العودة إلى المنشورات
منشورات مذكرات

نيو يورك ... نيو يورك

أول نيويورك وآخرها «الجيت لاغ»: مدينة تبيع العالم معلباً وتتركك تبحث عن الديمقراطية بين القمامة والمارينز.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

نيو يورك … نيو يورك

فوّاز طرابلسي

الجيت لاغ

اول نيويورك الجيت لاغ. وآخرها جيت لاغ.

ولا تقتصر وطأة الجيت لاغ على التفارق بين الوقت والجسد. وإن يكن الموضوع مثير بذاته.

ويستحق وفقة قصيرة. ذلك ان يذكّرنا بأن الانسان هو الحيوان الوحيد الذي يعيش في زمنين اثنين اقلا:

الزمن البيولوجي الذي هو زمن جسده وزمن وعيه. ماذا يحدث عندما يتصادم هذان الزمنان ويتعاكسان، إذ يسير الجسد عكس سير زمن الوعي؟ يحدث اضطراب في كل وظائف الجسد قد يستمر اياما طويلة.

يقولون لك: عرّض جسدك للضوء ليعتاد على وتيرة الوقت الجديدة. اين تجد العزيمة اللازمة، وسط هذا الشعور بالضياع، لمغادرة السرير اصلا؟ ثم اين تجد الضوء اللازم في هذه المدينة وقد هبط عليها الشتاء؟

والجيت لاغ ليس مجرد شعور بالضياع هو ايضا ضياع الاشياء. لم اضع فقط اياما سادها شعور بالضياع واضطراب شديد في النوم. أضعتُ ايضا هاتفي الخلوي وفي ذاكرته ألوف أرقام الهاتف والعناوين. وأضاعت نوال نظارتها. أهاتف هاتفي علني أعثر عليه. أهاتفه كأنه كائن حيّ. لا يزال يرنّ جرسه. هذا يعني أنه يعمل. ولكن ما من مجيب. ثلاثة اربعة ايام وجرسه يرنّ الى ان صمت. فادركت اذذاك انه ضاع.

اليوم توفيت الروائية والناقدة والمناضلة النسوية الاميركية سوزان سونتاغ. استذكر نصّها عن

»الاسلوب« الذي أعدّه لدرسي عن الهوية والعنف. لها فيه ملاحظة عن الشعر والذاكرة. تقول ان احدى وظائف الاسلوب في الادب هي الحفاظ على منتوجات العقل البشري من النسيان والبدد. وهذا ينطبق بنوع خاص على الشعر حيث القوافي والاوزان هي الوسائل المتاحة للكلمات كي تنتج ذاكرة عن نفسها.

ينطبق هذا بنوع خاص على الحقبات التاريخية التي سبقت اختراع الرموز المرئية، اي الكتابة. وهكذا فكل ما تتمنى حضارة من الحضارات القديمة تخزينه، كانت تسكبه في قالب شعري.

هذه فكرة لامعة لاعادة النظر في دور الشعر في الحياة العربية. ولكنها مؤقتا مناسبة للتمني:

ليتني استطيع أن أنظم أرقام الهواتف والعناوين شعرا حتى لا انساها.

»مذاق التوت«

نهاية بريشتية لقصة رجل من المدينة يبحث عمن يساعده على الانتحار.

الذين يلتقيهم يقولون الكثير عن ايران حقبة الحرب مع العراق. جندي مهنته القتل يرفض قتله.

افغاني ينعي عليه عدم تفهمه حرب ايران. البطل مثقف مديني متعالٍ والايحاء انه لوطي. الوحيد الذي يوافق على قتله هو الشخصية الكردية في الفيلم. المفارقة ان مهنة الكردي هي تحنيط الطيور. يوافق الكردي على الفعلة لانه بحاجة الى المال لابنه المريض. يروي له الكردي قصته: هو نفسه اراد الانتحار بأن يشنق نفسه من شجرة. لكنه إكتشف ان الحياة جميلة: طلوع الشمس، اطفال يذهبون الى المدرسة، شجرة التوت التي اراد ان يشنق نفسه منها تغريه بأن يأكل من ثمارها: ما اطيب مذاق التوت!

