للمطالبة بالتعويض عن خسائرها، هذه لائحة غير مكتملة بخسائر أهل غزة: ٤,١٠٠ مبنى متهدم بينها ٢٥ مدرسة ومستشفى وجامعة و١٥ مسجداً و١,٥٠٠ منشأة اقتصادية، وأكثر من ٥٠ ألفاً من المشردين دون مأوى، وما يوازي ٥٠ كيلومتراً من الطرقات المعطلة، إلخ.
عفواً من السذاجة. ولكن، عادة تجري مطالبة من دمّر بأن يعوّض عما دمّره. أما حالنا فآخر. إسرائيل تدمّر. وعرب النفط يسارعون إلى التبرع بتمويل إعمار ما قد هدّمته إسرائيل. قد يقال: وما الذي تريده؟ أن لا تجري إعادة إعمار غزة؟ حاشا وكلا. ولكن… أولاً المليار و٧٥٠ مليونا التي تبرعت بها العربية السعودية وقطر والكويت ليست بالكفارة عن المواقف السياسية لأي من هذه البلدان. ثانياً، كل المطلوب أن تجري ولو لمرة، حملة عربية في العالم تطالب إسرائيل بالتعويض عن أضرار حرب من حروبها. إن العمل على محاسبة إسرائيل على ارتكابها جرائم حرب في حق المدنيين أمر ضروري. ولكن على المقدار نفسه من الأهمية يقع العمل من أجل معاقبة إسرائيل مالياً على جرائمها الاقتصادية من تخريب البنى التحتية والتدمير المنهجي المتعمّد وإنزال الخسائر المادية.
نتحدث وكأن مسيرة الإعمار لغزة قد بدأت.
لا تكتفي إسرائيل برفض إدخال أية مساعدة إلى »حماس« تدعمها في ذلك الجماعة الأوروبية، والسلطة في رام الله وعدد من الدول العربية، ناهيك بالولايات المتحدة الأميركية. الأفدح أن المنسّق الإسرائيلي الجديد لشؤون إعادة الإعمار، يستحاق هرتزوغ، وضع لائحة بالمواد الممنوع إدخالها إلى غزة، أو التي يجب أن تخضع للتقنين. تضم هذه الإسمنت والحديد بحجة أن »حماس« قد تفيد من الإسمنت لأعمال التدشيم والتحصين ومن الحديد لصناعة صواريخ جديدة!
قارن بين الأداء الإسرائيلي في استقبال أوباما وبين الأداء الرسمي العربي. وقارن هذا الأخير باستقبال الجماهير العربية للمواقف الأميركية التي عبّرت عنها أوسع تظاهرات عربية من المحيط إلى الخليج منذ حرب السويس .١٩٥٦
