العودة إلى المحاضرات والمقابلات
محاضرات ومقابلات مقابلات

التعريف والمسيرة

إلى التاريخ من باب التجربة لا الجامعة، وإلى الكتابة بوصفها «تصنيعاً» للتجارب: هكذا غمق لون «الفتى بالأحمر».

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

التعريف والمسيرة

بدايةً، ثمّة سؤال لا بدّ منه، وهو: نعرف فوّاز طرابلسي كاتبًا وباحثًا ومؤرّخًا ومُفكّرًا أيضًا، ولكنّنا لا نعرف فعليًا ظروف لقائه بالتأريخ والسياسية. هلّا تكرّمت وحدّثتنا عنها؟

الجدّ شاعر، والأخوال شعراء أيضًا، بمعنى أنّ الظروف كانت مهيأة ربّما لتُصبح شاعرًا أو كاتبًا أو رسّامًا، ولكنّك تركت كلّ ذلك جانبًا وانخرطت في السياسة وبعدها كتابة التاريخ. هل تشعر الآن بأنّك أديب ضلّ طريقه إلى السياسة؟ أم ترى نفسك اهتديت إليها؟ وعند الكتابة في السياسة أو التاريخ، ألّا تُراودك الرغبة في كتابة قطعة أدبية خالصة؟

#الجد عيسى إسكندر المعلوف مؤرخ ولغوي وصحافي. أولاده هم الشعراء فوزي وشفيق وريضا. اورثني الجدّ مرض الربو وعلّمني حب اللغة العربية والقراءة. كان منزلنا في بيروت رطبا لا يناسبني فكنت أنام في منزله القريب من منزلنا واقضي بعض الوقت صيفاً في منزله بزحلة. الوالد من اسرة دبّاغين من مشغرة، تحوّل من تجارة الجلود الى الفندقة، ومشغرة بلدة مختلطة دينيا، البقاع الغربي. أسهمت البيئتان في نشأتي. ولكن لا هذه ولا تلك تختصرني.

للحقيقة كنت اطمح في ان أكون رساما أكثر مني اديبا. ولا أزال أهوى الرسم. لم اعتبر نفسي مرة سياسيا، بل مناضلا من اجل اشتراكية الحرية والمساواة. كونتني احداث بلادي. كان الحدث المؤسس هو العدوان الثلاثي على السويس. وصلت الى التاريخ عبر التجارب ولم ابدأ منه. حاولت التعبير عن التجارب التي عشتها بعدة وسائط: اليوميات (يوميات حصار بيروت ١٩٢)، النقد الفني (غيرنيكا -بيروت)، النقد الفكري (صلات بلا وصل – في نقد فكر ميشال شيحا والاديولوجية اللبنانية) الفولكلور (مسرح فيروز والرحابنة؛ إن كان بدّك تعشق) الاقتصاد الاجتماعي (الطبقات الاجتماعية والسلطة السياسية في لبنان)، والعديد من الكتب والكتابات السياسية، الخ. والميزة الكبرى للكتابة التاريخية انها قادرة على الجمع بين كل هذه الفروع المعرفية.

بما أنّنا نراوح بين الماضي والحاضر، اسمح لنا أن نسألك عن صورة الفتى بالأحمر: ما الذي تبقّى منها؟ لبنان الاشتراكي، منظمة العمل الشيوعي، الحرب الأهلية، ظفار، اليمن، وغيرها. ما الذي تبقّى من صورتك في تلك المرحلة؟ ما الذي ظلّ ثابتًا؟ وما الذي تغيّر أيضًا؟ ولماذا؟

