عيد البربارة والصراع الطبقي
ما علاقة عيدٌ مسيحيٌ كثيف الطقوس بالصراع الطبقي؟
أوثق وأعمق مما نعتقد.
لنبدأ بالإسم. العيد مسمّى على اسم القديسة بربارة، وهي شهيدة مسيحية أبدتْ بطولة نادرة في مقاومة أعداء الدين، مدافعة عن إيمانها ضد الرومان وضد أبيها الوثني.
يحتفل جبل لبنان بعيد البربارة في الرابع من كانون الأول من كل عام.
يفتتح عيد البربارة الاحتفالات بالمرفع التي تستغرق من كانون الأول الى آذار عندما تحين بداية الصوم عند الطوائف المسيحية. عشية الإحتفال، يطوف الشبان على المنازل متنكرين بوجوه مسودّة أو مرتدين الأقنعة، ملابسهم رثّة ويقودهم “العرندس”، وهو عميد الطواف. وراء العرندس، تسير زمرة الشبان مطبّلين مزمّرين ينشدون ترجمة لسيرة القديسة، ولازمتها:
بـربارة بربـارة
من الله مختارة
أبـوها الكافر
كان عبّاد حجارة
يرقص “العرندس” ومرافقوه على مداخل البيوت، او على عتباتها رقصات ساخرة على صوت قرع الطبول والأناشيد. ثم يهنّئون اهل البيت بالعيد وهم يطالبونهم ان يقاسمونهم بعض محاصيلهم وعندياتهم:
هيلجي بربارهوالقمح بالكواره
هيلجي هيلجيناايش ما عندك اعطينا
فيجود أهل البيت بالحبوب والنقول والفواكه المجففة والحلويات واحياناً ينقدون الطائفين الدراهم. والعيد مناسبة لصنع الحلويات التقليدية للجبل: القطائف والعوّامات والمشبّك والزلابية اضافة الى القمح المسلوق المزيّن باللوز والجوز والصنوبر.
وحسب استقبال اهل الدار للطائفين، ومقدار سخائهم، تكون لهجة الاناشيد:
– عُود فوق عود/صاحبة البيت من أهل الجود
– شيحة فوق شيحة/صاحبة البيت مليحة
– أركيلة فوق أركيلة/صاحبة البيت زنكيلة
هذا إذا كان أهل البيت من الأسخياء. اما اذا تبين انهم ليسوا من اهل الجود، او كان استقبالهم بارداً، او انهم رفضوا استقبال الشبان، ينصرف الشبان آنذاك وهم ينشدون الهجو والتعريض:
– أركيلة فوق أركيلة /صاحبة البيت بخيلة
– بلاطة فوق بلاطة/صاحبة البيت خلاّطة
– قطيعة يا قطيعة/صاحبة البيت بشّيعة
لعيد البربارة دلالة إجتماعية مباشرة مرتبطة بالعمل. فالقديسة صاحبة العيد شفيعة العمال والحرفيين وجميع من يمارس اعمالاً شاقة وخطيرة من عمال في البناء ومقالع الحجارة والمشتغلين بالبارود والمتفجرات وما شابه. ثم إن الطواف هو في المقام الأول طواف الفقراء على منازل من هم أوفر يسراً. فالعيد بهذا المعنى حفلة تسوّل جماعية. مرة في السنة، يطوف الفقراء على بيوت الأغنياء والموسرين ويتقاضون الإحسان شرعاً وبدون حياء. وهذا الاختلاط الاجتماعي هو ابرز ما يميّز البربارة.
في الأربعينات والخمسينات مع نمو الهجرة الريفية الى بيروت وسائر المدن والمهاجر، هاجر الطقس مع المهاجرين. حقيقة الأمر ان ثمة علاقة حميمة بين بيروت والبربارة ذلك أن ثمة رواية تقول ان القديسة بربارة استشهدت على يد العسكر الروماني في بيروت بالذات. وقد شُيّدت كنيسة على اسمها ظلت قائمة حتى القرن الخامس عشر، عندما تحوّلت الى مسجد. مهما يكن، في المدينة يتحوّل الطقس وتكتسي حفلة التسول الجماعية طابعاً متزايد العنف. فإذا كان الشبان في الريف معروفين بعضهم لبعض ولسائر الاهالي، حتى لو دهنوا وجوههم بالفحم، فالشبّان في احياء المدينة الفقيرة بالكاد يعرفون سكان الأحياء الفخمة التي يرتادونها بمناسبة العيد، وقد تقنّعـوا، بديلاً من الفحم، بأقنعة من الورق المضغوط اخذت تتوافد الى اسواق المدينة من جنوب شرق آسيا. وأهالي الاحياء الفخمة طبعاً لا يعرفونهم. والتسوّل هنا تسوّل للمال بالدرجة الأولى. والهجاء أقذع وأعنف.
