العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

الغاوي في القاهرة: زمن العودة الى أصل النزاع

«بناء الثقة» يعني الاستعاضة عن الحلول بالرمزيات — ونتنياهو يردّ بحكم ذاتي لا يختلف عن كلام المنتدبين الاستعماريين.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

“الغاوي” في القاهرة: زمن العودة الى أصل النزاع

فواّز طرابلسي

بفضول كبير، سوف تتابع اعداد كبيرة من العرب والمسلمين زيارة الرئيس باراك اوباما للمنطقة وخطابه في جامعة القاهرة. لا يتوقّع ان نسمع منه تصورا متكاملا لمشروعه للسلام في المنطقة وقد وعد بأن يقدّم، ، في تموز القادم، مشروعا لسلام يتحقق خلال ستة اشهر. وقد لا يحق لنا، في الوقت ذاته، ان نتوقع مفاجآت كبيرة في ذاك الخطاب.

في الايام المئة الاولى من حكمه، تكوّن ما يشبه الاجماع على وصف اوباما الباسم، الدمث، وحلو اللسان بأنه الساحر والحاوي والغاوي. ولكن، كأنما لتذكير من نسي او تناسى ان الولايات المتحدة، في المقام الاول، امبراطورية تقوم على القوة العسكرية، سرعان ما أشعل رئيس القوة العظمى الوحيدة في علمنا الآن حربا جديدة في باكستان درءا لامكان انهيار وضع قواته في افغانستان.

من حلاوة اللسان، سوف يعطينا الرئيس الاميركي ما تيسّر ومن »لغة الاحترام« للاسلام والمسلمين والعرب اجمعين. وسوف يسعى في لك الى القطع مع لغة سلفه. فلا حديثا عن »تغيير الانظمة« الذي ساد زمن الاندفاعة البوشية.

واما التبشير بالديمقراطية فمقنن، على الارجح، ومشروط بالتعهد بعدم فرضها على اي شعب رغم ارادته. وفي هذا السياق، ليس يستبعد ان يتضمن الخطاب اشارة الى احترام الادارة الاميركية لنتائج الانتخابات النيابية اللبنانية.

لا جديد في الانحياز الاميركي الى معسكر »الاعتدال«. وقد قدّم له الرئيس مبادرات رمزية عديدة: الاتصال بعد تسلّمه مهامه بمحمود عباس قبل اتصاله بأولمرت (وقد كان كلاهما فاقداً الشرعية، على اي حال) ودعوته الملك عبد اﷲ الثاني ليكون اول حاكم من حكام المنطقة يزور واشنطن، واختياره الرياض محطة عربية اولى في جولته قبل ان يحط الرحال اخيرا في العاصمة المصرية.

ولعل السؤال هنا يتعلّق بكيفية صياغة الموقف الاميركي من معسكر »الممانعة« والحل على الجبهتين السورية واللبنانية.

تأتي الزيارة الرئاسية الاميركية على خلفية نزاع بين واشنطن وتل ابيب حول مسألتي وقف الاستيطان ومشروع الدولتين. نُسب الى اوباما قوله انه لا يريد ان يرى جبّالة إسمنت واحدة في المستوطنات الاسرائيلية. جاء القول تعبيرا عن عميق اهتمامه في أن يقيم معادلة بين تجميد الاستيطان الاسرائيلي وبين استئناف المفاوضات على المسار الفلسطيني ومطالبة الانظمة العربية بخطوات تطبيع جادة مع اسرائيل.

لم يسعفه نتنياهو. والان، يسعى ايهود باراك لحل وسط حول تفسير مطّاط لـ»النمو الطبيعي« متكئا الى موقف متصلّب للكونغرس الداعم لاولوية امن اسرائيل والمطالِب بالضغط على الطرف الفلسطيني والعربي بدل الضغط على اسرائيل.

ومهما يكن، اغلب الظن ان القسم الاكبر من خطاب القاهرة سوف يدور مدار »بناء الثقة« على وجهيه: بين العرب واميركا، وبين العرب والاسرائيليين.

وبناء الثقة الاميركي يعني الاستعاضة عن الحلول بالحكي والرمزيات الى ان يثبت العكس.

لكن يجدر التوقف بجدّية امام ردّ نتنياهو على شعار الدولتين. فحديثه عن حكم ذاتي في الضفة الغربية وإيلاء الاولوية لتحسين اوضاع السكان الاقتصادية والمعيشية لا يختلف بشيء عن حديث المستعمرون الفرنسيون والانكليز إبان انتدابهما على المنطقة حين ارادوا تغليف الاستعمار العاري بالانتداب الابوي.