-الفتى بالأحمر، بلا مزدوجين، لم يبهت لونه، بل غَمُق وتوهّج. اشعر اني أكثر جذرية مع العمر واكثر غضبا على هذا العالم الذي يزداد ظلما وظلاما واكثر اقتناعا انه لا يمكن للرآسمالية ان تكون نهاية التاريخ وانه يمكن المصالحة بين قيمتي الحرية والمساواة. من جهة ثانية، انا رجل محظوظ لأنه أتيح لي ان أعيش عدة ثورات وتجارب نضالية وان اشهد احداثا تاريخية وان أكون وثيق الصلة بثورة المعدمين في جبال ظفار، وبأول محاولة لبناء نظام ماركسي في المنطقة العربية، في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، والثورة الجزائرية وبدايات المقاومة الفلسطينية، الخ. هذه التجارب كانت ولا تزال تشكل دافعي الاول للكتابة ومادة مقالاتي وابحاثي ودراساتي مؤلفاتي. ومع ان حياتي النضالية بدأت مع العدوان الثلاثي على مصر، قررت البدء الفعلي بالكتابة بعد حصار الجيش الإسرائيلي لبيروت وانطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية صيف وخريف العام ١٩٨٢. أرى الي كتاباتي على انها تصنيع لتجاربي. واعتقد ان الواجب الاول لأمثالي هو ان أشرك الأجيال الجديدة بها.

الثورات العربية

ذكرنا للتوّ أحداث وعناوين مختلفة رسمت فصلًا مُهمًّا من تاريخ المنطقة. والآن، هناك أحداث جديدة تُحاول رسم فصل جديد لتاريخ المنطقة؛ ثورات شعبية وثورات مضادّة واضطرابات لا تعدّ ولا تحصى. كيف ينظر فوّاز طرابلسي إلى هذه الأحداث؟

هي ثورات مركّبة تداخل فيها تزايد وطأة أنظمة الاستبداد مع الاحتجاج على الاثار الاجتماعية للتطبيقات النيوليبرالية على فئات شعبية واسعة بما فيها الشباب والطبقات المتوسطة.

اسميتها «ثورات بلا ثوار» للإشارة الى الفارق بين عفوية انطلاقتها وبين حاجاتها الى ارتقاء الفاعلين الى مستوى ما هم فاعلون: اختلط فيها الإصلاح بالتغيير الجذري. طرحت الحد الأقصى ولم تحقق الحد الأدنى المطلوب. واجهتها قوى اكبر منها فيما كان تكتيكها شبه الوحيد التظاهر والاعتصام باسم السلمية و«السيطرة على الفضاء العام». رفض الثوار التفاوض وظلّت شعاراتهم مطلقة: اسقاط النظام. وعندما فاوض بعض من شبابهم، في اليمن مثلا، أمكن استيعابهم في «المبادرة الخليجية» وفي رطانة «العدالة الانتقالية» و«تسوية النزاعات» و«حقوق الانسان» (الحريات والحقوق الفردية مع استبعاد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية) التي افسحت في المجال للانتقال من الثورة الى الحرب بل الحروب.

استدرجت الثورات منذ البداية التدخل الإقليمي والخارجي: تدخل قوات الحلف الأطلسي في ليبيا، لكنه سياسي ومتسّق بناء على ترسيمة وضعتها الإدارات الاميركية وفق أولوياتها في «الحرب الكونية ضد الإرهاب»: حلول نائب الرئيس محل الرئيس والمساهمة في تسليم الحكم للإسلام المعتدل، متمثلا بالأخوان المسلمين خصوصا. هذا ما حصل في مصر وتونس والمغرب واليمن. واجهت قوى التغيير ردّة مضادة للثورة مزدوجة في اقل تقدير: الانظمة الاستبدادية ذاتها والجهادية الإسلامية. هذا عندما لم ينكسر الجيش، عندما انكسر، تحوّلت الثورة السلمية الى نزاعات أهلية دموية استدعت التدخلات الخارجية الإقليمية والدولية متعددة الأطراف في سورية واليمن خصوصا.

نحن الآن امام الموجة الثانية من تلك الانتفاضات في الجزائر والسودان والعراق ولبنان. الحكم المدني في الجزائر والسودان. تعاظم موضوع الفساد في ثورات الموجة الثانية، وهو أحد ابرز مظاهر النيوليبرالية عالميا والاختلاط بين المال العام والمصالح الخاصة. اشهر من ال لم تثمر غير في أجزاء تعديلات جزئية حيث كان ثمة حياة حزبية ونقابية، كما في السودان، امكن

المقاربة الليبرالية تركّز على الفساد والحكم المدني متناسية القضايا الاجتماعية التي فجّرت تلك الانتفاضات: تقلّص خدمات الدولة، رفع الدعم على السلع الضرورية، تقليص التوزيع الاجتماعي، وتسليع المجتمع، وغلبة الانماط الاستهلاكية.