مع الهجرة الريفية الى بيروت، صار طقس عيد البربارة يتكرر ايضاً خلال الاحتفالات بعيد رأس السنة الميلادية. اعتاد كثير من اللبنانيين الاحتفال برأس السنة في مقاهي شارع الحمراء. عند انتصاف الليل، الى الشارع الاشهر والاكثر حداثة والارفع مقاماً في المدينة، تتدفق زمر الشباب المقنّعين، يعتمرون الطربوش التقليدي، المصنوع من ورق، قادمين من الاحياء الشعبية القريبة او حتى من الضواحي. يجتاحون الشارع اجتياحاً وسط اصوات المزامير وقرع الطبول. لم يكن هؤلاء الشبان من المسيحيين فقط، بل لعل أكثرهم كان من المسلمين الذين لا يعني عيد البربارة لهم الشيء الكثير. ولا هم كانوا يتسوّلون. هم محرومو بيروت يذكّرون مُترفي بيروت بوجودهم. لكن منطق البربارة كان هناك: منطق المشاركة ومنطق المساواة. ثم ان اجتياحهم شارع الحمراء لم يكن يخلو من بعض مظاهر العنف من قَرْص للنساء واستفزاز للرجال. في تلك الصيغة المدينية المستحدثة من طقس البربارة، كان الفقر يكشف عن وجهه مرة كل سنة، ذلك ان الأقنعة تتخذ وظيفة التعميم. هؤلاء ليسوا افراداً فقراء. انهم “الفقر” هكذا بلا وجه. بطبله وزمره. قلنا ان المحرومين لم يكونوا يمارسون التسوّل الجماعي. كانوا يمارسون ما هو اخطر من ذلك: في اجتياحهم المدينة على النحو الذي ذكرنا، كان هؤلاء الشبان يعلنون هويتهم ويؤكدون حضورهم، اي يقولون ان المدينة هي مدينتهم ايضاً، بل يؤكدون ان المدينة عشية رأس السنة هي مدينتهم دون سواهم.
طقس البربارة منوّع من منوّعات “المسخرة”، او الكرنفال. وتكمن الوظيفة الإجتماعية للكرنفال في انه يخلق لحظة زمنية من الهروب والحرية والمساواة. هي لحظة تومض ثم تختفي مثل وميض نجم بعيد. بهذا المعنى، يشكّل الكرنفال انقلاباً في النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي “الطبيعي” للأشياء. وتلك اللحظة الانقلابية الزائلة هي الزمن – الاستثناء الذي يؤكد القاعدة ويعيد إنتاجها. ولعل احتفال الكرنفال في مدينتي ريو دي جانيرو وباهيا في البرازيل هو المثال الأوضح والاغنى تعبيراً عن الاحتفال الكرنفالي قاطبة، على الرغم من الاستيعاب التجاري السياحي له. إقرأ روايات خورخي أمادو، الروائي البرازيلي، لكي تكتشف الكرنفال في صيغته الاصلية غير الاستهلاكية. طوال ايام الاحتفال، يحتل شوارع المدينة الفقراء المتدفقون من احشاء المدينة وضواحيها الفقيرة (الفافيلاس في ريو دي جانيرو). تصير المدينة مدينتهم. فيها يمارسون الفرح ويعزفون موسيقاهم ويرقصون رقصاتهم (السامبا) ويؤكدون، وهم المدقعون الجياع، ثقافتهم وعاداتهم والتقاليد، فارضين اياها على سائر فئات المجتمع.
