إنزعوا سلاح المستوطنين!
فواّز طرابلسي
لم يخطيء مَن نعت قرار بنيامين نتنياهو تجميد بناء المستوطنات في الضفة الغربية (عدا القدس) بأنه مزحة ثقيلة. بنى رئيس الوزراء الاسرائيلي مبادرته على دعوة مختله اصلا اطلقها الرئيس باراك اوباما تقول بمبادلة تجميد الاستيطان الاسرائيلي بمبادرتين عربيتين: استئناف المفاوضات الافلسطينية-الاسرائيلية، وتنفيذ الانظمة العربية خطوات واسعة في مجال تطبيع العلاقات مع اسرائيل.
إقتطفَ الرئيسُ الاميركي ما ناسبه من المبادرة العربية المنسوبة الى الملك عبدالله واحد الصحفيين الاميركيين المعروفين بالتبجح والتقلّب. وتقوم مبادرة السلام العربية هذه، كما هو معروف، على مبادلة الانسحابات الكاملة من الاراضي العربية واقامة دولة فلسطنيية وحل قضيتي القدس واللاجئين في مقابل التطبيع والاعتراف العربيين الكاملين في كافة المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والدبلوماسية والاعلامية. وبغض النظر عن الرأي في المبادرة السلام العربية، ومدى تلبيتها الحد الادنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية والعربية، يفيد التذكير بها كاملة لتبيان مقدار الاجتزاء الاصلي الذي مارسته الدبلوماسية الاميركية عليها.
ماذا جرى لمبادرة الرئيس اوباما؟
بعد ان ردّ عليها بنيامين نتنياهو بالسلب اولا، قرر بعد مماطلة ومعاندة وتسويف تجميد الاستيطان في الضفة الغربية لمدة عشرة اشهر، باستثناء مستوطنات القدس. عبّر نائب رئيس الوزراء موشي يعلون بما يكفي من الوقاحة والفجاجة عن الحظ في تطبيق قرار التجميد حين قال:«كل ما أردناه هو رمي عَظْمَة الى الادارة الاميركية الجائعة»(و«الجائعة» هنا ترجمة حرفية من النص الانكليزي، اما اذا شئنا كمال الاستعارة المكنية، فالاحرى استخدام مفردة «الهائجة» او «النابحة»). ماذا يسعنا ان نقول تعليقا اكثر من مبروك للسيد الامبريالي هذا الشريك النازي الصغير المتنمّر عليه؟ او ان نتصوّر لو ان مسؤولا عربيا او ايرانيا تكلّم عن الحاكم الاميركي بمثل هذه النبرة والعبارات!
مهما يكن من امر، يبدو ان العَظْمَة كانت كافية لسدّ «جوع» الادارة الاميركية التي اعلنت ان لا اعتراض لها على قرار صرف مساعدات سخية للمستوطنين. وهي مساعدات لا معنى لها الا ان تصرَف في تمويل التوسع الاستيطاني!
في سياق متابعة مبادلة التجميد بالتطبيع، يفيد التذكير بأن مصادر اسرائيلية رسمية تحدثت مؤخرا عن باعٍ طويل في المبادلات والعلاقات الاقتصادية والتجارية، الخفي منها والمستتر، المباشر او بالواسطة، بين اسرائيل وبين «كل» الدول العربية والاسلامية، على حد تبعير المصدر ذاته، باستثناء ايران وسوريا ولبنان. وهذا يعني، فيما يعنيه، ان التزام اطراف عربية بدورها في التقدم خطوات في التطبيع قد حصل ترحيبا بمزحة نتنياهو الثقيلة وتلبية للضغوط الاميركية. هذا وتبذل صحافة نفطوية او مرتبطة بانظمة «الاعتدال» جهودا جبارة في التغطية على تلك العلاقات بحجب كثيفة من الصمت وبحرف الانظار وباللغو المعتاد عن ضرورة ضغط اميركا على اسرائيل من اجل كذا وكيت.