الديمقراطية، الطائفية، الشعبوية، الاقليات

الحديث عن الثورات العربية يستدعي الحديث عن الديمقراطية التي سبق وأن تناولتها في كتابك “الديمقراطية ثورة”. سؤالنا: ألا ترى أنّ تحقيق الديمقراطية اليوم بات أمرًا مُستحيلًا عربيًا في ظلّ تصاعد الخطاب الطائفي برفقة آخر شعبويّ؟ ناهيك عن مآزق الدولة الوطنية ومسألة الأقليات. وهل ترى أنّ الديمقراطية قد تكون مخرجًا من أزماتٍ كهذه؟

كيف يرى فوّاز طرابلسي مستقبل الديمقراطية بين خطابات متشدّدة ترى في الديمقراطية عائقًا يحول بينها وبين تطبيق شرع الله، بل واعتداءً عليه أيضًا كونها تنصّ على مبدأ حكم الشعب لنفسه بنفسه؛ وخطابات أخرى شعبوية أوجدت داخل الديمقراطية نفسها توتّرات حادّة متعلّقة بالحرية والمساواة؟

انت قلت: الديمقراطية ثورة. ولا أزال أقول انها ثورة بمعنى انا عملية تحويل جذرية في أنظمة الحكم لتحقيق المساواة السياسية والقانونية بين المواطنين. وهذه لا يمكن ان تأتي فرادى والمطلوب التفاهم عن معناها٬ ما هو مقدّم لنا هو التعددية أي الديمقراطية على الطريقة الاميركية، حقوق الانسان، أي حقوق الافراد، وحرية الأسواق، على حساب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وحقوق الشعوب (حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، مثلا). الطائفية ليس خطابا او ليست مجرد خطاب، انها اشكال من التمييز/الحرمان بين جماعات تعيّن حسب تخومها الديني، في علاقاتها المتفاوتة بالسلطة السياسية والعسكرية وفي الوصول الى الموارد وخدمات الدولة وفرص العمل والترقّي.

تفكيك دكتاتورية الحزب الواحد

يرى عدد كبير من المثقّفين العرب أنّ فشل بناء الدولة الوطنية سببًا رئيسيًا لأزمات الطائفية والأقلّيات وغيرها. وأنّ تحقيقها في المقابل وتحويلها أمرًا واقعًا، قد يكون المخرج الوحيد منها. ولكن بعد بلوغ عملية التكتّلات المذهبية والنزوح نحو الطائفية والتخلّي عن الهوية الوطنية مرحلة مخيفة، هل لا يزال ممكنًا إقناع الشعوب العربية بفكرة الدولة الوطنية؟ ألم تعد الفكرة ضربًا من الخيال؟

النزاع العربي الإسرائيلي وارث التجزئة وما يرتبط بها من خرافات في تحميل الخارج المسؤولية عن

نموذج عن عملية هو النظرة المعادية للكولونيالية الى التدخلات الخارجية في المنطقة وتلخيصها بدعم اميركا لاسرائيل وبالوجود العسكري الاميركي عدد من بلدان المنطقة. مثال ساطع على هذا الوعي هو خطاب السيد حسن نصرالله بعيد مقتل قاسم سليماني في العراق. اعتبر ان مهمة ما يسمّيه «محور المقاومة» هي اخراج الوجود العسكري الاميركي من المنطقة واستطرد قائلا ان هذا يحل بذاته موضوع إسرائيل فما ان يرحل الاميركيون سوف يجمع الإسرائيليون اغراضهم ويغادرون فلسطين دونما حاجة الى عناء اخراجهم منها.

المشكلة في هذه النظرة ليس انها مغالية في العداء للإمبريالية، وليست من النمط الذي يردّ عليه على طريقة المرتدين من القوميين واليساريين بأنها تنسب كل الأخطاء للخارج، مشكلتها بل انها قاصرة في رؤياها لوقع الامبريالية ومواقعها وآثارها في المنطقة.

مشكلتنا سيطرة مخطط اوحد على مخيلتنا. يمنع

لم يحطم أحد حدود سايكس بيكو. الحدود هلامية في المنطقة. وسايكس بيكو ليست خريطة ولا هي حدود.