يحتوي احتفال البربارة، في صيغته اللبنانية، على معظم عناصر الاحتفال الكرنفالي، وإن يكن في نسب مخففة. فـ “العرندس” في الطقس اللبناني هو قرين “ملك الكرنفال” (ويسمّى الملك “مومو” في البرازيل) او هو شبيه “ملكة الكرنفال” (التي تمثلها شخصية غابرييلا الرائعة في رواية أمادو غابرييلا، قرفة وكبش قرنفل”) وكلاهما ينتخب انتخاباً خلال الكرنفال ليتسلطن على القوم على امتداد ايام الاحتفال. خلال تلك الايام الاستثنائية، الانقلابية، يحكم الفقراءُ انفسهم بأنفسهم، او على الأقل، يحكمهم واحدٌ منهم. ولكن في نهاية الكرنفال، يعمد المحتفلون الى “قتـل” الملك والملكة. يتم القتل جسدياً في بعض الحالات التي أضحت نادرة في ايامنا هذه. على أن القتل يتم رمزياً في كافة الحالات التي اضحت نادرة في ايامنا هذه. على ان القتل يتم رمزياً في كافة الحالات بحرق صنمين يمثلان الملك والملكة، كما هو الحال في ختام كرنفال “نيس”، المدينة الفرنسية الجنوبية. وفي الحالين، الفعلي والرمزي، فممارسة القتل حبلى بالدلالات الملتبسة.
يقوم الالتباس على الوعد والانتهاك. الإنتهاك هو إنتهاك القاعدة التي تقول ان الفقراء يجب ان يحكمهم السوى دائماً. من هنا وجوب قتل الملك المنتخَب من الشعب، لأنه انتهك القاعدة والعُرْف “الطبيعيين”. ولكن الممارسة الطقوسية ذاتها تحتوي الوعد ايضاً. انها تحوي العناصر الموجودة في كل تطلّع مهدوي: ففي تلك اللحظات الزمنية الاستثنائية، الشاذة، الانتهاكية، الزائلة، تتكثّف “مسرحة” الممكن والمتمنّى: تنقلب القاعدة الألفية رأساً على عقب. ويكون الوعد بإمكان، بل قل ضرورة ووجوب، “قاعدة” أخرى: المساواة بين البشر وحكم الناس لأنفسهم بأنفسهم! إنه المستحيل وقد صار ممكناً.
تذكرني هذه الإستدعاءات الملتبسة بشعار الثورة الطلابية الفرنسية في ايار 1968: “كونوا واقعيين، اطلبوا المستحيل!”.
*********
في الشهور الأولى من الحرب اللبنانية، اكتسى العنف طابع الإحتفال الكبير بعيد البربارة. في الاحتفال، انقلب النظام الاجتماعي وصار العيد أشبه بعملية “إعادة توزيع عمومية” للثروات. فكانت عمليات نهب مرفأ بيروت ووسط المدينة وأحياء الفنادق والقنطاري تحقيقاً عملياً – اي غير مكتف بالترميز – لإعادة التوزيع هذه. فقد تحقق، اخيراً، ما بشّر به بعض اليمين المنفتح عشية الحزب: “الشراكة في الثروة والإزدهار”، حسب التعبير الذي استخدمه غسان تويني إثر ازمة إنترا عام 1965. لم تتحقق تلك الشراكة بمبادرة “من فوق”، حسب وعد حكومة الشباب برئاسة صائب سلام عام 1972 بتحقيق “الثورة من فوق قبل ان تندلع من تحت” وحسب تمنّي بعض وزرائها الإصلاحيين. ولا الشراكة تحققت بالتأكيد بالتنازل الطوعي من قبل الأغنياء. فكان لا بد لها ان تتحقق على الرغم منهم وبمبادرة “من تحت” وعلى تلك الطرائق العبثية العدمية.
تناوب المقاتلون من جانبي خطوط التّماس على نهب وسط المدينة. انتفض سكان أحشاء المدينة وضواحيها والوافدون حديثاً إليها واجتاحوا المدينة، “مدينتهم”. نضع مدينتهم بين مزدوجين، لنقول انها لو كانت حقاً مدينتهم لما اجتاحوها. اجتاحوها لأن في تلك المدينة كانت تعيش مدينتان. مدينة لسكانها ومدينة ليست لهم. مدينة للأغنياء ومدينة للفقراء.