فيلم بطيء قاتم لكنه لا يشكو من التشويق. هل سينتحر؟ خصوصا بعدما سمع تجربة الكردي مع الانتحار والحياة؟ وهل سيجد من يهيل عليه التراب بعد موته؟

تبقى الاسئلة مجرد اسئلة. ينتهي الفيلم على مشهد خروج البطل من المغارة حيث كان يفترض ان ينتحر، يشعل سيجارة، ويتقدم نحو فريق التصوير، وبينهم المخرج نفسه. هو مجرد سيما لا اكثر.

يستشهد حميد دباشي في تفسيره للفيلم بقول المخرج انه يصنع افلاما نصف جاهزة يبقى على المشاهد ان يوفّر التتمة لها. واضح ان كيورستامي يعتمد تقنيات »البُعاد« البريشتية: التأزيم، مفاقمة المتناقضات، الباعثة على التساؤل، والدافعة الى العمل، بديلا من الكاثارتية، التي يفترض انها تؤمن الراحة الشعورية والنفسية. يستخدم حميد تكنية على البريشتية: افلام كيورستامي مثل مشهد التعزية العاشورائي الشيعي: الممثلون في التعزية يمثلون ليس إلا. ليسوا يريدون الايحاء انهم هم ابطال المأساة الكربلاوية. انهم مجرد ممثلين.

التفاحة

هذه المدنية يسمّونها »التفاحة«. لست تدري لماذا. ولا انت سألت بعد. ولا بد ان للامر صلة بالخطيئة.

ولكن سؤالا يلحّ عليك منذ الوصول: ما الخاص والمميّز بنيويورك؟

الكل يقول لك: نيويورك مميزة. وكل من التقيته الى الآن من أبناء جلدتك يعلن حبه للمدينة والتعلق بها. ومعظم الذين سألتهم – وجلّهم من المثقفين- يحدثونك عن »القرى«: قرية غرينتش، القرية الشرقية، القرية الغربية، والقرية الغربية العليا، وايطاليا الصغرى، وباريس الصغرى، والحي الصيني (الاوسع بين القرى الاثنية وقد ابتلع »ايطاليا الصغيرة« في توسعه)، الخ. بعبارة اخرى، المدينة عبارة عن فسيفساء من قرى إثنية. نيو يورك مدينة مهاجرين، تمازِج اللغات والقوميات والحضارات، الخ.

المفارقة تصدم الآتي من الخارج الذي يتصوّر المدينة بما هي »حاضرة حاضرات العالم« اي بما هي المدينة بالمعنى المطلق، عاصمة العولمة، حاضرة الامبراطورية الاميركية، هنا مرفأ العالم، بورصته، شركات تأمينه، مصارفه، مصانعه، كلها مدمّجة في تلك المائتين من »الشركات المتعدية الجنسية« التي تحكم عالمنا المعاصر. وكلها محشورة في ناطحات السحاب الباسقة المهيمنة بل الطاغية.

ومع ذلك يحدثونك عن »القرى«. ولا تصدّق حتى ترى. والحق الحق انه توجد »قرى«. على

»البرانش« (الوجبة بين الفطور والغذاء التي تقدمها المطاعم كل سبت او احد) في مطعم بـ»قرية« من تلك القري، راديكا من الهند تفسّر حبّها لاميركا: اميركا هي الإتساع. لندن بالمقارنة صغيرة. رشا العربية: في نيويورك أعدتُ تكوين نفسي. والتشديد هو على ان التمازج الاثني افضل حاضنة لاستيلاد الفردية، او السماح للمرء بأن يعيش فرديته كيفما يشاء. وحميد الايراني: كلٌ في نيويورك يشعر ان هذه المدينة له.