وداعش انتهت كدولة وهي باقية كاممية إرهابية قيد الاستخدام من هذا الطرف او ذاك. ما ورثناه منها غير القتل، هو حرب كونية ضد الإرهاب هي السياسة المطبقة على منطقتنا والتي باسمها يجري تبرير السيطرة والحروب والعدوان والأنظمة القائمة.

وحدة تكسرت. من المسؤول؟

لا كسر ولا محافظة. التجزئة تحرسها مصالح امبريالية ومحلية.

الوحدة العربية تحولت الى أداة سيطرة قطرية في المشرق العربي خصوصا. الوحدة العربية ضرورية وهي فرصة المنطقة للتنمية وتوزيع عادل لخيراتها ولاحتلال مكانتها بين أمم الارض. مع كل اشكال التنسيق والتعاون الاقليمي ابتداء من الاتفاقيات التجارية فصاعدا. طرح الفكر القومي ثنائية قاتلة: وحدة/تجزئة. ولدت محاولة وحيدة لتجاوز هذه الثنائية هي الجامعة العربية واغتالتها المصالح المتضاربة للطبقات الحاكمة. الغائب عن مسار الانتقال. حققت أوروبا تدريجيا وحدة إقليمية عابرة للقوميات المتناحرة تاريخيا بتغليب الاقتصاد. عندنا، نتحدث عن الامبريالية ولا مرة عن مفاعليها. ربط كل بلد على حدة بطرف ما من القوى الغربية، مصادرة الثروات الطبيعية، والقسم الأكبر من أموال النفط، وتحويل أموال النفط الى استمثارات في سندات الدول او ودائع المصارف الغربية او استثمارات في تغذية عسكرة المنطقة بما هي احد الوسائل الممتازة لبيع الاسلحة، المدى العربي بما هو مدى للتنمية، الردّ على التحدي الإسرائيلي،

[ليس صحيحا ان التيار الرئيس في الصهيونية يطمح الى تفكيك المنطقة الى كيانات مذهبية واثنية، مصلحة الصهيونية في أنظمة عسكرية قوية تحمي امن إسرائيل. هذه الانظمة لا توفر مثل تلك الحماية]

لست افهم إشكالية الدولة الوطنية، اذا كان المقصود منها تكرار معزوفة فشل الدولة الوطنية بما هي nation state الدولة موجودة. وهي تخدم العولمة النيوليبرالية.

مساواة الدولة بالاستبداد. ضد القومية. تحريضنا ضدها من دول هي نفسها قومية وعنصرية ومتفوقة وامبريالية. المهم كيف تطويرها. تغييرها.

استطاعت الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) تحطيم حدود سايكس – بيكو التاريخية بربطها سورية بالعراق، الأمر الذي دفع ببعض الأشخاص الذي حمّلوا فيما مضى هذه الحدود مسؤولية المصائب العربية، للمطالبة بالحفاظ عليها، معتبرين أنّ بقائها ضرورة. برأيك، لماذا هذا التحوّل في الموقف من حدود سايكس – بيكو؟ أي المطالبة بكسرها سابقًا، والدعوة إلى الحفاظ عليها فيما بعد؟

لم تحطّم الدولة الإسلامية في العراق والشام أي حدود. والذين تسرّعوا بالتنبوء عن تحطيم الحدود وقعوا في خطأين. الاول هو تصوّر ان دولة داعش في الموصل وعبر الحدود باقية. في حين كانت كل الدلائل تشير الى انها زائلة، او على الأقل مجبرة على مغادرة احتلال الأرض والعودة الى ما كانت عليه: اممية إرهابية. اما الخطأ الثاني والافدح فهو تصوّر ان هذه الحدود من صنع اتفاقية سايكس-بيكو أصلا وانها مغلقة وان من يحافظ عليها هي القوى الغربية وليس سلطات طبقية وسياسية عربية محلية. كتبت تاريخ اتفاقية سايكس-بيكو وإعلان بلفور في كتاب صدر حديثا. وفي إعادة رواية الحدثين ووضعهما في اطارهما التاريخي من الحرب العالمية الاولى والتسابق البريطاني-الفرنسي على استعمار المنطقة. وابنت عملية استعمارية كاملة في حين ما يبقى في السردية المهيمنة: قوى خارجية تريد ابدا تمزيق وحدة (رمزية-قداسية) للامة، واستمرارية ساذجة لتاريخ المنطقة لا يزال عالقا في الطور الكولونيالي وعاجز عن استشراف تحولات السيطرة والاستغلال الاستعماريين عبر اطوارها المختلفة وصولا الى النيوليبرالية.

