مثقفون في »حوداث الـ١٨٦٠«
المثقفون في حوادث الـ١٨٦٠ موضوع لم يحظ بعد بما يستحقه من اهتمام. فيما يأتي جردة بحثية اولية لمواقف وسلوك البعض منهم.
اني اتقصّد استخدام مفردة »المثقف« للتدليل على هؤلاء الكتّاب والادباء واللغويين والمدرّسين والصحفيين لأن النصف الثاني من القرن التاسع عشر، شهد ولادة فئة من سكان الساحل والجبل اللبناني إمتهنت العمل الذهني في شتى مجالاته. بعبارة اخرى، تكونت نواة لفئة اجتماعية جديدة ولدت ونشأت في اطار بيروت وجبل لبنان نتيجة تطورات وتحوّلات شديدة الصلة بالرسملة المتسارعة لبيروت والجبل بما في ذلك احتلال بيروت مكانها المرموق في قلب مشروع التحديث العثماني وتنامي دورها بما هي مرفأ »برّ الشام«. جدير الذكر ان ابرز ادباء النهضة الثقافية، في اسهامها اللبناني، ينتمي الى اسر من المدبّرين: اليازجيون، البساتنة، الشدياقيون، الخ. على ان التمييز واجب هنا بين المثقف الجديد وبين ما يمكن تسميته المثقف القديم، اي »المدبّر« الذي غالبا ما كان في خدمة الامير الحاكم او الشيخ المقاطعجي، حيث يتولى جملة متفاوتة من المهمات يجدر تسميتها مهمات »ذهنية«: من تربية الاولاد الى المحاسبة مرورا بكتابة الرسائل واعمال السكرتارية عموما وادارة الاملاك وتحصيل الرسوم والضرائب. من هنا كانت وظيفة المدبّر، الذهنية-التربوية اساسا، مفتوحة على التجارة والملكية العقارية. يجدر تسمية ابراهيم اليازجي وبطرس وسليم البستاني وفارس الشدياق، وسواهم من رجالات النهضة، بالـ»المثقفين الجدد« في تحولهم من وظيفة »المدبّر« الي اقرب ما يمكن من المثقف الفرد »الحرّ« نسبياً، بمعنى وجوده في سوق العمل وخضوعه النسبي لقوانينها بما في ذلك لمنطق قسمة العمل. فهذا المثقف الجديد هو الآن صحافي ومدرّس في مدرسة ومترجم وكاتب او اديب متفرّغ نسبيا، ولغوي، وقاموسي، وموسوعي، وما شابه. وفي سوق العمل، يتم الانتقال من العمل عند المقاطعجي او الامير الفرد الى العمل في مؤسسات تربوية ارسالية، معظمها بروتستانتية، او في مدارس عمومية، او في القطاع الخاص، حيث يعمل المثقف على حسابه الخاص بما هو صاحب مدرسة او مطبعة او صحيفة، الخ.
على ان اهم ما يتبيّن من هذه الجردة البحثية الاولية هو دور الحرب في تحويل افكار المثقفين الذين عاشوها بل وحيواتهم كلها. اقصد بذلك اضاءة العوامل الداخلية التي انتجب تلك القبضة من المثقفين بافكارهم ومواقفهم وممارساتهم الثقافية والحياتية. وذلك علي حساب الصورة التبسيطية السائدة عن النهضة بما هي شرارة انطلقت من الاحتكاك بـ»الغرب«.
والسؤال الاول هنا هو: باي غرب إحتكّ هؤلاء؟ وهو سؤال لا يزال يحتاج الى كثير من البحث والتنقيب، إذ لم يُعمَل، علي حد علمي كثيرا، على معرفة ماذا كان يقرأ رجالات النهضة اللبنانية. من هنا مهمة بحثية مفتوحة تستدعي من يتحمّلها في ارجاء جردة بمن قرأ رواد النهضة من آثار اجنبية (بل وعربية ايضا، إذ لا يكفي الافتراض والتعميم هنا ايضا). والسؤال يحمل اسئلة: لماذا يذهب مثقف في بلادنا الى استلهام هذا المؤلف الغربي دون ذاك او الى التزام تلك المدرسة الفكرية الغربية دون سواها؟ يكمن الجواب على هذا السؤال في موقع المؤلف الفرد من البنية الفكرية والاجتماعية السائدة في الزمن المخصوص الذي نحن بصدده. دون تطويل لا تستدعيه هذه المقاربة الاولية، اود التقدّم بفرضية تقول ان اثر حوادث الستين على مثقفي ذلك الزمان عامل اساسي من عوامل الاسهام اللبناني في النهضة الثقافية العربية. ولا تعود عوامل ذلك الاسهام فقط الى توافر »البنية الثقافية التحتية« التي امّنت الانتقال لهم من دور المدبّر الريفي الي دور المثقف المديني كما ابنّا اعلاه (جدير بالملاحظة ان عددا من روّاد النهضة انتقل من الجبل الى بيروت قبل حوادث الستين او بعيدها). ثمة عامل آخر هو على القدر ذاته من الاهمية، إن لم يكن اكثر، هو اشتراك اولئك المثقفين فيما بينهم في التمرّد على سلطة المقاطعجيين وعلى احتكار الكنيسة للمجال الايماني والتأويل، تمرّد بلغ حدّا سمح بأن تفعل الحرب الاهلية فعلها في اطلاق الانقلاب الفكري والسلوكي الذي احدثته عند هؤلاء الروّاد.
