كلمة تقديم لمحاضرة نوام تشومسكي/ الاونسكو، بيروت ٢٥ ايار ٢٠١٠
فواز طرابلسي
لا ضرورة للتعريف بنوام تشومسكي بل ثمة متعة للحديث عنه.
ان صاحب اهم مساهمة في الألسنيات النظرية في عصرنا، الرجل المكرّس بما هو «اكبر مفكّر لا يزال على قيد الحياة » في عالمنا، هو قبل اي شيء آخر امثولة في التواضعٍ. فقد ادرك نوام تشومسكي، لعلمه الواسع، صحة قول الشاعر العربي «قل لمن يدعي في العلم معرفة/علمتَ شيئا وغابت عنك اشياء». لكن تواضع نوام تشومسكي مسكوب في ارادة فولاذية تتغذى، دونما مفارقة، من حساسية مفرطة ضد كل ما يمتّ الى الظلم والتمييز بين البشر بصلة.
وهذا الناقد للرأسمالية والكاشف لأليات تشغيل العولمة الاميركية المتعسكرة، هذا الرائي لامكان بناء عوالم بديلة لعالم لاهوت السوق وشهوة الربح، يشدد في المقام الاول على ضرورة المزاوجة بين قيمة الحرية وقيمة المساواة في اشتراكية تحررية ترفض تقديم التنمية والرفاه والمساواة الاجتماعية على الحريات والديمقراطية. وهو الذي يؤكد ان الحرية تستقوي بالمساواة قدر ما تتغذى المساواةُ بالحرية.
ونوام تشومسكي المفكر هو الذي يولي الآن جهودا متزايدة لنقض فرضيات ما بعد الكولونيالية. يدعو الى البداهة: ليست الكولونيالية مجرد ماض يتعيّن الاكتفاء بنقده وتحليل انحيازاته جهة الغرب. الكولونيالية حاضرة من خلال الاحتلال الاستعماري المستمر في فلسطين والعراق وافغانستان وسواها. والكولونيالية حاضرة في تحولها الى امبراطورية تجدد اشكال الاستغلال والسيطرة فتستدعي بالتالي اشكالا جديدة ومبتكرة من التفكّر والنضال لمقاومتها.
في مواجهة نظريات بعد الحداثة، ينافح نوام تشومسكي عن ان وظيفة المثقف هي البحث عن الحقيقة الموضوعية والافصاح عنها. إن إنكار نظريات ما بعد الحداثة لوجود واقع موضوعي والاستعاضة عن ذلك الواقع بتمثّلات عشوائية تتساوى في القدر والاهمية والمعقولية –هذا الانكار يصبّ، في نهاية المطاف، في استخدام الفكر والفلسفة لتبرير الاوضاع القائمة والمستفيدين منها.
ونوام تشومسكي رائد في علم الميديلولجيا – علم الاعلام – حلل نقديا انتقال أجهزة الاعلام من وظيفتها الاصلية في إعلام الناس بالاخبار ونقل الوقائع والحقائق وتحليل التطورات والتعبير عن الرأي العام وتحولها الى احتكارات اعلامية تتلاعب بالرأي العام، احتكارات باتت وظيفتها الرئيسية «تصنيع الاذعان» لأسياد المال واصحاب السلطة وسياساتهم عبر العالم.
لهذه الاسباب كلها فإن محاضرنا الليلة هو أحد صنّاع الامل بالمستقبل، يعبّر عن الامل بابتسامته الدائمة الهانئة الهادئة، في زمن يريد كثيرون اقناعنا بأن الامل وهمٌ وبأن التقدّم كلمة بذيئة. علماً ان هؤلاء لم يفلحوا بعد في إجابتنا عن السؤال البسيط: بماذا نستبدل الامل بالـ «التقدم» والعمل من اجل «التقدّم»، أبالاستبشار بـ«التأخر» وتنظيم خططا خمسية من اجل تحقيق الانجازات البيّنة في مضمار «التأخر»؟
ونوام تشومسكي في قضايانا العربية والاقليمية اول من نبّه الى خطورة التلاعب بالمحرقة اليهودية لتجديد شرعية الصهيونية وتسويغ إرهاب الدولة الاسرائيلي واحتلال كامل ارض فلسطين والاراضي العربية المحتلة عام ١٩٦٧. ولن ننسى ان صاحب الموقف الثابت من حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والدولة المستقلة والعودة هو مؤلف كتاب أفرد فيه فصلا غنيا وموثقا وعميقا عن الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام ١٩٨٢.
