حوار مع فواز طرابلسي
تجربته الفكرية
وأثر التحولات الراهنة في الفكر العربي المعاصر
١. يتم الحديث عن تنميط المفكرين العرب بالدعوة إلى القطيعة مع التراث الديني كدعوة علي حرب، والدعوة إلى إعادة تفسير النص الديني مثل نصر حامد أبو زيد أو الحث على قراءة بنية العقل العربي من مثل ماذهب إليه عابد الجابري، بوصفك مفكراً عربياً لك متابعيك أين تجد موقع هذا النوع من التنميط في داخل النسق الثقافي العربي وداخل منظومة التلقي له.
لا مجال للتنميط في الفكر وخصوصا انه لا مجال لاختزال الفكر بمساهمات، على قيمتها، في تأويل الاسلام. عاشت المنطقة خلال ربع القرن الاخير في ظل خطاب مهيمن هو خطاب العولمة النيوليبرالية وردود الفعل عليه. ولم يكن الفكر الاسلامي، او التفكير في الاسلام، بمنأى عن هذا المناخ.
على اهمية انتشار ظاهرة التديّن ووتنامي دور الاسلام السياسي شعبيا وتنظيميا، لا يحتكر الفكر الديني العوالم الفكرية في العالم العربي. الى هذا ان الظاهرتين تنضويان في منظومة اوسع هي تنامي التديّن وتزايد تديين الحركات السياسية والاجتماعية في ظل الفكر الاوحد المسيطر على العالم وهو العولمة والنيولبرالية.
الثقافوية هي الوجه الاديولوجي للعولمة النيوليبرالية القائم على تغليب النظرة الثقافية للحياة، وملحقاتها من نظرية صدام الحضارات، واشكالية الهويات. وانه لمعبّر جدا ان يكون التعبير والتبرير الاديولوجي للسوق النيوليبرالي وتسليع كل اوجه الطبيعة والحياة، هو الثقافة وعمادها الدين. قدّم صموئيل هانتينغن وانصاره هذه النظرة للحياة بما هي البديل عن نظرتين يرى انهما «سقطتا» في التجربة: النظرة الاقتصادية التي سقطت في عرفه مع انهيار المعسكر السوفياتي؛ ونظريات التحرر الوطني التي انتهت فاعليتها مع انحسار الاستعمار عن معظم الاراضي في القارات الثلاث. ولقد وقع عدد كبير من المفكرين العرب والمسلمين، بمن فيهم اسلاميون ايرانيون (كالاصلاحي محمد خاتمي مثلا) في فخ صموئيل هانتينغتن هذا. اخذوا من المعادلة مفردة «الصِدام» واستهولوها ليدعوا في المقابل الى «الحوار»، حوار الحضارات الذي سرعان ما إنحلّ الى حوار بين ممثلين عن الديانات التوحيدية الثلاثة. اي ان دعاة الحوار ارتضوا تعريف هانتينغتن الاختزالي للبشر بما هم مجموعات تتمايز وتكتسب هويتها بما هي «حضارات» تقوم على جواهر وثوابت هي المذاهب الدينية. وهذا ما يفسّر تقسيم هانتينغتن للحضارات الى ارثوذكسية، اي روسيا وملحقاتها، ولاتينية كاثوليكية – اي اميركا اللاتينية – وكونفوشية – الصين – ومسلمة. وتكفي نظرة متمعنة الى هذه الجيوستراتيجيا الكونية انها تصنّف «الحضارات» من منظار الولايات المتحدة الاميركية والتحديات بل الاخطار التي تواجه «الغرب» بقيادتها. حيث تعادل الارثوذكسية الخطر الروسي، والكاثوليكية الهجرة من اميركا اللايتينة والكونفوشية يطل من خلالها شبح الجبروت الاقتصادي الصيني والاسلام… الارهاب.
ولا بد من الاشارة الى المفارقة الفاغرة في الثقافوية: انها تحوّل الثقافة – التي هي ذاتية تخييلية ابداعية انشقاقية شابحة الى المستقبل – الى نقائضها، اي الى جواهر وخصائص تكرارية ثابتة تتحكم بالبشر يشكل الدين نواتها الصلبة، وتشدّها اشكاليات الهوية الى الأصول والجذور والالتفات الدائم الى وراء، الى الماضي.
لنقل ان هذا هو الاطار الكوني لظاهرة محلية هي النمو غير المسبوق للتديّن الشعبي وظاهرة الحركات والتنظيمات الاسلاموية الجهادية التي تسوّغ العنف وتمارسه خلال العقود الثلاثة الماضية. اما على الصعيد المحلي، فقدنشطت الحركات الاسلامية ابتداء من السبعينات والثمانينات في مطلع العهد النيوليبرالي وترعرعت خارج اطار الدولة والقطاع العام والبيرقراطية. اي انها عاشت فيالهوامش بمعنيين: من خلال ارتباطها بالقطاع الرأسمالي الخاص، بما فيه التجارة الداخلية او تجارة التجزىة والخدمات وكل ما أفلت من سيطرة القطاع العام، هذا من جهة ولكنها عاشت ايضا في الهوامش الاجتماعية وسط الطبقات الشعبية وخصوصا وسط الفقراء والعاطلين عن العمل او الفئات المهمشة في الارياف والاطراف. وهذا ما لوّن اقتصاد الاسلاميين بالوان نيوليبرالية معادية للتوزيع الاجتماعي ولتوسيع دور الدولة في الاقتصاد والمجتمع. يحضرني خطاب لافت لاسامة بن لادن عشية الانتخابات الرئاسية التي جاءت باوباما الى البيت الابيض، دعا فيه الاميركيين الى اعتناق الاسلام والاغراء الذي قدّمه لهم: ان لا ضرائب في الإسلام! ان هذا الميل النيوليبرالي للاسلام السياسي يتجلّى لدى حزب العدالة والتنمية التركي مثلما قد تلقاه لدى حزب الله اللبناني.
في عودة الى موضوعنا المباشر، اقول إن محاولات تأويل النصوص الدينية عملية لا تنتهي. والسبب أن مبدأ التأويل هو اعطاء معاني معاصرة لنص ليس معاصرا يفترض فيه انه يقدّم نظرة الى العالم ومباديء ايمان وقواعد سلوك ونمط حياة صالحة لكل آن وأوان. في المقابل، ما لا تفسرّه تأويلات النص، أكانت صادرة عن علمائيين او علمانيين، هو التأويل ذاته، اي تفسير لماذا يغلب هذه التأويل للنص في فترة زمنية معينة وليس في اخرى، وكيف ولماذا ينحسر نفوذه والغلبة لصلاح تفسير آخر. والجواب على هذا لا يكمن في النص وانما في الواقع اي في المجتمع والزمن.
بناء عليه، اود قلب المعادلة بحيث يصير السؤال: ما الذي يدفع بشرا، وشبانا بنوع خاص، الى تبني هذا التفسير/التأويل الجهادي التكفيري للاسلام بما يمليه من إستهانة مفرطة بالحياة الذاتية وبحياة بسائر البشر بهذا القدر من التوحش غير المسبوق تاريخيا يزيد من توحشه استعانته بكل مستحضرات القتل التي ابتكرتها الحداثة.
هذا السؤال لا يجيب عليه نقص الوعي. أعتقد أن الناس يعرفون مصالحهم أكثر من الذين يريدون تعليمهم. وهو لا يفسّر بالعودة الى الماضي وانما بالانطلاق من قضايا وتحولات وانقلابات الحاضر لتفسير استحضار الماضي في خدمة مشاريع في الحاضر او تدّعي بناء المستقبل. فولاية الفقيه شرعنت للجماعة الشيعية توسل السلطة، حتى لا نقول الاستيلاء عليها والاستئثار بها. وذلك في انقلاب كامل للفقه الشيعي السابق ولتصوّر الموقع التاريخي للشيعة بما هم المعارضون التقليديون للسلطات القائمة والضحايا المستكينون للتمييز والحرمان بانتظار عودة المهدي المنتظر يحقق الانقلاب الالفي من ظلم وحرب الى سلام وعدل. وقد جرى لهذا الغرض التوفيق بين السلطة الزمنية والنزعة المهدوية، بحيث صارت الوظيفة الرئيسة للسلطة الزمنية، لا مجرد النيابة عن الإمام بانتظار ظهوره، وانما التعجيل بعودة «صاحب الزمان» بواسطة ما تؤديه السلطة والمؤمنون معاً من افعال.
والامر نفسه يمكن ان يقال عن الجهادية السنّية، دون تناسي التباين في الفقه والموقع. فإن استدعاء الخلافة والسعي لتطبيقها انطلاقا من احتلال الاراضي في شمال العراق وسورية، في القرن الواحد والعشرين، يرى فيه دعاته وممارسوه جوابا على مظلوميات جمعية معاصرة بحق السنّة، في العراق وفي سورية خصوصا، يجري تصعيدها باتجاه تكريس الغلبة السنّية غير المنقوصة في صيغتها السلطانية.
لقلب المعادلة مترتبات لا تقتصر على النتائج المعرفية. وابرزها ان لا حلّ عسكريا للجهادية التكفيرية. في زمن مضى كثر الحديث عن «تجفيف منابع الإرهاب» وكان المقصود به السيطرة على شبكاته المالية. الآن مطلوب «تجفيف المنابع الاجتماعية والاقتصادية للارهاب» وابرزها البطالة، الفقر، انسداد الافاق امام الشباب، وسوء توزيع الثروات، وخصوصا تلك الصادرة عن ريوع النفط والغاز، والهامشية الاجتماعية، وانهيار الارياف، ونبذ الاطراف وتحويل قبائلها والعشائر الى شبكات تهريب وميليشيات ومرتزقة لقوى الداخل والخارج، وتنامي المظلوميات اكانت تطاول اكثريات او اقليات، الخ. لو كانت الموارد النفطية والغازية الفلكية التي تملكها المنطقة قد وظفت لاغراض التنمية وتقريب الفوارق بين مدينة وريف ومركز واطراف وتقليص الفوارق بين الطبقات والجماعات والمناطق وتأمين الحد الادنى من ضرورات الحياة تليق ببشر للجميع، هل كنا شهدنا هذه الانفجارات الثورية وتسابق الميليشيات والمافيات للسيطرة على حقول النفط والغاز وانابيبه وريوعه؟
٢. إذا أردنا الانتقال للحديث عن تجربة فواز طرابلسي وتحولاتها وما السبب في ذلك، هل طرابلسي أعاد النظر في منظومته الفكرية والمعرفية؟ أم تغيرت الظروف المحيطة؟ أم أن بعض الأدوات المنهجية قد أفلست؟
يعجبني الالحاح الدائم على اليساريين للتأكد من انهم راجعوا معتقداتهم ومارسوا النقد الذاتي. ولكن انقلب السحر على الساحر، فها هم يساريون سابقون يمارسون هذا الطقس الديني التكفيري الذي تعلّموه خلال فترة خدمتهم اليسارية (مثلما يقال عن «خدمة عسكرية») الذي يفترض ان اليساري المؤمن مذنبٌ ومنحرف بالتعريف ولا بد له من ان يرتكب خطأ او خطيئة ما وان يحيد عن الصراط السمتقيم، ما يستوجب الاعتراف والعقاب. لست اعرف عن اسئلة مشابهة تتقدم بمثل هذه البداهة والالزام الى يمينيين او ليبرليين او وسطيين او اسلاميين او مؤيدين للسياسات السعودية والقطرية والاميركية في الحروب السورية، مثلا، الخ.
