العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

القاعدة في إستخدمات «القاعدة»

أيتها «القاعدة» — ولكِ ما لكِ من جرائم — كم من الجرائم بحق الشعوب تُرتكب بإسمك وبإسم الحرب ضدك!

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

القاعدة في إستخدمات «القاعدة»

فوار طرابلسي

يعيش عالمنا اليوم، وشعوب منطقتنا خصوصا، في ظل اولوية كونية إسمها «الحرب العالمية ضد الارهاب» فرضتها الولايات المتحدة الاميركية وتسلمت قيادتها. وعلى كثرة ما سال حبر ودم حول هذا الموضوع، لم يقل ما فيه الكفاية عن استخدامات خطر تنظيم «القاعدة»، وهو حقيقي، لاغراض الحفاظ على الانظمة العربية او لتجديد «شرعيتها» الخارجية.

إستخدمت الحرب ضد «القاعدة» مبررا لغزو العراق، بعد غزو افغانستان، وتدميره واحتلاله لثماني سنوات مع انه لم يثبت وجود صلة بين مخابرات صدام حسين و«القاعدة ». مع ذلك، تحول الاحتلال الاميركي للعراق الى جاذبة مغناطيسية لمئات الالوف من الجهاديين تدفقوا من كل حدب وصوب. انسحبت قوات الاحتلال ولم ينسحب الجهاديون التكفيريون. وبدلا من ان تتم المصالحة الوطنية العراقية صار «قانون مكافحة الارهاب» الاولوية المتحكمة بالعملية السياسية والسلاح الفتاك بيد رئيس وزراء واسع الصلاحيات يستخدمه لبناء حكم استبدادي فردي، وتمتين حِلفه المذهبي، وإرهاب خصومه.

في ليبيا فشل معمر القذافي في البقاء في الحكم على الرغم من خدماته للقوى الغربية في «الحرب العالمية ضد الارهاب» وفي حجز فقراء افريقيا دون شواطيء المتوسط والوصول لاوروبا. ومع ذلك، لم تجد قوات الغزو الاطلسية، طليعة «الحرب العالمية ضد الارهاب» اي حرج في إستجلاب قادة جهاديين ليبيين لترؤس فصيل أساسي من فصائل المعارضة المسلحة.

في اليمن، استجلب على عبد الله صالح المئات من الافغان العرب، واستخدم خطر «القاعدة» والحرب ضدها – وفتح حدوده لحرب القنص الاميركية بواسطة طائرات من غير طيار – في سبيل استدرار المال والسلاح والمساعدات الاقتصادية الغربية وكسب «الشرعية»الخارجية لنظامه. وكان «مُشَغِّل» الجهاديين الابرز هو علي محسن الاحمر، اليد اليمنى لصالح في السلطة آنذاك، واحد اركان الحل الاميركي-السعودي الخليجي الحالي. واستخدم نظام صنعاء ارهابيي «القاعدة» ايضا لاغتيال الخصوم قبل ان يشكلوا، في العام ١٩٩٤، طليعة حربه ضد اليمن الجنوبي. وقد افتى لهم علماء تابعين لـ «حزب الاصلاح » بأنها حرب ضد الشيوعية حللوا بذلك القتل والاغتصاب والسبي والنهب ضد أهالي الجنوب على اعتبارهم ملحدين دون تمييز. وحتى لما اضطر صالح الى التنحي، تحولت الضرورات الامنية باسم «الحرب العالمية ضد الارهاب» الى مبرر لبقاء قوات النخبة اليمنية بإمرة ابناء الرئيس المخلوع وأقاربه. واباحت تلك الضرورات تأجيل الحوار الوطني لاكثر من سنة وتجاهل اسباب الثورة ومطالب الثوار، بل سوّغت الضغوط المتصاعدة على الشباب اليمني، روح الثورة ومحركها والامل لمستقبل البلاد، لإخلاء الساحات والشوارع.

