العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

الدولة اليهودية: ماذا في التسمية الجديدة؟

من «دولة إسرائيل» إلى «دولة الشعب اليهودي» — تعريف ديني يستبدل الأكثرية بالحق المقدس. في زمان آخر كان الجواب: فلسطين عربية.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

«الدولة اليهودية»: ماذا في التسمية الجديدة؟

فواّز طرابلسي

ليست التسميات حيادية، خصوصا عندما تكون تسميات سياسية. التسميات كائنات ايدلوجية بامتياز. تعيّن طبيعة الشيء او جوهره. والتسميات عند البشر، تعيّن الهوية والاصل. والهوية والاصل يفترضان التمايز والتراتب ناهيك عن الغلبة والسيطرة. كل العبرة في التسمية انها ليست تحتاج الى براهين. تعطي اثرها والدلالة بلا كيف، خصوصا عندما تكون التسمية بمثابة تعريف.

يعج تاريخ الاستعمار وحاضره بالتسميات بما هي ادوات سيطرة. المثال المعاصر هو التسميات المتعددة التي سمّيت بها منطقتنا منذ الحرب العالمية الثانية: «الشرق الادنى»، «الشرق الاوسط»، «الشرق الاوسط الجديد»، الشرق الاوسط الكبير»، «الشرق الاوسط الاكبر»، «الشرق الاوسط وشمال افريقيا»، قبل ان نعود مجددا الى صيغة «الشرق الاوسط الجديد» تتمخض به كونديليسا رايس على مشاهد دمار واشلاء العدوان الاسرائيلي على لبنان العام ٢٠٠٦.

تتلاٍقى هذا التسميات، عند غرض واحد: الغاء الهوية القومية العربية للمنطقة بتعيين جغرافي من جهة الغرب. هذا هو الثابت في التسمية. والامل ان يعتاد المسمّى على إسمه، بحكم التكرار، فيستبطنه بالسليقة إسما وهوية. اما المتغير في تسمية «الشرق الاوسط» فهو تبدل وظائف التسمية ونطاقها الجغرافي على وقع تبدل القوى الاستعمارية المسيطرة والتحولات في مصالحها والخطط والستراتيجيات.

ليس ما ينافس الصهيونية، بما هي حركة استعمارية استيطانية، في لعبة التسمية واستبدال الاسماء، طالما ان غرضها مسح وجود بلد وشعب من الخريطة والذاكرة. هكذا حلّت «اسرائيل» محل «فلسطين». وفي فعل السيطرة علي المكان، إسقطت اسماء مواقع وتضاريس وقرى ومعالم ومدن عربية وتبدلت اسماءها من عربية الى عبرية. وفي محاولة الغاء وجود الشعب فلسطيني، الذي اعلنت غولدا مائير عدم وجوده في تصريح شهير، اعتمدت تسمية «العرب» للفلسطينيين قاطبة، وللواقعين تحت الاحتلال الاسرائيلي في اراضي الـ١٩٤٨ خصوصا. وللاستبدال وظيفة مزدوجة. المعنيون هم «عرب» بمعنى ان لهم مكانا رحبا يستوطنونه او يهجّرون اليه هو العالم العربي الاوسع، في حين تزعم الدعاية الصهيونية ان اليهود، واقلا يهود اسرائيل، لا مكان لهم في العالم الا اسرائيل. التسمية «القومية» موجهة للخارج بالدرجة الاولى. للداخل، الفلسطينيون هم «غير اليهود»، حسب تعبير وعد بلفور، فيسمّون ويعرفون بناء على الانتماء الديني والمذهبي بما هم مسلمون ونصارى ودروز.