والترجمة المعاصرة لهذا الموقف تجعل من الضفة والقطاع مناطق واقعة تحت انتداب، لا حدود زمنية له، ما يطيح بالقرارت الدولية التي تعتبرها اراضي محتلة بالقوة ما يستوجب الجلاء الفوري غير المشروط عنها.

لا يتوقف التحالف الليكودي الاسرائيلي عند هذا الحد. بل يذهب الى نهاية المنطق الاستعماري عندما يتعلّق الامر بالاراضي المحتلة عام ۸٤۱۹. فالشرط الليكودي الجديد للتفاوض: الاعتراف بـ»يهودية الدولة« يعني ببساطة تكريس الفعل الاستعماري الاستيطاني الذي انشأ دولة اسرائيل والقضاء على اي بحث في حق العودة للنازحين الفلسطينيين. بل انه يعني الافدح: منح إسرائيل الحق في تهجير عرب فلسطين المحتلة الحاليين- بحجة عدم الولاء للدولة اليهودية او تهديد الطابع اليهودي للدولة بالتكاثر السكاني. ولا غرابة ان يترافق السعي لتكريس »يهودية دولة اسرائيل« مع السعي لمحو ذاكرة الفعل الاستعماري

الاستيطاني الاصلي الذي أنشأها. فبعد أن دعت تسيبي ليفني الحكام العرب الى نسيان النكبة والتوقف عن استخدام المصطلح، ها هو خليفتها في وزارة الخارجية يدعو لمعاقبة قانونية تقع على كل فلسطيني يتذكّر احتلال بلاده واجلاء القسم الاكبر من شعبه عام ۸٤۱۹.

وليس أشد غباء، بل وتفريطاً بالحقوق الوطنية، من الإجابة التي يقدّمها محمود عباس على هذا الشرط بقوله إن سلطته (الفاقدة للشرعية) تعترف بدولة اسرائيل بغض النظر عن الصفات التي تمنحها تلك الدولة لنفسها!

قد يسأل سائل ما الغرض من هذا الذهاب الى الحد الاقصى في الوقت الذي يدور فيه الخلاف مع واشنطن حول قضايا هي في اخطر الاحوال مرحلية وجزئية؟ يحتمل الامر تفسيرين على الاقل. الاول، هو تجاوز الخلاف حوال الاستيطان والدولتين وترسيخ ما هو مشترك من ثوابت امريكية-اسرائيلية:

اولوية أمن اسرائيل، رفض حق العودة، وفرض التطبيع والاعتراف بما هما شرطان سابقان على التسوية إن لم نقل على المفاوضات. اما التفسير الثاني فهو وعي التحالف الاسرائيلي الحاكم مدى الاختلال في موازين القوى الراهن في الصراع العربي-الاسرائيل، ما يسمح بدفع البحث في التسوية الى تلك ارساء اسس التصفية.

في الوقت الذي تذهب فيه الادارة الاسرائيلية الى لبّ النزاع العربي الاسرائيلي يكاد يتلخص الموقف الرسمي العربي بهذه المعادلة التي علّق بها مسؤول سعودي على زيارة اوباما: »لا احد يمكنه التأثير على الاسرائيليين مثل الاميركيين«.

خطأ والف خطأ! لا شيء يمكنه التأثير على الاميركيين والاسرائيليين معا مثل استجماع عناصر القوة العربية: النفط والارصدة والقوة العسكرية.

في ايام تجري خلالها اكبر واشمل مناورات عسكرية في تاريخ دولة اسرائيل، خذوا الحكمة من فم ليبرمان: من يريد السلام يستعدّ للحرب.

وفي زمن العودة الى اصل النزاع، خذوا الحكمة من أفواه اقصى اليمين الحربجي الاسرائيلي: في مقابل استرايجية الاعتراف بـ»يهودية الدولة« ثمة رد استراتيجي فلسطيني وعربي واحد: حق العودة. والتمسّك بحق العودة ليس مجرد تثبيت حق اساسي انه الحماية الفعلية لانجاز اي حلّ مرحلي.

المواضيع
سياسة علاقات دولية
البلدان
العالم العربي فلسطين مصر
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الديمقراطية السياسة الخارجية الأميركية الصراع العربي الإسرائيلي فلسطين مصر

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.