العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

لا زالوا يسعون الى الشرعية الخارجية !

أنظمة لا تزال تؤثر شرعية الغرب على شعوبها — والقذافي يعرض توريث ابنه مع دستور، وفي لندن من يستمع.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

لا زالوا يسعون الى الشرعية الخارجية !

فواّز طرابلسي

حتى لا تأخذنا نظريات «المؤامرة» وابنة عمتها «الفتنة» ولا تسيطر علينا هواجس «الشرق الاوسط الجديد» واخواته و«الفوضى الخلاقة »، يمكن المجازفة بتصوّر السياسات الاميركية تجاه المنطقة كما تعبّر عن نفسها في اللحظة الانتقالية الحالية.

والافتراض هنا ان خطاب الديمقراطية الاميركي كان دوما يتطلب العناية الفائقة لنوعين من اللتمييز. التمييز في السياسة الاميركية بين القول والفعل. والتمييز لديها بين ما الذي تعنيه عندما تتحدث عن ديمقراطية.

غرض هذه العجالة هو التأكيد على امرين. الاول ان الثابت في السياسية الاميركية هو فرض الامر الواقع على المنطقة بإسم اولوية الامن – امن اسرائيل والنفط – وقد اضيف الى الاولوية الامنية شل قدرات الجماهير الثائرة على الفعل المباشر او غير المباشر. والامر الثاني، هو ان الانظمة التي تتعرض للانتفاضات الحالية لا تزال تؤثر تجديد شرعيتها من القوى الغربية، على السعي لكسب الشرعية من شعوبها.

في مصر، جرى الاطمئنان الغربي الى الاساس: تولي «المجلس الاعلى للقوات المسلحة » الحفاظ على الامن الاقليمي ورعاية المرحلة الانتقالية. وانتقل الهمّ المشترك اخراج الجماهير من الشارع وميادين الفعل والتأثير. ولا شك في ان واشنطن ترى بعين الرضا الى اعلان «المجلس الاعلى » نيته حظر التظاهرات والاعتصامات وتحذيره من «خطر» التحركات والاضرابات المطلبيية والعمالية.

هكذا ارتهنت الحلقة السياسية بالحلقة الامنية. تأجل البت في الغاء حالة الطواريء الى عشية الانتخابات. وبعد نجاح الاستفتاء على التعديلات الجزئية على الدستور، لا يزال السؤال الرئيسي للعملية الديمقراطية في مصر هو عن مدى قدرة قوى التغيير فرض تعديلات دستورية تكرّس المساواة السياسية والقانونية بين المواطنين وتحقق التوازن، في اقل تقدير، بين صلاحيات رئيس الجمهورية (شبه المطلقة في الدستور الحالي ) وبين المجلس النيابي، بما هو هيئة رقابة على السلطة التنفيذية.

في ليبيا، حال التدخل العسكري الاطلسي، الذي استدرجته مجازر القذافي، حال دون مجزرة مروعة كانت سوف ترتكبها الويته الزاحفة على بنغازي وشرق ليبيا. الا ان التدخل العسكري وضع اميركا واوروبا اوصياء سلفا على مصير النظام الليبي البديل. فالعجز العسكري للمعارضة عن الحسم إما ان يسهم في تقسيم الامر الواقع وإما ان يملي حلا تفاوضيا برعاية أطلسية. هكذا يدور السباق العسكري الآن مدار السيطرة على خريطة النفط والغاز، من اجل تعيين لمن الغلبة في التسوية، فيما انقلب موقف القذافي رأسا على عقب. سريعا، اقلع «القائد» عن «جهاده» ضد «الحملة الصليبية » وتفتق عن إقتراح توريث سيف الاسلام ومعه دستور وبرلمان ليحل بديلا عن «جماهيرية» ابيه. مع ان الاقتراح مستفظع من حيث وقاحته، ويسهل صرفه بما هو مجرد مناورة، الا ان ثمة من يستمع اليه باهتمام في الدوائر الدبلوماسية في لندن واثينا وأنقرة.

البعض ممن لم يفاجئه خطاب الرئيس الاسد امام مجلس الشعب، ولا احبطه، حلل انه تكمن وراءه مكابرة الحاكم الذي يرفض التنازل تحت «ضغط الشارع»، مع ان الشارع المعني كان قد اعطى الرئيس السوري استفتاء مليونيا قبل ساعات قليلة.

