في صداقة ادوارد سعيد
تعرفت الى ادوارد سعيد في ظروف لا تشكو من الغرابة.
في تشرين الاول/أكتوبر من العام ١٩٧١ تسلّمت رسالة من شخص يدعى ادوارد و. سعيد، Edward W. Said عضو مجلس «رابطة الخريجين الجامعيين العرب الاميركيين» يدعوني فيها الى حضور مؤتمر الجمعية في بوسطن وتقديم مداخلة عن ثورة ظفار. كنت عائدا للتو من زيارة للمقاطعة الجنوبية من سلطنة عمان حيث تدور رحى ثورة مسلحة ضد السلطان سعيد بن تيمور المدعوم من عناصر من «الخدمات الجوية الخاصة» وهي قوات بريطانية متخصصة في مواجهة الحرب الغوارية.
كنت في تلك الفترة ادرس لنيل شهادة دكتوراه في «كلية الدراسات الآسيوية والافريقية بجامعة لندن» وقد نظمت ومجموعة من الأصدقاء، منهم فرد هاليداي وهيلين لاكنر وكِن ويتنغهام، «لجنة الخليج» للتضامن مع حركات التحرر الوطني في اليمن والخليج. بعد ذلك، عقدت انا وفرد اتفاقا مع دار نشر پنغوينز لتأليف كتاب عن تلك الحركات واستخدمنا الدفعة الاولى للسفر الى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والمناطق المحررة من ظفار. في ظفار، كان همّنا الرئيس تحصيل معلومات ووثائق وصور تؤكد تورط قوات بريطانية في الحرب الى جانب السلطان لدعم الحملة التي أطلقتها «لجنة الخليج» تحت عنوان «ظفار هي فيتنام بريطانيا». عدنا ومعنا صورا لحطام طائرة بريطانية وشيفرات للاتصالات ومقابلات مع مقاتلات ومقاتلين ومشاهد لجوانب من الحياة في المناطق المحررة.
كتبنا مقالات حول مشاهداتنا واستضافتنا إذاعة «بي بي سي» لندوة حول الموضوع وعرضنا على تلفزيون الهيئة ذاتها بضعة دقائق من المشاهد التي صورتُها بواسطة كاميرا بوليكس التي اودعها بعهدتي فريق التصوير التابع لوزارة الاعلام اليمنية وقد رفضوا مواصلة الرحلة خوفا مما سمعوا عن مخاطرها.
أخذتُ دعوة «جمعية الخريجين العرب الاميركيين» الى السفارة الاميركية وحصلت على تأشيرة. في اليوم التالي جاء موظف من السفارة الى منزلنا وطلب من والدتي جواز سفري بحجة انه وقع خطأ فيه مطلوب تصحيحه وابلغ انه سوف يعيد الجواز بأسرع وقت. فعلا، أعيد الجواز بسرعة ولكن كانت التأشيرة عليه مشطوبة بعلامة X بواسطة بيكار. أبلغتُ مراسلي في نيويورك بالحادثة فقيل لي: لا تهتم لقد كلفنا محامي الجمعية عابدين جبارة وهو سوف يتولى الامر. بالفعل بعد اقلّ من اسبوع وردني اتصال من القنصلية الاميركي دعاني الى المجيء لتسلّم تأشيرة سفر الى الولايات المتحدة. حصلت على اذن بدخول الولايات المتحدة لأربعة أيام فقط، وقد اكّد لي موظف السفارة ان ذلك تمّ بتدخّل مباشر من وزير العدل الاميركي.
في بوسطن، شاركت في ندوة ضمت أريك رولو وعبد الله الأشطل عن الثورة في ظفار واليمن وتعرفت بسرعة الى مضيفي ادوارد. ثم قابلته لمدة أطول عند زيارته لبنان في صيف ذلك العام بمعية زوجته مريم قرطاس، زميلة الدراسة الثانوية والجامعية.