في ايار ٢٠٠٦ كانت زيارة نوام تشومسكي السابقة للبنان برفقة زوجته كارول التي رحلت قبل عامين. خلال الزيارة، جمعه لقاء بسياسيّ كان يردد بعصبية ان عهد الكفاح المسلّح قد ولى. أجابه تشومسكي: ان اميركا لن تعطيكم ضمانات ضد اي عدوان اسرائيلى، هذا إذا لم تكن شريكة في العدوان عليكم. وأردف قائلا: يجب دعم حزب الله والدفاع عن سلاحه لأنه يستطيع ان يدافع عن لبنان في وجه اسرائيل. فوجيء كثيرون بهذا القول. ولست انكر أني كنت من بينهم. اخطأنا وصدق ايمان تشومسكي بقدرات الشعوب على مقارعة أعتى قوى العدوان والحرب والاحتلال. وانهزم العدوان. وفي تحليله لعدوان تموز ٢٠٠٦ أكد تشومسكي انه اول حرب اسرائيلية تتم بقرار اميركي فيما سابقاتها إكتفت بمجرد إجازة اميركية.
نحتفل اليوم بالذكرى العاشرة لتحرير الجنوب المحتلّ. وهي مناسبة لتوجيه التحية والاعجاب والاجلال للذين صنعوا ذلك الانجاز العظيم. من اوائل المقاومين الوطنيين في بيروت وعاليه والمطار والشويفات وصيدا، في «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» – جمول- الى المجاهد الشاب في «المقاومة الاسلامية» الذي يرابط الآن في مواجهة العدو في آخر موقع على الشريط الحدودي. ان الذين رووا ارض الجنوب والبقاع الغربي بدمائهم، والجرحى والمعتقلين والمفقودين، وجميع الذين ناضلوا بالكلمة والفعل من اجل دحر جيش الاحتلال وعملائه يوم ٢٥ ايار ٢٠٠٠، ينتمون الى كل بقعة من بقاع هذا الوطن الصغير، كل منطقة، كل طبقة، وعلى الاخص منهم الفقراء والكادحون، ينتمون الى كل مذهب ودين، وكل عقيدة سياسية. جمعهم الدم والتضحية والغضب والارادة ولم يفرّق بين رجل وامرأة، ولا بين لبناني وفلسطيني وسوري او بينهم وبين الاف الاخوة العرب الذي جاؤوا متطوعين من المحيط الى الخليج للنضال الي جانب اخوانهم اللبنانيين والفلسطينيين.
اسمحوا لي، بصفتي مقاوما ومؤرخا، ان أضم صوتي الى اقتراح السيد حسن نصر الله كتابة تاريخ مقاومة الشعب اللبناني ضد الصهيونية واسرائيل. ولي عليه هذه الملاحظات.
اولا، نحن احوج ما نكون لجهد التأريخ هذا لسبب اوّلي هو أن ذاكرة حروب المقاومة والتحرير تشكل ذاكرة تجميع وتآلف بين اللبنانيين فيما ذاكرة القتل والعنف، ذاكرة الاقتتال الاهلي، التي تستأثر بالاهتمام حاليا، هي ذاكرة تنابذ وتفريق.
ثانيا، ان الدعوة الى كتابة تاريخ المقاومة والتحرير ينطوي على إعتراف بأن معركتنا مع الصهيونية واسرائيل تؤذن بالانتقال الى مرحلة جديدة هي مرحلة الدفاع الوطني. وهذا يعني انه بات علينا مواجهة تحدي التفكير بما تستوجبه تلك المرحلة من رؤية ومهمات واعباء ووسائل.
ثالثا، نعم لكتابة تاريخ المقاومة والتحرير. ولكن لا وألف لا لتوظيف سمعة المقاومة والتحرير والتضحيات والتاريخ لتبرير وتأبيد النظام الطوائفي، خصوصا في صيغته الاكثر خبثا المسماة
«الطوائفية التوافقية». ان مهمات المقاومة والتحرير الآن هي مهمات مقاومة نظام الطوائفية الشاملة الذي من اجل تحرير لبنان الشعب والمواطن منها.
رابعا، نعم لكتابة تاريخ المقاومة والتحرير. ولكن لا وألف لا لتوظيف سمعة المقاومة والتحرير والتضحيات والتاريخ لتبرير دكتاتورية الحزب الاوحد المتحكّم بحياتنا الاقتصادية والاجتماعية، حزب المصرفيين والمستوردين والمقاولين، منتج التمايز المناطقي والطبقي وتهجير الشباب الى المجهول.
لن آخذ المزيد من وقتكم. اسمحوا لي ان أقول بإسمكم وإسمكن: نوام تشومسكي، حللت بين اهلك واصدقائك في لبنان، ايها الاميركي الجميل!