مهما يكن، ما لم يفهمه كثيرون هو لماذا الاستمرار في اطلاق النار على متظاهرين مدنيين في الوقت الذي يعلن فيه الرئيس الاسد جدولا زمنيا متسرّعا، لا سريعا، للبت في قرارات ومشاريع قوانين المعروف عنها ان الحكم قد اعدّها منذ سنوات؟ الا ان المشاريع ذاتها تبدو اقلّ من ان تغلّب الاصلاح على «الفتنة». فمشروع قانون يستبدل قانون الطواريء بقانون مكافحة الارهاب، مستوحى، كما يقال، من افضل القوانين البريطانية والاميركية، يبدو تنازلا سهلا لاولوية غربية خارجية تطالب سورية بالتشدد في «مكافحة الارهاب». يبقى السؤال، من منظار المواطن السوري، عما سوف يقدمّه له القانون الجديد من ضمانات ضد الاعتقال الكيفي ومن اجل المثول امام المحاكم المدنية والتمتع بالضمانات القانونية المرعية الاجراء في سائر دول العالم المتحضر. اما البتّ بموضوع تجنيس الاكراد، المؤجل البت فيه منذ العام ١٩٦٢ ، فمن السذاجة عدم إدراجه، من حيث التوقيت، في خانة «امنية»: لجم انضمام القوى الكردية الى الحراك الديمقراطي. يمكن تأجيل التعليق على المشاريع الباقية الى حين صدورها. ولكن لا بد من التساؤل: ما دام ما حصل في درعا «مشروع فتنة» انكشفت بعض «خيوطها»، ما الجدوى من عزل المحافظ وعزل مدير المخابرات فيها، وتشكيل لجنة تحقيق فيما جرى في المدينة ومحيطها؟

السياسة الاميركية تجاه الحكم في دمشق سياسة مركّبة. وكذلك السياسة التي تتعاطى بها دمشق مع واشنطن. هل توقظ الصدامات الاخيرة بين محتجين سوريين وقوى الامن رغبات اميركية مكبوتة، او مخفقة، منذ احتلال العراق؟ الجواب في التوفق الى بديل يؤمن شرطين: الشرط الاول هو ضبط الحدود اللبنانية-السورية مع فلسطين المحتلة، بما في ذلك ضبط حركة المقاومه عليها. والشرط الثاني هو تولى المسؤولية السياسية، والامنية، عن الحكم في لبنان، ولو في شراكة غير متساوية مع العربية السعودية.

في سياق التحولات في العلاقات العربية الغربية، كرر «مجلس التعاون الخليجي» تلبيته ثابتا اساسيا من ثوابت السياسة الاميركية: تحويل العداء من اسرائيل الى ايران. ولكن على نحو مبتكر إذ جرى تحميل الجمهورية الاسلامية المسؤولية عن احداث البحرين والكويت. لنفهم معنى ذلك جيدا. اي ان «المجلس» دعم سياسية ملك البحرين في «تغريب» ٧٠٪ من شعبه بتحويلهم الى ايرانيين، او الى من يأتمرون باوامر ايران. بديلا من تقديم اي تنازل ينهي التمييز الطائفي بحق شيعة البحرين ويحقق المساواة السياسية والقانونية والادارية وفي المواطنة بين البحرينيين. اليس في ذلك المزيد من الزج لايران في الخليج وتعيينها طرفا في تسوية ازماته مع الولايات المتحدة الاميركية بدلا من العكس؟

في السياق ذاته، فتحت قرارات مجلس التعاون الخليجي عن اليمن الباب امام وصلة جديدة من تلتحكم الاميركي بمصير الانظمة المهتزة عن طريق الوساطة بين الحكام والمعارضات. سارعت اوساط رسمية في واشنطن، التي لم ترمِ على عبدالله صالح بوردة منذ بدأ قتل ابناء شعبه بما في ذلك مجازره في تعز والحديدة في الايام الاخيرة، ان تشجعه على مباشرة اجراءات تسليم السلطة. تدخل واشنطن، ومعها الرياض، هذا المدخل بعد ان وافق علي عبدالله صالح نفسه على البحث (مجرد البحث!) في تسليم السلطة الى نائبه. في الامر مناورة تتردد تجاهها المعارضة الرسمية ويرفضها الشباب الثائر في ميادين التغيير والتحرير.

في الانتظار، يبقى المشروع الوحيد لبناء «الشرق الاوسط الجديد»، والاحرى العالم العربي الجديد، هو الذي ترفع راياته الانتفاضات الشعبية العربية بسواعد شبابها وإرادات شعوب.

السفير،

المواضيع
سياسة علاقات دولية
البلدان
العالم العربي العراق اليمن فلسطين لبنان مصر
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الديمقراطية الربيع العربي السياسة الخارجية الأميركية النظرية السياسية

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.