الانسحاب من العراق
فواز طرابلسي
ما من شك في ان صلة عميقة تربط بين تآكيد الرئيس الاميركي سحب قواته من العراق قبل نهاية آب الجاري وتحوّل الخمسين الف الباقية الى دور «استشاري» وبين سلسلة من التحركات للدبلوماسية الاميركية في الاونة الاخيرة. ابرز تلك التحركات ثلاثة على الاقل: الامر، المرفق بالتهديد، الذي اصدره الرئيس اوباما الى السلطة الفلسطينية بالانتقال الي المفاوضات المباشرة. عودة فريق المبعوث الاميركي ميتشل الى الاهتمام بالحلقة السورية اللبنانية من تسوية النزاع العربي-الاسرائيلي. وتصريح رئيس هيئة اركان الاميركية المشتركة عن جهوزية جيوشه لمهاجمة ايران.
تؤشر هذه التحركات الى استعادة الادارة الاميركي المبادرة بالنسبة لكافة الملفات وتسخيرها لحماية الانسحاب من العراق. وليس يقتصر هذا على التهديد العسكري لايران وقد كان متروكا الى الآن لاسرائيل. لكن الصلة بالانسحاب العراقي لم تكن اصلا بعيدة عن قمة الملك عبد الله والرئيس بشار الاسد، وهما يلتقيان على موقف واحد حيال الازمة الحكومية العراقية. على ان هذه كله ملون بالنسق السياسي للرئيس اوباما وهو النظر الى المفاوضات في النزاع العربي الاسرائيلي على انها هدف بذاتها، وتغليبه «بناء الثقة » على كل اعتبار آخر وترجمته ذلك بواسطة الاولوية لحماية امن اسرائيل ولدفع التطبيع العربي – والنفطي خصوصا- معها الى امام.
إمتثلت السلطة الفلسطينية للامر الامبراطوري. مع ان لسان حالها ان لا تقدم قد تحقق في المفاوضات غير المباشرة. ولكن غطّت السلطة قرارها بالدعم المصري وبالضوء الاخضر الذي حصلت عليه من لجنة المتابعة العربية.
ولم يحصل اي تقدم في المفاوضات غير المباشرة اولا وخصوصا لأن المفاوض الاسرائيلي يرفض ترسيم حدود الدولة الفلسطينية. علما ان ترسيم هذه الحدود يعني في الآن ذاته ترسيم حدود دولة اسرائيل. ودولة اسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا حدود رسمية لها، بالضد من مواثيق واعراف الامم المتحدة التي تعتبر ترسيم حدود اي دولة الشرط الاول لقبولها عضوا في المؤسسة الدولية. واسرائيل فوق هذا تستوطن، اي تضم ولا تحتل فقط، ٤٢٪ من اراضي الضفة الغربية من خلال ٢٠٠ مستوطنة غير شرعية، حسب قرارات الامم المتحدة، يستوطنها ربع مليون اسرائيلي. ناهيك عن القدس. ولا يمكن الاتكال هنا على السيد بان كي مون ليطالب اسرائيل بترسيم حدودها.
وما دمنا في مورد الاستيطان وحدود دولة اسرائيل، تجدر الاشارة الى تطور جديد في اقصى اليمين الاسرائيلي حيث ترتفع لاول مرة اصوات تدعو صراحة الى ضم كامل فلسطين التاريخية. وللدعوة منوعات حول مصير الفلسطينيين تتراوح بين اعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية، حسب مقياس الولاء، في اسرائيل الكبرى، وبين اجلائهم الى الاردن، وطنا بديلا يقترح البعض تسميته «فلسطين». هو مجرد ارهاص باتجاه جديد. لكنه جدير بالمتابعة واستخلاص العبر، خصوصا من قبل دعاة «حل الدولة ثنائية القومية » بديلا عن «حل الدولتين ».
في مقابل مطلب ترسيم الحدود، يثير المفاوض الاسرائيلي عدم اطمئنانه للجهود التي تبذلها السلطة الفلسطينيية في حماية امن اسرائيل. وفي اولوية امن اسرائيل لا ينعقد الاتفاق بين اسرائيل والادارة الاميركية وحسب بل يسود التطابق. حتى ان الرئيس الاميركي يزل به اللسان فيخلط بين امن اسرائيل وامن بلاده. وقد صرّح مطلع تموز المنصرم: «اننا نؤمن بقوة ان اسرائيل، نظراً لحجمها وتاريخها والمنطقة التي توجد فيها، والمخاطر التي تستهدفنا [ثم صحح قائلا:] تستهدفها، لها متطلبات أمنية فريدة». وما للسلطة الفلسطينية من وظيفة غير حماية امن اسرائيل. في الوقت الذي لم تتوقف اسرائيل من البناء في القدس والضفة الغربية، وتستمر في قضم المزيد من الاراضي وتهدم البيوت في القدس وتطرد مواطنين منها لاول مرة بناء على مواقفهم السياسية.