في البداية، تقنّع العديد منهم بالأقنعة. ولم تكن الاقنعة تُستخدم لمجرد التغطية على هوية المقاتلين الشبّان. كانت الأقنعة بمثابة “عودة الى معنى المسرح القديم الذي كان دوماً يشكل جزءاً من الحرب”، حسب تعبير جوناثان راندال، في تعليقه على المقاتلين المقنّعين الذين ظهروا مطلع حرب السنتين. ولكن المسرحية، هذه المرة، كان يجري تمثيلها لا على خشبة المسرح وانما في شوارع الحياة. وهؤلاء الذين كانوا، قبل الحرب، يجتاحون شارع الحمراء ليلة رأس السنة ليفرضوا عالم الفقراء، رمزياً، على عالم الأغنياء، اذا بهم يجتاحون وسط المدينة، مسلّحين، ليقيموا تلك الحفلة العربيدة من اعادة التوزيع العمومية لمحتويات تلك الخزنة الزاخرة التي كانها المرفأ واسواق الوسط التجاري.
في “هالة والملك”، مسرح الرحابنة عيد البربارة. فتاة فقيرة تنزل من القرية الى المدينة برفقة أبيها السكير، لتبيع الاقنعة، يوم العيد المسمى “عيد الوجه الآخر”. اي عيد البربارة. يظنها القوم أميرة ويقررون تقديمها للملك لتكون زوجة له. من خلال التباسات بين البياعة والاميرة، تكتشف البنت القروية فساد السلطة ومآسي الرعية. وفي واحدة من المشاهد الأشد تعبيراً في تلك المسرحية، يتم التبادل الرمزي للمواقع السياسية والاجتماعية بين الملك والشحاذ بما يعبّر عن الحس الشعبي الدائم تجاه السلطة: وحشة السلطة وعبثيتها. اخيراً، لا تلبث هالة، الشخصية الوحيدة غير المقنّعة في المسرحية ان تكشف الاقنعة عن وجوه مملكة كاملة قائمة على الكذب والخداع والفساد وتوجّه للملك ذاك الانذار الاستباقي: :الفقر، اذا جاع، بياكل الملك”. كل ذلك عام 1972, على ان الأغنياء وسياسييهم اداروا الأذن الصماء لذاك التحذير. فكان أن اكل الجوع الملك واكل معه وفوقه الاخضر واليابس.
سبق لجموع بيروت المدينية ان قامت بتمرينين عامين قبل حفلتها العربيدة تلك في العام 1975 – 1976. عبّر التمرين الاول عن احتجاج تلاك الجموع على استقالة جمال عبد الناصر على اثر هزيمة حزيران 1967. في تلك الايام، اجتاحت العاصمة جموع آتية من داخلها ومن الضواحي. وسيطرت على المدينة خلال يومين كاملين، تُردد كما في جذبة صوفية صيحة واحدة “ناصر! ناصر!” شعاراً وتضرعاً وتماهياً جماعياً مع القائد المهزوم. وكان الشعار ايضاً بمثابة كلمة السر والتعارف بين الناس يجب دهنها باللون الابيض على السيارات الداخلة الى المدينة كجواز عبور والا تتعرض السيارة للتحطيم. تكرّر المشهد ذاته يوم وفاة عبد الناصر في وقت كان الشعب العربي يشاهد عاجزاً القتال المأساوي بين قوات الملك حسين والفدائيين في شوارع عمان في ذلك الايلول الاسود من العام 1970.
كان العنف الجماهيري في تلك الانتفاضتين ذا وجه وطني – قومي. وقد انتقمت الجموع من كل ما يمكن ان يرمز الى الغرب: واجهات المحلات، اليافطات والاعلانات. اما في العامين 1975 – 1976، فقد طغى الوجه الاجتماعي على العنف: نهَب ابناء المدينة مدينتهم. وكانت اكبر عملية نهب افتتاحية هي سرقة مرفأ بيروت، مخزن بضائع المنطقة بأسرها. كان المرفأ محمّلاً بالرمزيات، فهو يمثل ثروة البلد مثلما يمثل رسالتها التجارية الوسيطة. في مخازنه البالغ عددها 150 مخزناً، تتكدس ألاوف الاطنان من السلع بحيث أعلن المسؤول الكتائبي عن عملية السرقة مشدوهاً امام كنوز علي بابا:
“ثروات آل بورجيا، حدائق بابل المعلّقة، الحفلات العربيدة الرومانية والثور المذهّب.. أرموا بها جميعاً إلى غياهب النسيان. كان مرفأ بيروت ومنطقته الحرة “الإلدورادو” الجنّة الذهبية عند عتبات البيوت”.