اذا كان الامر كذلك فقد حققت نيويوك ما يقارب المعجزة: المزاوجة بين »القرية« و»المدينة بعد الحداثية« في مدينة واحدة. ولكن الا يؤكد ذلك ان ما قبل الحداثة وما بعدها لا بد يلتقيان. او قل ان بعد الحداثة إن هي الا صيغة من صيغ الارتداد الى ما قبل الحداثة؟

الخدم في السيما

نستهلك الافلام بنهم في الصالات اذا تيسّر او بواسطة الاقراص المدمجة على الكمبيوتر. احيانا نصل الى مشاهدة فيلمين او ثلاثة يوميا لقطع الوقت في مدينة لا سهولة في التواصل بين الناس فيها.

يمكن ان يقال الكثير عن فيلم »غرام سْوَان« لشلوندورف المستوحى من رواية مارسيل بروست بالعنوان ذاته. لكن ما لن يعره النقد كبير انتباه هو حضور الخدم في الفيلم. قد يكون في الامر تصويرا واقعيا لدور الخدم في الحقبة التاريخية التي تقع فيها احداث الفيلم. ولكن ليس هذا هو المهم.

المهم هو العلاقة بين السيّد والخادم هنا. الخدم في كل مكان. وهذا الازدواج بين الرجل وخادمه والمرأة ووصيفتها هو ما يغري بالحديث عنه. تجري ابرز احداث القصة في حضور الخدم. هي احداث وحوارات كثيرة حميمة وفاضحة تدور حولها قصة غرام بين »كونت« أرستقراطي فرنسي متردد، معقّد، غامض وجميل وغانية فطنة لعوبة طبيعية وشهوانية. الحوارات الاشد حميمية بين العاشق والمعشوقة تجري في حضرة وصيفتها. اما خادم الكونت ففي الظل دائما، قابعاً وراء الباب ينتظر عودة سيّده من السهرة ليخلع عنه معطفة والشال قبل ان يصعد النبيل الجميل الى غرفته لينام.

في مفارقات الاكل والسمنة

لو كان لي ان اصوّر نيويورك سينمائياً لما اكتفيت بتصوير المفارقات بين ناطحات السحاب و»القرى«. كنت صوّرت الناس يأكلون. يأكلون اينما كان. وخاصة خارج اماكن الاكل المعهودة من مطاعم وبيوت. يحملون عبوات الوجبات السريعة ويلتهمون ما فيها وقوفا او جلوسا في الشوارع والازقة والحواري والمكاتب والنوادي والحدائق العامة وفوق المقاعد الخشبية وعلى الارصفة، وفي حافلات النقل ومقطورات الصبواي وغيرها.

ويأكلون ايضا في اي وقت كان. وليس من فاصل عندهم بين افطار وغداء وعشاء. المطاعم مشرعة الابواب على مدار النهار والليل في هذه المدينة التي يتباهى اهلها والأدلة السياحية بأنها المدينة التي لا تنام. تأكيدا على هذا الوصل بين مواقيت الطعام، ابتكروا »البرانش« وهو وجبة تجمع بين

الافطار والغداء يتناولونها يومي السبت والاحد. تقدّم المطاعم خلالها أطباقا يكثر فيها البيض علىمنوعاته وسمك الصومون واحتساء الشامبانيا، والافتراض ان تلك الوجبة التي تبدأ في حوالي العاشرة او الحادية عشرة معدّة للذين قد سهروا الليلة الفائتة وتناولوا المشروبات الكحولية بكثرة، من هنا اهمية البَيض. اما الشامبانيا فمن قبيل »داوني بالتي كانت هي الداء«.

۱۱۸،۰۰۰ اميركي يموتون من السمنة في كل سنة.

وإعلم ان السمنة مرض الفقراء ولا مفارقة. لأن مداخيلهم لا تسمح لهم بشراء الفواكه والخضار واللحوم والاسماك الطازجة، يستعيضون عنها بالوجبات السريعة – المسمّاة هنا »فاست فود«، او المنعوتة بـ»دجانك فوود« اي الاطعمة النوافل، لضررها وقلة المذاق- ويشربون الكوكا كولا للتزوّد بالسكّريات. السمنة مرض. مرض يصيب الفقراء من الافارقة واللاتينيين منذ الصغر.

