العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

قمة نيويورك الثلاثية: «رمزية» الدروع المضادة للصواريخ

«نصف لقاء» و«مزحة على حساب أوباما» — ورُبّ رمزية أشدّ فتكاً من الأفعال: إسرائيل تنضمّ إلى الدروع الصاروخية الأمريكية.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

قمة نيويورك الثلاثية: «رمزية» الدروع المضادة للصواريخ

فواّز طرابلسي

من يقرأ التعليقات الاستباقية على القمة الاميركية-الاسرائيلية-الفلسطينية التي دعا اليها الرئيس اوباما خلال انعقاد جلسة الجمعية العمومية للامم المتحدة في نيويورك، يتولد عنده انطباع قوي بمدى استهتار المعلّقين بهذه القمة وانعدام اي رهان عن صدور اي نتيجة، مهما تكن متواضعة، عنها.

تصف الصحافة الاسرائيلية القمة بين الرؤساء الثلاثة بـ«نصف لقاء» وتتحدث عنها بصفتها «مزحة على حساب أوباما». والغمز هنا ان المازح انما هو نتنياهو. حتى ان الناطق بلسان البيت الابيض، صاحب الدعوة، لا يجد مبررا لتزويق اللقاء فيعلن انه لا يعلّق امالا كبيرة عليه. من جهته، صرّح نتنياهو قبيل مغادرته الى نيويورك أنه لا يتوقع ان ينجم عن الاجتماع اي تقدم في المفاوضات الفلسطينية-الاسرائيلية. والتقدم في تلك المفاوضات هو الهدف الوحيد المتوقع من القمة اصلا! اما السلطة الفلسطينية، فتعلن على لسان كبير مفاوضيها ان قرار الرئيس عباس حضور القمة كان من قبيل «المجاملة».

ومع ذلك، فكل التعليقات والتصريحات والتوقعات تجمع على «الاهمية الرمزية» للقاء الذي انعقد امس بين الرؤساء الثلاثة.

يتساءل المرء: لماذا اذاً قرر الرئيس أوباما عقد القمة، اذا كانت محكومة سلفا بالفشل الذريع المعلن سلفا؟ وهل تستحق المجازفة بجمع طرفي النزاع الفلسطيني-الاسرائيلي امام رئيس الولايات المتحدة الاميركية لمجرد اخذ صورة تذكارية تعلن الاهمية الرمزية للقاء؟

ان الذين يطرحون مثل هذه الاسئلة الساذجة ليسوا يدركون دور الرمزية في السياسة الامبراطورية الاميركية الجديدة. ولا يقدّرون مدى تأثيرها السحري على حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة العربية.

منذ مجيئه الى الحكم، قرر الرئيس الاميركي الجديد التعاطي مع المنطقة بواسطة الرموز. عجّ خطابه في القاهرة بالرموز والرمزيات. انبأنا عن اهمية اختيار اللغة المناسبة للحديث الى العرب. فاستخدم لغة الاحترام. وتحدث حديث ثقافة. والثقافة في هذه الحالة هي الدين. فتذكّر ارومته المسلمة. واعلن احترامه لدين المسلمين وثقافتهم. وأحلّ رموزا محل رموز:«التطرّف» محل «الارهاب» مثلا. وها هو في تهنئته المسلمين بعيد الفطر يسلك السلوك الرمزي ذاته. إذ يعبّر عن احترامة «ثقافة» جمع الزكاة ويتعهد بتسهيل الادارة الاميركية مهمة جمع الزكاة من مسلمي اميركا!

حقيقة الامر ان شهورا قليلة كانت كافية لكي يكتشف الرئيس الاميركي ان سياسة الرموز- وابنة عمّها سياسة «بناء الثقة» لحل النزاعات- تحقق نجاحات لا بأس بها مع الحكام العرب.

وهكذا كان اجتماع نيويورك قيمة رمزية كبيرة بالنسبة للرئيس اوباما. فهو يقول فيه، ومن خلاله، ان فشل جولة ميتشل الرابعة امام تعنّت نتنياهو ليس نهاية المشوار. والقمة مهمة رمزيا لنتنياهو. فحضوره ترميز الى انتصاره، بواسطة العناد، على حليفه الاكبر، رئيس اقوى دولة في العالم. إذ لم يتزحزح قيد شعره في موضوع المستوطنات. بل صعّد تصعيدا.

