هيت لك!
قمصان يوسف الحسن
اكان رجلا عاديا ام نبيا، ومهما تكن الروايات عنه مختلفة بين الكتب المقدسة الثلاثة، يبقى ان قصة يوسف الحسن هي قصة قميص. تدور الحبكة والتأزم والحل كلها مدار قميص يوسف، والاحرى قمصانه.
في نزع قميص
ليوسف احد عشر اخ. والده يحبه حبا جما ويؤثره على أخوته. هكذا تقول الحكاية. وذات ليلة أبصر يوسف الرؤيا التي سوف تحوّل مجرى حياته وحياة أسرته بل مجرى بلد بأكمله: أبلغ يوسف اباه «رأيت احد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين». فادرك الاب فورًا خطورة الرؤية فطلب من ابنه ان لا يفشي برؤياه لاحد حتى لا يفتك به اخوته.
اكدت الرؤيا للاب، المتحدر من سلالة ابراهيم، ان الابن منذور للقداسة، فعاجل الى توريثه فألبسه القميص الذي ورثه عن ابيه وعن جده ابراهيم.
سمع أخوة يوسف برؤيا يوسف. فسّروها على ان الشمس والقمر هما الوالد والوالدة وسجودهما يعني تفضيل الابوين ليوسف دون سائر إخوته. فإتفقوا على التخلّص منه. لما خرجوا في رحلة، قبضوا عليه ونزعوا عنه قميصه وألقوه في الجبّ. ثم ذبحوا شاة ولطّخوا بدمها القميص. واخذوا القميص الى الاب وعليه الدم. وأروه القميص الذي ألبسه هو ليوسف، ملوثا بالدم مدّعين ان يوسف قد اكله الذئب. وفي رواية ان الوالد لما جاء اخوة يوسف بالقميص تأمله فلم يرَ فيه خرقاً ولا اثر لناب فاستدل بذلك على كذبهم. فقال لهم: متى كان الذئب حليما يأكل يوسف ولا يخرق قميصه؟ وفي رواية اخرى ان الاب عمي حزنا على فقد ابنه الاحبّ على قلبه. لكنه تعرّف على القميص من ملمسه لأنه قميص الحرير الذي ورثه هو عن أبيه وجدّه ابراهيم.
القميص. مجددا القميص!
القصة في احدى دلالاتها قصة حب اب لابنه وتفضيله اياه على سائر الاخوة. أي قصة غيرة الاخوة من الأخ المفضّل لدى ابيه.
هذا هو الجانب الذي اختاره محمود درويش من الاسطورة ليمثّل فيه على علاقة الفلسطيني باخوته العرب. وبيت القصيد فيها «يريدونني ان اموت لكي يمدحوني» كناية عن الفدائي الذي يقاتل بالنيابية ويموت بالوكالة عن سائر العرب. وليست تخلو القصيدة من مرارة «والذئب ارحم من اخوتي».
في قميص جديد
لم يمت يوسف. بقي في الجبّ ثلاثة ايام. مرّت قافلة تجار بالبئر قاصدة مصر. ارسلت اعرابيا ليأتيها بالماء فادلى بدلوه في البئر فتعلّق به يوسف فرفعه العربي فإذا هو «غلامٌ كالقمر ليلة البدر.» إشترى التجار الغلامَ من العربي بثمن بخس. وألبسوه قميصا جديدا وقد كان عاري الصدر لأن اخوته نزعوا قميصه عنه. ولما بلغت القافلة مصر باع الاعراب يوسف في سوق النخاسة. اشتراه احد كبار موظفي الفرعون الملّقب بالعزيز عبدًا لزوجته زليخا، وإسم الموظف قطفير. وكان الزوج بلا اولاد. فطلب قطفير من زوجته ان ترعى يوسفا، «عسى ان ينفعنا فنتخذه ولدا». ثم ما لبث ان اعتقه وإتخده ولدا.
في شق قميص
وهامت امرأة العزيزبيوسف «أشربتْ في قلبها حبّه، فسكن هواه في سويدائه، وهيامه في غلافه. وروادته عن نفسه وأغلقت الابواب، وقالت له «هيت لك». فتمنّع وقصد الباب هارباً فلحقت به وامسكته من قميصه فتمزّق القميص في اللحظة التي ظهر فيها زوجها في الباب. (الرواية التوراتية مختلفة بعض الشيء عن القرآنية، عندما تقبض زليخة على القميص يخلعه يوسف ليفلت منها. فيبقى القميص كاملا بيدها.)