قرر احد الصحفيين ان يجري اختبارا على تأثير الـ»فاست فود« على الصحة. اخذ يأكل يوميا لمدة شهر هامبرغر من عند ماكدونالد. في غضون شهر إزداد وزنه ۱۲ كيلو وكاد ان يموت لوطأة الشحوم على قلبه والمشكلات في كبده.

سمنة الفقراء تسمن الاغنياء. جيوبهم وحساباتهم المصرفية، إن لم تسمن ابدانهم. اقلا سمنة الفقراء تسمن اولئك الذين يملكون شركات الوجبات السريعة والمشروبات الغازية وسواها. اما سمنة الاغنياء فمنتشرة هي ايضا. ولكن سببها مختلف بل هو عكس سبب سمنة الفقراء. سبب سمنة الاغنياء هو القرمة، التي تناولها بالتحية شيخنا الجاحظ العظيم. والقرمة هي الشراهة في الاكل. فإذا اضفت اليها قلّة النشاط العضلي تعطيك سمنة الاغنياء. مع فارق ان الاغنياء يستطيعون تجاوز سمنتهم. لذلك قام اقتصاد متكامل من اطباء واختصاصيي الحميّة الى جراحي عمليات التجميل ومستوصفاتها، مرورا بمستحضرات الرياضة والجوغنغ والكمال الصحي والجسماني. وهكذا، سمنة الفقراء تسمن الاغنياء وسمنة الاغنياء تسمن الاغنياء ايضا.

مدينة الاكياس

بعد ان أصوّر الناس يأكلون، يجب ان اصوّر اكياس القمامة. ترمي المدينة ۰۰٥۱۳ طنا من القمامة يوميا. هذه هي القمامة الصافية بعد الرسكلة واستخراج الورقيات والقناني منها. ومع ان شركات لمّ القمامة نجحت في لمّ بعض ما يرمى على الارصفة من اكياس قمامة، في الاحياء الغنية غالبا، الا انها عجزت عن لمّ كل الاكياس التي ترمى في يوم واحد خلال اليوم. هكذا تتكدس اكوام من اكياس القمامة على الارصفة وحواف الشوارع.

لن يوجد يوم تزول فيه النفايات من شوارع نيويورك كأن هذا هو قانون اضافي من قوانين الرأسمالية الاستهلاكية مثله مثل البطالة، التي باتت شرطا لازما من شروط وجود الرأسمالية الانتاجية، مع ان الحكومات والاحزاب في البلدان الصناعية المتقدمة تتبارى في وعود تخفيضها بنسب مئوية ولا تلبث ان تعلن عجزها عن الايفاء بوعودها. او قل ان القمامة مثلها مثل الفقر، والوعود التي تعدنا الامم المتحدة والبنك الدولي ووكالة الامم المتحدة للتنمية صبح مساء بـ»وأده« وإستئصاله وسائر الوعود تبقى وعودا خلّبية…

عن وفرة القمامة يقول لك الاهالي انها راجعة الى كثرة التعليب الذي يلف به الاكل وبالتالي كثرة ما يرمى من علب واكياس وأغلفة وعبوات وحاويات لارتفاع نسبة إستهلاك الناس للاطعمة المعلبة على انواعها المختلفة. فها نحن نعود الى الطعام السريع. هكذا صارت اكوام اكياس القمامة المتكردسة ابدا على الارصفة العلامة الفارقة للمدينة: تقول ان كل شيء معلّب او ان كل شيء قابل للتعليب، كل شيء زائل ونافل وقابل للرمي.

التعليب

نحن في »حيّ التعليب« السابق – تعليب اللحوم تحديدا- وقد صار الحيّ الطليعي الاكثر تمثيلا لعالم الفن النيويوركي البعد حداثي بعدما تسلّمه المقاولون وأمّته جموع العاملين في القطاعات الفنية والتزيينية والتصويرية والسينمائية وفتحوا فيه الغاليرات والمراسم والمطاعم ناهيك عن استئجارهم المساكن والشقق او امتلاكهم اياها.