بعد تلك الزيادة المقتضبة الى بوسطن مُنِعت من دخول الولايات المتحدة لعشرين سنة. قابلت ادوارد خلال تلك الفترة مرتين او ثلاث خلال فعاليات تتعلق بقضية فلسطين ودعم العمل الفدائي في بيروت. دعيت العام ١٩٩١ الى الاحتفال بالذكري العشرين لتأسيس «ميدل ايست ريبوتس» وهي من انشاط وأرصن المجلات التقدمية الاكاديمية عن المنطقة وكنت قد شاركت في الكتابة فيها من اول الاعداد. فوجئت لما منحتني القنصل في قنصلية الولايات المتحدة في باريس تأشيرة دخول لخمس سنوات دفعة واحدة. سألتها عما عدا مما بدا وانا كنت ممنوعاً خلال عشرين سنة من دخول بلادكم؟ اجابت أني كنت ممنوعا على القائمة «ب» وقد الغيناها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. فمهت من هم المعنيون بالمنع على تلك القائمة من جراء جوابها على سؤالي عمن تحتوي القائمة «أ»: الإرهابيين.
كان اول ما قمت به عند وصولي الى نيويورك هو زيارة ادوارد في منزله. كان ذلك في خريف ١٩٩١ وادوارد لا يزال يعاني من صدمة الاكتشاف بأنه مصاب بالسرطان.
لاحقاً، جاءنا ادوارد الى بيروت في غير مناسبة. في أحداها كان مدعواً الى ندوة تكريمية في الجامعة الاميركية، وأطلعني على عدد من الصفحات اختارها من سيرته الذاتية ليلقيها في المناسبة، وقد ترجمها له أحد الأصدقاء. أجريتُ بعض التعديلات على الترجمة. قبل ان يغادر، سألني: هل انت مستعدّ لترجمة السيرة الذاتية عندما تصدر؟ ابديت الاستعداد لذلك واشترطت: :لغتك عويصة وحصيفة: سوف أفككها وابسّطها وأعيد تركيبها باللغة العربية”. واردفت: “اريد ان اجعلك تتكلم العربية”. قال: “انا موافق”. وهكذا صار.
خلال العمل على ترجمة «خارج المكان» تبادلت وادوارد مراسلات الكترونية عن طريق الانترنت (اذار/مارس ٢٠٠٠ الى آب/اوغسطس ٢٠٠٢) وقد كنا في بداية اكتشافنا لوسيلة الاتصال الجديدة. دارت معظم المراسلات على أسئلة واستفسارات من طرفي عن مفردات او عبارات في النص. من جهته، روى بتفصل عن بعض الأشخاص الذين كان لهم تأثير كبير على حياته المبكرة، خصوصا ابن خاله الشيوعي المصري فريد حداد، الذي قضى في السجن. وقد اكتشفنا شغفنا المشترك بتحية كاريوكا وقد كتب عنها ادوارد مقالاً ثم رثاء. وجرّنا الحديث عن تحية الى غرامنا بالراقصة والممثلة الاميركية سيد تشاريس. أبلغني ادوارد انه التقاها وقد بلغت ف السبعين (توفيت العام ٢٠٠٨) فوجدها «لا تزال مدوّخة بالمطلق في فتنتها». وعكساً، تبادلنا الأحاديث والتعليقات عن بعض خصوم ادوارد، وهم حينها صادق جلال العظم وكنعان مكية وبسام طيبي وآخرون.
في ١٥ أيار/مايو من العام ذاته، انسحب الجيش الإسرائيلي من الأراضي المحتلة في الجنوب اللبناني وكنت على الايميل مع ادوارد وانا اتابع زحف أهالي الجنوب لاستعادة أراضيهم والاحتفالات تعمّ البلدات والقرى فكتب لي ادوارد يحيي «الانتصار المذهل» الذي أحرزه من اسماهم «شباب حزب الله».
