ما بين بوش وبن لادن من ليبرالية
فواّز طرابلسي
يكثر الحديث عن كل ما يتعلّق بالتنظيمات الاسلامية اللهم إلا عن رؤياها وبرامجها وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية. لا التنظيمات تفصّل، بل هي تمارس الغموض والإبهام والتورية والتعميم، ولا المراقبون والنقاّد يصرّون على معرفة المزيد. او يكتفون بالقول انها ليست لها برامج واضحة او تفصيلية. ومع ذلك فنحن مدعوون، باشكال مختلفة ووسائل ضغط او اقناع متفاوتة، الى العيش في ظل حكم تلك التنظيمات.
هذا الاغفال يستحق البحث في بذاته، فكيف بنا ونحن في شهر رمضان حين يتصاعد الاهتمام باكلاف المعيشة، ولو من منظار سعر المواد الغذائية، وبالقضايا الاجتماعية، كالفقر مثلا، والرعاية والتكافل الاجتماعيين وما اليها.
قد يستغرب القاريء ان ابدأ البحث في هذا الموضوع باسامة بن لادن وتنظيم «القاعدة». لكن دقائق معدودات سوف تبدد العجب.
إذ اذاع اسامة بن لادن رسالته الاخيرة، بمناسبة ذكري الحادي عشر من ايلول، انصبّ جلّ اهتمام اجهزة الإعلام على متى كتبت الرسالة واين والحدث الذي ينبيء عنه ظهور الرجل بعد طول غياب نسبيا واشياء من هذا القبيل. واخذت اجهزة الاستخبارات الغربية تدقق في صورته الحديثة على امل اكتناه حاله الصحية وخصوصا مرض الكبد المفترض لديه، ناهيك عن التدقيق في بعض الاعتبارات الشكلية المتعلقة بصباغة الرجل للحيته.
واقع الامر ان الشيخ اسامة اتى في رسالته تلك على اوضح تعبير عن رؤياه.
«القاعدة» تنظيم متعولم. لن نأتي جديدا اذا قلنا ان «الارهاب العالمي» هو الوجه الآخر لـ«الحرب العالمية على الارهاب». والتنظيم متعولم من اكثر من وجه. من حيث شمول خلاياه معظم اركان الكرة الارضية. واستخدامه الشبكات المالية المتطورة. وتوظيفه الاموال في القطاعات المتعولمة من الاقتصاد كالمضاربة على الاسهم والعملات والعقارات. وتوسله تقنيات الاتصالات والدعاية الاكثر تطورا، ناهيك عن وسائل النقل.
ولكن «القاعدة» تنظيم متعولم من وجه آخر شددت عليه الرسالة الاخيرة بوضوح زائد. انها حاملة وحاضنة مشروع كوني يروم تحويل الكرة الارضية كلها والبشر الذي عليها كلهم الى الاسلام، وإن كانت البدايات متواضعة في المنطقة الحدودية القبلية بين باكستان وافغانستان او في محافطة الانبار العراقية او مخيّم نهر البادر في الشمال اللبناني.
بهذا المعنى لا يختلف مشروع «القاعدة» بكثير عن الاصوليين المسيحيين الاميركيين الذي يعملون من اجل تعجيل عودة المسيح لاعادة جميع الضالين الى المسيحية، وخصوصا اليهود، ولو بحد السيف. او عن اي مشروع رؤيوي مهدوي وخلاصي آخر في الدين الاسلامي او سواه.
ولكن بلغت عولمة بن لادن اجلى تجلياتها في الرسالة الاخيرة لأن الرسالة حيث مزجت عصا التهديد مع جزرة الترغيب. فأدخلت الاقتصاد في الارهاب. التهديد: هو دعوة الاميركيين الى الاسلام وإلا يقع عليهم «حد» الجهاد. هذه هو صدام الحضارات بأصفى معانيه. حيث الحضارات ملخّصة بالديانات. والديانات لا يمكن ان تتساكن او تتعايش. وحصرمة في عين هانتنغتن والسذّج من العرب والمسلمين الذين يحاججونه بالدعوة الى «حوار الحضارات».