في البدء، جرى نهب “الجنّة الذهبية” تلك على نحو منظم ثم جرى تسليمها الى النهب “الشعبي” تحت اشراف حزب الكتائب الذي كان يفرض 500 ليرة لبنانية رسماً على كل سيارة سياحية و1000 ليرة على كل شاحنة لقاء حقها في تعبئة حمولتها من المسروقات. ثم كان الحزب يبيع السلع غبّ الطلب، فيدخل الى خزائنه ما معدله 150,000 ليرة في اليوم الواحد. كانت هذه “تصفيات” جبارة (أوكازيون) لم يكن لأي مستهلك شرِه ان يتصوّرها. “لقد انتفعت” بيروت كلها من هذه التجارة. كنا نصفّي يومياً البازار الكبير. والكلام للمسؤول الكتائبي ذاته. وقد قدرت الصحافة الاجنبية قيمة “منهبة العصر” هذه بأربعة مليارات من الفرنكات الفرنسية.
بعد سقوط فندق الهوليداي إن، الذي اطلق عملية نهب مرفأ بيروت، أخلي المجال في بيروت الغربية لتنظيف ما يسمى المنطقة الكتائبية الرابعة الممتدة بين حي القنطاري وساحة الشهداء. في أعقاب المقاتلين العاملين على “تطهير” المنطقة كانت جموع تمارس نهباً فوضوياً يتماشى مع تعدد التنظيمات اللبنانية والفلسطينية. على ان هذا النهب العفوي في بيروت الغربية لم يكن يخلو من النهب المنظم. في نيسان 1976 شكّلت سرقة البنك البريطاني، المنسوبة الى منظمة فلسطينية يسارية، “اكبر سرقة بنك في هذا العصر”، كما اسمتها الصحافة البريطانية واحتلت مكانتها في كتاب “غينيس” للأرقام القياسية العالمية بما هو اكبر سرقة بنك الى يومنا هذا، اذ بلغ تقدير مجموع ما سرق من البنك البريطاني بين 20 و50 مليون دولار اميركي. وقد تحدثت الصحافة طويلاً عن المجوهرات والكنوز والثروات التي كانت محفوظة في خزائن البنك.
كانت سرقة البنك البريطاني الاستثناء بالنسبة لسرقة المصارف.
فسرعان ما اعفى المقاتلون، بل قياداتهم، عن سائر المصارف. دفع اصحاب المصارف الأتاوات الى زعماء الميليشيات لكي يحافظوا على خزائنهم من السرقة. فدخلت المصارف في مجال المقدّس، مثلها مثل قبائل ايام زمان عندما كانت تتوافق زمن الحرب على تعيين أشهراً ومناطق يحرّم فيها الاقتتال، سرعان ما تتحول الى اشهر ومناطق مقدسة. وهل من الضروري ان نذكّر بأن المقدس في لبنان كان دائماً الليرة اللبنانية والميدان الاقتصادي عموماً؟ الا تقول النكتة الشهيرة ان الليرة اللبنانية هي الدِين الوحيد الذي يدين به اللبنانيون ويجمعون عليه.
لنعد الى البربارة. قلنا ان البربارة هي انقلاب حقيقي في النظام الاجتماعي، لكنه انقلاب مؤقت وزائل. والحال ان الانقلاب اذ يتم على هذا النحو من العربدة الجماعية فلكي يؤكد انه الاستثناء. وسرعان ما نعود الى القاعدة: نهب الميليشيات المنظم الذي يُغني القلّة على حساب الكثرة. وهكذا فإن نهب المرفأ ووسط المدينة افتتح تلك الوظيفة للعنف بما هو وسيلة مميزة للارتقاء الاجتماعي ولإعادة توزيع الثروة. ولكن سرعان ما انسحبت الجموع من الاسواق ومن ساحات الفعل. كانت الجموع تنتمي الى عهد ما قبل الحرب، الى بقايا النضالات الاجتماعية. وبعد ان كان العنف وسيلة من وسائل التسوية العامة واعادة توزيع الثروة، صار العنف أداة للنهب المافياوي، اي اداة لولادة تمايزات اجتماعية من نمط جديد من خلال الحرب.
ازالت الميليشيات الانتهاك التي ينطوي عليه طقس البربارة. ولكن هل ينجح احد في القضاء على الوعد؟