المهم:الفكر بالنسبة لي ينمو وينضج ويتحول ويسعى للاحاطة بالمستجدات والمنعطفات الحاسمة ويراجع نفسه عند الضرورة. والماركسية هي المنهج الخصيب الذي قاد والهَم ولا زال فكري وكتاباتي وممارساتي ونمط حياتي. واني شاهد منذ نهاية الحرب الباردة على هذه الحقيقة: كلما أعلن عن موت الماركسية ودفنها كلما انتفضت بعزيمة متجددة تفاجيء انصارها ذاتهم احيانا. ماركسيتي ماركسية متعددة المصادر الخارجية والداخلية، تغتني بروافد متنوعة من سائر المذاهب والتيارات في الانسانيات والعلوم الاجتماعية ومن مخزون التاريخ العربي والتراث الفكري والثقافي العربي-الاسلامي. والماركسية شكلّت ولا تزال تشكّل عندي نقطة الانطلاق المنهجية والنظرية في البحث لا خاتمة المطاف. فهي كما عرّفها سارتر نظرية التجاوز، تتجاوز نفسها بنفسها باستمرار، لسوء حظ مَن لا يمارس هذا التجاوز في ماركسيته. وهذا ما احاوله.
لم انقلب من النقيض الى نقيضه، خلافا للعديد ممن انقلب إلى ليبراليين وقوميين أو إسلامويين أوعلمانيين أصوليين، حتى لا اتحدث عن الذين صاروا من مثقفي السلاطين والسلطات. ولا ازال اتعجب من اتساع تلك الظاهرة وآسف لها، لا لشيء الا لأن نقيض ما بات يعتبره المرء هو الخطأ نادرا ما يكون بالضرورة هو الصح.
انا مواطن لبناني عربي أتيح له الانغماس منذ المراهقة في تجارب سياسية وثورات ونضالات مختلفة. تفتّح وعيي الوطني مع العدوان الثلاثي على مصر ١٩٥٦، ونما مع الثورة الجزائرية وعاصرتُ انطلاقة المقاومة الفلسطينية وشاركت فيها ومعها، وواكبت حركة التحرر الوطني اليمنية وإرتبطت بعلاقة وثيقة بنظامها اليساري وزرت ظفار في زمن الثورة وكتبت عنها وناضلت الى جانب كافة القوى الوطنية والتقدمية واليسارية في [العراق] والجزيرة العربية والخليج وأسهمت في تأسيس تنظيمين يساريين وتحمّلت المسؤولية القيادية في كليهما كما في هيئات الحركة الوطنية اللبنانية. [واخيرا ليس آخراً شاركت في اطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي للبنان صيف ١٩٨٢] ولا بد من ان اسجّل ان فكري ووعيي في تلك الفترة نما ونضج من خلال المساهمة مع رفاق ورفيقات كانوا المحاورين والمثرين للفكر في «مجموعة لبنان الاشتراكي » وتاليا في «منظمة العمل الشيوعي في لبنان». وانا مدين لهن ولهم بالكثير على الصعيدين الفكري والثقافي، حتى لا اتحدث عن الدَين النضالي. واضيف ان النضج في العمر والفكر يعني ايضا اتساع الصدر قدر اتساع الافق.
يدور قسم كبير من نتاجي مدار محورين: الاول هو ما يمكن تسميته الفكر السياسي والاجتماعي، وافضل تسميته السوسيولوجيا السياسية والاقتصاد الاجتماعي. والمحور الثاني هو ما اسمّيه «تصنيع التجارب» همي فيه هو إعطاء معنى، بل معاني، للتجارب التي عشتها.
بدأت التأليف متأخرا: خلال وبعد الاحتلال الاسرائيلي للبنان ولبيروت العام ١٩٨٢ وتجربة المقاومة الوطنية والاسلامية له. وقد صممت على الكتابة عن هذه التجربة وتجربة العنف الاهلي بعدة أساليب، منطلقاً من ان اضعف انواع الكتابة في هذا المجال هي الكتابة السياسية المباشرة. كتبت المذكّرات باكراً في «صورة الفتى بالاحمر. يوميات في السلم والحرب» (١٩٩٧). ودونت يوميات حصار بيروت العام ١٩٨٢ في «عن أمل لا شفاء منه» (١٩٨٤) ، وقرأت الحرب الأهلية اللبنانية من خلال الحرب الإسبانية والفن في «غيرنيكا بيروت – الفن والحياة بين جدارية لبيكاسو ومدينة عربية في الحرب» (١٩٧٨). واشتغلت على الدراسة النقدية النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي اللبناني، من خلال حياة واعمال ميشال شيحا، الصحفي والمصرفي والكاتب الذي قدّم اكبر مساهمة في بناء هذا النظام والترويج له، في كتابى «صلات بلا وصل. ميشال شيحا والايديولوجية اللبنانية» (١٩٩٩). وفي مجال قراءة التطورات السياسية والاجتماعية من خلال الفن ايضا كانت دراستي «مسرح فيروز والرحابنة: الغريب والكنز والاعجوبة» (٢٠٠٦) ومجموعة مقالات ودراسات في الثقافة الشعبية بعنوان «إن كان بدّك تعشق» (٢٠٠٤). والذروة في هذا المسار هي مغامرة التصدي للتأريخ بما هو العِلم الذي يدمج سائر العلوم في كتابي «تاريخ لبنان الحديث. من إمارة جبل لبنان الى اتفاق الطائف». وكان الدافع الاكبر لكتابته هو التأريخ الحروب الاهلية والخارجية ١٩٧٥-١٩٩٠. من حيث المنهج، حاولت التأريخ من منظار البلد ككل، ورفض اختزال تاريخ لبنان بتاريخ الطوائف او بالتاريخ السياسي بل الربط بين الاقتصاد والسياسة والشغل على التاريخ الاجتماعي.
بدأت الكتابة السياسية باكرا. كتبت عن الثورة الجزائرية عشية الاستقلال وعن القضية الفلسطينية (١٩٦٩) وعن زيارتي لظفار زمن الثورة العام ١٩٧٠ (نشرت لاحقا بعنوان «ظفار شهادة من زمن الثورة») وكتبت مؤخرا شهادتي الشخصية عن حركة التحرر وحكم اليسار في اليمن الجنوبي («جنوب اليمن في حكم اليسار»، ٢٠١٦). من جهة اخرى، تابعت الثورات العربية منذ نطلاقتها وكتبت وحاضرت ونشرت كتاباتي في «الديمقراطية ثورة» (٢٠١٢) و«ثورات بلا ثوار» (٢٠١٤)، الخ.
هذا بمثابة «سي. ڤي» [ثقافي-فكري] للقراء الشباب منهم والاقل شبابا.
فاجأني انهيار الاتحاد السوفياتي ومعسكره بل صدمني بالتأكيد، وتحداني على التفسير والتأويل. الا انه لم يترك عليّ الاثر الذي تركه على المؤمنين في الاحزاب الشيوعية العربية. لم ازر الاتحاد السوفياتي في حياتي وكنت عضوا في تنظيم ممنوع من الصرف في موسكو. وقد كتبت وترجمت عدة دراسات ومؤلفات نقدية عن التجربة السوفياتية. ودعوت باكراً الى بلورة المكوّن الديمقراطي للاشتراكية وإنتقدت نمط البناء الاقتصادي الذي ساد الحقبة البريجنيفية في كتابي «الماركسية وبعض قضايانا العربية» (١٩٨٥). كنت انتمي الى «اليسار الجديد»، ارى نفسي اقرب الى افكار تروتسكي وغرامشي وماو تسي تونغ وتشي غيفارا وللثورات الصينية والفيتنامية والكوبية. [وقد ترجمت باكرا اعمالا لتروتسكي وغرامشي وغيفارا كما ترجمت دراسة قيّمة عن بناء الاشتراكية في الصين لشارل بتلهايم ومجموعة كتابات عن الانتقال الى الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي وكوبا، الى كتابات لقادة في جبهة التحرير الوطني الفيتنامية والافريقية = اميلكار كابرال مثلا]
وقد تتفاجأين اذا قلت لك ان انهيار الاتحاد السوفياتي قد حرر الماركسية من عقيدة سلطوية وقوالب جامدة وايمانية واطلق موجة جديدة من النتاج الماركسي اكثر خيالا وابداعاً وثراء.
اما بالنسبة لي، فلم انتقل الى الليبرالية، لتمييزي بين الديمقراطية والليبرالية واقتناعي بأن الثانية لا تؤدي الى الاولى. ومن جهة اخرى لم اعتبر مرّة ان الهزائم تستوجب التراجع الفكري او النظري او المساومة على الفكر والنظرية.
تعلمت بعض دروس على الاقل في مراجعتي لتجارب الاشتراكية المتحققة.
الدرس الاول انه يجب النجاح في انتاج الثروة (بالتنمية والتحديث وإعلاء قيمة العمل المنتج وغيرها) من اجل التمكّن من توزيعها بطريقة أعدل بين المواطنين. وقد أعانتني تجربتي اليمنية على اكتشاف هذه القاعدة وتطبيقها العكسي في المساواة في الفقر او التقشف.
الدرس الثاني، هو ضرورة الاعتراف بلحظة الديمقراطية السياسية على انها مرحلة تاريخية متكاملة. وان حرق المراحل على افتراض امكان القفز فوق تلك المرحلة الى لون من الوان الديمقراطية المسمّاة «مباشرة» (مجالسية مثلا) لن يؤدي الا الى الدكتاتورية، كما حصل في التجربة السوفياتية.