المعلّم بطرس البستاني و»المبدأ الوحشي«
تأثر المعلّم بطرس البستاني ايما تأثر بالإحتراب الاهلي، فوجّه سلسلة من الرسائل مفتوحة الى مواطنيه في نشرة اصدرها خصيصا لهذا الغرض بعنوان »نفير سورية«. بلغ عدد الرسائل ثلاث عشرة رسالة (صدرت بين ايلول ١٨٦٠ ونيسان ١٨٦١) موجهة الى »ابناء الوطن« بتوقيع »مُحِبّ الوطن«. ولعل البستاني هو الذي نحت تعبير »الحرب الاهلية« للدلالة على ذلك النوع من الحروب التي قال عنها:
»اشرّ ما يوجد تحت قبّة الفَلَك الحروب، وأشرّ الحروب وأقبحها وأشنعها الحروب الاهلية […] ومن اشرّ الحروب الاهلية الحرب التي أضرمت نارها ورشقت سهامها هذه السنة، فعطّلت هذا المقدار من المصالح والصوالح الدينية والادبية والمدنية«.
يعزو البستاني الحرب الاهلية في جبل لبنان الى ما يسمّيه »المبدأ الوحشي« الذي يعرّفه على انه مزيج من غرضية النظام المقاطعجي ومن التعصب الديني، اي ما قد نسميه الآن بالطائفية. وهو المبدأ الذي يعبَّر عنه المثل القائل: »من لا غرض له لا دين له«. والغرضية هنا هي الانتساب الى حزب من الاحزاب المدافِعة عن غرض، بمعنى هدف، هذه الاسرة المقاطعجية او ذاك. وكانت تلك الحزبية تسمّى ايضا »الاسمية«، لأن المنضوين فيها يتبعون اسم الزعيم المعني او الاسرة المعنية. والمَثَل المثبت اعلاه معبّر جدا عن تسييس الدين، لأنه يشرط الايمانَ الديني بالإنتساب الى غرضية زمنية. وهو الخلط اياه الذي تقوم عليه الدعاوى الطوائفية المختلفة. ويحتمل المثل وجهاً آخر في تأويله هو ان عدم الاعتصاب لغرضية طائفية او مذهبية معيّنة يوازي النقص في الايمان حتى لا نقول انه يداني الكفر او الالحاد. وقد ردّ البستاني على معادلة »من لا غرض له لا دين له« بمعادلة نقيضة – »حبّ الوطن من الايمان« – التي تجعل من تجاوز الولاء الطائفي الى الولاء الوطني معيارا من معايير الايمان، الديني طبعا.
فيما يأمل البستاني ان تكون حرائق الحرب قد احالت ذاك »المبدأ الوحشي« الى رماد، يواصل نقاشه لدروس الحرب فيخلص الى درسين رئيسيين:
»إننا ننبّه ابناء الوطن الى امرين. احدهما هو ان اصلاح احوالهم وبلادهم متوقف على اتحادهم واجتهادهم الشخصي. لان اتكالهم في ذلك على الغير هو كإتكال جائع على انه يشبع اذا اكل صديقه او مولاه… ثانيهما ان اظهار البغضة الى جماعة بجملتها، بناء على ذنوب ارتكبها عمدا او خطأ، بعض افرادها، فضلا عن انه ليس من الانصاف، هو مضرّ جدا وموجبٌ توقيف او منع الاتحاد والالفة اللذين عليهما يتوقف نجاح الاهالي والبلاد«. (الرسالة الوطنية التاسعة)
يؤكد الدرس الذي يستخلصه البستاني على الربط بين الاصلاح من جهة وبين الاتحاد والاتكال على النفس من جهة ثانية، ناهياً بقسوة عن اوهام الاتكال علي الغير. من جهة ثانية، وعلى القدر ذاته من الاهمية، هو تحذير المعلّم البستاني الكبير من تحميل الجماعة مسؤولية ممارسات وارتكابات افراد فيها. ففي توجيهه الانظار الى مسؤولية الافراد عن مواقفهم واعمالهم، ورفضه اعتبار مواقف الافراد وسلوكهم على انها صادرة حكما وبالضرورة عن مواقف وسلوك الجماعات (المذهبية) التي ينتسبون اليها، يثير المعلّم قضية الفرد، موقعا وفكرا وسلوكا وكيانا وعلاقات. وغني عن البيان ان تنزيه الجماعات من سلوك بعض افرادها ينطبق عكسا ايضا، بتنزيه الافراد من الالتزام بما يصدر عن الجماعات التي ينتسبون اليها من مواقف وسلوك.