غرض زيارتنا للحيّ مشاهدة معرض لإميلي جاسر الفنانة الفلسطينية في احدى الغاليرات الطليعية. في القاعة، على مستوى البصر، مجموعة متراصفة من الرسائل الاكلترونية متبادلة بين الفنانة واصدقائها والصديقات عن فلسطين والانتفاضة والحرب على العراق، لكنها هنا مرسومة اسود على ابيض على مربّعات خشبية نافرة. كأنما لكي تعاند الطابع الزوالي للرسالة الاكلترونية. وفي غرفة جانبية، تعرض إميلي فيلمَي فيديو لمَشاهد من نيويورك ورام اﷲ دون ذكر المصدر، فيختلط عليك اياً هي هذه واياً تلك.

في معرض سابق، عرضت اميلي خيمة. مجرد خيمة فلسطينية لاستحضار مأساة اللجوء الفلسطينية بأبسط تجسيداتها وزرعتها في عاصمة الامبراطورية وفي المدينة التي تملك اكبر جالية يهودية في الولايات المتحدة واكثرها تعاطفا مع اسرائيل.

وما يلفت النظر ايضا في ذلك المعرض السابق تجهيز يقتصر على رصف مجموعة من الاكياس التي تجمّعت لديها في اول زيارة لها الى نيويورك. اكياس مختلفة الحجم معدّة لاحتواء شتى أنواع السلع من المأكولات الى الملبوسات. اكياس. اكياس. اكياس.

ارادت إميلي ان تقول ان الاكياس، مثلها مثل الخيمة، علامة من علامات الرحيل او الانتقال.

ونيويورك هي مدينة استقبال وتوزيع ومهاجرة بإمتياز. الا ان الفنانة الفلسطينية، الهاجسة عن حق بالارتحال، تقول لنا باكياسها شيئا آخر. او هكذا يخيّل لي. وددت ان ارى في أكياس إميلي جاسر الفنية الوجه الآخر لاكياس القمامة على الرصيف امام بنايتنا: كلاهما يقول امرا مشتركا: ان الرأسمالية هي تعليب اولا بأول. تعليب لسلع. وسلع للتعليب. وفوق هذا وذلك، تعليب للبشر وتسليع.

التغليف: او بوابات كريستو

من التعليب الى التغليف. الفعل واحد.

مع رشيد ومنى خالدي الى حديقة »سانترال بارك« لمشاهدة »بوابات« الفنان كريستو وزوجته

جان كلود. عمل الفنانان خلال عشرين سنة تحضيرا لهذا المشروع. وإذ تحقق حلمهما وتمكنا من جمع المال الكافي له، نصبوا ۰۰٥۷ بوابة معدنية في الحديقة المترامية الاطراف يتدلى من كل واحدة منها وشاح من القماش البلاستيكي ينصفق مع رياح الشتاء النيويوركي. والكلفة ۲۱ مليون دولار لا غير.

نرقى احدى روابي »البارك« فنطلّ على بحر مائج من البيارق الزعفرانية اللون كأنها رايات فيلق من فيالق جيش ياباني في احد افلام كوراساو يغزّ السير الى القتال. رايات تتراءى حينا وتختفي احيانا خلف التلال.

في صف مادة الادب المقارَن، يثير احد الطلبة موضوع نصوب كريستو في معرض مناقشتنا نصاً لفريدريك جايمسون عن التفسير في النقد الادبي يعرض فيه الناقد الماركسي نظريته القائلة بأن كل عمل ادبي وفنّي هو عمل مرمّز سياسيا واجتماعيا، يتعينّ على التفسير ان يفك رموزه. تساءل الطالب عن مدى انطباق ذلك على فن كريستو وهو القائل ان ما شيّده في سانترال بارك لم يقصد منه شيئا.