ليستصيغة «الدولة اليهودية» التي يطالب رئيس الوزراء الاسرائيلي اعتراف السلطة الفلسطينية بها مجرد تكرار لتسمية سابقة وبديهية لاسرائيل بما هي دولة يهودية. ولا يقتصر امر طرحها خلال المحادثات الفلسطينية الاسرائيلية الاخيرة – بعد ان طرحها ايهود اولمرت لاول مرة عشية محادثات آنابوليس عام ٢٠٠٧ – على مجرد تكتيك من التكتيكات يرمي الي افشال المفاوضات، علما ان هذا قد يكون من مفاعيلها. يعبر هذا الاصرار عن رغبة، قيد التنفيذ، في اعادة تعريف للذات الكيانية وللآخر وفي تكريس توازن قوى جديد داخل اسرائيل وفي علاقة اسرائيل بمحيطها والعالم وتكريسه عن طريق الرموز الاكثر دلالة على الهوية والموقع: التسميات والتعريفات.

من هنا غباوة وعبثية التشاطر الدبلوماسي فيجواب الرئيس محمود عباس ان سلطته قد اعترفت بإسرائيل اصلا في نص اوسلو، ومتروك لاسرائيل ان تسمي نفسها كما تشاء. على فداحة ذلك الاعتراف في اوسلو غير المتبادل، كما هو معروف، والذي إعترف اصلا بحق الشعب اليهودي في دولته. ليس هذا هو الاعتراف الذي يريده نتنياهو. لم يعد يكفي. يريد الاعتراف بتسمية تعبر عن وقائع وعلاقات قوى جديدة.

لتكريس يهودية الدولة وظيفة داخلية. هي ترجمة الاختلال في موازين القوى في الحياة السياسية الاسرائيلية لصالح الجناح الليكودي-الديني من الحركة الصهيونية علي حساب الجناح «العمالي» الذي استأثر بالحكم خلال العقود الثلاثة من عمر الدولة الصهيونية. غلب على التعريف السابق الوجه العرقي-القومي-الزمني حيث اسرائيلدولة ذات «اغلبية يهودية تتكلم العبرية، تعيش في ظل ثقافة يهودية غالبة» ومفتوحة لهجرة جميع يهود العالم «لتجميع المنفيين». النقلة المتوخاة من الاحزاب الدينية هي ترجيح كفة التعريف الديني للدولة، ولطبيعة البلد والسكان، يرسي شرعية وجود الدولة على الحق الديني اليهودي المقدس في«ارض اسرائيل». وذلك على حساب الحق القومي القائم على «الاكثرية اليهودية» العددية.

ليس من قبيل الصدفة ان يكون صاحب اقتراح اعادة تسمية اسرائيل، هو حزب «اسرائيل بيتنا» وزعيمه وزير الخارجية افيدور ليبرمان. فعلى جدول اعمال الكنيست الآن مشروع قانون تقدم به رئيس كتلة نواب هذا الحزب يقضي بتغيير إسم الدولة رسميا من «دولة اسرائيل» الى «اسرائيل، دولة الشعب اليهودي». هنا تنضم التسمية الي التعريف. والتعريف مثله مثل التسمية لا يحتمل النقاش ولا يحتاج الى برهان. التعريف يذكّر بالقاموس. والقاموس مرجع البداهة. ومعروف ايضا ان حزب «اسرائيل بيتنا» هو ذاته صاحب مشروع «قانون الولاء للدولة اليهودية الديمقراطية» الذي أقره «الكنيست» في العاشر من تشرين الاول/اكتوبر الماضي وعارضه نواب حزب العمل.

تندرج هذه المحاولات في مجرى سجالات مستمرة بين «دينيين» و«علمانيين» ولكن مع رجحان متزايد للاولين. في المعارضة من يشبّه قسم الولاء للدولة اليهودية بقسم الولاء النازي للرايخ اللالماني. ويعلن معلقون في «هاآرتس» ان الاسرائيليين باتوا يعيشون في دولة «اثنية، ثيوقراطية، قومية وعنصرية»، فيماي حذر ابراهام بيرغ، الرئيس السابق للوكالة اليهودية وللكنيست،من ان اعلان اسرائيل بما هي دولة يهودية سوف يكون «مفتاح نهايتها» داعيا، على عادته، الى الغاء قانون العودة الاسرائيلي.