ولا بد ان البستاني قد اهتمّ اهتماما خاصا بموضوع الفرد تحت وطأة هذين الدرسين المستخلصين من الحرب الاهلية. ففي السنة ١٨٦١ اصدر الجزء الاول من رواية سماها »كتاب التحفة البستانية في الاسفار الكروزويّة، او رحلات روبنصن كروزويه« (صدر الجزء الثاني عام ١٨٨٢). والكتاب هو ترجمة البستاني بتصرّف للرواية الشهيرة للبريطاني دانييل دي فويه بعنوان »حياة روبنصن كروزويه ومغامراته المدهشة«. ما الذي اغرى البستاني بقراءة تلك الرواية ثم بترجمتها في عزّ الاقتتال الاهلي؟ هل هو نضال كروزويه ضد اكلة لحوم البشر، كأنهم مجسدو ذلك »المبدأ الوحشي« الذي يدينه البستاني وينهى عنه في »نفير سورية«؟ ام هو الحنين الى الفردوس المفقود، الي الحياة البدئية الطبيعية الاولية، ذلك الحنين الذي يعاني منه روبنصن كروزويه عند عودته الى انكلترا؟ فكأن تلك الحياة البدئية التي عاشها روبنصن كروزويه، الهنيئة البسيطة المسالمة، هي النقيض من »المبدأ الوحشي« اياه؟ ام ان ما اغرى البستاني في الرواية هو التأويل السائد لها بما هي الرواية التي تتخيّل ولادة الفرد وإمكان استقلاله عن الجماعة. مهما يكن من امر، فالمؤكد ان رواية روبنصن كروزويه مناسِبة جدا لتخيّل ولادة الفرد متحرراً من أسار الجماعة التي تكبّله وتقمعه!
يجدر التوقف هنا عند مفهوم البستاني للوطن. فثمة صلة مباشرة بين اكتشاف الفرد وتوسيع تخوم الانتماء. تلك هي المفارقة الايجابية في كل فكر قومي منفتح: يقوده الفرد الى توسيع حدود الجماعة، بتفجير الجماعات المغلقة، من عائلية وقبلية ومذهبية وطائفية وإثنية واقوامية. صحيح ان المعنيين المباشرين بالحرب الاهلية هم ابناء جبل لبنان، الا ان النداءات الناهية عن الحروب الاهلية والمستخلِصة لدروسها موجّهة الى ابناء »سورية« عموما. وبسورية يعني البستاني سورية الطبيعية والجزيرة العربية، وهي، في زمن كتاباته في »نفير سورية« تعادل الولايات العربية من السلطنة العثمانية. اما الاهمية التي يوليها للوحدة الوطنية فهي دعوته الى التوحّد بالدرجة الاولى »تحت لواء اللغة العربية« التي يعتبرها البستاني »اساس التمدّن لشعوب المنطقة«.
والبستاني لا يتردد في وضع الانتماء الوطني في مواجهة الانتماء المذهبي وحسب انما يحرّم على ذوي العصبية المذهبية حتى من حق، بل شرف، الانتماء الى الوطن اصلا. فيقول:
»واما الذين يبدّلون حب الوطن بالتعصّب المذهبي ويضحّون خير بلادهم لأجل غايات شخصية، فهؤلاء لا يستحقون ان ينسبوا الى الوطن، وهم اعداء له«
من جهة اخرى، في تلك النصوص ايضا ارسى البستاني دعوته الى دولة القانون وما يمكن اعتباره احد اوائل الدعوات الى العلمانية. فقد دعا الى تطبيق الشرائع بحيث تسري احكامها على الجميع. وهو بذلك قد إستلهم، كما العديد من اصلاحيي تلك الفترة، حَرْفيّة الاصلاحات العثمانية (»تنظيمات« ١٨٣٩ و١٨٥٦) ومضمونها. فيردف قائلا بـ»وجوب وضع حاجز بين الرياسة اي السلطة الروحية والسياسة اي السلطة المدنية«. (الرسالة الوطنية العاشرة) وهو المعادل للمطالبة بفصل الدين عن الدولة.