بعد صدور الترجمة العربية من «خارج المكان»، كتب لي ادوارد عن المدائح التي تلقاها لـ«ترجمتك الرائعة». وكان يبلغني عن وضعه الصحيّ بين وقت وآخر. يدخل المستشفى ويعود اليه بعد حين، حيث تجرّب عليه عقارات وعلاجات جديدة. لكنه لم يتذمّر مرة: «المعنويات عالية»، يقول، «رغم ان جسمي ليس كذلك».
في تموز من ذلك العام زار ادوارد لبنان مع عائلته واراد زيارة الجنوب. الحادثة التي وقعت خلال تلك الزيارة تستحق وقفة لما أحاط بها من تأويلات والتباسات.
نظمتُ لادوارد الزيارة بالتعاون مع الصديق الأستاذ حبيب صادق. توقفنا في مركز «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي» في النبطية ومعتقل الخيام. أصرّ ادوارد في بداية الزيارة على انه لا يريد ان يدلي بأي تصريح للصحافيين والإعلاميين. تصرّفت انا والأستاذ حبيب على هذا الأساس وأبلغنا الصحافيين بمشيئة الزائر. لكن بعد ان خرجنا من المعتقل إذا بادوارد يتوسط حلقة من الصحافيات والصحافيين تحت شمس حارقة وانا والأستاذ حبيب واسرته في انتظاره تحت فيء الشجر. بعد زيارة للأستاذ حبيب صادق في منزله في الخيام، توجهنا نحو «بوابة فاطمة» بناء على رغبة ادوارد في زيارتها. رافقنا في الجولة فريق تلفزيوني من «المنار» وكامل جابر، مراسل جريدة «السفير» في النبطية.
عند الشريط الشائك كان مسلحون من حزب الله بالثياب المدنية جالسين الى مقعد في مقابل برج حديدي مشاد من الجهة الإسرائيلية للحدود، يطلّ منه جندي إسرائيلي بين الفينة والأخرى. دعانا المسلحون الى تناول الحجارة من كومة جاثية امامهم لرجم الجندي المحصّن، على ما اعتاده زوار الحدود، بعد التحرير، للتعبير عن سخطهم على الاحتلال وعلى استمراره على ارض فلسطين. تحدّت نجلا أباها ان يرمي حجرا. وانضم اليها أخوها وديع. قلت لادوارد: «سانضم اليك إن شئت ان تفعل.» هكذا حصل. يُرى ادوارد في الصورة يرمي حجره بيني وبين الرفيق مروان، المقاوم في منظمة العمل الشيوعي الذي كان يرافقنا. لا داع للقول إن الأحجار الثلاثة وما تلاها لم تمسّ البرج أصلا. لكن المشهد سجّلته كاميرا قناة «المنار» التلفزيونية وآلة التصوير الفوتغرافي خاصة كامل جابر.
في ظهر اليوم التالي كنا على الغداء في منزل الياس خوري، المجاور لمنزلي الصيفي في بلدة عيناب، عندما اتصلت شقيقة زوجة الياس، جاكي جريصاتي، الصحافية في وكالة الصحافية الفرنسية، تطالبه بصور ادوارد يرمي الحجر على الحدود وقد علمت بالأمر من الشريط الذي عرضه تلفزيون «المنار» في المساء ومن الصور التي التقطها كامل جابر وترك نسخا عنها لادوارد في فندقه ببيروت. ابلغ الياس جاكي، بناء على موافقة ادوارد، ان تمرّ على فندق ادوارد وتأخد الصور. وهكذا كان.
انتشرت الصور وبدأت معها حملة شرسة على ادوارد في الولايات المتحدة، نظمتها هيئات صهيونية وأنصار إسرائيل، وهو الموصوم أصلا بتهمة «فيلسوف الارهاب». تصاعدت الحملة حتى بلغت الضغط على إدارة جامعة كولمبيا لطرد ادوارد من السلك التعليمي. علمت لاحقا ان ادوارد تألم كثيرا من تلك الحملة.