من المبكر الحكم على مآل هذه السجالات. المهم تسجيل البعض مما تحمله من نوايا معلنة ومشاريع وما تتيحه من امكانات للدعاية والتأثير والفعل السياسي.

على الصعيد الدولي، يطمح هذا التعريف الجديد الي مواكبة اسرائيل لموجة دولية تطغى فيها الهويات الدينية والاثنية والمذهبية على الدول والسياسات والحركات السياسية عموما. كأنما ما يجري يأتي مصداقا للشواذ الاسرائيلي في تأسي الدول والكيانات والانظمة والحركات السياسية علي العرق والدين.

اما علي الصعيد الاقليمي، فتسمح التسمية المستجدة، بصفاتها التوراتية الثيوقراطية النافرة، بإعادة الاعتبار لحق «الشعب اليهودي» في الباقي من اجزاء فلسطين التاريخية، المسماة «اليهودة والسامرة» في قاموس الليكود والاحزاب الدينية، على حساب التسمية الرسمية الدولية للضفة والقطاع المحتلين بما هما «الاراضي الفلسطينية» او مجرد «الاراضي». وهي تسمية لا تزال تتضمن عددا من الحقوق في جلاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال وبناء الدولة مكرسة دوليا.

في الضد من هذه الحقوق، ينهض الآن هنا نقاش في اقصى اليمين الاسرائيلي يتمثل في تيارين.

تيار يدعو الى ضم الضفة الغربية الي اسرائيل واخضاع سكانها العرب الفلسطينيين لنظام من التمييز العنصري، ليس بعيدا عن النظام حكم الاقلية البيضاء السابق في افريقيا الجنوبية، يضمن خضوع الاقلية غير اليهودية والولاء للدولة اليهودية في آن معا. لا حاجة للتوقف امام ما ينم عنه هذا المشروع قياسا الى عناصر ديمقراطية قائمة في نظام الحكم الاسرائيلي. ولكن جدير بالذكر ان «الديمقراطية» الاسرائيلية تضمن للمساواة بين السكان في ظل القانون «بغض النظر عن القومية والدين والعرق والجنس»، ولكنها لا تضضمن الحقوق السياسية المتساوية للسكان.

في مقابل هذا التيار، تيار يدفع بمشاريع التهجير الى نهاياتها القصوى بالعودة الى مشروع آرييل شارون الذي طرحه ابان الحرب الاسرائيلية على لبنان عام ١٩٨٢: الاردن وطنا بديلا للفلسطينيين.

بعد هذا يتبيّن مدى بداحة الاصرار الليكودي على مبادلة الوقف المؤقت للاستيطان في الضفة الغربية بالاعتراف الفلسطيني باسرائيل «دولة يهودية» اي المقايضة بين اجراء مؤقت تنفيذي وبين كيان بنيوي تأسيسي لدولة، بكل ما يمليه من مفاعيل اتينا على ذكر البعض منها.

في زمان آخر، عندما لم تكن الدول والانظمة العربية تتبنى الشرائع الدينية على نحو متسارع، ولم تكن المذهبية مرتكزا متزايدا لبناء الانظمة والاحزاب، ولم تكن حركات المقاومة للصهيونية ولاسرائيل تحتاج الى التسمية والهوية الدينيتين لاكتساب شرعيتها الشعبية (المحدودة بحدود الطائفة والمذهب)، ولم تكن المنطقة منقسمة بين قوى «اعتدال» و«ممانعة» يتلطى جميعها تحت سقف «الحلول الثنائية»، ولا كان العالم اكتشف طوماس فريدمان المعجباني ومبادرة السلام العربية الملكية السعودية،

في زمان آخر، كان يمكن الجواب البسيط على محاولة فرض صيغة «الدولة اليهودية»

بصيغة «فلسطين عربية».

المواضيع
علاقات دولية
البلدان
الاردن العالم العربي فلسطين لبنان
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
إسرائيل الاستعمار الصراع العربي الإسرائيلي النظرية السياسية فلسطين

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.