تقديم كتاب: إن كان بدك تعشق، كتابات في الثقافة الشعبية
المؤلف: فواز طرابلسي
منشورات المتوسط
يستدعي الحديث عن الثقافة الشعبية – أول ما يستدعي – مجموعة من التعريفات والتمييزات، لا بد منها لجلاء تخوم موضوعنا.
أولاً، نتحدث عن ثقافة شعبية، من قبيل التمييز السائد بين “ثقافة عليا” و”ثقافة دنيا” غالباً ما تسمّى “ثقافة شعبية”، وأحدها تنتجها الخاصة، والأخرى تنتجها العامة. على أن الفصل بين هاتَيْن الثقافتَيْن ينطوي على الكثير من التسرّع والاعتباطية، إنْ من حيث ما يُمليه من افتراض طبيعة بينهما، أو ما يُوحيه من تراتب، من حيث الجودة والنوعية. في باب الجودة والنوعية، لا يجوز أن يخدعنا هذا التمييز، فنحسب أن ثقافة الخاصة تعادل الإبداع والنوعية، فيما ثقافة العامة صنو الإسفاف والرداءة. يكفي أن نسجّل في مضمار الثقافة الشعبية ملحمة جلجامش، وأساطير العالم القديم، والملاحم الإغريقية، والقصص الشعبية من نمط ألف ليلة وليلة، والألوف سواها من الروائع الأدبية التي أنتجتْها البشرية عبر مسيرتها الطويلة – لندرك كم أن فرض التراتب بين هذَيْن النمطَيْن الثقافيَّيْن مُضلِّل، واعتباطي.
من جهة أخرى، يتعذّر إيجاد قطيعة قَسْرية بين الثقافة المسمّاة “عليا” والثقافة الشعبية. فبينهما علاقة خصيبة من التفاعل والتلاقح المتبادلَيْن. يمكن تدبيج المطوّلات عن تأثير الآداب والفنون الراقية بنظيراتها الشعبية. خذ الأكثر طليعة وحداثوية من الفنون التشكيلية – التكعيبية في التصوير. هل يمكن تصوّر ابتكارات التكعيبية من دون تأثّر بيكاسو ورفاقه تأثيراً شكلانياً بالأقنعة الإفريقية؟! أو خذ روائع الموسيقى العالمية: هل يمكن تصوّرها دون ما استوحتْه من الألحان والرقصات الشعبية، ناهيك عن اعتمادها القصص والخرافات والأساطير الشعبية؟ هذا من جهة. من جهة ثانية، فقد برهنت الثقافات الشعبية – أينما كان – على قدرتها الغريبة على استيعاب عناصر مختلفة من منتجات الثقافات العليا، بما فيها من أفكار فلسفية، ومكتشفات علمية، وإدراجها في منتجاتها المخصوصة.
ثانياً، يجب التمييز بين الثقافة الشعبية – بينما هي الإنتاج الثقافي الجمعي الشعبي – وبين “الثقافة الجماهيرية” التي درج الحديث عنها مؤخّراً، وباتت موضوع تخصّص قائم بذاته في العلوم الإنسانية والاجتماعية. والمعنى بالثقافة الجماهيرية المنتجات الثقافية المنتجة لأغراض الاستهلاك الشعبي الواسع، في ظل الرأسمالية. وما من شكّ في أن أحد أبرز معالم الأطوار المتأخّرة من الرأسمالية بُعيد الحرب العالمية الثانية، وخصوصاً في طورها المتعولم الجديد، هو الانتشار الكوني لمنتجات الثقافة الجماهيرية، من فنّ، وموسيقى، وأغاني “البوب” إلى المسلسلات التلفزيونية والأفلام الغرائبية مروراً بأنماط الأطعمة المسمّاة سريعة، وما شاكلها.
ثالثاً، نستخدم في هذا النص مصطلح “ثقافة شعبية” تمييزاً له – أيضاً – عن مصطلح “الفولكلور”. مع أن التمييز – هنا – ليس باليسير، إلا أن ما نقصده بفولكلور، يختلف عن استخدام المصطلح في اللغات الغربية؛ حيث يعني الفولكلور جماع العادات والتقاليد والنتاجات الثقافية الشعبية؛ أي ما نسمّيه – هنا – “الثقافة الشعبية”. نستخدم مصطلح “الفولكلور”، في المقابل، للحديث عن النتاجات الثقافية التي هي حصيلة انفصال الثقافة الشعبية عن بيئتها الأصلية، وعن مؤلّفيها ومنتجيها ومستهلكيها المباشرين (الشعب، أو الطبقات التابعة والمحكومة أو الجماعات المحلية)، وانتقالها إلى المدينة؛ حيث يعاد إنتاجها وتوزيعها وتنسيقها وتوليفها ومسرحيتها، ويعاد تقديمها لغرض الاستهلاك المعمّم إلى جمهور متعلّقٍ أساساً، وغير مشارك في الإنتاج. بهذا المعنى، نسمّي نتاج الأخوَيْن رحباني وفيروز – مثلاً – نتاجاً فولكلورياً. وقد يسأل سائل: وما الفرق – هنا – بين الثقافة الفولكلورية وبين الثقافة الجماهيرية، كما هي معرّفة أعلاه؟
السؤال وجيه. حقيقة الأمر أن الفولكلور ينحصر في النتاجات الثقافية التي تعتمد الثقافة الشعبية مصدراً أساسياً لها – من حيث الحكايات والموسيقى والعادات والتقاليد والمنظور والموقع الاجتماعيّيْن – وهذا ليس – بالضرورة – حال الثقافة الجماهيرية، الموجّهة إلى الجمهور الأوسع دون أن تكون – بالضرورة – ذات منبت في الثقافة الشعبية، أو دون أن تستلهم – بالضرورة – الثقافة الشعبية. المسلسلات المكسيكية – مثلاً – لون من ألوان الثقافة الجماهيرية، مع أنها خلو – إلى حد بعيد – من أي تأثّر مباشر بالثقافة الشعبية.