لم يكتفِ البستاني بالتبشير. مساهمة منه في تصفية ذيول الحرب، وبناء الوحدة الوطنية التي ناشد ابناء وطنه تحقيقها، ودعما لرسالته الوطنية العلمانية، اسس في بيروت عام ١٨٦٣ »المدرسة الوطنية« المفتوحة بلا تمييز امام ابناء جميع الطوائف والمذاهي والقائمة على »حرية الايمان ومبدأ الوحدة الوطنية«. ورأى البستاني الى مدرسته على انها في المقام الاول ردّ على المدارس الارسالية حيث كان ابناء الوطن يتعلمون عن بلدان قصيّة ويجهلون تاريخهم ومناطق وطنهم. فاراد مدرسته تجسيدا لدعوته الى نظام تعليمي واحد لجميع ابناء الامة من اجل الحفاظ على الهوية الثقافية، حسب تعبيره. وضمت المدرسة منذ عامها الثاني نحوا من ١٥٠ تلميذ كان عدد منهم من العراق ومصر. وفيها علّم البعضُ من كبار شخصيات النهضة الثقافية امثال الشيخ ناصيف اليازجي والشيخ يوسف الاسير.
شاكر الخوري ومسؤولية النظام المقاطعجي
شاكر خوري، هو ابن كاتم اسرار سعيد بك جنبلاط. ومعروف ان هذا الاخير اوفد الخوري الاب الى آل الخازن عندما سمع بانتفاضة فلاحي كسروان عام ١٨٥٨ داعيا اياهم الى التعقل وعدم مخاصمة قائمقام النصارى من آل بللمع حتى لا يجرّون الضرر على كل ذوي الاقطاع في جبل لبنان.
وشاكر الخوري، مؤلف »مجمع المسرّات«، يروي فيه سيرة حياته ومشاهداته في حوادث الستين. عمل وكيلا في معمل الاخوة بورتاليس في بتاتر. وخلال الحوادث، فرّ ووالده من قريتهم بكاسين ولجأوا الى دير الزهراني في بلاد الشقيف وكان حاكمها الشيخ يوسف نصرالله. ثم وصلوا صيدا مع الهاربين الذين التجأوا اليها من الجبل وراشيا وحاصبيا وجزين واستقرّ كثير منهم في خان الافرنج بحماية دولة فرنسا. ولما وصل فؤاد باشا الى بيروت وزال الخوف ودعا سعيد جنبلاط المسيحيين للعودة الى منازلهم، عاد شاكر الخوري مع العائدين الى بكاسين فالفاها محروقة ومنهوبة ووصف بيته »مسوداً كفرن دون باب ولا شباك ارضه محفورة والاوراق منتشرة فيه والقواطع التي بين الغرف مهدومة«.
ومع ذلك، ففي تقييمه النهائي لما جرى، تجاوز الخوري المأساة الشخصية ليرى الى اساس العّلة، فكتب يقول:
»ليس الذنب في الفتنة الاولى على الاهالي بل الذنب كله على مقاطعجية ذلك الزمان. وليس اللوم على فئة واحدة لانه لو كانت انتصرت اهل الاقليم [المقصود اقليم جزين] على اهل الشوف لفعلتْ معها كما فعلته الاخرى. فالحمد لله الذي بِظلّ دولتنا، عندما أبعدت المقاطعجية وألغتهم، حصلت الراحة التامة…«
اللغز في موقف احمد فارس الشدياق
امران يثيران الاستغراب في مواقف فارس الشدياق من احداث ١٨٥٨ و ١٨٦٠: الاول هو اننا لا نلقى له اية اشارة الى عامية كسروان ١٨٥٨، والثاني والاهم هو التزامن بين اشهاره اسلامه وبين حرب ١٨٦٠ الاهلية. سبب استغرابي عدم اشارته الى عامية كسروان هو ان الشدياق ادان بشدة الامتيازات الاقطاعية واعلن صراحة انحيازه الى العامة والفلاحين والفقراء عموما. وله في ذلك ملاحظات لاذعة:
»…إن رأس الفقير ليس بأضيق ولا باصغر من رآس الامير عن ان يشتمل على اراء سديدة مما يخلو عنه رأس غيره وإن يكن اكبر عمامة منه واغاظ قذالا« (الساق على الساق، ٤٧٤).