لما سمعت بالحملة، اتصلت بادوارد متضامنا فبادرني: «كان يمكنني ان اخدمك انت ورفاقك اليساريين بطريقة أخرى غير تلك الطريقة.» بدا كأنه يحمّلني المسؤولية عن توريطه في الزيارة التي سببّت له الحملة التي يتعرّض لها، مع ان زيارة الجنوب تمت بناء على طلبه، وان دوري فيها لم يتعدّ التنظيم والاستقبال، وعلماً ان زيارة بوابة فاطمة كانت استجابة لرغبة ادوارد، وانه يدري، حين قرر رمي الحجر، ان فريقا تلفزيونيا من «المنار» ومراسل جريدة «السفير» موجودان الى جانبنا على البوابة قد رافانا، والاهم من ذلك كله، انه هو الذي سلّم الصور الى وكالة الانباء الفرنسية في فندقه.
اعقبت تلك الحادثة فترة من الصمت دامت اسابيع ثم عادت العلاقة الى جاري عادتها. وأحجم كلانا عن العودة الى الحدث عن حجر «بوابة فاطمة».
بعد «خارج المكان»، ترجمت لادوارد كتابين صدرا بعد الوفاة: مجموعة محاضرات بعنوان «الانسنية والنقد الديمقراطي» (٢٠٠٥) تتوّج نظرته الانسانية العلمانية فيما أسميه المرحلة الثالثة من تطوره الفكري، على اعتبار ان الاولى هي مرحلة نقد الاستشراق، والثانية مرحلة الثقافة والامبريالية. عنوان الكتاب الآخر «عن الأسلوب المتأخر. أدب وموسيقى عكس التيار» (٢٠١٥) وهو مجموعة أبحاث عن شعراء وروائيين ومؤلفين موسيقيين وعازفين زادهم العمر تمردّا ومشاكسة.
ليست تنتهي القصة هنا. بل تعود الى بدء.
يعمل أحد طلابي، نِايت جورج، على وثائق الخارجية الاميركة عن لبنان لنيل الدكتوراه. مؤخراً. كتب لي انه عثر على ما اسماه «ظهورك الوحيد في وثائق وزارة الخارجية الاميركية» الذي تبيّن انه رسالة تتعلق بالزيارة العتيدة الى مؤتمر جمعية الخريجين العرب الاميركيين في بوسطن.
المذكرة مرسلة من السيد ا. ف. غيلمور الى السيد دايل في ٢٠ تشرين الاول/أكتوبر ١٩٧١ يطلب فيها غيلمور من دايل ان يستخدم نفوذه لرفع تطبيق المادة ٢١٢ د. ٣ من «مرسوم الهجرة والجنسية» على «السيد طرابلسي»، على اعتبار ان القضية قد رفعت اليه من السيد جون فولكمار من مكتب جمعية الكويكرز البروتسطانتية في الامم المتحدة، ويقول السيد فولكمار انه يعرف «السيد طرابلسي شخصياً» و«يضمنه بما هو أكاديمي مرموق نال الدكتوراه في كلية الاقتصاد بجامعة لندن». (طبعاً، غادرت «كلية الدراسات الشرقية والافريقية» في جامعة لندن بعد «أيلول الأسود» ١٩٧٠ على امل ان انهي كتابة أطروحة الدكتوراه في لبنان ولم افعل.) المهم ان فولكمار ختم رسالته بأن القضية قد لفت نظره اليها البروفسور ادوارد سعيد من جامعة كولمبيا «الذي بدا انه متأسف لأن طرابلسي قد منعت عنه التأشيرة».
في النهاية، لست أدري ما الذي مكّنني من رفع تطبيق المادة ٢١٢د.٣ من «مرسوم الهجرة والجنسية» عليّ مؤقتاً ومنحي تأشيرة الايام الأربعة الى بوسطن، اهي وساطة ادوارد من طريق جمعية الكويكرز ام وساطة المحامي عابدين جبارة من طريق وزير العدل.
ادري ان صداقة ادوارد سعيد فتحت امامي افاقا من متعة الموهبة والدماثة والصداقة.