ان يقول كريستو انه لم يقصد شيئا من بواباته يثير الاستغراب. وهو من نزوات فنان يدّعي التفرّد او ترك امر التفسير لسواه. لكن بواباته هي اولا بوابات وللبوابات معنى انطلاقا. فقول كريستو انه لم يقصد شيئا من وضع ولو بوابة واحدة، ينقض ما يذهب اليه من انه لم يقصد شيئا من كل هذا الجهد الفني.

كريستو فنان مركوب بهاجس اوحد هو التغليف. الفكرة بذاتها خصبة الايحاءات والدلالات. أنْ تغلّف شيئا يعني أن تحجبه. لكنها تعني نقيض ذلك في الآن معا. ذلك ان تحجيب الشيء يعني ايضا السيطرة عليه. تتم عملية التغليف عند كريستو على مساحات واسعة او كتل كبيرة الحجم. انه يغلّف جزرا وأبنية وجسورا ومساحات من الطبيعة. ولكنه، إذ يغلّفها، يستظهرها بدلا من ان يخفيها. وهو يلعب لعبة الاخفاء والاستظهار هذه الى نهاياتها. حقيقة الامر ان بوابات »سنترال بارك« لا تشذّ إطلاقا عن تلك القاعدة. فالبوابات تفتح والاسترة تغلق، او إن شئت تستيطع القول ان الاولى تستظهر والثانية تخفي. بل ان الاسترة موجودة لتقول ان البوابة تفتح وتستظهر.

لكنها لعبة تبطن استظهار امر آخر، بغض النظر عما اذا كان الفنان يعترف به او لا. يغلّف كريستو العمارات والمساحات على طريقة تغليف السلع او الحاويات، فيحكم ربطها بحبال وعُقدَ. يقول لك:

كل شيء قد تسلَّ ع في ظل الرأسمالية. لكنه يشي ايضا بأن السلعة في الرأسمالية كناية عن قيد. وهي فكرة قد يُطرَب لها فريدريك جايمسون.

بأيجاز، يستحيل تصوّر فن كريستو دون الرأسمالية الصناعية المتطورة، وتسليعها المطلق لكل كائن وكل شيء. بل يستحيل تصوّر هذا الفن دون هذا المستوى من اجتياح الطبيعة في زمن الرأسمالية المتأخرة، كما يسمّيها ارنست مانديل. وقد ترى الى كريستو على انه نحّات، ينحت على مساحات وكتل لم يحلم نحات بأن تكون مدى لعمله من قبل. لكن النحت هنا لا يشتغل على العلاقة بين الطاقة الجسدية للبشر وبين الطبيعة (اعني الطبيعة بما هي حجر او صلصال). انما العلاقة هي علاقة بين مادة بشرية مصنّعة (القماش البلاستيكي) وبين الطبيعة احيانا وبين تلك المادة وبين الابنية احيانا اخرى، وهذه الاخيرة طبيعة (حجر) قد حوّلها الانسان تحويلا. في هذه الحالة، يمارس كريستو النحت على المنحوتات.

نحت على نحت.

14 كانون الثاني 2005

عن خالد وفادي عن سائق تاكسي أمازيغي من الجزائر قالا قال: »انا عربي« لما سألناه من اين هو. لم يجد تعارضا بين ان يكون عربيا وبين ان يلهج بالامازيغية. لم يقل انه امازيعي. ولا هو قال عن نفسه انه مسلم مع أن اسرته تتوارث مخطوطة للقرآن الكريم تعود الى العام ۰۲٥۱. بحوزته الآن غلاف المخطوطة، ذخرا حمله معه من البلاد:

– غلاف القرآن أقدم من اميركا!

يقول بكل بساطة ويقهقه.

ومع ذلك، قرّر ان يَهِب المخطوطة الى احد المتاحف الاميركية.

– ولماذا لا تورثها لاولادك؟

– لا. أولادي صاروا أميركان!