لكن الجزرة هي ما لم يلتفت اليها كثيراً. ترغيبا للاميركيين في الاسلام، لا يتوانى زعيم «القاعدة» عن إغرائهم بأن لا ضرائب في الاسلام! اذا ترجمنا هذا الاغراء الى لغة الارقام، فما يقوله الشيخ المليونير هو: حتى الجمهوريون يكذبون عليكم في وعودهم بخفض الضرائب. انكم تدفعون لا اقل من ٣٠ بالمئة من مداخيلكم والارباح على شكل ضرائب. الاكثر تطرفا في ليبراليته بين الجمهوريين تبقى خفوضاته بائسة قياسا بما أعدهم به انا: لا اكثر من ٢،٥ بالمئة! ولكن من دون اجهزة جباية وما من رقيب او حسيب!
باختصار، يشتغل خطاب اسامة بن لادن بين «حد» الجهاد و«حد» الرأسمالية السوقية الصافية، رأسمالية الاقتصاد الحر و«اليد السحرية». فتنظيم «القاعدة» تنظيم «ليبرالي» في الاقتصاد بكل ما للكلمة من معنى. فهل تختلف عنه سائر التنظيمات الاسلاموية التي قد لا تشاركه رؤياه ولا وسائل فرضها؟
حقيقة الامر انه من جبال الجزائر الى هضبات الاناضول التركية مرورا بحواري القاهرة والاسكندرية وسوق صنعاء وحتى ضاحية بيروت الجنوبية، قد لا تجد نغمة تشذّ جذريا عن هذه النغمة. معظم التنظيمات الاسلاموية ليبرالية في الاقتصاد وإن تكن ليست ليبرالية في السياسة. من اجل استظهار المشترك بينها يمكن القول انها تتشارك فيما بينها في اربعة منطلقات:
– مبدأ السوق،
– الملكية الفردية،
– الربح (مع الالتزام بتحريم الربا)،
– ممارسة الإحسان.
قد يقال الكثير هنا. لكننا نريد التساؤل عن الفارق بين هذه المباديء وبين مرتكزات العولمة الاميركية، عولمة لاهوت السوق وقدسية الربح والملكية الفردية واوهام «اليد السحرية» للاقتصاد الحر تحقق التوزيع العادل بين فئات المجتمع.
والتساؤل هو بالتالي عن مقدرة الاسلاميين على التصدي لتحديات العولمة الاميركية، عولمة الشركات المتعدية الجنسية، والفقاعة المالية، وجزر الرفاه وسط عوالم مهمشة ونافلة، الى اخره.
من جهة اخرى، يمكن الاكتفاء بابراز الخطورة الاستثنائية التي ينطوي عليها ضرب المبدأ الضريبي. ليس التخلي عن المبدأ الضريبي مجرد تنازل من الدولة عن اهم ادوارها في التوزيع الاجتماعي. وهو الدور الوحيد القادر على تقليص الفوارق الطبقية والاجتماعية والمناطقية. وبالتالي معالجة قضية الفقر. ان ضرب المبدأ الضريبي يعني التخلي عن كل ما يمكن ان يشكل قاعدة مادية لانتخاب الشعب لحكامه وامتلاكه الحق في محاسبتهم ومعاقبتهم وتغييرهم. بعبارة اخرى، انه قلب لمعادلة الديمقراطية رأسا على عقب. هذا هو المبدأ الريعي النفطي الذي يسعى امثال بن لادن الى تسويده عربيا واسلاميا. هو مبدأ يقوم على نموذج الحاكم المسيطر على «بيت المال» (الثروة النفطية) الذي يستمد «شرعيته» من كونه هو مصدر الانفاق على الشعب، بدلا من ان يكون الحاكم هو من ينتخبه الشعب ويوكله التصرّف في المال العام، لمصلحة الشعب، ما يمكن هذا الاخير من المحاسبة والمعاقبة والعزل.
فأي خيار هو هذا الخيار بين ليبرالية بوش وليبرالية بن لادن؟!
