من اجل فيدرالية عربية – كردية في العراق
فوّّاز طرابلسي
(كاتب وجامعي)
قبل البحث في تأثير الفيدرالية العراقية على العالم العربي، الاجدر بنا اعطاء الفيدرالية في العراق حقها من البحث والنقاش. ومع ان الاستعجال في التعليق بالتفصيل على مسودة الدستور العراقي ليس مأمونا – خاصة وان ثمة منه اكثر من نسخة لا تزال موضع اخذ وردّ وتعديل وتصحيح- فلا معنى للبحث في الفيدرالية كفكرة والتكهن في تداعيات محتملة لتطبيقها، إن لم نبحث اولا في الصيغة العينية للفيدرالية كما هي مطروح على الشعب العراقي ليبتّ في امره.
يثار موضوع الفيدرالية في العراق في ظرف يتسّّم بخاصتين مميزتين. الاولى هي ان الاحتلال الاميركي لم يطح بنظام البعث بقيادة صدام حسين وحسب وانما دمّّر ايضا وخصوصا الدولة العراقية، اي البنية التحتية اللازمة لاية دولة: مؤسساتها، جيشها، الوزارات، الادارات، الخ. ولم يقتصر ذلك على الدولة فقط بل انعكس، كما هو متوقع، على المجتمع العراقي باشكال عديدة يعنينا منها هنا الانقلابات والتحولات في العلاقات بين مكوناته الاساسية. هكذا يبدو المجتمع والدولة العراقيان في لحظة تاريخية قلقة: بقايا دولة لا يريد اكثرية العراقيين لها ان تعود الى زمن الدولة المركزية الاستبدادية وهي من جهتها لا لم تعد تشكل بداهة طاقة توحيد لمجتمعها. اما على صعيد المجتمع فنلقى حالة حراك محموم بين جماعاته لم يستقرّ بعد على عناصر سيطرة او هيمنة او قيادة او توازن. وابرز وجوه هذا الحراك:
– صعود الجماعتين الاكثر حرمانا واضطهادا زمن البعث، الشيعة والاكراد، على تفاوت بينهما. ففي حين تسعى الجماعة الاولى، في تعبيرها السياسي الغالب، الى فرض حقوق منطق الاكثرية العددية على النظام السياسي قيد التكوّّن، تجنج الاخرى، في تعبيرها السياسي الغالب، الى اقصئ الافادة من الاستقلالية الذاتية ومن الحضور في السلطة المركزية الانتقالية في آن معا، ولكن على خلفية مناخ انفصالي غالب لدى الرأي العام الكردي سوف نتطرق اليه عما قليل.
– بحث الجماعة السنّّية عن موقع جديد لها بعد ان إحتكر نظام صدام حسين الحكم باسمهاوعلى حساب الاكثرية منها. وهو بحث موزع بين السعي بواسطة العنف المسلح الى استعادة نظام انقضى وبين التسلّّح بذاك العنف المسلّّح من اجل تثبيت موقع جديد داخل التركيبة الجديدة للبلد. هذا دون ان ننسى- وكيف ننسى!!- اختلاط ذلك العنف المسلّّح بالجناح الارهابي (بلا مزدوجين) المحسوب على تنظيم القاعدة الذي يزرع الموت اليومي بين المدنيين وقد حقق مؤخرا إنعطفته التكفيرية باعلان استهدافه الجماعة الشيعية بالجملة.
– اخيرا ليس آخرا، تفتيش الفئات والقوى والحركات الاجتماعية (بمن فيها الحركة النسائية) عن موقع ودور لها في نظام سياسي يزداد فيه تغليب حقوق الجماعات على حقوق الافراد والتضحية بالمصالح والحقوق الاقتصادية-الاجتماعية على مذبح الحقوق المذهبية والمناطقية.
ان هذا لا يعيّّن حراجة الظرف العراقي وحسب وانما يعيّّنه ايضا بما هو ظرف اعادةالتأسيس للكيان والدولة والوحدة المجتمعية في آن معا.
من هنا فلم يعد من معنى للحجة القائلة ان الدول تنتقل عادة من الفيدرالية الى الدولةالمركزية، فما بالكم تريدون اعادة العراق من الدولة المركزية الى الفيدرالية؟ ذلك ان الانتقال في العراق هو اقرب الى ان يكون مسارتوحيد مجتمعي من خلال اعادة بناء الدولة.
وفي عملية البناء هذه قد تكون الصيغة الفيدرالية هي اسلم السبل الى اعادة التوحيد المجتمعي (والتوحيد لا يعني المركزية) من خلال اعطاء مكونات المجتمع العراقي كافة حقوقها في الحكم الذاتي والتوزيع العادل لخدمات الدولة والثروة الاهلية.