القميص دليل جرمي
القميص في النص القرآني دليل جرمي. وموضوع التحرّي: من اين شقّ القميص: أمن دبر ام من قُبل؟
لنتوقف لحظة ونحاول تصوّر المشهد وكأنه معروض على شاشة سينمائية وبالصوت والصورة. ثمة احساس ايروسي تقشعر له الابدان يثيره صوت تمزّق الحرير على يد امرأة نشبت أظافرها في ظهر رجل. وإذ ينشقّ القميص، يبان ظهر الفتى الفاتن عاريا، وعليه علامات مخالب المرأة، فتزداد المرأة شبقا. حتى لا نتحدث عن حال المشاهدين!
لكن الحكاية لا تكتفي بجعل القميص اداة مراودة. انها تجعل منه الفيصل في الذنب والبراءة. فلنتوقف امام الرواية القرآنية.
«وراودته التي هو في بيتها عن نفسه واغلقت الابواب وقالت هيت لك قال معاذ الله انه ربي احسنَ مثواي انه لا يفلح الظالمون ❊ ولما هَمَت به وهَمَ بها لولا ان رآ برهان ربه كذلك لنصرف عنه السؤ والفحشاء انه من عباده المخلصين ❊ واستبقا البابَ وقدّت قميصَه من دُبُر وألفيَا سيّدها لدا الباب قالت ما جزآء من اراد بأهلِكَ سوءَ إلا ان يسجنَ او عذابٌ اليم ❊ قال هي راودتني عن نفسي وشهِد شاهدٌ من أهلها إن كان قميصُه قُدَّ من قُبُل فصدقتْ وهو من الكاذبين ❊ وإن كان قميصه قُدّ من دبر فكذبتْ وهو من الصادقين❊
فلما رأ قميصه قدّ من دبر قال انه من كيدكن ان كيدكن عظيم. يوسف أعرِضْ عن هذا واستغفري لذنبك انكِ كنتِ من الخاطئين❊»
صحيح ان القميص قدّ من دبر دليلاً على ان يوسف كان هاربا نحو الباب فامسكت زليخة بقميصه فتمزّق من الخلف. ولكن هذا ليس يعفي يوسف من النيّة في معاشرة المرأة.
«ولما هَمَت به وهَمَ بها لولا ان رآ برهان ربه كذلك لنصرف عنه السؤ والفحشاء انه من عباده المخلصين»
اختلف المفسرون في توزيع المسؤوليات عن المعصية بين يوسف وزليخا. لن نستغرب ان يكون ابن تيمية قد برّأ يوسف والقى باللائمة كلها على المرأة «فلقد دعته وراودته عليلة في قصرها فأبي لها استسلاماً». على ان تأويل ابن تيمية يعاكس النص القرآني الذي لا يبريء يوسف من النية في الخطأ، فهو هَمَ بزوجة العزيز قدر ما همت هي به. ولم يمتنع عن الفعل لأن المرأة هي زوجة الرجل الذي اعتقه من العبودية وتبناه وآواه في بيته و«أحسن مثواه». هذا لم يكف لردع يوسف. اقتضى الامر التدخّل الربآني لكي ينصرف عنه «السوء والفحشاء» فيعود «من عباده المخلصين». وهذا ما يفسّر لماذا يقول طيفور ليوسف «يوسف أعرِضْ عن هذا واستغفري لذنبك انكِ كنتِ من الخاطئين❊» فلماذا كان على يوسف ان «يعرض عن هذا» لو لم يكن قد همّ بارتكاب «السوء والفحشاء»، فهبّ التدخّل الرباني لردعه وانقاذه.
وفي رواية الإمام علي بن ابي طالب ان يوسف كان على أهبة ممارسة الفعل. وفيما فخر الدين الرازي يروي ان يوسف كان بين فخذي زليخة وقد خلع عنها ثوبها، الا انه وجد نفسه عاجزا. ويجوز تفسير العجز بأنه حصل بفعل التدخّل الربآني. اما الرواية العبرانية فتتحدث عن ان الملاك جبريل هو الذي ظهر ليوسف ونهاه.