الدرس الثالث، ان تجاوز الديمقراطية السياسية-القانونية باتجاه الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن ان يتم الا في اطار الديمقراطية السياسية. الدرس الرابع، هو ضرورة إعتماد النظرة الجدلية الى ثنائي الحرية والمساواة بما هما قيمتان لا يمكن التضحية بواحدة منهما لصالح الاخرى الا بخسائر فادحة تصيب الاثنتين معاً. هذا هو الدرس الابلغ الذي يعلّمنا اياه التاريخ.
في الآونة الاخيرة عدت الى الماركسية منقبّا ومستلهماً في مسعى للرد على تحديين طارئين. الاول هو تحدي فهم العولمة والنيوليبرالية ورصد آثارهما على الانسان والطبيعة، وتعيين موقع منطقتنا من هذه وتلك. وقد تجدد اقتناعي بأن الماركسية، بما هي ذلك التراث المتعدد والمتنوع، لا تزال ابرز مقاربة نظرية لفهم اتجاهات الرأسمالية وقوانين تشغيلها تطورها وازماتها. اما التحدي الثاني فهو تحدي فهم وتقييم الثورات العربية والعودة الى الماركسية في ذلك هو التبحّر في نظرية ثورية تولّت تحليل الثورات وتقييمها في الآن ذاته.
في مواصلة الشغل بوحي من الماركسية، اصدرتُ نهاية هذا العام دراستي «الطبقات الاجتماعية والسلطة السياسية في لبنان»، تنفيذا لمشروع بحثي اتحفّز له منذ سنوات للخوض في الاقتصاد الاجتماعي (لا«الاقتصاد السياسي» فقط) وهو تتبع ما طرأ على البنية الطبقية والمجتمعية في لبنان من تحولات فترة بعد الحرب مع تركيز خاص على علاقة البنية الطبقية بالبنية الطائفية وعلى العلاقة بين السلطة الاقتصادية والسلطة السياسية.
٣. هل نظّرت لليسار أم اكتفيت بالكتابة عن تجربتك معه؟
الاجابة على هذا السؤال موجودة اعلاه.
ترجمت في فترة مبكرة من حياتي ما يكفي من المؤلفات الماركسية واليسارية لاقتنع بأهمية الانتقال من الترجمة والتبشير الى استخدام ثراء المنهجيات الماركسية واليسارية لغرض انتاج المعارف عن التاريخ والمجتمع والسلطة والحركات الاجتماعية والسياسية في بلادنا.
٤. هل تتقصد التأريخ وكتابة السياسة بأدوات جديدة تتناسب مع مفردات التلقي الحديثة من مثل ما نراه في كتاب حديد وحرير مثلاً؟ ترى كيف يكتب فواز طرابلسي وما هي رؤيته وموجهه في الكتابة؟
المضمون يفرض الاسلوب الى ابعد حد او يملي البحث عن انسب الاساليب وطرائق السرد الاكثر ملاءمة له. الى هذا «حرير وحديد» برهان على الاهمية البالغة للقراءة والبحث والتنفيب في التأليف. نشأ الكتاب من ملاحظات واستشهادات واخبار وحكايات لملمتها على هامش الشغل على تاريخ لبنان. فرضتْ هذه النبذات نفسها كمشروع كتاب عندما رحت اكتشف التشابك المثير بين الاحداث والشخصيات في محيط البحر الابيض المتوسط خلال العقود الاخيرة من القرن التاسع عشر. والقرن التاسع عشر هو قرن الاستعمار بامتياز، ونمو النزاع الفرنسي البريطاني على وراثة السلطنة العثمانية. وهكذا تتضافر وتتشابك اقدار شخصيات – ليدي هستر ستانهوب الارستقراطية البريطانية والامير عبد القادر الجزائري وجماعة سان سيمون الاشتراكيين الفرنسيين ونابليون الثالث واحمد فارس الشدياق وآخرين – تدور حول المتوسط من بلاد الشام الى القاهرة وتونس والجزائر وصولا الى فرنسا وانكلترا والآستانة العثمانية، وتتصل من مواقع مختلفة وطرائق متبانية بالتجاذبات والمنافسات والنزاعات المرتبطة بصفقة القرن آنذاك، امتياز شق قناة السويس. أملتْ هذه المادة اسلوبها: الحوليات. النص اقرب الى رواية تاريخية واقعية دون تخييل. إذ تنتفي الحاجة للتخييل عندما يكون الواقع التاريخي اغرب من الخيال.
٥. غياب الفكر اليساري أحد التهم التي توصم بها ثورات الربيع العربي وأحد الأسباب التي يتكهن بها المحللون لسيادة الديني على الساحات بدلاً من الحزبي الثقافي والفكري، هل ترى في الاتهام والسبب المتنبأ به وجهة نظر؟ وإن كان الأمر كذلك لماذا لم يتجنب لبنان الطائفية والفئات الجهادية بالرغم من أن الأحزاب اليسارية المتنوعة تلعب دوراً رئيسيا فيه من مثل الحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي وغيرهم كثر.
في السؤال سؤالان. ابدأ باليسار والثورات.
عندما باشرنا بإصدار مجلة «بدايات» الفصلية الفكرية الثقافية في مارس ٢٠١٢، منبرا يساريا يواكب الثورات العربية، كتبنا أن الثورات فرصة تاريخية لاعادة بناء اليسار، ليوضح هويته الفكرية، ويجدد تمثيله الاجتماعي للفئات الكادحة والمهمشة في المجتمع، ويعيد الاعتبار لترابط قيمتي الحرية والمساواة، ويعمد الى اعادة بناء عتاده النظري ورؤيته وبرامجه ردا على تحديات عصر جديد هو عصر العولمة النيوليبرالية. ودعونا الى يسار يضمن استقلاله الفكري والسياسي والتنظيمي، ويبتكر استراتيجيات ووسائل النضال واشكال تنظيمية الاكثر ملاءمة لما تحوّل في الفكر والمجتمعات والسلطات.
عن الثورات، اول ما يجب قوله ان شباب وشابات اليسار العربي كانوا سبّاقين الى النزول الى الشوارع والساحات منذ الايام الاولى للانتفاضات. وتعرّضوا الى جانب رفاقهم من كافة التيارات والاتجاهات للاعتقال والقتل ولا زالوا يتعرّضون للتشريد والاضهطاد. وطبيعي ان لا تقتصر مشاركة اليساريين واليساريات على الشباب. لكن عنصر الشباب أسهم في اعطاء الثورات زخمها وشعاراتها واشكالا مبتكرة وخلاقة في التنظيم والتضامن والتفاني والاخلاص.
على الصعيد السياسي، وصل اليسار الى الثورات بما هو بقايا احزاب وتنظيمات مثخن بعقود من القمع، والنزاع مع السلطات الحاكمة، قبل ان يتلقّى ضربة انهيار الاتحاد السوفياتي وكتلته.
لم يكن اداء اليسار الحزبي بمستوى التوقعات قياسا الى جذرية العمليات الثورية ذاتها ولا كان بمستوى تطلعات وآمال وحماس منتسبيه او المتطلعين اليه من الشباب خصوصا. رأت بعض احزاب اليسار في الثورات مناسبة للمشاركة في السلطة. وفي معظم الحالات، ارتضى يساريون ان يختزلوا هويتهم بالعلمانية وان يصنّفوا انفسهم طرفاً في ثنائية علماني/اسلامي والتركيز على معارضة الاسلام السياسي ولو اضطرهم الامر الى التحالف الانتخابي مع قوى النظام القديم او الانحياز له ضد الاسلاميين. والافدح هو ان هذا الاخترال للنفس بالعلمانية ادى للارتضاء بتغييب القضايا الاجتماعية المتعلقة بالبطالة والفقر والتفاوت الطبقي والمناطقي وغيرها.
هنا اود القول إن من اراد منافسة حركات الاسلام السياسي كان الاحرى به ان ينافسها في الشارع وبين الناس وان يسدد ضرباته الى نقاط ضعفها الفعلية، اي الى البطن الرخو لكل مشاريع الاسلام السياسي الذي هو القضية الاقتصادية الاجتماعية، لا لأن تلك القوى مبدعة في السياسة والثقافة ولكن لأنها تكاد ان تكون مفلسة اقتصاديا واجتماعيا، اللهم الا اذا اعتبرنا تأتأتها النيوليبرالية وخدماتها الخيرية والإحسان مشروعا اقتصاديا واجتماعيا. وليس ادل على ما اقول من انهيار عهد الاخوان المسلمين في مصر امام العجز عن التقدّم باي فكرة واي مشروع لمعالجة قضايا البلد المزمنة والمتفاقمة، ومثله عجز حركة النهضة التونسية ما دفع الى تصاعد الدعوات في اوساطها للاعتراف بالفشل في تحمّل المسؤولية والانسحاب من الحكم.
ثمة مشكلة اخرى سيطرت على معظم قوى اليسار عشية الثورات بعدما رفع الغطاء الادبولوجي السوفياتي عنه هي انشقاقه بين تيارين: تيار قومي ذي خطاب فج معاد للكولونيالية يغرّب المشكلات الداخلية تحت عنوان مطاردة «مشاريع» استعمارية ضد المنطقة (ليس انها غبر موجودة، بل لأن التشخيص والتعيين قاصران ايما قصورعن تبيّن المرحلة الجديدة من الامبريالية) وهو تيار وقف في معظمه الى جانب انظمة الاستبداد بحجة ان الرجعية العربية والولايات المتحدة تناصبها العداء (مثلا موقف اليسار التونسي المؤيد لبنظام البعث ودكتاتورية بشار الاسد الذي حظي بتأييد تيارين قديمين من تيارات اليسار السوري) وتيار ليبرالي يتوهم ان الديمقراطية سوف تأتيه محمّلة على اساطيل وطائرات ودبابات اميركا والحلف الاطلسي. الاقلية هم من نجح في القاء خارج هذا الاستقطاب.