ثم يستطرد، في مكان آخر من الصفحة ذاتها، داعيا الى نبذ التمايزات الطائفية:
»وانتم يا سادتي الحكام والمشايخ والكبراء والمطارنة جرّبوا مرة … ان ترفعوا فَرق المذاهب من بينكم فذلك ادعى لكم الى الحظ والسرور. […] إعلموا هداكم الله ان فَرق الآراء في الاديان لا يمنع الإلفة والمخالّة…«
على ان الاكثر ادهاشا هو اشهار الشدياق اسلامه عام ١٨٦٠ وهو في تونس تأهبا للاستقرار في الاستانة في العام ذاته، بينما بلاده في حمى الاقتتال الاهلي المذهبي. لماذا اشهر الشدياق اسلامه؟ ولماذا اسلم في ذلك الوقت بالذات؟ حاولنا في مقدمتنا المشتركة – عزيز العظمة وانا- لكتاب »الاعمال المجهولة لاحمد فارس الشدياق«، (بيروت، رياض الريّس للكتب والنشر، ١٩٩٥) ان نقدّم جوابا على السؤال من خلال عدة عناصر قد تفسّر قرار ذلك الذي سوف يتسمّى احمدا ويتكنّى بابي العبّاس.
في البدء، كان الشدياق، وهو يغادر لندن الى باريس عام ١٨٥٥ قد كفر عمليا بالبروتسطانتيين وقد رافقهم قرابة ثلاثة عقود من الزمن منذ ان اعتقل اخوه اسعد على يد السلطات الكنسية المارونية واودع السجن في دير قنوبين حيث توفي حوالي العام ١٨٣٠. اسباب خيبة امل الشدياق في البروتسطانت عديدة. اولها خلافه مع الدكتور لي علي ترجمة الكتاب المقدّس، فقد اخذ المبشّر البريطاني على الشدياق إقحامه اللغة العربية القرآنية في ترجمته، فيما الدكتور لي يؤثر التراكيب الآخذة من العبرانية والسريانية. وثانيها، ضيق صدر الشدياق بطهرانية البروتستانتيين المغالية وتزمتهم الاخلاقي. وقد عبّر عن نقده بممثلي المذهبيَن الكاثوليكي والبروتستانتي في »الساق على الساق« بتصويره المنافسة بينهما على انها منافسة تجارية في السوق بين الضوطار والخرجيين (الساق، الفصل ١٨ ص ٢٠٠-١٦٩).
ثانيا، لا يمكن تنزيه الشدياق من الدوافع المصلحية. يرى خيرالله خيرالله ان الشدياق اشهر اسلامه إرضاء لباي تونس الذي استدعاه لتأسيس صحيفة »الرائد«. على انه يستدرك ان ذلك كان من قبيل التقيّة لأن الشدياق كان مفكرا حرا عنيدا (La Syrie ص ٧٩). ويمكن ايضا الربط بين اشهار اسلامه واعتزامه الاستقرار في الاستانة وكان قد ارسل بقصيدة مديح الى الصدر الاعظم واوفد زوجته الى عاصمة السلطنة تتداوى هناك. ومعلوم ان السلطات العثمانية استجابت لطلب الشدياق ودعته واوكلت اليه وظيفة كبير المصحّحين في المطبعة السلطانية اضافة الى تكليفه ترجمة القوانين العثمانية وتزويده بالامكانات لاصدار اول صحيفة باللغة العربية -»الجوائب«- توزع على كافة الولايات العربية للسلطنة وتمثل خطا شبه رسمي للسلطنة. اقول شبه رسمي لأن استقلال الشدياق ابى عليه ان ينطق بلسان السلطنة وحسب. كان ولاؤه لخديويي مصر حاسما ووفاءه لمثال محمد علي باشا وخلفائه قويا الى درجة انه في احد النزاعات بين الباب العالي وحاكم مصر، انحاز الشدياق الى الاخير وانتقد موقف الباب العالي، فعطّلت السلطات العثمانية »الجوائب« لبضعة اسابيع. مهما يكن من امر، فلا شك في ان الشدياق، المأزوم في علاقاته مع السلطات المسيحية الدينية، وجد سهولة في اشهار اسلامه وقد سوّلت له نفسه ان ذلك سوف ييسر اموره لدى السلطان وبالتأكيد ان ذلك قد فعل فعله. هل كان الامر مجرّد وصولية من طرفه؟ اعتقد ان في الامر اكثر من ذلك وما يتعدّاه. ففي اشهار اسلامه اراد الملاءمة بين وضعه الثقافي – تشبّعه بالثقافة العربية الاسلامية- وبين هويته الدينية المذهبية.
مهما يكن من امر اسلام الشدياق، فقد كان صفّى حساباته مع الامتيازات الاقطاعية والاكليركية قبل تلك الحوادث، فكتب مستنكرا التعصّب الطائفي المذهبي في »الساق على الساق«:
»وانتم يا سادتي الحكام والمشايخ والكبراء والمطارنة ، جرّبوا مرة …ان ترفعوا فرق المذاهب من بينكم. فذلك ادعى لكم الى الحظ والسرور… إعلموا، هداكم الله، ان فرق الاراء في الاديان لا يمنع من الالفة والمخالة«.