ولكن، ما من شك في ان المستوطنين كانوا ابطال هذا الاسبوع. ردا على قرار الحكومة الاسرائيلية المتعلق بتجميد الاستيطان المؤقت، إمتنع العدد الاكبر من رؤساء بلديات المستوطنات حتى عن تسليم اوامر وقف البناء الى المستوطنين. وقد شبّهوا قرار التجميد ب«الورقة البيضاء» التي قيّدت الحكومة البريطانية بموجبها الهجرة اليهودية الى فلسطين عام ١٩٣٧. و«الورقة البيضاء» تلك تعدّ من ثامنة الاثافي في قاموس الاستيطان الصهيوني. اما القلة من المستوطنين الذين تسلّموا الاوامر الحكومية، مزّقوها إرباً على مرأى من افراد الشرطة والمسؤولين ووسائل الاعلام.
لا تتوقف اخبار المستوطنين عند هذا الحد. بعد ان أفتى عدد من الحاخامين بتحليل قتل المدنيين الفلسطينيين بمن فيهم الاطفال، جاءت موجات جديدة من فتاوى الحاخامين. واحدة تقول بحق الجنود الاسرائيليين المرتبطين بهم، وجلّ هؤلاء من المستوطنين واتباع الاحزاب الدينية اليمينية المتطرفة، في رفض اوامر قادتهم العسكريين اذا ما امروهم باخلاء المستوطنات. جدير بالذكر ان ردة فعل وزير الدفاع ايهود باراك على هذا التحريض على التراتب الاوامري في الجيش جاءت خفيضة ناعمة. واخرى تجيز للمستوطنين قطف اشجار الزيتون التي يملكها فلسطينيون. وتفسير ذلك التحليل الديني لـ«تقليد» اسرائيلي عريق في سرقة الارض ونهب مزروعاتها وتدميرها.
الى هذه الفتاوى، تضاف ممارستان بارزتان من الاسبوع المنصرم: الاولى هي إجلاء مستوطنين اسرائيليين لمئتي عائلة مقدسية من منازلها واحتلالها. والثانية، حرق مسجد في الضفة الغربية. جاء احد كبار الحاخامين اليهود الاسرائيليين مستنكرا. لكنه سارع الى انكار ان يكون الحريق من فعل اسرائيليين!
هل خَطرَ لاحد من المسؤولين العرب ان يطالب الولايات المتحدة، او اوروبا، او المجتمع الدولي، بنزع سلاح ميليشيات المستوطنين الاسرائيليين؟
يتقبّل المسؤولون العرب الحجج الاميركية والاوروبية-والدولية- التي تدعو الى نزع سلاح حزب الله، المتّهم بموجب القرار ١٧٠١ (الدولي) بـ«الاعتداء على اسرائيل»!، والذي يعرّف على أنه «يهدد امن اللبنانيين وجيرانهم»! يتقبّلون هذا التعريف او هم يسعى للدفاع وتقديم الحجج والتبرير وصدّ الهجمات.
بعيد عن كاتب هذه السطور تشبيه مقاتلي المقاومة الاسلامية بالمستوطنين الاسرائيليين. ولكن، لماذا لا نطالب، ولو من قبيل فضح سياسة المكيالين، وقذف العدالة الدولية العوراء بما تستحقه من نعال او تماثيل، بنزع سلاح المستوطنين الاسرائيليين؟! فهؤلاء يهددون «أمن جيرانهم» الفلسطنيين العرب. ولا حاجة لادلّة وبراهين. ويحملون سلاحا ميليشياويا غير مرخّص. ولا يكتفون بتهديد امن جيرانهم الفسطينيين والعرب بل يهددون امن الاسرائيليين انفسهم، فمن بينهم خرج الرجل الذي اغتال احد رؤساء وزراء دولة اسرائيل.
لا حلول سحرية ولا استراتيجيات ولا مشاريع نهضوية. مجرد اقتراح تكتيك اعلامي اسبوعي صغير. يرافقه سؤال أصغر منه، حتى لا نظل نلوم الحكام وحدهم وننسى أخطاءنا وعجزنا.
السؤال موجّه الى المتحمسين في المغرب العربي الذين كلما ازدادوا ابتعادا عن ساحة المعركة الفلسطينية واللبنانية إزدادوا هوساً ومزايدة: لماذا عجزتم، بآلافكم المؤلفة، عن منع زيارة مجرمة الحرب تسيبي ليفني الى المملكة المغربية، العضو في الجامعة العربية، حيث نعمت بالضيافة الملكية؟ لماذا عجزتهم، ونجح قاضٍ بريطاني، هو ودولة القانون التي يمثّل، في منعها من دخول المملكة المتحدة؟!