اليسار بحاجة الى اعادة تأسيس يقوم على تعاقد جديد بين افراده ومكوناته يحلّ محلّ التعاقدات القديمة التي تغيّرت معطياتها الى ابعد حد. هذا هو التحدي التاريخي الذي يواجهه. لست واثقا من انه يمكن بناءه بالحجارة القديمة. لكني اتمنى ان يعاد تأسيسه على يد جيل جديد من اليساريات واليساريين، يواكب ما يولد الآن من تنظيمات يسارية تنهض ضد الاستبداد والنيوليبرالية في كافة انحاء العالم، مزيجا من بقايا يسار قديم، أمكنه العبور الى الحاضر والتطلع للمستقبل، ومن جيل جديد من اليساريات واليساريين قادم من تجارب جديدة وافكار جديدة ووسائل عمل جديدة. والمشجّع ان مثل هذا اليسار قابل لأن يولد بسرعة ويصل الى كسب شعبية سريعة، اذا هو التقط القضايا المركزية التي تهمّ الاكثرية الشعبية، كما هو حال تنظيمات من مثل سيريزا اليونان وبوديموس اسبانيا وجبهة اليسار الموحّد في البرتغال. ويجب القول ان الوان من الماركسية الحيّة المتجددة، بعد السوفياتية، تشكل مصدر الاستلهام الاساسي لتلك التنظيمات والتجارب السابقة الذكر.
لست ادري تماما كيف سوف تتم هذه العملية. ما اعرفه ان ثمة حاجة لمعارضة للاستبداد والنيوليبرالية من موقع ديمقراطي تقدمي وعلماني وان هذه الحاجة سوف تفرض البحث في كيفية تلبيتها. ولكني واثق من ان هذه العملية سوف تكون متفاوتة بين بلد وآخر ويترتب عليها التعامل مع عدد من العقبات.
الاولى: تجاوز الاستقطاب التبعي لليسار المذكور اعلاه بين ميل قومي وميل ليبرالي وإنتزاع استقلال اليسار الفكري، وهو قاعدة استقلاله السياسي والبرنامجي والتنظيمي، بالتمايز عن هذين الخطين، مع تركيز خاص على التحرر من اديولوجيا المجتمع المدني واشكاليات الهوية والثقافوية.
ثانيا. ضخامة الجهد المطلوب لكي يجدد اليسار تمثيله الاجتماعي وقد فعلت الفورات النفطية والحراكات الطبقية الى اعلى فعلها في تغليب ابناء الطبقات الوسطى الدنيا والوسطى على انتمائه الاجتماعي؛ واستعادة تمثيله الفعلي، لا الاديولوجي (اي ادعاء حمل «فكر الطبقة العاملة والفلاحين والمثقفين الثوريين») بإعادة توطنه في اوساط الطبقات الشعبية التي قد تحوّلت هي نفسها ايما تحول، وان ينجح اليسار في مدّ جذوره في اوساط العاطلين عن العمل (بما فيهم الخريجين العاطلين عن العمل) والعاملين بالاجر، من نظاميين وغير نظاميين، والفقراء واختراق عوالم المهمشين اجتماعيا والعودة الى العمل في الارياف والاطراف، ومعظم تلك المناطق والفئات ترتع فيها حاليا جماعات الاسلام السياسي والتنظيمات الجهادية او قوى الردة المضادة للثورة.
ثالثا. في المسألة التنظيمية. لا اصلاح ولا تغيير دون أحزاب. المطلوب احزاب من نمط جديد كل الجدة. لقد انتهى دور الحزب الطليعي وجاء دور الاحزاب الجماهيرية المبنية من القاعدة فصاعداً، واسعة الديمقراطية، متعددة المنابر تحمل برامج وخطط عمل واساليب نضال مبتكرة. اقول هذا وافكر بالنفور شديد عند الشباب في منطقتنا من الاحزاب السياسية والهيئات النقابية. يعود ذلك لاسباب متعددة – خيبة الآمال من الاحزاب لعدم الاقتناع بفكرها او سياساتها او اشخاصها، وعدم الثقة بفاعليتها او نظافتها او الاحتجاج على عدم اتساعها لتعدد الآراء وطابعها الاوامري، الخ. لكن المشكل ان هذا النفور يختلط احيانا كثيرة مع رفض اي شكل للتمثيل والتنظيم عموماً بناء على حد ادنى من التراتب والتكليف والتوكيل والتمثيل لقاء المسائلة والمحاسبة اللاحقتين. الى هذا يجب ان يضاف نمو النزعة الفردانية التي تتغذى من تذرر الانتماءات الاجتماعية والمهنية وغياب التمركز في امكان العمل الى النفور من الاحزاب الاوامرية، بالتجربة او السمعة، وصولا الى التأثر بثقافة الفردية الليبرالية.
العقبة الرابعة، هي ميل واسع لدى الشباب الراديكالي خلال الانتفاضات الى رفض التعاطي مع الدولة وتصوّر امكان بناء عالمه الخاص تحت سقفها وباستقلال عنها، فينتهي الامر الى شللية مهووسة بالتنظيمات الأفقية رافضة لاي تراتب تمثيلي لا تلبث ان تنفرط حالما تنمو وتتوسع عدديا او تضطر لاتخاذ موقف مشترك لا يقوم عليه إجماع.
العقبة الخامسة. ولعلها ابرز نقطة في المسألة التنظيمية هي تنظيم العلاقات بين احزاب اليسار وتنظيماته وبين منظمات المجتمع المدني الى حيث هاجرت اعداد كبيرة من اليساريات واليساريين حتى تحولت منظماته المجتمع الى أطر الالتزام الاجتماعي والسياسي الابرز بالنسبة اليهم.
***
بالنسبة للشطر الثاني من السؤال، اعتبر نفسي في حالة بحث مستمرة في مسألة الطائفة والمذهبية والجماعات المماثلة. اختصارا للوقت هذا مدخل الى المسألة الطائفية من وجهة نظر معاكسة بعض الشيء للسائد، اقتطفها من مقابلة لي مع الصديق محمد العطار منذ اكثر من سنتين تسعى للاحاطة بما بيّنته تجارب الثورات العربية ايضا:
« أعتقد أن إنكار الطائفية قيد التنفيذ هو أفضل طريقة لتكريسها. التصرف مع الطائفيّة على أنها آفة ولوثودليل تخلّف وفتنة لا نحب الكلام عنها ونضع المفردة ذاتها بين مزدوجين، يعني ان ننكرها ولا نفسرها او نفهمها. اما… اعتبارها دائماً جريرة الآخر، فهذا لن يسمح بمعالجتها. حقيقة الامر هو انه توجد مسألة طائفية، عندما تشتبك مواقع جماعات، بما هي جماعات، في مواقع الامتياز او الحرمان من الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافيّة. ولا أعرف في التاريخ ولا فيالواقع الراهن حالة تشكلت فيها مسألة طائفية أو مذهبية أو جهوية أو قومية او إثنية أو قبلية، اي جرت الاستعانة بهذه التركيبات الاهلية او الارتداد اليها او اعادة انتاجها في ظروف الرأسمالية المتعولمة، إلا وتغذت تلك المسارات من تفاوت او تمايز – أو امتيارات أو حرمان -تتعلق بست مجالات اوجزها هنا بما هي رؤوس اقلام للقياس فقط.
أولاً، التفاوت بين جماعات من حيث الموقع من السلطة السياسية، اي من التحكم بعلاقات القوة والقرار في المجتمع.
ثانيا، التفاوت في الامساك بالسلطة الأمنية والعسكرية (قرار استخدام العنف) او الحضور فيها بما يفيض او يقصّر عن نسبة الجماعة الى السكان.
ثالثا: التفاوت والتمايز، وما يقابلهما من حرمان، في الموقع من موارد الدولة ومن خدماتها ووظائفها.
رابعا: التمايز والفروقات بين الطوائف من حيث آليات توزيع الثروة.
خامسا: التفاوت المناطقي بذاته، خصوصا عندما تكون للمناطق الوان طائفية محددة.
سادساً: التفاوت في توزيع رأس المال الثقافي وفرص تحصيل العلم.
اذا صح ذلك، الاحرى مقاربة هذه المسألة من زوايا إلغاء الامتيازات ولكن وفق معادلة صعبة هي تشريع المساواة للجميع في الفرص والحقوق السياسية والقانونية اقلا. وهذا يجب ان يترافق مع التمييز الايجابي للجماعات التي كانت ضحية الحرمان والمظلومية من جهة وايجاد آليات وضوابط لحماية من ستلغى امتيازاته. »
اود ان استخلص من المطالعة اعلاه الآتي:
١) لا بد من ازالة الالتباسات العالقة بموضوع الاقليات والاكثريات. خصوصا في ضوء عودة القوى الغربية، في خطابها السائد، الى موضوع حماية الاقليات. اول مدخل الى السوية هنا التمييز بين اقلية مضطهَدة واقلية في موقع السلطة والامر ذاته ينطبق على الاكثرية، ثمة اكثريات مضطهَدة ومقصية عن المشاركة الفعلية في السلطة واكثريات طاغية. اذا كانت الديمقراطية هي حكم الاغلبية وحقوق الاقليات فانها تعني هنا الاغلبية البرلمانية والاقلية البرلمانية. ولا يستوي حكم الاغلبية الا اذا قدّم ضمانات فعلية للاقلية/يات خصوصا عندما يتعلّق الامر بغلبة الهوية الاثنية او الطائفية او المذهبية على اي منها. وهذا يعني ان الاقليات في الحكم ليست هي ذاتها الاقليات المضطهَدة وان الاكثريات (العددية، او المفترضة) يمكن ان تكون في موقع الحرمان من المشاركة السياسية. وتبرز هنا الحاجة الماسة الى اعادة النظر في البنية المركزية المفرطة للسلطة، بعدما انهارت من جهة وباتت تهدد تماسك الكيانات السياسية والمجتمعات ذاتها من جهة اخرى. ان تنامي المشكلات الناجمة عن ذلك يملي اعادة تشكيل الكيانات على قواعد من اللامركزية بل والفيدرالية، بغية اعادة تركيب وحدة السلطة والمجتمع. وبديل ذلك هو دفع الاقليات المتوطنة جغرافيا الى الانفصال لا محالة.