وطالما الامور بالرموز، فالمشهد امامنا هو اجتماع قمة تنعقد بين اوباما ونتنياهو دعي اليه الرئيس عباس من قبيل … «المجاملة»!

رُبّ رمزية اشد فتكاً من الافعال.

فالاهمية الرمزية للقمة الثلاثية انها كسرت القرار الفلسطيني برفض عقد اي مفاوضات مع الطرف الاسرائيلي قبل اعلانه الصريح بتجميد المستوطنات.

والاهمية الرمزية لقمة نيويورك انها مسمار اضافي في نعش خريطة الطريق التي تقوم اولى خطواتها الالزامية على وقف الاستيطان وتفكيك المستوطنات غير الشرعية.

والاهمية الرمزية للقمة انها تزيد المباعدة بين جدول الاعمال الفعلي الذي فرضته الولايات المتحدة واسرائيل وبين وبين مبادرة السلام العربية التي حيّاها الرئيس اوباما، رمزيا، طبعاً، وحيّا شجاعة طويل العمر الذي أنشأها. فمن يذكر مبادرة السلام العربية لا بد يتذكّر انها تقترح صفقة شاملة: السلام الشامل – انسحاب كامل من الاراضي المحتلة عام ٦٧، قيام الدولة الفلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، والحلّ العادل لقضية اللاجئين- في مقابل التطبيع الكامل بين الدول العربية واسرائيل. وها ان الرمزيات اوصلتنا الآن الى المطالبة الاميركية للدول العربية بمباشرة التطبيع – التبادل الدبلوماسي والتبادل التجاري – مقابل وعد اسرائيلي بتجميد بعض الاستيطان في الضفة الغربية ولمدة محدودة من الزمن لا تتخطى الاشهر القليلة! تستأنف خلالها المفاوضات الفلسطينية-الاسرائيلية دون شروط… فلسطينية!

والاهمية الرمزية لقمة الرؤساء الثلاثة انها سوف تكون مناسبة لاضفاء المزيد من الشرعية والحضور الدولي للشرط التفاوضي الاسرائيلي الجديد: الاعتراف باسرائيل دولة يهودية.

على ان الاهمية الرمزية للقمة الثلاثية، اخيرا ليس آخرا، انها تتم في وقت واحد مع حدث غير رمزي اطلاقا. عنينا اعلان ضم اسرائيل، بديلا عن بولونيا، الى المنظومة الكونية الاميركية للدفاع الصاروخي. وهي عملية ضمّ تجد ترجمتها الاولى في المناورات الجارية حاليا بين الجيشين الاميركي والاسرائيلي لاختبار منظومات جديدة ومتطورة مضادة للصواريخ.

في انتظار اية رمزيات سوف تتلبّس القمة الثلاثية، واية اشارات – رمزية هي ايضا- سوف تصدر عنها، يجدر التذكير بأنها لن تكون الحدث الوحيد الذي يترقبّه المتابعون للدورة الجديدة للجمعية العمومية.

ما يجدر المتابعة في الايام القليلة القادمة: اية لغة، واللغة مجموعة رموز، سوف يستخدم العقيد القذافي خلال زيارته للامم المتحدة في تلك المناسبة؟ وهل يكتفي بـ«لغة الجسد» ام يضيف اليها لغة الكلام؟

واية لغة سوف يستخدم الرئيس احمدي نجاد، واللغة رموز، في خطبته امام الجمعية العمومية، عندما يتحدث عن فلسطين، واية عبارات سوف ينتقي للتعبير عن افتخاره بما يقوله ويكرره كثيرا من ان المحرقة النازية انما هي «خرافة». والخرافات رموز هي ايضا!

ولن يكون مستغرباً البتة اذا ما طغت ردود الافعال على اقوال وافعال هذا الرئيس وذالك، على امكانية إستخدام المنبر الدولي للمطالبة بمحاسبة اسرائيل، امام المؤسسات والمحكمة الدولية، على جرائم الحرب التي ارتكبها الجيش الاسرائيلي خلال حرب غزة الاخيرة. وقد ادانها تقرير غولدستون، المعلن مؤخرا، بإرتكاب لا اقل من ٣٦ جريمة حرب موصوفة خرقت فيها القانون الدولي!

المواضيع
علاقات دولية
البلدان
العالم العربي فلسطين
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
إسرائيل السياسة الخارجية الأميركية الصراع العربي الإسرائيلي فلسطين

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.