همنغواي في الصبواي

في الصبواي، الرجل الجالس قبالتي في المقطورة يحدّق فيّ باستمرار. ما كنت لالاحظه لولا ان نوال لفتت نظري اليه، انا المستغرق في قراءة مجموعة قصص قصيرة لأرنست همنغواي. القصة التي بين يدي الآن قصة صيّاد هجر صديقته. ألتفتُ الى الرجل فرأيته يرسم على دفتر ذي غلاف اسود متوسط الحجم. والرجل اللاتيني الواقف خلفه يتناوص على ما يرسمه ويؤشر لي ولنوال ان الرسمة موفقة جدا.

بسرعة دخلتُ في لعبة رسّام الصبواي. قررت ان أتحول الى عارض. جمدتُ في صمدتي لا آتي حراكا. واصلتُ القراءة. الرجلان في قصة همنغواي يحتسيان الويسكي مع الماء توخياً السُكر ولا يسكران.

وصلنا محطة جامعة كولمبيا في الشارع ٦۱۱ على برودواي. هذه محطتنا. خرجنا. لم يعرض الرجل أن يريني صورتي. ولا أنا طالبته بحقي في الصورة. تماما كما في قصة همنغواي: قصة تنتهي بلا حدث. ما لا يحصل في القصة اهمّ مما حصل! بل ما لم يحصل هو الحدث.

عن مطار إسمه لاغوارديا

يجب ان تقرأ هاوارد زِن اذا انت أردت أن تتعرّف الى الوجه الآخر لاميركا، اميركا الشعب، اميركا الناس الكادحين المتوارية وراء اميركا التي تراها في العراق وفلسطين ولبنان او اميركا التي تطل عليك من اعلى ناطحات السحاب في مانهاتان او حتى من خلال نافذة هذه الشقة الصغيرة في تلك البنانية القائمة على مقربة من حرم جامعة كولمبيا والمطلّة على حيّ »هارلم«.

عند زِن تعيد قراءة قصة حياة جون ريد، ذلك الذي ترجمتَ رائعته »عشرة ايام هزّت العالم« عن الثورة البلشفية في الستينات. وعند زِن تكتشف ان البلدة الوحيدة التي زرتها في نيوجيرز- لتشتري الخبز العربي واللبنة والزيتون- انما كانت بلدة نسّاجين اشتهروا بإضراب شهير قمع بالعنف. وهذه البلدة التي تشبه احد الاحياء الفقيرة في اي بلد من بلدان العالم الثالث، تضم الآن نسبة كبير من السكان العرب.

لنيويورك مطاران: جون ف. كنيدي ومطار لاغوارديا. مفهوم ان يسمى مطار على إسم الرئيس الوسيم، عشيق مارلين مونرو، الذي تحوم شبهات كبيرة حول دور السي.آي. إي. في اغتيال الرئيس وفي »انتحار« العشيقة وإن تكن دوافع الاغتيال تختلف كليا بين العاشق والمعشوق. ولكن، لاغوارديا؟ لماذا ذلك الاسم اللاتيني لمطار نيو يوركي قديم؟ ومن هو المكرّم بإطلاق إسمه على المطار؟ ما عليك الا مراجعة هوارد زن. تكتشف عنده ان المعني هو فيوريللو لاغوارديا (۱۸۸۲-۷٤۱۹) رئيس سابق لبلدية نيويورك وشخصية اشتراكية شهيرة في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين. امه يهودية وترشح عن المقعد النيابي لهارليم الشرقية (وقد كانت حيا يهوديا-ايطاليا آنذاك) وفاز على منافسه اليهودي اليميني. وكان واسع الشعبية لجرأته والتواضع. خدم في الكونغرس من ۱۹۲۱ الى ۱۹۳۳. وعُرف بانه جمهوري تقدمي في زمن كان يوجد فيه تقدميون بين الجمهوريين قبل ان يجيء زمن المحافظين الجدد. ناهض لاغوارديا »الجذوريين« الذي عملوا على وقف الهجرة الى الولايات المتحدة ووقف في وجه »الكلو كلوسك كلان«، المنظمة اليمينية المتطرفة التي كانت، ولا زالت، تدعو الى »تطهير« اميركا »البيضاء« من السود، ولو بشنق او حرق الاميركيين ذوي الاصل الافريقي. وكانت العشرينات من القرن العشرين تسمى

