في إنتظار اوباما: دعوة الى المزايدة
فواّز طرابلسي
لا يوجد شريك اسرائيلي للسلام مع العرب.
واقع الامر انه لم يعد يوجد شريك اسرائيلي لعملية السلام مع العرب منذ زمن بعيد. هذا اذا افترضنا انه قد وجد ذلك الشريك اصلا. لم يعد يوجد مثل هذا الشريك على عكس ما نجحت الدولة العبرية في اقناع قسم كبير من الرأي العام العالمي – وقسم لا يستهان به من الرأي العام الرسمي وحتى الشعبي العربي- من اننا نحن المتصلّبون، المتطرفون، الحربجيون، المتشددون في رفض السلام بما هو قرين الاستسلام.
ولو شئنا ان نعيّن بدء ميل الرأي العام الاسرائيلي ضد اي سلام مع الفلسطينيين وسائر العرب، فقد كانت البداية مع مجيء ناتنياهو الى الحكم واعتماده سياسة التباطوء في تنفيذ اتفاق اوسلو. ما عنى باديء بدء تأجيل الانسحابات وتسريع وتيرة بناء المستوطنات وتوسعها.
ولم يوجد شريك اسرائيلي في عملية السلام منذ ان تبيّن ان «الوسيط النزيه» الاميركي ليس منحازا وعديم النزاهة وحسب بل انه يعطي اسرائيل ايضا شيكات على بياض لتخريب اية تسوية.
وصار غياب الشريك الاسرائيلي في عملية السلام حقيقة تفقع العين منذ تتويج آرييل شارون «ملكا على إسرائيل»، واجتياحه الضفة ومجازره وبناء جدار الفصل العنصري وتزايد وتيرة بناء المستوطنات وابتلاع الاراضي واتلاف مصادر رزق الناس وتهويد القدس وتقطيع اوصال الضفة الغربية وسجن اهالي غزة في سجن يبدو ازاءه «معسكر غوانتامانو» او «غيتو وارسو» اقرب الى واحدة من الشقق المفروشة في شارع الحمرا.
وكان كل اثر لشريك اسرائيلي في عملية السلام قد إمحي عندما التأم شمل الرؤساء والملوك العرب في بيروت وتبنّوا مبادرة الامير عبدالله الداعية الى الانسحاب الكامل من الاراضي المحتلة عام ١٩٦٧ مقابل السلام الكامل من قبل العرب، بما فيه الاعتراف. ومع ذلك لا يزال الموقف العربي الرسمي يصرّ على مبادرته الموجهة للاأحد، على طريقة «عنزة ولو طارت»!
ولمن يحتاج الى المزيد من الادلة، لا بد ان تفيده نظرة على المعركة الانتخابية الدائرة رحاها الآن في اسرائيل. فقد بدا رئيس الليكود كحمامة سلام منتوفة الريش في وجه كواسر حزبه الذين كادوا ان يطيحوا به في معركة اختيار مرشحي الحزب الاخيرة. علما ان بنيامين نتانياهو هذا يعلن بصراحة معارضته صيغة انابوليس وإمتناعه عن دخول اية مفاوضات تتعلّق بالحل النهائي. بل انه يعِد ناخبيه بأنه لن يدخل في مفاوضات اصلا مع الفلسطينيين بل سوف يغلّب تحسين احوالهم الاقتصادية- تحت الاحتلال، طبعا- على التفاوض معهم في السياسة.
ردّت رئيسة حزب كاديما تسيبي ليفني على ما بدا انه تطرف متزايد في صفوف الليكود بالمزايدة القصوى إذ جددت دعوتها لإجلاء فلسطينيي الاراضي المحتلة عام ١٩٤٨ الى «الدولة الفلسطينية». ونجحت الوزيرة الخارجية في تطمين شركاءها العرب في عملية السلام بأنها لم تقصد ما قالت.