بعد هذه الاستدراكات، يجدر بنا التوقّف عند بعض خصائص الثقافة الشعبية بذاتها. وهي خصائص تتمحور كلها حول الثقافة الشعبية، بما هي نتاج جماعي.
لا عجب أن يكون فلاديمير بروب قد شبّه الثقافة الشعبية باللغة، ذلك أنها – شأنها شأن اللغة – لا مؤلف فرداً لها، إنما المؤلف هو الكائن التاريخي الجمعي. تتميّز نتاجات الثقافة الشعبية من شعر وقصص وحكايات وأغان ورقصات وأمثال وطقوس وعادات وتقاليد، عما يقابلها عند الخاصة، أو عن منتجات الثقافة المسمّاة “عليا”، التي يغلب عليها المنتج الفرد والنتاج الفرد، فتلقى أنها من تأليف وممارسة جماعات، بل شعوب، بأكملها، تناقلتها، وتوارثتها عبر الأجيال.
ثمّ إن الثقافة الشعبية يجري تداولها وتناقلها شفوياً، في معظم الأحيان. هذه حال الأدب الشعبي والأمثال الشعبية. أما الممارسات الثقافية الشعبية؛ ففي تناقلها مزيج من السليقة والمحاكاة إضافة إلى التلقين والتربية. المؤكد أن الطفل يتأثر بالحكم والأمثال التي يسمعها في البيت، أو التي تتلقى عليه من قبيل التربية الأخلاقية. لكنه لا يلبث أن يختار بينها ما يلائمه. هو خيار يتحدّد – إلى حد ما – بالبيئة والتربية. ولكننا – في المقابل – لسنا ندري – بالضبط – متى وكيف يتعلّم الشاب رقص الدبكة، أو البنت الرقصة المسمّاة “عربية”، أو “بلدية”. قد يقال إن هذا تمّ بالمشاهدة والتقليد، تقليد الأكبر سناً. هذا صحيح، ولكن الصحيح – أيضاً – هو أن تلك المحاكاة تنطوي – أيضاً – على مقدار، لا يُستهان به من السليقة، وهو ما يؤكد عليه موسييف في تقريره الشهير عن الدبكة اللبنانية.
وأخيراً، فمنتجات الثقافة الشعبية – على عكس المنتجات الأدبية والفنية والفردية – ليست تكتمل أبداً. إنها تنمو وتتراكم، بل تتغيّر – دوماً – مع الزمن، وعبر الأجيال، بفضل ما يضيفه إليها الذين يتداولونها، ويؤدّونها.
نعالج الثقافة الشعبية في دراسات هذا الكتاب بناء على فرضية أساسية، تقول إن ذلك اللون الثقافي يتضمن مفاهيم للحياة، ونظرات إلى العالم، أنتجتْها شرائح معينة من البشر، نسمّيها الشعب، أو العامة؛ أي الطبقات المرؤوسة والمحكومة في المجتمعات عبر التاريخ، تمييزاً لها عن الخاصة عن الطبقات الحاكمة. ويجب النظر إلى مفاهيم العالم والحياة التي تنتجها تلك الطبقات بما هي تواجه وتناقض – أحياناً – المفاهيم السائدة والرسمية التي ينتجها الخاصة والحكام. وحتّى عندما لا تكون العلاقة علاقة تناقض، أو مواجهة بينهما، يبقى للشعب – أي للطبقات المحكومة والمستتبعة – طرائقه المميزة في تمثّل الأفكار والمعتقدات السائدة التي تفوّضها عليه الطبقات الحاكمة والمسيطرة.