وطالب فارس في الآن ذاته بإلغاء الامتيازات الاكليريكة والمقاطعجية، والفصل بين الكنيسة والدولة، وممارسة ما اسماه العقلانية في الدين.
اما عن مواقفه في ذلك العام الحاسم ١٨٦٠ فجل ما نعرفه الى الآن هو ما كتبه في »الجوائب« وقد صدر اول اعدادها في تموز من ذلك العام اي والقتال لا يزال جاريا في جبل لبنان. ويظهر الشدياق من خلال اخبار »الجوائب« مؤازراً لمساعي السلطنة إحلال السلام والتهدئة في جبل لبنان ومدن الساحل، مؤيدا مهمة ناظر الخارجية العثماني فؤاد باشا، متابعا اتصالاته واجراءاته. فينشر وقائع اجتماع عقده فؤاد باشا في جبل لبنان يهيب فيه بجميع السكان ان يعودوا الي اعمالهم »ويعيشوا بالموادعة والالتئام بعضهم مع بعض« ويعلّق الشدياق على ذلك قائلا: »الحاصل ان حضور المشار اليه بين مشايخ القرى ولاسيما المارونيين افاد فوائد جمة« وبعد ايام تبشّر »الجوائب« بأن موسم الحرير في تلك السنة كان اكثر منه في السنوات الماضية وتعزو ذلك الى عناية »الوزير المفخّم فؤاد باشا« ومن اخبار الصحيفة ايضا خبر عن زيارة فؤاد باشا الي طرابلس الشام حيث سُرَّ من »ائتلاف المسلمين والمسيحيين«
ميخائيل مشّاقة والمؤامرة العثمانية
ميخائيل مشاقة من مواليد دير القمر، في اسرة كاثولكية ذات اصل يوناني عملت في التجارة وشغل بعض اعضائها منصب كاتم اسرار لدى احمد باشا الجزار في عكا والامير بشير شهاب الثاني قبل ان تتفرق، لاسباب سياسية، الى مصر وجبل لبنان ودمشق. ويعتبر ميخائيل مشاقة احد اوائل من كتب ادب السيرة الذاتية في كتابه »الجواب علي اقتراح الاحباب« (١٨٧٥) الذي يروي فيه سيرة اسرته على خلفية الاحداث التاريخية، بما فيها »حركات« السنوات ١٨٦١-١٨٤١. تنطوي شهادة مشاقة على مساهمتين هامتين تتعلقان بفهم حوادث الستين.
المساهمة الاولى هي ان مشاقة يلفت الي عوامل اقتصادية اجتماعية عادة ما يجري تغييبها في التأويل المذهبي الديني الغالب لحوادث الستين، وابرزها النزاع على الضرائب وعلى الارض بين المقاطعجية الدروز وبين العامة المسيحيين. الا ان مشاقة يكاد ينفرد بين مثقفي تلك الفترة، الذين شملهم البحث، في تفسيره المؤامراتي لتلك الحركات. فيحمّل السلطنة العثمانية المسؤولية شبه كاملة على »ايقاد نيران الفتن وإيغار صدور رعاياها من دروز ومسلمين على النصارى المستظلّين بظلّها«. (ص٢٢٠).
اما المساهمة الثانية لمشاقة فهي ما يقدمه لفهم حوادث ١٨٦٠ في دمشق. كان مشاقة في دمشق ابان مجزرة تموز ١٨٦٠ وكاد ان يهلك بها هو نفسه، إذ وقع في ايدي زمرة من القتلة لم يستطع الإفلات منهم الا بالحيلة الى ان انقذه الامير عبد القادر الجزائري. ويضيئ مشاقة تلك المجزرة بضوء مختلف عما ساد في الادبيات العديدة عن تلك الفترة، وخصوصا الغربية منها، إذ يميّز بينها وبين حوادث الستين في جبل لبنان، مشددا على نقمة حكام دمشق العثمانيون وعدد من وجهائها من »التنظيمات« العثمانية واعلانها المساواة بين رعايا السلطنة من مسيحيين ومسلمين، فإتخذ هؤلاء من مسيحيي دمشق كبش فداء للتنفيس عن تلك النقمة. والملفت ايضا ان مشاقة لا يوفّر مسيحيي المدينة من النقد إذ يلومهم لقبولهم الاعفاء من الخدمة العسكرية، ما »جرّدهم من الوطنية«.
يوسف بك كرم والاستقواء بالخارج
لم يعفِ يوسف كرم العثمانيين من المسؤولية عن حوادث الستين هو ايضا، على انه يضع تلك المسؤولية في اطار مختلف تماما عن ذلك الذي يضعها فيه مشاقة. والاهم انه يخلص من التفكّر في الحرب الاهلية بدروس وعبر جديدة كل الجدة.