»العشرينات الصاخبة« و»عصر الجاز« ذلك انها كانت فترة ازدهار اقتصادي لم تطل منافعه اكثرية الاميركيين. فدافع لاغوارديا عن حقوق المتسأجرين وناضل ضد احتكارات المواد الغذائية. ولم يكن يستغرب ان يتّهم بأنه »راديكالي«. قال للرأسماليين ولزملائه نواب الامة:

»لقد حميتم الدولار وأهملتم المنتجين. ودافعتم عن الملكية الفرديةونسيتم الانسان. والنتيجة اننا شرّعنا لنظام من الاستغلال الهمجي«.

تعرّض لاغوارديا لأسرة »ميلون« الرأسمالية وكان احد افرادها وزيرا للمالية. تتربع الاسرة على امبراطورية صناعية-مالية وقد قدّرت ثروتها حينها بملياري دولار. تشمل اعمالها مناجم فحم وغاز وآبار نفط ومصانع المنيوم. وتتبع للاسرة مائة شركة تديرها مؤسسة مالية هي »يونيون تراست« رأسمالها ۰٥۲ مليون دولار. وكان الوزير ينوي تخفيض الضربية على الذين تزيد مداخيلهم عن ٦٦ الف دولار.

فوقف لاغوراديا في واجه واحبط مسعاه. وفي سجّل لاغوارديا التشريعي انه رعى قانونا يحدّ من صلاحيات القضاء في منع الاضرابات العمالية وعارض تحريم المشروبات الكحولية وأيد حق التصويت للنساء ودعم استصدار القوانين المانعة لعمل الاطفال. اما في نشاطه البلدي فعرف عنه مكافحته الفساد وتعمير المساكن الشعبية وتوسيع الخدمات الاجتماعية لبلدية نيويورك وبناء الطرق والجسور الجديدة.

وكانت العشرينات ايضا فترة تدخل عسكري اميركي في المدى الحيوي الكاريبي. وعندما لم يكن يكفي الضغط الاقتصادي والمساعدات المالية للحكومات الفاسدة، كان اللجوء الى التدخل العسكري المباشر بإرسال المارينز الى هاييتي وجموهورية الدومينيكان ونيكارغوا. عام ۱۹۲۷، أمرت قوات من المارينز بالتموضع في »فورت لاما« في عاصمة هذه الاخيرة. تلا ذلك توزيع سلاح على الحكومة بحجة مجابهة الخطر الشيوعي وحماية الاميركيين. رد لاغوارديا مفندّاً إدعاء الخطر الشيوعي قائلا إن حماية الاميركيين ليست تتطلب كل هذا الحشد العسكري. اما ضغوط المعارضة في الولايات المتحدة ونيكاراغوا، فأجبرت الادارة الاميركية على التفاوض مع قادة المعارضة والتوصل الى إتفاق يقضي بإشراف اميركي على انتخابات العام ۱۹۲۹ ولكن مع استمرار وجود المارينز. فخاطب لاغوارديا وزير الخارجية منتقدا:

»إسمح لي ان اقول، سيدي وزير الخارجية، إن الاقتراع العام

والتصويت السري لا ينسجمان اطلاقا مع وجود »المارينز« ببزاتهم الرسمية وحِرابهم المشرّعة.

هذان امران لا يمكن التوفيق بينهما« (مختارات هاوراد زِن، ص ٦۱۷).

كان ذلك منذ نحو ثمانين عاما. ولم يكن لاغوارديا يتحدث عن العراق …

المواضيع
أدب وفن إقتصاد سياسي
البلدان
الولايات المتحدة
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
السيرة الذاتية والمذكرات النقد الثقافي

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.