٢) الجواب الاول على الانظمة الطائفية، بما هي أنظمة امتياز/تمييز متعددة الاوجه بين الجماعات، هو الديمقراطية قبل ان يكون العلمانية. فتجاوز الامتياز/التمييز في مواقع الجماعات الطائفية (وسواها) من السلطة والادارة (ومن القانون والثروة والموارد والتعليم وسواها) هو تشريع ومأسسة المساواة السياسية والقانونية بين المواطنين بما هم افراد، بما يتضمن ذلك من تكريس للسيادة الشعبية مرجعا للتمثيل وللنظام الانتخابي ولفصل السلطات وتداول السلطة ومساءلة الحكام. بهذا المعنى كنت ولا ازال اقول إن الديمقراطية ثورة في بلادنا لانها ترمي الى إقتلاع جذور الاستبداد والحكم الاسري والدكتاتورية الفردية والتمييز السياسي والقانوني بين الناس على كافة المستويات واعادة صياغة الدولة والنظام السياسي والتشريعي على اسس جديدة كل الجدّة. اما العلمانية – وما يعنيني منها هنا هو التدبير السياسي/التشريعي الذي يؤمّن الحياد الديني للدولة – فهي إجراء مكمّل للديمقراطية (على اعتبار اننا نتحدث عن علمانية ديمقراطية) يمسّ بالدرجة الاولى قوانين الاحوال الشخصية (اي تحرر المواطن من تحكّم المؤسسات والتشريعات الدينية بحياته الشخصية وتمييزها القانوني بين المواطنين بناء على تعدد تلك المؤسسات والتشريعات وإخضاعه لانظمة وتشريعات تسري على الجميع) بقدر ما يمسّ تمييز مواقع رجال الدين والمؤسسات الدينية من السلطة؛
٣) ان قسطا كبيرا من المعالجة للمسائل الطائفية-المذهبية يمكن ان يتم بالمعالجات غير المباشرة، اي تلك التي لا تكتفي بالغاء التمييز/الامتياز في السياسية واجهزة العنف والامن، والاهتمام بتوسيع دائرة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، طالما ان الامتياز/التمييز السياسي-القانوني يتداخل مع الامتياز/الحرمان على الاصعدة الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية والثقافية والتعليمية، الخ. ان محاربة الفقر مساهمة في القضاء على الطائفية-المذهبية، وكذلك خلق فرص عمل وبناء اقتصاديات تنتج تلك الفرص، ونمو الفرص المتكافئة في العمل والعلم والسكن والصحة مساهمة في التخفيف من الاحتقان الاجتماعي الذي يسهل عليه التفجّر عند نقاط الالتحام الاقدم بين الجماعات اي الطائفية-المذهبية؛ وتعميم الضمان الصحي والتوزيع الاعدل للثروة والموارد والمداخيل بين المواطنين يسهم في الغرض ذاته.
٤) لا يمكن الانتقال الى مرحلة المساواة الاقتصادية والسياسية – اي الطموح الى بناء نظام اشتراكي، اي نظام متكامل من العدالة الاجتماعية – من دون المرور بمرحلة الديمقراطية السياسية والقانونية. وليس صدفة أن الاسم الاصلي الذي أطلقه الاشتراكيون الاوائل، على اختلاف مشاربهم بمن فيهم ماركس والماركسيون، على مذهبهم والمجتمع الذين ينوون تشييده هو الديمقراطية الاجتماعية.
***
في عودة الى لبنان. لم يكن الامر يتعلّق بتجنيب لبنان الطائفية بل بكيفية المساهمة في تجاوز النظام الطائفي. خلال عقد من الزمن ١٩٦٤-١٩٧٤، شهد لبنان سلسلة من الحركات الاجتماعية والسياسية الجماهيرية لم يخلُ الامر لاي كتلة او مجموعة او فئة او منطقة او قطاع مهني من المشاركة فيها. وقد أرّختُ لتلك الفترة بشيء من التفصيل في كتابي عن تاريخ لبنان الحديث. انطلقتْ تلك الحركات في جو من الرسملة المتسارعة للاقتصاد والمجتمع واشتداد ازمة الطبقة الحاكمة والزعامات الطائفية وتوليد الحراك الاجتماعي لفئات وجماعات اخذت تطرق بقوة ابواب التمثيل السياسي والمشاركة في الحكم والسلطة. افضى هذا المسار الى انتفاضة لجأت فيها الاحزاب والقوى الوطنية والتقدمية الى الاستقواء بالسلاح الفلسطيني من اجل حماية حق الفدائيين الفلسطينيين في العمل انطلاقا من الحدود اللبنانية ومن اجل تحقيق الاصلاح الديمقراطي المتجاوز للنظام الطائفي، في مقابل تجييش الميليشيات اليمنية المبكر بإسم الحفاظ على السيادة ورفض الوجود الفلسطيني المسلّح وتحريم اي بحث في الاصلاح والمساس بالنظام الطائفي بحجة قداسة الدستور. هكذا انقسم الجمهور اللبناني بين معسكرين اهليين ومسلحين، بين دعاة سيادة ودعاة تغيير. وإتخذ النراع اكثر فاكثر مظاهر الحرب الاهلية ذات الالوان الطائفية ثم المذهبية. في حصيلة ما سمّي «حرب السنتين» ١٩٧٥-١٩٧٦، خسر تحالف المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية المعركة تحت وطأة التدخل العسكري للنظام السوري ضدها بتغطية اميركية ودعم سعودي وعربي عام. واخلي المجال امام سير الاحتراب الاهلي وحروب التدخل على وقع الصراعات الاقليمية والدولية.
خسرت القوى الداعية الى تجاوز النظام الطائفي وانهزمت في معركة غير متكافئة. اتحاشى الحديث عن فشل، لا من قبيل المكابرة، ولكن لأنه في مثل هذه المواجهات ليس من هزيمة كاملة ولا انتصار كامل. حتى المهزومون يتركون بصماتهم على الحلول. والذين يتعنتون في البدايات ويرفضون التنازلات الجزئية والاصلاحات، مهما كانت هيكلية، غالبا ما يضطرون الى تقديم تنازلات وتضحيات مضاعفة في نهاية المطاف. وهذا ما حصل في الازمة اللبنانية. في مؤتمر الطائف العام ١٩٨٩، استعيد البحث في المشروع الذي طرحته الحركة الوطنية لتجاوز النظام الطائفي في السياسة والادارة واعتماد قانون مدني اختياري للاحوال الشخصية. أقر المؤتمر الغاء الطائفية السياسية والادارية، ورفض اي مساس بقوانين الاحوال الشخصية العائدة للطوائف. هكذا فرض دستور الجمهورية الثانية على رئيس الجمهورية تشكيل هيئة لالغاء الطائفية السياسية والاجراءات الزمنية المطلوب التقيّد لها لاجل ذلك ابتداء من العام ١٩٩٢ والاهم ان الدستور شرّع لتجاوز الطائفية باعتماده سلطة تشريعية من مجلسين اثنين: مجلس نواب يجري انتخابة خارج القيد الطائفي (ليمثّل المواطنين بما هم افراد) ومجلس شيوخ يمثل اللبنانيين بما هم جماعات مذهبية، تنتخبه الجماعات المذهبية مباشرة. لكن التواطوء كان كاملا على منع تطبيق هذه البنود من الدستور، بين سلطات الانتداب السوري والفريق الميليشياوي والاقتصادي والسياسي الذي ارتقى الى الحكم بعد الحرب – بتعدد المذاهب والطوائف والتنظيمات التي مثّلها وبمن فيه رجال وعلماء الدين. وكان توازن القوى مختلاً على نحو كاسح لقوى المحافَظة على الامر الواقع فترة بعد الحرب وهو لا يزال قائما الى يومنا هذا. ولا تزال السلطات المتعاقبة على الحكم في لبنان تحكم بناء على دستور تمتنع عن تطبيق ابرز مواده.
٦. ما رأيك بحالة تخلخل صورة الرموز العامة بعد الثورات لدرجة أن بناء فكرياً طويلاً ومهماً مثل بناء عزيز العظمة يضرب عرض الحائط ويشتم على صفحات الفيس بوك لأنه امتدح في حواره مع حمود حمود، لؤي حسين، فأشاد برؤيته الفكرية وقدراته وأساليبه في المعارضة وتجربة سجنه في السجون السورية؟
يخصوص الصديق عزيز العظمة اول واهم ما يجب الاشارة اليه هو سِفره الضخم الثمين في التاريخ والانثروبولوجيا التاريخية الذي صدر بالانكليزية العام الماضي بعنوان «نشوء الاسلام في العهد القديم المتأخر: الله وشعبه». بهذا الجهد يعيد عزيز الاسلام الى التاريخ، اي الى الزمن والمجتمع، إذ تنجدل فيه طرق التجارة وانماط الحياة مع العبادات والطقوس التي كانت سائدة في الجزيرة العربية والمنطقة قبل نشؤ الاسلام. والاطروحة الاساس لديه هي ان نشأة الاسلام كانت تطورا لتلك العبادات والطقوس المحلية، وما عبّرت عنه وارتبطت به من تحولات مجتمعية، اكثر منها تأثراً بالديانتين التوحيديتين السائدتين حينها: النصرانية واليهودية. وقد حشد عزيز لاجل ذلك كمية مدهشة من المراجع من لغات مختلفة ومن اختصاصات علمية مختلفة. ومهما يكن من امر الاطروحة الرئيسة، فإن كتاب عزيز العظمة يزيدنا علماً بالاسلام زيادة عظيمة. واتمنى أن يوفق الى نشر هذا الكتاب باللغة العربية ولو في نسخة مختصرة منه.
اما عن المقابلة التي تذكرين، وقد نشرنا مقاطع منها في العدد ١٢ من مجلة «بدايات»، فاني اود ان اشدد منها على الاضواء التي القاها عزيز على أحد الاوجه المغفلة من الجهادية وهو الاقتصاد السياسي، اي وجه الجهادية المافياوي والطابع الريعي لاقتصادياتها وتوسلها السيطرة على الموارد وخصوصا النفط والغاز والمياه واللجوء الى التهريب وتجارة الرقيق والخطف لأجل الفديات وما شابه.
لم أتابع الحملة الفيسبوكية التي تتحدثين عنها. لكن الاسفاف موجود ومعمم على مواقع التواصل الاجتماعي. فثمة ثمن باهظ ندفعه، ويدفعه الجميع، لقاء توسيع شبكات الاتصال ودوائر حريات الرأي والتعبير لتشمل مئات الملايين من البشر. وهذا الثمن هو إستفحال النزعة الكلامية – توليد الكلام من الكلام – وغلبة ردود الافعال والنكايات والغرائز والثنائيات التحليلية التحريمية– حتى لا نقول الجهل، وابن عمه الادعاء. الفايسبوك فاقد للذاكرة والتراكم وهو من ارقى المنتجات الاستهلاكية بمعنى الوجبات الفكرية والكلامية السريعة الآنية والآفلة. لكن هذا الوسيلة للتواصل الاجتماعي تتغذى حساباتها ومواقعها في بلادنا بفائض من العنف اللفظي، بمنوعاته المختلفة، الى حدود غير مسبوقة، مع تنامي العنف الفعلي الذي يخترم العديد من مجتمعاتنا.