والمعروف ان فؤاد باشا عيّن يوسف كرم قائمقاما على المسيحيين عام ١٨٦١. مساهمة من المبعوث العثماني الرفيع المستوى في حل ازمة جيل لبنان الدامية، في تطمين القناصل وتشجيع الامبراطور نابليون الثالث على سحب قواته التي نزلت جبل لبنان في صيف ١٨٦٠ لحماية المسيحيين والمساعدة على اعادة الاعمار. وما ان رحلت تلك القوات، حتى عزل فؤاد باشا كرم وثبّت المتصرّفية. فتمرّد كرم عام ١٨٦١ فاعتقل ونفي الى الآستانة ومصر بأمر من المتصرِّف داود باشا .
خلال فترة النفي الاولى، كان كرم يحمِّل البطريرك بولس مسعد المسؤولية عما آل اليه وضع المسيحيين في حوادث ١٨٦٠ بسبب دعم البطريرك – المفترض- لطانيوس شاهين، زعيم عامية كسروان ضد المشايخ. وكان كرم يرى ان ذلك الدعم بذر الشقاق بين النصارى واضعفهم امام المخاطر التي كانت تتهددهم. والقى كرم اللوم على مسعد خصوصا لرفضه التسليم باية سلطة لماروني مدني. ومعلوم ان يوسف كرم كان يطالب بامارة مستقلة للنصارى في جبل لبنان يرى الى شخصه على انه المرشح الاجدر برئاستها.
عاد كرم الى لبنان عام ١٨٦٤ واعلن تمرّده الثاني فحوصر وهو في طريقه لحصار دير القمر، مركز المتصرّفية، وتولت بارجة فرنسية نقله منفيا الي مارسيليا فالجزائر. وظل كرم ينتقل من منفى الى منفي، منذ سماح السلطات الفرنسية له بمغادرة الجزائر سنة ١٨٦٧، فمكث في فرنسا والنمسا وايطاليا وكورفو والآستانة ساعيا وراء السماح له بالعودة الى لبنان. قدّم مشاريع عديدة لتصنيع المنطقة ولبنان بواسطة احد اصدقائه من رجال الاعمال وعرض رهن اراضيه في لبنان ضمانة لتنفيد المشاريع. وحاول العودة مرّتين سرا على رأس حملة عسكرية الا ان كافة محاولاته باءت بالفشل. فاستقر اخيرا في نابولي بايطاليا سنة ١٨٧٨ واعتزل السياسة. وانقطع الى العبادة وألّف كتاباً في سر روح القدس وترجم الى العربية سيرة القديسة كاترينا دي سيينا ونظم الشعر الصوفي تشوقا الى الله. وتوفي بنزلة صدرية في السابع من نيسان ١٨٨٤.
إبان منفاه الثاني، حدث انقلاب مدهش في تفكير يوسف كرم وسلوكه، كان وثيق الصلة بتأملاته في الحرب الاهلية في بلده وباكتشافاته المتعلقة بسياسات السلطنة والسياسات الغربية على حد سواء.
من المطالبة بإمارة مسيحية في جبل لبنان، اخذ يوسف كرم يطالب بدولة اتحادية عربية بقيادة الامير عبد القادر الجزائري، تشكل اطارا تنظم من خلاله الاقليات، والمسيحية منها خصوصا، »حقوقها الذاتية« بالاتفاق مع حقوق الاكثرية الاسلامية. فكان كرم بذلك من روّاد الدعوة القومية العربية. وقد عقد مراسلة طويلة وغنية مع الامير عبد القادر، يتوسط بينهما المطران الماروني يوسف الدبس، دارت معظم رسائلها مدار اكتشاف كرم للسياسات الاستعمارية الاوروبية وخيبة امله من السياسات العثمانية وحثه الامير على تحمّل مسؤولية قيادة المشروع لتحقيق الاتحاد العربي بالاستقلال عن السلطنة العثمانية. وكان ابرز درس استخلصه يوسف كرم من الحرب الاهلية في بلاده هو خطورة استقواء الاطراف الاهلية المتقاتلة بالخارج واستنجادها بقوى خارجية لنصرتها. فكتب الى عبد القادر يقول:
»ولا يغرب عن بصيرة فخامتكم ان الحكومة العثمانية، بسبب خوفها من اتحاد وتحرّر الجنس العربي، ما فتئت تضرم نار الفتن بين قبائله حتى اتلفت بذلك قوتها، فتغلبتْ عليها الدول الاجنبية معلنة بأن القبائل التي يسفك افرادها دماء بعضهم بعضا بسبب الاختلافات المذهبية، تستحق ان تخضع لنير امة غريبة تحمي بعضها من فتك البعض الاخر، وان قلة عدالة الحكومة العثمانية توجب سقوطها. وهكذا قد اوشكتْ الظروف ان تلقي بجميعنا تحت ولاية حكومات اوروبا. ولا شك ان هذه الواقعة الواضحة كافية لايقاظ روح القبائل من رقاد الغفلة ولحمل كل قبيلة منها على تنظيم حقوقها الذاتية بالاتفاق مع حقوق القبائل الباقية ولاسيما مع القبائل الاسلامية التي يفوق عددها عدد باقي الطوائف العربية، اذ لا يمكن بشريا ان تتوطد هذه الحقوق الا بواسطة الاتحاد العام وانهاض شرف الجنس العربي« (عادل الصلح، سطور من الرسالة- تاريخ حركة استقلالية قامت في المشرق العربي سنة ١٨٧٧، بيروت، ١٩٦٦، ص ١١٧).