ما يستحق التأمل هو امر التجزئة سايكس بيكو من منظار المسؤوليات. هل القوى الغربية وحدها – واشدد على وحدها – مسؤولة عن الحفاظ على تجزئة العالم العربي؟ عملت اميركا وبريطانيا والعربية السعودية على دعم الانقلاب على الوحدة المصرية-السورية (١٩٥٨-١٩٦١). الم يكن من عناصر مساعدة على نجاح الانقلاب العسكري الهزيل، وانفصال البلدين، في أخطاء سياسات النظام الناصري وشركائه في حزب البعث؟ من جهة ثانية، قام نظامان لحزب البعث الوحدوي في سورية والعراق في وقت متزامن، وهو الحزب الذي يقدّم نفسه على انه «ثورة على الحدود». لماذا انقسم الحزب بدلا من ان يوحد البلدين؟ ومن المسؤول؟

على الاجمال، تسهم القوى الغربية في التجزئة او في التوحيد حسب مصالحها. المفارقة الفاجعة في امر التجزئة والتوحيد أنك ستجد ان القوى الغربية قد أسهمت في تحقيق عمليتي توحيد، او تواطأت على قيامهما: دولة الامارات العربية المتحدة، والجمهورية العربية اليمنية.

• في حوارنا كما تُلاحظ يولد السؤال من آخر سبقه. وبالتالي، نودّ أن نسألك هنا عن الأُسس التي وضعت الدولة في تناقض مستمر مع المجتمع المدني. بالإضافة إلى الأسس التي أدّت إلى التسلّط الراهن للدولة على المجتمع؟ وكيف يقرأ فوّاز طرابلسي مستقبل العلاقة بين الدولة والشعب في ظلّ هذا الفشل المستمر في إحداث عملية التحوّل الديمقراطي؟ لا سيما في ظلّ النزوح المستمر نحو الطائفة والبنى الاجتماعية ما دون الوطنية؟

#لست من انصار النظرية التبسيطية التي تقول بثنائية الدولة/المجتمع المدني في تأويلها المعاصر. انها تسطّح العلاقة المتبادلة وتموّه التناقضات او تختزلها الى تناقض واحد. وهذه مقولة أسهمت في تبرير نيو-ليبرالية بتركيز العداء على الدولة من ناحيتين: تحرير السوق والقطاع الخاص من أي تدخل للدولة في التنمية والتوزيع الاجتماعي؛ اعتبار ان كل ضعف للدولة يضعف الاستبداد وينمّي الحريات الفردية.

للدولة امتدادات داخل المجتمع. والمجتمع منقسم الى طبقات تتصارع فيما بينها بما في ذلك على السلطة. وللدولة في بلادنا حيث الدولة المركزية الحديثة حديثة العهد زمنيا، دور أساسي في توحيد المجتمع. وخير مثال على خطورة نظرة تغليب المجتمع المدني على الدولة هو تدمير الدولة العراقية بجريرة نظام الاستبداد الفردي البعثي ما أسهم الى ابعد حد لا بنشوء نظام ديمقراطي مدني وانما بقيام نظام مذهبي عسكري ميليشياوي إعادة تعريف العراقيين بما هم أبناء اثنيات واديان ومذاهب بل مأسس هذه الكيانات. ما مهّد للنزاعات الاهلية، الدموية العنفية حينا والسياسية أحيانا.

أسئلة التاريخ، السرد، الذاكرة

يربط البعض الديمقراطية وتحقيقها وبناء الدولة الوطنية بتيّارات سياسية وفكرية دون غيرها، كالنهضة العربية أو القومية العربية واليسارية أو الليبرالية والإسلام والسياسي وغيره. هل ترى أنّ مقولات كهذه صائبة؟ أي أن هناك تيار أقرب من آخر إلى الديمقراطية؟

لا أزال أقول ان الديمقراطية ثورة.