- ٧. هل تتفق في رأيك مع عزمي بشارة بأن الثورات العربية تمر في مرحلة انتقالية؟ كيف ترى وتصف ما تمر به الثورات العربية، لا سيما الثورة السورية؟
مرحلة إنتقالية، نعم. اذا شخصنا معالم الانتقال من اين الى اين.
لنتفاهم اولا عن اننا بصدد ثورات. اي انفجارات شعبية، على عفويتها، تجهر بنيّتها اسقاط السلطات القائمة، واحلال سلطات بديلة محلها، قصد تغيير الدولة والمجتمع تغييرا جذريا بقوة ملايين من ابناء الشعب، من الشباب خصوصا. لم تكتف تلك الجماهير بهذا وانما جهرت باهداف جذرية تنمّ عن مشكلات جذرية. فشعارات عمل-حرية-عدالة اجتماعية-كرامة انسانية التي ترددت من المحيط الى الخليج ومن اليمن الى سورية، أعلنت ايضا اسباب الانفجارات: البطالة، الاستبداد والقمع، نمو الفوارق الاجتماعية والمناطقية، والاستهتار بالافراد وحقوقهم. اما انتقال هذه الحركات من طابعها السلمي الى العنف فمرهون بطريقة استجابة او عدم استجابة النظام القائم لمطالبها.
كان التدخل الاميركي المبكر على نمط واحد، تم بإسم الهدوء والاستقرار وامن الانظمة والحدود (خصوصا حدود اسرائيل) ومؤداه التضحية بالرئيس عند الضرورة لانقاذ النظام (ومعبّر جدا ان يكون هذا الاجراء هو ما يأخذه فلاديمير بوتين على اوباما!). امكن تطبيق ذلك في اربع حالات: ليبيا، اليمن، مصر، تونس: بالقتل في ليبيا وبالتنحي في حال مبارك، المختلف مع الجيش على موضوع التوريث، وبهرب بن علي، الذي تخلّت عنه القوات المسلحة وقسم كبير من حزبه، وتنحي علي عبدالله صالح في اليمن، الذي إنشقّت سلطته على موضوع التوريث ايضا، وقضت المبادرة الخليجية، والامم المتحدة، منحه الحصانة لقاء تخليه عن الرئاسة وتسليمها الى نائبه. وفي كل هذه الحالات، جرى دعم الاخوان المسلمين للارتقاء الى سدّة الحكم، على اعتبارهم «الاسلام المعتدل»، في نظرة للمنطقة كانت ولا تزال مرتهنة لاولوية «الحرب الكونية ضد الارهاب». في مصر وتونس، تولى فرعا الاخوان المسلمين الحكم بعد الفوز في انتخابات نيابية ورئاسية. وفي اليمن، حيث انشق الجيش، جرى دعم حزب الاصلاح اليمني، التحالف بين زعماء قبيلة حاشد مع الاخوان المسلمين، الى الواجهة. في المعارضة السورية، القي الثقل وراء قيادة «المجلس الوطني» التي شكّل الاخوان المسلمون ابرز قواه.
بدل عمومية الانتقال، الاحرى القول إن الثورات استولدت ردات مضادة للثورة، او ثورات مضادة، حسب التعبير الدارج. وهذه لها أشكال مختلفة، ناعمة نسبياً في مصر، حيث الانهيار السريع لحكم الإخوان تحت الضغط الشعبي صادره الجيش الذي امسك بالسلطة ساعيا الى تجديد الحكم الفردي. في تونس نجحت النقابات المهنية وجمعية حقوق الانسان في عقد تسوية انتجت دستورا جديدا وانتخابات رئاسية ونيابية ما لبثت ان جاءت بتساكن بين قسم من النظام القديم وحركة النهضة الاسلامية. ولكن ما لبثت سياسات التحالف النيوليبرالية واهمال المطالب الاجتماعية والمعيشية التونسيين ان ادى الى انطلاق حركات الاحتجاج في منتصف يناير في منطقة قصرين حشدت شبانا عاطلين عن العمل وجماهير ريفية مهمشة ادت الى اشتباكات مع قوى الامن. وتوالت حركات الاحتجاج والتضامن في اكثر من ١٦ ولاية تونسية بما فيها المدن الساحلية والعاصمة تتحرك تحت شعاري «التشغيل والتنمية»..
ما سبق قوله يعني أن الانتفاضات كانت في الاصل متعددة المكونات والقوي يتنازعها تياران على الاقل: تيار حداثي يريد تغيير الانظمة وتطوير الدولة ذاتها باتجاه دولة ديمقراطية ذات توجه انمائي اجتماعي، وتيار يرى في السيطرة على السلطة وسيلة لتحويل طبيعة الدولة ذاتها الى دولة اسلامية بتطبيق الشريعة. هناك أنواع من الثورات المضادة أو من قوى الردة، فنجد في منوعات دفاع الانظمة عن بقائها، تجديد العصب الزيدي للسلطة بواسطة انقلاب الحركة الحوثية المسلحة في اليمن، واحتلالها العاصمة واندفاعتها للسيطرة العسكرية على البلد كله ما استدعى الغزو السعودي الخليجي وأوقع افقر بلد عربي في هذا المزيج المأسوي من حرب اهلية وغزو خارجي. وهناك دفاع نظام عن نفسه على طريقة البحرين، مدعوما بالتدخل العسكري السعودي وبتواطوء واهمال كبيرين في المنطقة والعالم. ولقد اسهبت اعلاه عن سورية فلن ازيد.
٨. يحاول الغرب قراءة الثورات العربية، وهناك ثقة لدى الكثير من الباحثين العرب بالدراسات الغربية فيأخذون مقولاتهم ويبدؤون بتصديرها على واقعنا بغض النظر عن كونها تنطبق أم لا، فالثورات العربية حصلت في بلاد عربية وشهد عليها العرب، ولكن مع ذلك نجد من يقول أن الثورات العربية بحسب دراسات غربية هي حركات اجتماعية، ما رأيك بموضعة الثورات العربية داخل إطار الحركات الاجتماعية وأن مقومها الأساسي مقوم عاطفي وهو الثأر؟
صدرت في البلدان الغربية قراءات متباينة للثورات العربية، والاهم ان معظمها جرى تبنيه محليا على نطاق واسع.
اذا كانت شعارات الملايين من الذين اجتاجوا الشوارع والساحات ذات دلالة، طالما انها ترددت من البحر الاحمر الى الاطلسي ومن تونس والقاهرة الى الشمال السوري، فانها تقدّم لنا تعريفا للثورة واهدافها والمشكلات والازمات التي تريد التعبير عنها لا يحتاج الى كثير من التنظير.
«الشعب يريد اسقاط النظام» يستعيد فكرتين محوريتين تعودان الى حقبة التحرر الوطني والى الفكر الجمهوري الديمقراطي في آن معا: الشعب (حلّ محله المجتمع المدني) والارادة الشعبية بما هي مصدر السلطة، وهي جوهر الديمقراطية، دون ان تكون مفردة اثيرة لدى الليبرلليين ودعاة التعددية والتنوع. واسقاط النظام (والتمييز واضح بين نظام ودولة) بما فيه من فعل إرغامي. الى ذلك كانت هتافات «عمل، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة انسانية» بمثابة برنامج اهداف هو نفسه تشخيص لاسباب الثورة: البطالة الاستبداد، الفوارق المناطقية والطبقية، امتهان الافراد في قيمتهم الانسانية.
طغت تسمية «الربيع العربي» التي أطلقتها الصحافة الغربية على كل المسمّيات والافدح ان تصوير الثورة على انها حدث «طبيعي» حولها الى حدث دوري تكراري لا يحمل اي مفاجأة وكأنه لا يتطلّب البحث في أسبابه او مساراته او مآلاته. وانه لمعبّر جدا ان يجري اختيار شعارين من الشعارات الاربعة الرئيسة هما «حرية وكرامة» وسرعان ما جرى تجيير كل هذه الشعارات الى هدف اوحد: «الانتقال الديمقراطي». صارت الحرية تعادل الانتقال الديمقراطي. اما «الكرامة» فقد شاع استخدامها وسهل القبول بها بما توحي به داخليا من «شيمة» او قيمة يجري بواسطتها توطين الثورات عربياً ، محلياً، وتلقى صدى إستشراقياً ايجابيا في الدوائر الغربية.
عن «الحركات الاجتماعية» نموذجا نظريا لفهم الثورات العربية يجب القول انها في الاصل منتوج سوسيولوجي في الغرب الصناعي بعد السبعينات، شديد التأثر بانتفاضات ربيع ١٩٦٨ الفرنسية والعالمية، أريد منه تعديل أحادية الجانب في اعتبار الطبقة العاملة الطبقة الوحيدة المؤهلة للثورة والتغيير، والاشارة الى وجود تركيب من القوى المجتمعية والعمرية قابلة للعب هذا الدور. على ان الحركات الاجتماعية عادة ما تقتصر ادوارها كحركات اجتجاجية او مطلبية او اصلاحية ونادرا ما تتطرّق للتغييرات البنيوية او الجذرية او تطرح مسألة السلطة اضافة الى طابعها السلمي الغالب. بهذا المعنى يصعب اعتبار الثورات «حركات اجتماعية».
لا زلت لا افهم تماما ما المقصود بفقدان الكرامة واستعادتها في مجتمع حديث. اللهم الا اذا كانت المقصود تعيين أصالتها بردّها الى الشيمة التقليدية العربية اياها ففي الامر استشراقية مبتذلة. اما اذا كان المقصود اختزال الكرامة بامتهان الفرد في قيمته كانسان – فيصير السؤال: اليس الفقر والقمع والبطالة والتمييز الطبقي والمناطقي والاثني والمذهبي – منوعات من الانتقاص من كرامة البشر؟ في احدى الندوات عن الثورات، المنعقدة مؤخرا ببيروت، سمعت موظفا كبيرا في احدى المؤسسات التنموية وهو يعرّف الثورة السورية على انها ثورة كرامة، مستثنيا سائر التفسيرات، ليعلن ان الشعب السوري كان راضيا بحكم بشار الاسد لولا انه كان يحتاج الى الكرامة. والرجل سوري بالمناسبة. وينتمي الى هذا الفصيل التحليلي المجابهة بين الخبز والكرامة بإنكار ان الثورة في سورية هي ثورة من اجل الخبز – اي القضايا المعيشية – وهي فقط من اجل الحرية والكرامة.