وفي رواية أخرى عن منع يوسف من تحقيق شهوته ان الوازع لم يكن ربانيا. يروي الرومي في «المثنوي» لحظة ضعف يوسف اما زليخة فيقول «كان قلبه يرغب في ان يثقب اللؤلؤة بالماسة لكن حكم براءته/عذريته منعه من ذلك» (Tourage, 2007: 54)
هي قصة حب على كل حال. حبيبة محمود درويش تطلب منه ان يقول لها ما مرّ في بال يوسف حين همّ بزليخة وهمّت به. بل قصة الحب قابلة للارتقاء الى مصاف العشق الصوفي تختلط فيه رائحة العاشق برائحة المعشوق، كما في «ملحمة يوسف وزليخا» للمتصوف الفارسي عبد الرحمن الجامي. وفي رواية أخرى، الحكاية حكاية عِشق محمّل بوزر الخطيئة في النزاع الابدي بين العفة والشهوة كما في قصيدة الشاعر شوقي بزيع «ليس بيني وبين زليخة/إلا قمصان من عفّة وتشّهٍ/كأن الصراع المؤبد بين ابليس والله قد ضاق/حتى غدا بحدود القميصين.” القمصان أيضا وأيضا.
مهما يكن، لم تخجل زليخة من الجهر بشهوتها في الرواية القرآنية. رفضت الحكم الأخلاقي الذي صدر عليها. واصرّت على اثبات لا البراءة وانما ان الخطيئة الذي سعت لارتكابها لم تكن لتمتنع عنها أي امرأة، فكيف بالنساء اللواتي لمنها على ما حاولت.
«فلما سمعتْ بمكرهن ارسلت اليهن واعتدتْ لهن متّكأ واتت كلَ واحدة منهن سكينا وقالت أخرجْ عليهن فلما رأينه اكبرنه وقطّعن ايديهن وقلن حاشَ الله ما هذا بشرا ان هذا لها ملك كريم ❊ فذلكن ّالذي لُمْتَنّني فيه ولقد روادته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين*»
هنا مشهد سينمائي بديع ورهيب. بطله ذلك «الذي أخذ جمال الدنيا» على ما وصفه القرآن.
هنا يهمّ ان نتساءل عن سبب التدخّل الرباني. هل كان لمنع يوسف من ارتكاب الزنا ام لمنعه من ارتكاب سفاح المحارم؟ فالرواية تفيدنا ان زليخة، المحرومة من الاطفال، أعتقَت العبد يوسف الذي اشتراه لها زوجها، واتخذت منه ولدا؟ فهل كان التدخل الربّاني للنهي عن الزنا ام للنهي عن سفاح المحارم؟ وما الأقرب الى استحقاق الاتهام بـ«السوء والفحشاء»: الخطيئة الاولى ام الثانية؟
في شمّ قميص وفي ريح الجنة
لما برأت النساء يوسف، أطلقه الملك من السجن واسكنه القصر ووهبه «القوة والتمكين.»
للحكاية خاتمتان.
الخاتمة الاولى هي تحقق النبوءة. تنقلب العلاقة بين يوسف واخوته رأسا علي عقب.
تروي الحكاية ان فرعون شاهد في المنام سبع بقرات سمينة وبعدها سبعا هزيلة تأكل البقرات السمينة، وتراءى له في منام آخر سنبلات ناضجات تحلّ محلها سبع سنبلات هزيلات يابسات. فكان تأويل يوسف الحلم ان البلد سيشهد سبع سنوات جفاف تعقبها سبع من الخصب والخير. يرسل فرعون ليوسف ساقيه الى السجن ليأخذ منه تأويل الحلم. فيشترط يوسف البراءة اولا. فتكون له.
فلما وقعت المجاعة التي تنبأ بها يوسف، يكلفه العزيز بالاعاشة. يأتي اخوته مصر طلبا للقمح يشترونه. يتعرف اليهم اخوهم لكنه لا يعرّفهم بنفسه. يعطيهم ما طلبوه لكنه يستبقي أصغرهم بنيامين بعد ان يدسّ كأسا مَلَكية في حنطته ويأمر بتفتيش الوفد وهو خارج من مصر. فيعتقل الجنود بنيامين بتهمة السرقة. وعندما يساق الاخوة الى يوسف مكبّلين بالاصفاد، يبوح لهم بالسر فيعتذر منه اخوته. فيقول لهم ان يأتوا له بأبيه. وان يلقوا بقميصه على وجه أبيه فيعود بصيرا، وكان يوسف يعلم ان قميصه سوف يردّ لابيه بصره. وهنا نعرف المزيد عن المفعول العجائبي للقميص الذي البسه الله لإبراهيم. وكان كساه اسحق، واسحق كساه يعقوب، ويعقوب ادرج القميص في قصبة من فضة وعلّقه في عنق يوسف، لما كان يخاف عليه من العين، فاخبره جبريل: أرسِل قميصك فإن فيه ريح الجنة، وإن ريح الجنة لا يقع في النار.