-أطلنا الحديث في السياسية وأمورها. اسمح لنا بالانتقال باتّجاه التاريخ، وطرح السؤال التالي: في جميع مؤلّفاتك نجد نبرة تأريخية تُجاورها نبرة سردية. وعليه، كيف تنظر إلى الماضي؟ كيف تتعامل مع منتوجه التاريخي؟ هل تراه نصًّا ابداعيًا مبنيًا على تراكيب سردية وبلاغية تصوغ التفسير التاريخي؟ وفقًا لرؤية هايدن وايت. أم لديك رؤيتك الخاصّة؟

-ثمّة علاقة لا بدّ منها بين الخطاب السردي والتأريخ، تختلف بالضرورة بين مؤرّخ وآخر. ماذا عنك؟ ما هي ملامح العلاقة بين التأريخ ونظرية السرد في مؤلّفاتك؟

-كيف ترى النزعات التي بدأت تنتشر مؤخّرًا للمساواة بين التاريخ والذاكرة؟ بل إنّ بعضها ذهبت نحو تفضيل الذاكرة على التاريخ معتبرةً أنّها أكثر أصالة وصحّة ووضوح من التاريخ الذي تراه مصطنعًا؟

-تحدّثنا عن نبرة تأريخية تُجاورها نبرة سردية تُحيل إلى اهتمام واضح بالأدب، يرى البعض أنّه يحكم طريقتك في سرد المعطيات التاريخية. وبالتالي، كيف ترى المقولات التي تُفيد بأنّ وجود التاريخ مرتبط بالخطاب واللغة؟ وبأنّ الموهبة الأدبية، بناءً على فكرة أنّ اللغة الجيدة هي أساس الخطاب الجيّد، تؤثّر في جودة العمل؟

-هل تتّفق مع المقولات التي ترى أنّ السرد مجرّد شكل خطابي حيادي قد يستخدم لتمثيل الأحداث الحقيقية؟ أم تراه، وفق نظريات ومقولات أخرى، المادّة التي تُصاغ عبرها النظرة التاريخية للواقع؟

-كيف ترى دور الاستعارة والكناية والمجاز المرسل في عملية تنظيم المعلومات والمعطيات التاريخية؟ كيف تتعامل معها شخصيًا أثناء الكتابة؟

#هذه كلها تنحل عمليا الى سؤال واحد التاريخ، السرد، الذاكرة.

حرير وحديد

كتابك “حديد وحرير” يذكّرنا بفكرة هايدن وايت حول المحتوى البنيوي الكامن وراء المستوى السطحي الذي تبدو عليه النصوص التاريخية. وبالتالي، أي محتوى يكمن وراء نصوص فواز طرابلسي؟

نودّ سؤالك أيضًا عن رأيك في فكرة أنّ ما يجرّد التاريخ من مكانته كأساس وطيد للحقيقة الوثيقة، ويعلي من شأن السرد بوصفه جوهر التاريخية، هو وصف الكتابة التاريخية على أنّها “كتابة” والتعامل معها على هذا الأساس. إلى أي حدّ تتطابق مقولة كهذه مع كتابك “حديد وحرير” تحديدًا؟ وإلى أي حد تختلف أو تتفق معها؟ ولماذا؟

ترمي عليّ هنا عددا من التقليعات المحدثة عن التاريخ «سردية»، «نسخ خيال» «كتابة» لا يمكن النظر الى التاريخ والتأريخ على انه إما سرد او تخييل و«كتابة» وإما حقيقة وثيقة.

لا يشذّ «حرير وحديد» عن جهدي في التأريخ. انه مكتوب بأسلوب مختلف للتعبير عن مادة مختلفة. من «تاريخ لبنان الحديث» تولدت مادة عن شخصيات واحداث مهّدت للمرحلة الحديثة هي الحقبة الكولونيالية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ر

على حد علمي ان هايدن يرى الى التاريخ على انه قصص من نسج الخيال ولا علاقة لها بالمادة التاريخية. مع انه يريد الانتهاء من ذلك بأن لهذه الطريقة في السرد رسالة: إعطاء معنى لمواضيعنا هو اغتنام الفرصة لخلق مستقبلاتنا.