هكذا خصمت من شعارات الثورات العمل والعدالة الاجتماعية وجرى الاكتفاء برمزي الحرية والكرامة. وانه لمعبّر جدا ان من تمسك بشعاري الحرية والكرامة هي قوى محافظة حتى لا اقول يمينية ممن اراد احتواء الثورات وأفراغها مما فيها من مطالب وحقوق. عندما انتفض سكان الارياف والاطراف والعاطلين في القصرين خلال فبراير ٢٠١٦ تحت شعاري «التشغيل والتنمية» لم يجد القائد السبسي رئيس الجمهورية التونسية، واحد اركان الردة ضد الثورة التونسية، اكثر من ان يذكّر المنتفضين بأن الثورة قامت من اجل الحرية والكرامة .
وثمة محاولات تطبيق لمقولة «الحركات الاجتماعية الجديدة» على الحالة العربية والجديد هنا هو قراءة الحركات الشعبية الاحتجاجية من خلال المشاعر التي تعبّر عنها او تسودها. فبعد «الكرامة» لديك «العيب»، الذي اكتشف المستشرق فؤاد عجمي ان الشعوب العربية قد تحررت منه بعد ان كان العقبة الجوهرية التاريخية امام الانتقال الديمقراطي، ولديك الغَزْل على منوال «كسر الخوف» ناهيك عن تفسير للثورات يردّها الى الكبت الجنسي لدى شباب عربي مسلم مكبّل بتحريمات الدين والعادات والتقاليد، وصاحب التفسير المشتشرق برنارد لويس، مستشار الرئيس بوش الاب والابن وابرز دعاة احتلال العراق. وها هو شعور «الثأر» يجري على المنوال ذاته من الاستشراق المضروب بالثقافوية البعد حداثية يدلو بدلوه في تحرير الثورات من المصالح والتطلعات والحقوق.
- ٩. تم دفع ثمن غال للثورات من قبل الشعوب وتم إنهاؤها بالعنف أو الاحتيال السياسي أو التدخل العسكري هل ترى انه حان دور المفكرين والمثقفين وحتى الأدباء لتنظيم الخلايا الخاملة التي تم استبعادها خارج دولها أو حيدت بحيث يتم تأهيل المجتمعات بتنمية المجتمع المدني وإحياء الثورات بدون عسكرة؟
تدفع الشعوب عادة اثمانا باهظة عندما تثور لتغيير انظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقيمية فتضطر الى اللجوء الى القوة والعنف لتحقيق ذلك. لست اعرف ثورات في التاريخ تشذّ عن هذه القاعدة. يتضاعف الثمن عندما تضطر هذه الشعوب الى خلخلة او حتى اقتلاع انظمة متجذرة في الزمن تتغذى من عصب جماعات بعينها وتستقوي بالجيش المسيّس والاجهزة الامنية عميمة الوجود والسطوة والبطش. خصوصا عندما تكون تلك الانظمة منخرطة في منظومات اقليمية ودولية تمنحها الشرعية الخارجية والدعم الخارجي. وهذه الشرعية الاخيرة بالغة الاهمية في المنطقة العربية بحيث باتت بديلا عن اي شرعية داخلية بتواطوء كوني. ويصبح الثمن فادحا عندما النزاع بين قوى الثورة وقوى المحافظة على الامر الواقع بل وقوى الردة المضادة للثورة يفضي الى حروب اهلية، ولا تؤدي الى حسم لصالح قوى التغيير، بل يمكن القول انه حتى لو انها افضت الى انتصار لهذه القوى فسوف يكون مشروعها التغييري قد تشوّه وتشوّهت قواها ذاتها. فثمة فارق كبير بين التظاهرة والاعتصام والتنسيقية والحزب والميليشيا.
آمل ان لا يكون القصد من سؤالك القول إن العامة ورّطت البلاد في حروب يقع على المثقفين انتشالها. المثقف الذي يحترم نفسه، وله حد ادنى من قيم يدافع عنها، والملتزم بشعبه، والمهموم بهَمّ التغيير، افترض انه قد إنخرط في الثورة منذ البداية يمارس فيها كل الادوار الفكرية والعملية والتنظيمية والاعلامية والانسانية والتضامنية المطلوبة بما فيها القتال. وهذا ما قام به عدد كبير من المثقفين في الثورات كافة ولا يزالوا وقد قضى العديد منهم في المعتقلات او ساحات القتال وثمة من يواصلون النضال وما بدّلوا تبديلا.
اتحفظ على مصطلح «العسكرة» الا اذا تم في اطار تحديد المسؤولية، مسؤولية الانظمة المعنية في دفع المعارضين السلميين الى اللجوء الى السلاح. هذا مع عميق وعيي لما ترتّب على عسكرة الثورة لاحقاً في سورية من انطفاء مشروع التغيير والتقدم بسبب طغيان اهداف ومصالح مناقضة له فرضتها انظمة النفط الخليجية وسواها من الانظمة المتدخلة في الصراعات السورية بما فيها الجمهورية الاسلامية وروسيا الداعمتين للدكتاتورية. وأحسب انه من السذاجة – بعد اكثر من اربع سنوات من تحول بعض الثورات الى الاحتراب الاهلي – ان نظل نفترض بأنه يمكن العودة الى وضع سابق على الثورة يستأنف فيه النضال السلمي وكأن شيئا لم يكن. لست احسبك متغافلة عن ان سورية المجتمع والدولة والكيان قد انقلبت رأساً على عقب بحيث يصعب تصوّر ما الذي ستكون عليه الحالة فعليا حين تصمت الاسلحة. ولكن ما آمله هو ان لا تكرر سورية التجربة اللبنانية في الإعمار.
ولكن قبل كل هذا، ان أي حريص على مستقبل سورية واليمن وليبيا والبحرين واي بلد عربي آخر عرف الانتفاضات يجب ان يتحوّل في اعتقادي الان الى داعية سلام لا لسبب الا لوقف القتل العبثي وذلك بعد ان صادرت قوى اقليمية ودولية مصائر تلك الشعوب، تتسابق جميعا بإسم خدمة الحرب الكونية ضد الارهاب، التي غلّبت الجيوسياسة على السياسة والخارج على الداخل، ومعست كل مطلب وكل حق وكل تطلع نحو المستقبل لدى شعوبنا. من تاريخ نزاعات جيل لبنان اود الاستشهاد بهذه الحكمة لشيخ درزي قال عن الحرب الاهلية لعام ١٨٦٠ «الخاسر فيها خسران والرابح فيها خسران».
اما عن «تأهيل المجتمعات» على يد «المجتمع المدني» فلا ارى في هذه الصيغة فارقا كبيرا عن فكرة الطليعة البعثية، اللهم الا انها مسكوبة في لغة النيوليبرالية ومنظمات المجتمع المدني ناشرة الوعي عند فاقديه ومتولية تدريب شعوب قليلة الدربة. لست مقتنعاً بأن ما حصل للثورات ناتج عن قلّة وعي لدى «العامة». بل العكس، انه نتج عن فائض في الوعي الشعبي ونقص في الوعي والحيوية لدى النخبة والخاصة. ونادرا ما نتناسي دور قطاعات واسعة من برجوازية سورية وطبقاتها الوسطى في دعم النظام او التواطوء معه بالاستكانة. مثلما نتناسى ان الذين يقتلون ويتقاتلون في سورية واليمن وليبيا هم الفقراء من مختلف الاطراف. وهم الذي شكلوا الجسم الاوسع للثورات مثلما هم يشكلون الآن وقود الحروب الاهلية.
انا من نقّاد المجتمع المدني كنظرية وتطبيقات وتنظيمات وجمعيات.
وعندي ان نظرية المجتمع المدني جزء مكوّن من النيوليبرالية يقوم شقّها السياسي والاقتصادي على قسمة المجتمع الى نقيضين دولة/مجتمع مدني حيث الدولة هي التسلط والاستبداد تعريفاً وكل ما يضعف دورها يعزز حريات الافراد مثلما يعزز الحرية الاقتصادية. والخلط بين النطاقين الاقتصادي والسياسي هو عين الدعوة النيوليبرالية. انظري الى العراق حيث دمّر الاحتلال الاميركي ليس فقط دكتاتورية صدام حسين ونظامه (وكلاهما يعود الان، في صيغة تكرر المهزلة بمأساة، من خلال داعش) وانما الدولة العراقية في ابرز مؤسساتها: حلّ القوات المسلحة وتسريح أقسام كبيرة من الادارة وتحريم حزب البعث وتجريمه. ماذا كانت النتيجة؟ لم يسهم هذا في نمو حريات الافراد وتعزيزها، بل أسهم في اطلاق شياطين المناطقية والاثنية والمذهبية التي اطبقت على ما كان الافراد قد تحرروا منه سابقا من انصياع وولاء للجماعة واذا تدمير الدولة يعاد تحشيدهم تحت ألوية العائلة والعشيرة والقبيلة والمذهب والمنطقة والاثنية والدين. ان اول ما تتغاضى عنه نظرية الدولة/المجتمع المدني هو حقيقة ان الدولة ناظمة للمجتمع وحاوية مؤسسات وقوانين وحدته.