وفي رواية القرطبي عن ابي عباس ان الامر لم يتطلب نقل القميص: «هاجت ريح فحملت ريح قميص يوسف اليه، وبينهما مسيرة ثمان ليال». وعن مجاهد: «هبت ريح فقصفت القميص فراحت روائح الجنة في الدنيا وإتصلت بيعقوب، فوجد ريح الجنة الا ما كان من ذلك القميص، فعند ذاك قال: «اي لأجد، اي اشمّ، لى سقيم ولا مبتلي إلا عوفي». لم يصدّقه ابناؤه وهو يقول انه يعلم من الله ما لا تعلمون بأن ابنه حيّ.
مهما يكن، القي القميص على وجه يعقوب «فإرتد بصيراً».
في خاتمة الرواية، يلتقي يوسف ابويه. أجلس ابوه على أعرض منصّة وخرّ له الاخوة له سجدا وقال «يا ابت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا… »
القميص والذَنب او تحولات القميص
هل ان زليخة هي المذنبة؟ لماذا تحميل المرأة وزر الحادثة وحدها طالما ان واحدهما هَمَ بالآخر؟
لم يكتف العزيز، في الرواية القرآنية، بالتوجه الى زليخة المذنبة بالقول: ان كيدكن عظيم. وهذه الـ«إن كيدكن عظيم» سوف تبقى بمثابة مفتاح الموقف الإسلامي السائد من المرأة.
وللتهمة ما لها من حضور ونفوذ في الوعي لمّا حكم في الامر بين زوجته ومولاه، قال «يوسف أعرِض عن هذا وإستغفري لذنبك انك كنت من الخاطئين ». لماذا يطالب الزوج يوسفا بأن يعرض عن هذا؟ وما هو هذا الـ «هذا» إن لم يكن فعل السؤ والفحشاء؟ فقد انتهك يوسف احدى الوصايا العشر التي تقول «لا تشتهِ إمرأة غيرك». إن الزوجة اذنبتْ. لكن يوسف قد اخطأ هو ايضا.
في تمزيق قميص آخر
لم يرتضِ جميع الرواة بمسؤولية يوسف في الرواية. لا يمكن للحكاية ان تنتهي هكذا على زغل. لا بد من نهاية تقيم العدل. أعاد الرواة تركيب الرواية ليستعيدوا التوازن الى عناصرها. جمعوا يوسف مجددا بزليخة في تخييل خصيب.
ها هو يوسف في ذورة مجده حاكما على مصر، يشاهد عجوزا في درك شقائها: يتعرّف عليها على أنها زليخة وقد فقدت الزوج والثروة والجاه. يقع في حبّها، ويجوز القول انه يقع في حبّها مجددا. فيعرض عليها الزواج ويتزوجها.
ولكن لا بد للرواية الجديدة من تصحيح للزمن وللعلاقة باكثر من وجه. إذ لا يمكن ليوسف الحسن، وهو ليس من فصيلة البشر وانما من فصيلة الملائكة والانبياء، ان يتزوج من عجوز شقية. لذلك، يتعيّن إعادة رواية الحكاية منقّحة. وكما في قصص الجنيّات، تتولى الحكاية مسخ زليخة العجوز الشقية صبيّة ًجميلة رائعة الجمال.
هذا اقلّ من يليق بيوسف الحسن. لكنه لا يكفي. فحتى لو عادت العجوز الشمطاء صبية جميلة، رائعة الجمال، لا يعقل ان يتزوج يوسف الحسن صبية جميلة، رائعة الجمال، ولكنها ليست عذراء. فلا بد للرواية اللاحقة من ان تعود الى الرواية الاصلية لتصحيحها: زليخه زوجة العزيز سابقا، وزوجة يوسف راهناً، كانت بكرا ولم تكن ثيبا. بدقة اكبر، تنقلب زليخة بواسطة السحر الى بكر في رواية او تكون هي أصلا بكرا في رواية اخرى. لا تفسير لانقلابها بكرا بعد الزواج من العزيز. هذا يقتضي تدخّل السحر. سوف نعود الى هذه النقطة.
اما ان زلخية كانت بكرا اصلا، فللامر تفسير في الحكاية التي تخبرنا بأن العزيز قطفير كان دون اولاد لأنه عاقر، ودليلنا على هذا انه دعا لزوجته الى ان تتبنّى يوسف. على ان هذه الرواية ناقصة او خاطئة: ان يكون عاقراً لا يعني انه لم يعاشر زوجته. وهذا يعني ان زليخة لم تكن عذراء. فلا بدّ، إذن، من تصحيح أخير على حالها: كان قطفير بدون أولاد لا لأنه عقيم فحسب، كان بدون أولاد لأنه حصيرٌ، لا يقرب النساء، فلم يطأ زوجته أصلا، لأنه «لا يأتي النساء ولا يولد له.»