اعتمد النظام السوري القاعدة اياها في التعاطي مع «القاعدة». في مرحلة الغزل الممانع مع الولايات المتحدة، بعد ١١ ايلول ٢٠٠١، ازدهر التعاون بين المخابرات السورية والمخابرات المركزية الاميركية من تسليم اللوائح عن الشبكات الارهابية والتحقيق مع معتقلين «القاعدة» والتعذيب في المعتقلات والسجون السورية. انقلبت الآية بعد غزو العراق، حين شرّع النظام حدود سوريا للجهاديين التكفيريين للقتال ضد القوات الاميركية. ولما بدأت المعارضة الشعبية للسلطة تطالب بالغاء حالة الطواريء، في امتداد الاستنكار على اعتقال وتعذيب وقتل تلامذة درعا، لم يكتف النظام بالقمع الدموي بل انضم الى ركاب «الحرب العالمية ضد الارهاب» وعمّد حربه ضد ثورة شعبية سلمية حربا ضد «المجموعات الارهابية المسلحة». اقتضى الامر لا اقل من سنة ليتحوّل عشرات الالوف من المناضلين السلميين الى حملة السلاح، ومعهم عشرات الالوف من المنشقين عن الجيش النظامي، وليتسلّل ما يكفي من جهاديي وتكفيريي «جبهة النصرة» الى الاراضي السورية (حيث يقدر الخبراء بأنهم لا يشكلون اكثر من عشرة بالمئة من المعارضة المسلحة) قبل ان يجري تعميد الحرب على انها جهاراً حرب ضد «تنظيم القاعدة».

في عملية القلب والابدال هذه، ينضوي نظام «الممانعة» السوري في خندق «الحرب العالمية ضد الارهاب» معما يرافق ذلك من تلميح وتصريح بأنه يدافع في تلك الحرب عن «الغرب» وليس فقط عن سوريا وسائر العرب. بذلك بلغت خورجة النظام لازمة سوريا الدامية ذروة جديدة بتحويل حرب ضد معارضة مسلحة ومدنية، تمثل جزءاً كبيرا من الشعب السوري، الى حرب ضد إرهاب خارجي (يشارك فيه ارهابيون من ٢٨ دولة حسب احصائيات الوزير وليد المعلّم). مع ذلك، فالوزير المعلّم يلهج بعبارات البطريرك الماروني التي اعلنها في زيارته الاخيرة لدمشق: «الاصلاح لن يأتي من خلال سفك الدماء. بل يأتي من خلال الحوار»، معما في ذلك من ايحاء بأن دعاة الاصلاح هم الذين يسفكون دماء السوريين.

اميركا ليست جاهزة للتسوية في سوريا، قالها الرئيس الاسد منذ اسابيع. هل هي جاهزة الآن على اعتاب جولات وزير الخارجية الجديد؟ استبق الوزير المعلّم الزيارة بالاعلان عن ان الحوار العتيد يمكن ان يضم من سمّوا «حملة السلاح» من المعارضين.

لم تنجح الاستخدامات المتعددة لخطر «القاعدة» وللانضواء في «الحرب العالمية ضد الارهاب» دوما في انقاذ الحكام والانظمة في مجرى الثورات العربية. على انها وفّرت للسياسة الاميركية وللانظمة العربية المستهدفة من قبل شعوبها، الفرص والمسوغات الاستثنائية لاطغاء الامن – امن حدود اسرائيل وامن النفط والضرورات الامنية لـ«الحرب ضد الارهاب الدولي» – على شعوب باكملها بمصالحها وتطالعاتها والاحلام. فهل تنقذ «الحرب ضد الارهاب» النظام السوري او رئيسه او اية اجهزة واجزاء منه؟

الامن يخنق الامل في هذه البلاد. والمؤكد انه لا يحقق الامن والاستقرار.

في انتظار الجواب على السؤال:

ايتها «القاعدة» ولك ما لك من جرائم ترتكبينها بذاتك – من قطع رؤوس البشر والتماثيل، بما فيها رأس تمثال المعرّي العظيم، وتدمير أضرحة الاولياء ودُور العبادة والمدافن المسيحية وصولا الى تفجير السيارات المفخخة مذهبياً في الاسواق والشوارع ببغداد او دمشق، ناهيك عن اعتماد القمع التكفيري على الاهالي حيث يتسنى لك التحكم برقابهم – كم من الجرائم بحق الشعوب والمستقبل ترتكب بإسمك وبإسم الحرب ضدك!

المواضيع
سياسة علاقات دولية
البلدان
العالم العربي العراق اليمن سوريا
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الإرهاب الإمبريالية السياسة الخارجية الأميركية العراق القومية العربية

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.