بالرغم من وصفه السياسة العثمانية علي هذه الحال، لم يأل يوسف كرم جهدا لحث حكومة السلطنة على انتهاج سياسة تجاه الاقليات لا تعوزها الى الالتجاء للحماية الاجنبية ولكن عبثا حاول:
»افرغتُ الجهدَ بالتوسل الى ذوات الحكومة أفرادا وإجمالا لكي يؤسسوا سياستهم على الشرع الشريف او على اية شريعة كانت شرط ان تكون كافية لتأمين العباد ضد التعدي والاستعباد متعهدا بانني اتمكن بعونه تعالى من اقناع سائر طوائف المشرق المسيحية ان تقدم إعراضا لسائر حكومات اوروبا تؤكد لها فيه بانها مستأمنة تحت ظل شريعة السلطنة ولا تريد احتمال ذل الالتجاء الى حكومة اجنبية تحميها من شريعة وطنها. فبأسف جسيم اؤكد لفخامتكم بان حكومة الباب العالي، بدلا من ان تبادر الى اخذ اقوالي بعين الاعتبار وتضع حدا للاسباب والحجج التي تستخدمها ضدها دول اوروبا، قد اهملتها.« (الصلح، ص ١١٠-١٠٩)
وفي رسالة اخري يتلو كرم فعل الايمان بأن لا خلاص ولا نجاح الا باستقلال الاقطار العربية عن السلطنة العثمانية واتحادها بقيادة عبد القادر. وفي رسالة تالية، يقترح على الامير تفاصيل المسار المطلوب فيدعوه الى تعيين امراء مستقلين تحت امرته على الاقاليم العربية على طريقة الكونفدراسيون الالمانية. ويتّهم فرنسا وبريطانيا بالعمل على تقسيم المنطقة وتقاسم النفوذ عليها:
»بينما حكومة روسيا منهمكة بالحرب الحاضرة، فان حكومتي فرنسا وانكلترا، لاعتقادهما بسقوط الحكومة العثمانية القريب، قد هيأتا الوسائل الايلة الى تجزئة الديار العربية الى اقاليم تلجأ الى حمايتها وحمل هذه الاقاليم على رفض حماية الحكومة الروسية، خوفا من ان يجمع الجنس العربي صفوفه ويصبح حكومة واحدة، والسبب في ذلك ان حكومتي فرنسا وانكلترا تخشيان من ان يمتد فيما بعد اتحاد الجنس العربي فينزع منهما الجزائر وبعض اقاليم الهند. لذلك فهما ترغبان في استعبادنا جميعا…« (الصلح، ١١٤-١١٣).
الامير محمد ارسلان يستقيل من القائممقامية
لم يقتصر امر رفض والاعتصاب والاقتتال واستخلاص الدروس من الحرب على المثقفين المسيحيين. كان الاديب الامير محمد بن امين بن عباس ارسلان قد عيّن قائممقاما على الدروز سنة ١٨٥٨. فلما وقعت احداث الستين رفض المشاركة فيها واستقال من منصبه ونزل الى بيروت حيث تفرّغ للتأليف والادب. وفي سنة ١٨٦٨ اسهم الامير محمد في تأسيس »الجمعية العلمية السورية« احدى ركائز النهضة العلمية التي عرفتها البلاد.
اخيرا، يصعب تصنيف الشيخ حسين تلحوق في خانة المثقفين. كان شيخاً مقاطعجيا في منطقة الغرب. خلال حوادث الستين، حمى الشيخ حسين دير الشير في عاليه لرهبانية الروم الكاثوليك فكان يربط فرسه عند باب الدير فلا يتعرّض للدير احد. ومع ان الشيخ حسين تلحوق لم يكن مثقفا بالمعايير المتداولة، الا انه صدرت عنه حكمة شعبية خليقة بأن تكون خلاصة دروس حوادث الستين. قال ببساطة عن الحروب الاهلية:
»يللي بيخسرها خسران ويللّي بيربحها خسران«.