هنا تتناسى الحكاية تحريم الزنا. ففي نهاية المطاف، هَمَ يوسف بامرأة متزوجة، ثيباً اكانت او بكرا، وكائنا ما كانت حالة زوجها، عاقرا ام حصيرا. وهكذا لم يعد يهمّ من هو المذنب في حادثة القميص. بل الافدح، بات بالإمكان التباهي بأن يوسف هام بزليخة. ففي احدى التقلّبات العديدة للرواية، تحديدا في احدى الروايات الفارسية، هذا هو يوسف يلوم زليخة تكرارا لأنها لا تبادلته الشعور ذاته، او على الاقل لا تبادله إياه بالقوة ذاتها.
العذراء الدائمة
عودة الى القميص الذي تهبّ منه ريح الجنة. النسج الروائي هنا يلتقي احدى قصص الجنة حيث الوطء دائم والاهم ان النساء تتجدد عذريتهن مع كل وطء «فاذا قام عنها رجعت مطهّرة بِكراً». فكأن يوسف في نكاحه زليخة، الزوجة التي راودته عن نفسه، لم يطأها زوجة لسواه، لكنه وطأها زوجة له بعد ان انقلبت من عجوز الى صبية جميلة وعادت عذراء. فكأن يوسف، إذ يطأ زليخة أخيرا، يطأها كما يطأ اهلُ الجنة «بذكر لا يميل وشهوة لا تنقطع (…) فإذا قام عنها رجعت مطّهرة بكرا ». حتى يمكن القول ان زليخة التي ظلّت بكرا رغم الزواج من قطفير وعادت صبية جميلة وبكرا لتتزوج من يوسف الحسن، هي العذراء الدائمة، بل الانثى التي بوطئها تتجدد عذريتها.
والعذراء الدائمة هي الفانتازم الاسمى في الذكورية الاسلامية. وريما ليس فيها وحدها.
هكذا يمكن إعادة قراءة مغامرات يوسف الحسن وزليخة من هذه الخواتم على انها تمجيد للبكارة. بدأت حكايتنا بتمزيق قميص وانتهت بما هو اشدّ فتكاً من كشف الستر: فض غشاء بكارة.
بقي ان نعلم: تروي الحكاية ان يوسف توفي عن ١٠٧ سنوات ودفن في النيل في صندوق من رخام حيث مفرّق المياه في مصر، ليتفرق في جميع انحاء مصر. وهي الطريقة التي بها دفن اوزيريس حسب القص الفرعوني المقدّس. ولما خرج موسى من مصر بعد ٤٠٠ سنة يقال انه نَقل تابوت يوسف الى بيت المقدس فدفنوه مع آبائه حسب وصيته.
= = = = =
❊ هيت لك
وراودته التي هو في بيتها عن نفسه واغلقت الابواب وقالت هيت لك قال معاذ الله انه ربي احسنَ مثواي انه لا يفلح الظالمون ❊ ولما هَمَت به وهَمَ بها لولا ان رآ برهان ربه كذلك لنصرف عنه السؤ والفحشاء انه من عباده المخلصين ❊ وإستبقا البابَ وقدّت قميصَه من دُبُر وألفيَا سيّدها لدا الباب قالت ما جزآء من اراد بأهلِكَ سوءَ إلا ان يسجنَ او عذابٌ اليم ❊ قال هي راودتني عن نفسي وشهِد شاهدٌ من أهلها إن كان قميصُه قُدَّ من قُبُل فصدقتْ وهو من الكاذبين ❊ وإن كان قميصه قُدّ من دبر فكذبتْ وهو من الصادقين ❊
فلما رأ قميصه قدّ من دبر قال انه من كيدكن ان كيدكن عظيم. يوسف أعرِضْ عن هذا واستغفري لذنبك انكِ كنتِ من الخاطئين ❊ وقال نسوة في المدينة إمرأت العزيز تراود فتيها عن نفسه قد شغفها حبا إنّا لنرايها في ضلال مبين ❊ فلما سمعتْ بمكرهن أرسلت اليهن واعتدتْ لهن متّكأ واتت كلَ واحدة منهن سكينا وقالت أخرجْ عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطّعن أيديهن وقلن حاشَ الله ما هذا بشرا ان هذا لها ملك كريم ❊ فذلكن ّ الذي لُمْتَنّني فيه ولقد روادته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين ❊
Mahdi Tourage, Rumi and the Hermneutics of Erotism, Leiden and Boston, 2007