الخاصة الثانية للظرف الراهن في العراق، فيما يتعلّّق بموضوع الفيدرالية، هي ما اشرنا اليه اعلاه من نمو ميل متعاظم لدى اكثرية الرأي العام الكردي نحو الانفصال. وقد عبّّرت تلك الاكثرية عن نفسها بقوة خلال استفتاء اجري على هامش الانتخابات النيابية الاخيرة. ما تفسير انتقال المزاج الشعبي العام من المطالبة بالحكم ذاتي لكردستان والديمقراطية للعراق، على مدى عقود من الزمن، الى المناداة بالانفصال؟ هل كانت النزعة الانفصالية كامنة اصلا وظهرت بفعل الغزوة والاحتلال الاميركيين ام انها وليدة احداث وتاريخ؟ تشير معظم الادلّّة الى ان هذا التحوّّل انما هو من مفاعيل الفترة الاخيرة من حكم البعث، وبخاصة الفترة التالية على حملة »الانفال« (۱۹۸۸-۱۹۸۹) بما فيها من مذابح وتطهير عرقي وتدمير مئات القرى واجلاء عشرات الالوف، حتى لا نقول مئات الالوف، من السكان ناهيك عن التعريب القسري لمدن ومناطق باسرها. بعبارة اخرى، نمت النزعة الانفصالية الكردية كرد فعل على الطريقة المركزية القومية الاستبدادية في التعاطي مع المسألة الكردية وقد بلغت ذروة الانكار والعنف التصفوي الدموي.
وتجدر الاضافة هنا ان نزعة الانفصال تلك قد تغذّّت ايضا من فترة الحكم الذاتي للمنطقة الكردية خلال اكثر من العقد من الزمن كانت خلالها منقطعة كليا تقريبا عن سائر مناطق العراق العربية الذي ظلت تحت سيطرة حكم البعث.
طبعا، ان مجرد وجود تيار انفصالي غالب لدى اكراد العراق لا يعني سلفا انها حالة غير قابلة للتحوّّل كما لا يعني سلفا ان الانفصال واقع لا محالة. تقف دون الانفصال الكرديعوامل عدة، منها ان معظم القوى والقيادات الكردية لا تزال تبحث عن حل من ضمن حدود الكيان العراقي، وان الشروط الاقتصادية او الاقليمية اوالدولية ليست مشجعة عليه.
اتحدث عن انفصال، مع اني مدافع عن حق الشعب الكردي في تقرير مصيره، بما في ذلك حقه في الانفصال. ولست اجد حرجا في ذلك. ذاك ان تأييدي هذا الحق ليس حياديا. انا العربي منحاز الى بقاء اكراد العراق داخل حدود العالم العربي تأكيدا على ان هذا العالم العربي، يتسع لجميع مكوناته القومية والدينية والعرقية والمذهبية، وان العروبة المنفتحة تغتني بهذا التنوّّع والتعدد بدل ان تضيق بهما.
بناء عليه، افهم طرح موضوع الفيدرالية على انه صيغة توفر للاقلية الكردية حقوقها المشروعة في الحكم الذاتي وفي استخدام لغتها وتنمية ثقافتها وتحصيل حصتها من الموازنة والثروة الاهلية في اطار عراق اتحادي، بديلا عن خيار الانفصال. على ان
»الفيدرالية الكردية« صيغة ملتبسة تجيب على جزء من المشكلة فقط وتستدعي مشكلات.
تتحقق الصيغة الفيدرالية- اية صيغة فيدرالية- بين اثنين او اكثر من مناطق الاستقلال الذاتي. يوجد الان في العراق منطقة حكم ذاتي واحدة في الشمال الكردي استكملت مقوماتها بحكومة وبرلمان وادارة وقوات مسلحة. ويوجد في المقابل: ۱) حكومة مركزية تشترك فيها الجماعات حسب توزيع اعوج- قومية كردية/طوائف عربية؛ ۲) مجموعة من ٥۱ محافظة تسكنها اكثرية عربية حاسمة. والسؤال: تتحقق الفيدرالية العراقية بين من ومن؟ تجيب مسودة الدستور على السؤال بمنح الحق لاي محافظة (او اكثر من محافظة) بأن تطالب بالتحوّّل الى منطقة، اي الى مكوّّن من مكونات الاتحاد الفيدرالي، شرط حصولهاعلى اكثرية اصوات ناخبيها في استفتاء خاص يجرى لهذا الغرض. هكذا تتبدى صورة النظام الفيدرالي، في مسودة الدستور، في خمس مستويات: العاصمة بغداد (ولها تشريع خاص)، المنطقة (الوحدة الفيدرالية)، المحافظة التي تتمتع بصلاحيات لامركزية، والسلطاتالمحلية. ولا حاجة الى خيال خصيب لتصوّّر حالة الارتباك والتفكك والتضارب عند انتقال هذه الصيغة الى حيز التطبيق.