ولكنْ؛ على الرغم من تشديدنا على أن الثقافة الشعبية – قولاً ومعتقداً وممارسة – تبطن مفاهيم للحياة، ونظرات معينة إلى العالم، فلا يجوز الادعاء أن تلك المعتقدات – بألوانها المختلفة – متبلورة وممنهجة في عقيدة واحدة. ولا أن العادات والتقاليد والرقصات والطقوس الجمعية ذات وجهة معرفية محدّدة. هذا ما أحسب أن أندريه فارنياك عناه في تعريفه الجدلي للثقافة الشعبية على أنها “عدد من المعتقدات المشتركة، بلا عقيدة ومنظومة من الممارسات الجمعية، بلا نظرية”. فالأحرى التشديد على أن الثقافة الشعبية متنوعة متعددة؛ لأنها تحوي عناصر متنافرة، بل ومتناقضة؛ إذ هي تجميع لعناصر وأجزاء المفاهيم وأفكار وتأمّلات تعاقبت عبر التاريخ. لهذا فإن دراسة الثقافة الشعبية تنتمي – أيضاً – إلى عالم الأرخيولوجيا والتاريخ. ولا بد من الإضافة أن الفلسفة والعلم الحديثَيْن قد أسهما – أيّما إسهام – في تغذية الثقافة الشعبية بعناصر جديدة، لا تلبث أن تتجذّر في البيئة الشعبية وتندمج في الموزاييك التقليدي الذي تتكوّن منه، كما أسلفنا.
صيغت هذه النصوص على هامش دراستي عن الفن المسرحي للأخوَيْن رحباني وفيروز المُعدّة للنشر، بعنوان “الغريب والكنز والأعجوبة – قراءة في مسرح الأخوَيْن رحباني وفيروز”. إلا أنها توسعت، واستقلت بذاتها عن فصول ذلك الكتاب، ما استدعى نشرها على حدة.
يشكّل اقتصاد الحرير جزءاً أساسياً من الثقافة الشعبية لأهالي الجبل اللبناني. كان بحثي في هذا الموضوع مناسبة لاستكشاف العلاقة الغريبة، بل السِّحْرية، بين الحرير والمرأة عبر التاريخ، وفي الثقافات كافة. علماً أن البحث الراهن يركّز على دور المرأة اللبنانية في اقتصاد الحرير، وما ارتبط به، ونجم عنه من عناصر ثقافية شعبية.
يعود قسم كبير من العناصر التي تتكوّن منها الثقافات الشعبية إلى طقوس، تتعلق بالعلاقة بين البشر والطبيعة. ورقصة الدبكة المشرقية العربية مثال بارز على استبطان الرقص الشعبي على عناصر طقوسية، تقع في صميم الجدل المتعدد الأوجه والثري بين البشر والطبيعة. الدراسة المثبتة أدناه عن رقصة الدبكة مكتوبة طبعاً من موقع الهاوي، لا الاختصاصي. يطمح النص – أيضاً – إلى استثارة التفكير منهجياً في الرقص الشعبي، بما هو حمّال دلالات وطقوس والتشجيع على المزيد من التبحُّر والتعلّق في هذا الميدان من قِبَل دارسي الموسيقى والرقص ونقّادهما.
كانت الثقافة الشعبية – دوماً – مستودعاً، لم يمكن تسميته “الحكمة الشعبية” عبر العصور؛ أي أنها أغزر وأكمل سجلّ لفلسفة الشعب، أو العامة. تقرأ الدراسة المثبتة هنا منتخبات من الحكم والأمثال الشعبية اللبنانية، بما هي حاضنة لسوانح فلسفية، وسجل لتجارب في الحياة ومصدر لأخلاقيات سلوكية. يتمّ ذلك، من خلال اقتراح تصنيف جديد للحكم والأمثال، يسعى للإحاطة بوظائفها المتعددة.
ما الذي يجري عندما تنتقل إحدى ممارسات الثقافة الشعبية من بيئة إلى أخرى، وتحديداً من الريف إلى المدينة؟ يثير السؤال مسألة الاستمرار والانقطاع في العادات والتقاليد. ليس يكتفي النص عن “عيد البربارة والصراع الطبقي” بتحليل طقس من طقوس جبل لبنان الدينية – بما يضمنّه من معاني ودلالات ورموز وإشارات – وإنما يدرس – أيضاً – حالة عينية لانتقال طقس ريفي إلى البيئة المدينية، وما يطرأ عليه من تحوّلات، وما يجري تضمينه من مضمرات ودلالات مستجدّة.
أختم هذا الكتيِّب بإثبات نص، كُتب بمناسبة وفاة السيدة أم كلثوم. هو نص ينتمي إلى الثقافة الجماهيرية – وفق التمييز المقترح أعلاه – أكثر منه إلى الثقافة الشعبية. ولكن الحديث عن جماهيرية الثقافة التي تنتجها، أو تبلّغها أم كلثوم، يقتصر – هنا – على واحد من معانيه فقط؛ حيث جماهيرية الفن تشير إلى شيوعه. ذلك أنه يصعب القول إن فن أم كلثوم قد أنتج للاستهلاك الجماهيري حصراً، كما يصعب، من جهة ثانية، تصنيف فن أم كلثوم في خانة الفولكلور، لما فيه من عناصر، تنتمي إلى “الثقافة العليا” من حيث الألحان والأغاني والقصائد. والدافع إلى إدراج هذا النص عن أم كلثوم في هذه المجموعة بالذات، يعود إلى انتمائه إلى صلات القربى المنهجية التي تشدّه إلى سائر أبحاث الكتاب، أعني منهج التفكير في الدلالات والطقوس والتمثّلات والوظائف التي يحملها الفن، فيما يتعدّى الأثر الجمالي.
بيروت