لا حدود لدولة اسرائيل ولا حدود لامن اسرائيل.
وهذا هو بعض من متطلبات «فرادة » امن اسرائيل. في النطاق الاضيق، منع حصول الدولة الفلسطينية العتيدة على اي سلاح صاروخي، والتمسك بوجود عسكري اسرائيلي دائم على نهر الاردن. تجاه ايران: الالحاح علي ضرورة توجيه ضربة عسكرية لايران معروف، يعزز منه الآن تذكير الجيش الاميركي بأن العبء الاكبر في تلك المهمة سوف يقع على عاتق الولايات المتحدة. وهذا في وقت تقول فيه دراسة استراتيجية بريطانية ان الضربات العسكرية ضد ايران، اميركية واسرائيلية، لن توقف برنامجها النووي! ومن ايران الى العراق. ففي الوقت الذي يعلن فيه اوباما قرار سحب القسم الاكبر من جيشه من العراق خلال هذا الشهر، ينفخ نتنياهو في بوق الامن: الانسحاب الاميركي من العراق سوف يؤثر سلبا على امن اسرائيل. هكذا على سبيل الاحتياط واستدراج المزيد والمزيد من التنازلات بإسم الامن. ومن العراق الى تركيا. حيث لا يتوانى مسؤول اسرائيلي عن نقد الحكومة التركية على تعيينها مديرا جديدا للمخابرات لأنه منحاز … لايران!
يأتي هذه التدخل الوقح في شؤون تركيا الداخلية وسيادتها، في وقت يبدو فيه ان الازمة التي نشبت بين البلدين جراء جريمة «أسطول الحرية» سائرة الى تسوية. تملصت اسرائيل من معظم الشروط التركية. قضى قرار التخفيف من الحصار على غزة على شرط فك الحصار. وها ان قبول اسرائيل وتركيا المشاركة في لجنة التحقيق الدولية يقضي على الشرط المتعلّق بالتحقيق في الجريمة. علما ان اللجنة الدولية مقيّدة بقيدين ثقيلين كلاهما لمصلحة اسرائيل. فهي اولا سوف تعتمد التحقيق الذي اجرته لجنة التحقيق الاسرائيلية وهي ثانيا لن يتجاوز تحقيقها «اخذ العبر» من الحادثة حتى لا تتكرر مرة اخرى. اي لا مساءلة ولا محاسبة وتأكيدا لا عقوبات.
لعل في ذلك ما يبرد بعض الرؤوس العربية الحامية ممن حلم ان يرى في ردود الفعل التركية تجاه حادثة «اسطول الحرية» علامة على تحول تركيا الى قلعة للنضال العربي ضد اسرائيل. ولعل حكومة حزب العدالة والتنمية ذهبت ابعد مما تستطيع في مجالي التهديد والوعيد اثر الجريمة. تناست انها عضو في الاطلسي وحليفة رئيسية لاميركا وانها لا تشكو من المشكلات الداخلية اكانت تداعيات المحاولة العسكرية الانقلابية او فشل محاولاتها ايجاد تسوية ما للقضية الكردية من وراء ظهر القوى الكردية السياسية والعسكرية معا. ومع ان هذا ليس يعني نهاية الدور الجديد لتركيا في المنطقة، الا ان اميركا واسرائيل تلاقتا مؤخرا على رفض احد الاوجه البازرة لذلك الدور: الوساطة في المفاوضات غير المباشرة بين سوريا واسرائيل. فكأنه صار على تركيا اثبات «حسن النوايا » تجاه اميركا وتجاه اسرائيل، وتقديم التنازلات هنا وهناك، من اجل السماح لها باستئناف تلك الوساطة.
تشكل تلك الاحداث الخلفية لعودة اجواء الحرب الى المنطقة يرهص بها تصاعد العمليات العسكرية الاسرائيلية ضد غزة والاعتداء الاسرائيلي الاخير على الجيش اللبناني على محور العديسة كفركلا الذي يشكل سابقة دموية خطيرة على الحدود مع فلسطين المحتلة. يجري هذا كله ومبادرة الملك عبدالله بن عبد العزيز العربية للسلام خامشة كالطود، راسخة البنيان لا تتحرّك ولا تتزحزح قيد شعرة. حتى ان قمة بعبدا الثلاثية «التاريخية» لم تغفل تجديد الالتزام بها!