ولا تفسير لارتباك الصيغة الفيدرالية على هذا النحو الا رفض اعتماد قاعدة واحدة لتعريف اساس الفيدرالية: القاعدة القومية. فالصيغة الفيدرالية الوحيدة ذات المعنى والفاعلية، والتي تستطيع ان تستوعب في داخلها التعدد الديني والمذهبي، هي الفيدرالية العربية-الكردية التي تتحقق بين منطقتي استقلال ذاتي داخل الكيان العراقي الواحد، واحدةكردية والثانية تشمل سائر المحافظات التي تسكنها الاكثرية العربية. هكذا يستوي مستويان للتمثيل بديلا عن خمسة مستويات. المستوى الاول قوامه مجلس للمندوبين ينتخبه العراقيون جميعا على قاعدة مندوب واحد لكل مائة الف ناخب وينتخب بدوره رئيس الدولة ويعيّّن الحكومة (كما هو وارد اصلا في مسودة الدستور). اما المستوى الثاني فيضم المؤسسات الاتحادية التي تمثل المنطقتين العربية والكردية. وعلى حد علمي ورد خلال المداولات على الدستوراقتراح باعتماد صيغة فيدرالية شبيهة من منطقتين سمّّيتا »بلاد الرافدين« و»كردستان« ولم يؤخذ بها.
يفضي بنا مثل هذا الحل الفيدرالي الثنائي القومية مباشرة الى موضوع هوية العراق.
ما من شك في ان الرؤية الاميركية للعراق قسّّمته الى اثنية (الاكراد) ومذهبين اسلاميين، السنة والشيعة. وهكذا جرى تغييب العرب بما هم المكوّّن القومي الاكثري للعراق. وفق هذه الرؤية، جرى تعيين مناطق الحظر الجوي بعد العام ۱۹۹۱، وتحديد الحصص خلال توزيع مساعدات برنامج النفط من اجل الغذاء، وتصوّّر النظام السياسي العراقي، الخ. هذا على صعيد وصف ما الذي يريده الخصم. والمسآلة، كل المسآلة، هي: ماالذي نريده نحن؟ اقصد: هل نعتمد هذه الرؤية ام نجابهها برؤية بديلة، رؤية تعبّّر عن الارادةالعراقية الحرة؟
يبدو لي ان الحوار الغالب حول الانتماء العربي للعراق يدور في دائرة المسمّّيات والرموز غافلا عن دائرة الوقائع. فالنقد – المشروع – ينصبّ على المادة الدستورية التي تقول بأن »السكان العرب في العراق هم جزء من الامة العربية« على اعتبار انها تجرّّد العراق من هويته العربية. هذا في حين يجري التخلي عن الاهم والمصيري. يجري التخلي عن التكريس الدستوري والمؤسساتي لكون السكان العرب في العراق هم المكوّّن الاساسي والاكثري للشعب العراقي، والارتضاء بأن يتمثل العرب بواسطة هوية واحدة هي الهوية المذهبية. فما النفع اذا ربحنا تعديلا للنص الدستوري عن الهوية، ارضاء لخاطر امين عام الجامعة العربية، يعلن انتماء العراق باية صيغة من الصيغ الى العالم العربي، اذا خسرنا حضور عرب العراق، بما هم الطرف الفاعل الاساسي في النظام السياسي العراقي؟
تبقى كلمة لا بدّ منها عن توزيع عائدات النفط والغاز بين المناطق العراقية. وهي مسألة تلعب دورا هاما في الصيغة الفيدرالية بقدر ما شكلت، في التجربة التاريخية والمعاصرة، عاملا اساسيا من عوامل النزاع والانزلاق من الفيدرالية الى التقسيم. لا بد منالاطمئنان اولا الى ان مسودة الدستورتجزم نصاً بأن النفط والغاز ملك للشعب العراقي كله،يوزع على نحو عادل حسب عدد السكان على كل مناطق البلاد. كذلك يلحظ النص الدستوريان تعطى حصة مميزة للمناطق التي حرمت من توزيع عائدات النفط والغاز في ظل النظام السابق. هذا على صعيد الملكية والتوزيع. اما على صعيد ادارة انتاج النفط والغاز يدعو النص الى ان تتشارك السلطتان الاتحادية والمناطقية في استثمار واداره الآبار العاملة حاليا، ما يوحي بأن ما يجري اكتشافه من حقول لاحقة يقع تحت سلطة الادارة المناطقية.
وهو إلبتاس حمّّال اوجه وعلى قدر لا بأس به من الخطورة.
ان المطالبة الكردية بكركوك والصراع على تركيبها السكاني وانضمامها او عدم انضمامها الى المنطقة الكردية، تكتسب حرجة متزايدة انطلاقا من كونها منطقة استخراج النفط. من كان الاصرار على السيطرة على نفط كركرك يحمل ما يتجاوز حدود الفيدرالية ناهيك عن انه سوف يشجع الجماعة الجنوبية على مطالبة مماثلة بتملّّك حقول النفط الجنوبيةوالسيطرة على انتاجها. من هنا، فكائنا ما كان موقع كركوك من منطقة الحكم الذاتي الكردية، ومع الاقرار بضرورة واهمية تصحيح ما لحق بها من تغيير سكاني قسري فرضه النظام السابق، يبقى ان ثروتها النفطية يجب ان تبقى بيد الحكومة والادارة الاتحاديتين تعبيرا عن ملكية الشعب العراقي كله لها.