في المقابل، يحاول ايهود باراك مداراة التراجع المروّع لشعبية حزب العمل بتهديد لبنان بضرب بنيته التحتية – كأنه يخبرنا عن ضربة غير مسبوقة!- وبتوعّد حزب الله تحقيق النصر عليه خلال خمسة ايام! وهكذا فبعد التهديد بزحف الفرق العسكرية الخمس، يجب ان ننتظر هجمة الايام الخمسة من «شريكنا» في عملية … السلام!
هذه هي مواقف ابرز ثلاثة اطراف في الحياة السياسية الاسرائيلية: تهديد بحرب جديدة والعزم على تهجير الفلسطينيين ورفض التفاوض اصلا. فأين نجد شريكا في عملية السلام بين هؤلاء؟!
سوف يقال ان هذا التصعيد انما هو تكتيك استباقي درءا لاي ضغط قد يمارسه لرئيس الاميركي الجديد على اسرائيل لتقديم تنازلات لا ترغب فيها. وقد يكون هذا الامر صحيحا.
وسوف يقال ان التعصيد يأتي لاغراض انتخابية. والقول لا بد يحتوى مقدارا من الصحة. لكن قادة اسرائيل اذ يستطيعون هذا المقدار من المزايدة يعرفون انهم يخاطبون جمهورا قابلا لاستقبال مثل هذه الشحنات من الهلوسة العنصرية والتعبئة الحربجية.
حسناً، فلنزايد، اذا كانت المزايدة تسمح لعدونا بأن يفرض على العالم ارادته. فلماذا لا يزايد العرب ويستبقون؟
فلنزايد، ولو من قبيل التشبّه بالآخر. فنستقبل ولاية الرئيس اوبامو بالمزايدة.
فلنزايد، فنمتلك الجرأة على اعلان الحقيقة. فلتعلن الدول العربية مجتمعة بعالي الصوت وبوضوح مثل عين الديك انه لم يعد يوجد شريك اسرائيلي لعملية السلام.
وإن هي لم تلق استجابة لاعلانها الاول، فلتلعن تعليق اتفاقات السلام المعقودة مع اسرائيل. ومن لم يوقّع بعد، يعلن تعليق المفاوضات المباشرة وغير المباشرة.
في استقبال ولاية الرئيس الاميركي الجديد، فلتعلن الدول العربية والشعوب ما يشبه الاضراب عن عملية السلام.
الاضراب. نعم، مثلما فعل ويفعل عمال المحلة في مصر. ومثلما يضرب الآن الاستاذة المتعاقدون في لبنان. والاضراب ايضا وايضا مثل الذين إعتصموا مؤخرا في العربية السعودية تضامنا مع الاحد عشر سجين من سجناء الرأي.
فلتضرب الدول العربية ولتقتحم بجرأة مقرّ الامم المتحدة، احتجاجا على مقرراته الاخيرة، تماما مثلما فعل مؤخرا ممثلو ذوي الحاجات الخاصة واهالي المفقودين في الحرب عندما اقتحموا إحتفالا لحقوق الانسان نظمته الامم المتحدة في بيروت ففرضوا حضورهم والمطالب.
ليكن إضرابا سلميا. لكنه إضراب، حتى لا نكرر المكرر ونجرّب المجرَّب للمرة الالف حتى الذلّ. فنقدّم ولو مرة غير ما هو متوقع منا.
إضراب سلمي حتى لا نستقبل الرئيس الاميركي الجديد بالانقسام الفلسطيني والعجز الرسمي العربي. وممانعة» إلا طلب الشيء ذاته ولكن على تمنّع وحياء.
الاضراب السلمي، حتى لا يترك لنا، نحن من تسمينا الفضائيات النفطية ابناء «الشارع العربي»، ان نقضي الاشهر القادمة نتلهى بمديح حذاءَي صحفي يساري عراقي جريء، بعد ان قضينا الاشهر والسنوات نسبّح بحمد حجارة أطفال… الحجارة!