تقوم الآلة السحرية للسوق، الاقنوم الاول للنيوليبرالية، على فرضية ان التنافس بين الوحدات الاقتصادية، ونمو ثروات الاثرياء، لا تبلبث ان تؤدي الى تسرّب البحبوحة الاقتصادية من قمة الهرم الاجتماعي الى قاعدته، على ما يجرى دقّه في رؤوسنا خلال ربع قرن. دعيني اسألك: لو ان ربع قرن من تطبيق النيوليبرالية كان بهذا النجاح في نشر البحبوحة والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، لماذا انفجرت الازمة المالية العالمية للعام ٢٠٠٨؟ ولماذا تنمو الفوارق الطبقية والمناطقية على الاصعدة العالمية والاقليمية والوطنية باحجام لا سوابق لها في التاريخ؟ وكيف يحصل في ظل العولمة وآليات السوق السحرية ان نصل الى وضع يملك فيه ٦٣ فردا من الثروات ما يوازي ثروات نصف سكان المعمورة؟ وكيف يحصل في ظل النيوليبرالية وفي ظل سياسيات المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمها البنك الدولي وصندوق النقد ووكالات التنمية، التي قررت «وأد الفقر المدقع» على الصعيد العالمي (اي الانفاق الذي لا يزيد عن دولار واحد باليوم) في العام ٢٠١٥ ان لا تفشل في تطبيق القرار وحسب بل ان تكون نتائج جهودها تناقص ممتلكات الفقراء حسب تقرير منظمة اوكسفام؟ ولماذا تضطر المؤسسات الدولية الى اعادة الاعتبار لمقولة العدالة الاجتماعية بعد الثورات العربية – ولكن بعد خصيها وقلبها رأسا على عقب ونزع مفهوم للحقوق منها – لو كانت تطبيقات الاصلاح الهيكلي وزيادة نسب نمو الدخل الاهلي والآليات السحرية للسوق هي الكفيلة بحمل البحبوحة الاقتصادية والرخاء الاجتماعي؟
وعلى صعيد محلي، اذا كانت سياسات النيوليبرالية التي طبّقها بشار الاسد بإسم «اقتصاد السوق الاجتماعي» (وقد اعلن التخلي عنها منذ ايام لصالح اقتصاديات «التضامن الوطني») ناجحة لماذا إنهارت الزراعة السورية والقت الى الجوع والفقر والتشرّد ملايين السوريين الذين نزحوا الى المدن وتكدسوا في الضواحي وارياف العاصمة والمدن والعشوائيات؟ واذا كانت آليات المنافسة الاقتصادية مقدسة كيف نفسّر وجود كائن مثل رامي مخلوف يتباهى بأنه يسيطر على ٦٠٪ من الاقتصاد السوري؟ الم يكن السوريون مدركون انهم يثورون ضد هذه الامور ايضا؟ اني اتساءل. وهل ننسى ان اهالي درعا حطموا واحرقوا مكاتب شركة سيرياتل للاتصالات التي يملكها مخلوف عند انطلاق انتفاضتهم؟
على امتداد اكثر من ربع قرن كانت عشرات الالوف من منظمات المجتمع المدني تعمل في عدد من الدول العربية (١٧ الف في تونس و٨ الاف في لبنان على سبيل المثال) وتتحكم باجزاء حيوية من حياتنا وتتولى الوعظ والتبشير ونشر الوعي والتدريب والتمكين وقد حوّلت مصطلحاتها الى تمائم ومقولاتها الى ما يشبه اليقينيات الايمانية بالسوق وآلياته السحرية وبالانتقال الى الديمقراطية. لست اريد الاستخفاف بدورعدد كبير من تنظيمات المجتمع المدني في الدفاع عن حقوق الانسان وحقوق النساء والعمال المنزليين والمعوقين (مع اهمال شديد للحقوق الاقتصادية والاجتماعية) ولن اغفل التقدير العميق لكافة المؤسسات والمنظمات العاملة في مجالات الاغاثة ومساعدة اللاجئين والتعليم وسائر انواع المساعدات الانسانية.
لكن ماذا نقول عن ان معظم منظمات المجتمع المدني يبشّر بالديمقراطية، بل التعددية والتنوّع، وبالكاد يمارس الانتخابات او تداول السلطة وتجديد القيادات؟ حتى انها قد أعفت نفسها من المساءلة تجاه أعضائها والجمهور فكأن المساءلة لا تمارس الا تجاه الممولين. ثم ان اعداد كبيرة من العاملين في تلك المنظمات باتوا محترفين يتقاضون الأجور لقاء اعمالهم، مع ان الفكرة الاساس للعمل المدني هي العمل التطوعي. واخيرا ليس آخرا، تدّعي تلك المنظمات في مجالات التنمية والخدمة العامة مثلا انها تقوم مقام الدولة الغائبة، مع انها تعرف تماماً انها موجودة لتحلّ محلّ الدولة المغيّبة، بفعل اوامر البنك الدولي وصندوق النقد والهيئات التجارية والتنموية الدولية، وانها موجودة لملء فراغات لن تستطيع ملأها بديلا من دولة ألزمت على الانسحاب من مجالات الخدمة العامة والتعليم والصحة والنقل والسكن، ومن الاشكال المختلفة الاخرى من التوزيع الاجتماعي.
قبل ايكال مهمة «تأهيل» منظمات المجتمع المدني ل«المجتمع»، حري بها ان تقدّم جردة بانجازاتها والاصلاحات والاخفاقات في نحو دزينة من المجالات التي تعمل فيها خلال ربع القرن الاخير، فمن تكلفينه بالتأهيل حري به ان يكون مؤهلا اصلا للمهمة الموكلة اليه. ولكن، هل ان منظمات المجتمع المدني قوى تغيير اصلا؟ انتِ الآن في هولندا. هل ان التغيير هناك تصنعه منظمات المجتمع المدني ام الاحزاب السياسية؟ هل ان ما تتمتعون به من حقوق معزول عما تبقى في الدول الاوروبية من ادوار لدولة الرعاية الاجتماعية في التعويض عن البطالة وتوفير الحد الادنى للاجور والضمانات الصحية والتعليم المجاني وسائر الحقوق الااقتصادية والاجتماعية الاساسية؟ وهي اجراءات فرضتها احزاب ذات توجه اشتراكي واتحادات نقابية عمالية ومهنية ونضالات وتراكمات على امتداد عقود من الزمن؟
وسؤال اخير عن منظمات المجتمع المدني: لو انها حققت ما انطلقت اصلا لممارسته من اصلاحات، وإدّعت القدرة عليه، هل كان من حاجة لأن تتفجّر ثورات شارك بها عشرات الملايين من العرب، والشباب خصوصا، وبهذا القدر من الجذرية والعنف؟
- ٩. يلاحظ على عناوين ما تكتبه من كتب أنها تتحبب بالشارع، فتقاربه بالبساطة أكثر من مقاربتها من البحث الأكاديمي على الرغم من أنك تمارس التدريس في أهم جامعات المنطقة ولديك تاريخ أكاديمي مهم جداً تشهد عليه سمعتك بين طلابك وأبحاثك ومحاضراتك ومشاركاتك في ورشات الدراسات والأبحاث، ولكن عناوين كتبك تغازل لغة التلقي العام؟
تبنين سؤالك وحكمك على عناوين وعلى سمعة؟ اليس هذا السؤال غريبا بعض الشيء؟ يبدو انك لست تعرفين نتاجي الاكاديمي – المكتوب والمنشور باللغات الثلاث العربية والانكليزية والفرنسية. وليست تستوي المقارنة بين «اكاديميتي» وعناوين كتبي بالعربية التي تعرفينها. مهما يكن، اذا كان المقصود من ملاحظتك لغتي واسلوبي في الكتابة فهذا ما لديّ.
اتساءل: وهل ان النتاج الاكاديمي يتناقض مع الوضوح ويستوجب العناوين واللغة العويصة والمتحذلقة والمغلقة على القاريء لكي يكسب النص الاعتراف به على انه «اكاديمي»؟لست اسعى وراء مثل هذا المجد. حياتي الاكاديمية قصيرة اصلا. نلت شهادة الدكتوراه وانا في الثالثة والخمسين من العمر بعد ان انهيت تفرّغي الحزبي الذي دام نحو ١٥ سنة. دخلت التعليم الجامعي في المنقلب الثاني من العمر. وقضيت معظم حياتي في التأليف الصحفي والكتابة السياسية والحزبية حتى العام ١٩٨٢ اقلا. ومارست بعد ذلك الترجمة والصحافة والتعليم وهي كلها تتطلّب عناية خاصة بالتوصيل.
صدّقيني: كتابة النص الواضح يحتاج من الوقت والجهد والصحو والبحث والمراجعة واعادة الصياغة اكثر بكثير من النص العويص المتحذلق المكتوب جرّة واحدة. اصعب ما في الكتابة التعبير عن فكرة معقّدة ليس بالضرورة بالبساطة وانما بنص مركّب على وضوح. التعبير عن فكرة معقدة بلغة مقعّرة يبتذل الفكرة ذاتها ويستغلقها ويفقدها تركيبها اي ثراءها.
أفهم ان وظيفة الكتابة والكاتب هي التوجه الى القاريء وايصال الحد الادنى مما يريده الكاتب اليه. لا معنى لكاتب ليس مهتما بالقراء، اللهم الا المتعالي عليهم ينمّ عن عدم ثقة بالنفس. والذي يعنيني من القاريء هو القاريء العربي، اكتب بالعربية ومن اجل العرب. واللغة العربية لغة ايجاز واقتصاد ودقة واشتقاق وترادف وهي لغة الفعل. تلك هي روعتها. وهي لغة عظيمة ما ان نسبر بعض اغوارها ونحيط بعدد معقول من مكونات عبقريتها فنظن اننا بتنا متمكنين بعض الشيء منها، نكون قد وصلنا الى آخر العمر. ولكن في الشغل على اللغة وفي استنطاقها، متعة آفلة وشعوراً بالزهو قل نظيرهما.
أحسبني أتوسل السهل الممتنع في الكتابة ولكن ذلك ليس الا نتاج شغل مضنٍ على اللغة لكي تتقبّل كل منوّعات الكتابة التي أمارس: السرد التاريخي والنقد الفني والادبي واليوميات والكتابة النظرية والنص السياسي والاقتصاد الاجتماعي والصياغات السردية.
نعم، همّي الوصول لاوسع عدد ممكن من القراء بما فيهم اولئك الذين يثمّنون القراءة والثقافة وهم الاقل حظوة لهم احيانا في الحصول على كتاب او دخول مدرسة. علماً بأن ضيق دائرة القراء الكتب لا تسمح بنشر او بيع اكثر من بضعة الاف كتاب في الاصدار الواحد. فيما حضور برنامج حوار تلفزيوني يبلغ مئات الالوف حتى لا نقول الملايين من المشاهدين. ونعم، اكبر تعويض عن هذا العناء المسمّى كتابة، هو حين يستوقفني قاريء – سائق سرفيس او موظف في استقبال فندق متواضع او طالبة من الجامعة اللبنانية – ليقول لي انه قرأ كتابي عن تاريخ لبنان وافاد منه ليعرف تاريخ بلده اكثر. هذا لكي آخذ مثالا واحدا عن القراء وعن الكتب.
- ١٠. ما هو السؤال الذي كنت تنتظره بلقاءاتك ولم تسأل عنه؟
السؤال الذي لن اجيب عليه.