«حرير وحديد من جبل لبنان الى قناة السويس» كتابة تاريخية مبنية على ابحاث تاريخية غزيرة ومواد تاريخية محققة قدر ما يمكن التحقق في التاريخ ومحكومة بأسلوب مختلف عن الرواية التاريخية العادية هو أسلوب الحوليات مع انها تحترم السياق الزمني ولا تجد نفسها مضطرة للجوء الى استرجاع (فلاش باك) او أي حيلة أخرى من حيل الرواية. املا الأسلوب عليّ بنفسه. اطاره الجغرافي بلدان البحر الأبيض المتوسط والزمني/الستراتيجي: عمليات مجيء ورواح من والى وحواليه: مناضلون اشتراكيون سان سيمونيون الى مصر لتلقيحها باشياوات الحضارة الصناعية (سدود، قناة السويس)، الارستقراطية ليدي هستر ستانهوب، الى الشرق لانتظار عودة المسيح، عاملات حرير فرنسيات لتعليم عاملات الحرير في جبل لبنان تقنية جديدة لفتل خيط الحرير. والزمن هو بداية الازمة المديدة التي ستنتهي بانهيار السلطنة العثمانية ونزاعات داخلية مع انهيار نظام حيازة الأرض وجباية الضرائب العثماني امام تغلغل رأس المال الاوروبي. جيش نابليون الثالث الى بيروت وجبل لبنان، الى المنطقة، الأمير عبد القادر الحسني الجزائري الي بلاد الشام، بعد ان اطلق نابليون الثالث سراحه على امل استخدامه لبناء امارة عربية في الولايات العربية من السلطنة؛ وأخيرا ليس آخرا، الفتى احمد فارس الشدياق الابن الأصغر لاسرة مارونية اضطهدت مرتين: من حاكم جبل لبنان لمشاركتها في العاميات الشعبية ضده، ومن الكنيسة المارونية لأن احد أبنائها تبنّى الهرطقة البروتستانتية فأسر البطريرك وتوفي في الصرح البطريركي، يغادر فارس الشاب الى مصر فمالطا فتونس فبريطانيا ففرنسا الى ان يستقر في الآستانة قبل ان يعود الى بلاده مسلما يكنى بأحمد وابي العبّاس. الصراع الفرنسي-البريطاني على أوجه ومحوره السيطرة على سورية وعلى صفقة القرن: شق قناة السويس.

تروي «حرير وحديد» هو هذه الحقبة الضاجة بالاحداث والنزاعات والروحات والجيئات مركزها البحر: من شماله للجنوب ومن جنوبه للشمال، من غربه لشرقه وبالعكس، ومن دار حوله كله ليعود الى نقطة البدء، الخ لا تخييل في النص، خلا ثلاثة مقاطع غرضها تنفير حدث تاريخي او ملء ثغرة في المادة التاريخية ليس الا.

مثل خيوط الحرير على النول، تتفكك وتلتقي وتنجدل وتتقطع وتفضي الى حدث الذروة: فوز فرنسا على حساب بريطانيا بنيل امتياز شق وادارة قناة السويس، انطلاقا من شراكة عقدها نابليون الثالث مع السلطنة العثمانية على إدارة متصرفية جبل لبنان (١٨٦١-١٩١٥)

حاولت ان استعيده في كتابي الذي لحقه «سايكس-بيكو-بلفور: ما وراء الخرائط» فلم تطاوعني المادة. مع ان الكتاب الاول شكل مقدمة للثاني: مطلع المشاريع الاستعمارية الاوروبية تجاه المنطقة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومباشرة تنفيذها بعيد الحرب العالمية الاولى.

• أخيرًا، ما هي مشاريعك القادمة؟

أحرر واقدّم واعدّ للنشر مذكرات رفيق وصديقي القائد الاشتراكي اليمني جارالله عمر، وأنجز كتاباً عن تجربتي السياسية، على شكل سلسلة مقابلات، واجري عدة أبحاث من المبكر الإعلان عنها قبل ان تدخل في طور الكتابة. هذا بالإضافة الى الاستمرار في التعليم الجامعي والاشراف على اصدار فصلية «بدايات» الثقافية وهي على ابواب عامها الثامن.

المواضيع
تاريخ سياسة
البلدان
العالم العربي
الكلمات المفتاحية
التاريخ الفكري التاريخ اللبناني السيرة الذاتية والمذكرات اليسار اللبناني لبنان مقابلة

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.