العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

شقاء الامّة في مؤتمر القمّة

ملوك ورؤساء أبرياء من «ارتكاب» انتخابات نزيهة يحيّون الانتخابات العراقية — وصالح يقترح اتحاداً عربياً بعد أن حوّل جنوبييه إلى دعاة تشطير.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

شقاء الامّة في مؤتمر القمّة

فواّز طرابلسي

انفضّت قمة الملوك والرؤساء العرب في سرت الليبية بلا قرارات فعلية، ولا مطوّلات خطابية وبخاتمة عجولة هزلية اختتمها بها رئيس دورتها الحالي، العقيد معمّر القذافي.

وكانت القمة الثانية والعشرين لدول الجامعة العربية إنعقدت تحت شعار «صمود القدس». لكنها صادفت ايضا ذكرى «يوم الارض». والفرق بين القدس والارض «قد الفرق بين السماء والارض» كما يقول المثل العامي. ومنعاً لاي إلتباس، نقول هو الفرق بين الواقع والرمز.

في «يوم الارض» تجلت كل ابعاد قضية احتلال الارض. وسؤاله المركزي: لمن الارض؟ في الارض الآن، يقيّد الفلسطيني جسده بشجرة الزيتون منعًا لاقتلاعها من قبل اعداء الارض. وفي الارض من يقتلع حجار الارض ليرجم سرّاق الارض. وفي الارض الفلسطينية الآن ارهاص بانتفاضة جديدة لجيل جديد من الشباب من اجل حق الفلسطينيين في … الارض.

في المقابل، تحولت القدس الى رمز يراوغ الارض. تكاد «قمة صمود القدس» تلخص النزاع على ارض فلسطين والصراع العربي الاسرائيلي لالتوسع الاستيطاني الاسرائيلي الراهن وبالدعوة لوقفه. وقفه، لا التراجع عنه ولا نهايته ولا انهاء الاحتلال ولا اي شرط آخر من شروط تأمين ولو حدود آمنة لدولة فلسطينية «قابلة للحياة»، حسب مقررات الامم المتحدة، عاصمتها القدس ناهيك عن حق العودة وسائر حقوق تقرير المصير على … الارض.

كأننا كنا بحاجة الى «قمة صمود القدس» لنكتشف سرّ هذا التشبّث بمعادلة وقف الاستيطان/ استئناف المفاوضات غير المباشرة. هي بدعة انظمة لا تريد ولا تستطيع فكاكا من العصر الاميركي، تقدّم للادارة الاميركية ما تريده لحفظ ماء الوجه لدبلوماسيتها:«استئناف المفاوضات» هنا و«استئناف المفاوضات» هناك. علّ الاستعداد لاستئناف المفاوضات، بغض النظر عن مضمونها، يستدرج رضا الامبراطورية او «يعزز» من دورها في «الضغط على اسرائيل». وكأن المفاوضات غير المباشرة تختلف فعلا من حيث توازن القوى الذي تجري في ظلّه والنتائج المتوقعة لها عن المفاوضات المباشرة. هو الرمز محل الواقع مجددا.

ما يعيدنا الى رمزية القدس. تروم استنهاض المسلمين واستدعاء عطف المسيحيين الغربيين. وذلك بالسقوط في فخ الاديولوجية الثقافوية للعولمة الاميركية حيث كل شيء فيه لعبة هوية ودين. مهما يكن، من المسلمين، حضر رئيس وزراء تركيا الذي الهب اكفّ الحضور بالتصفيق لهجومه على تهويد القدس بصفته مشعل للحرائق ونعته السياسة الاسرائيلية في القدس بالجنون. ومع ان المناسبة ليست للمزاح، لكن المجنون عادة ما يعتبر غير مسؤول عن اعماله!

القدس لاستنهاض المسلمين. اللهم الا الايرانيين. لا يكفي ان ايران الرسمية لم تدعَ الى القمة. بل ان اقتراح امين عام الجامعة العربية عمرو موسى انشاء «رابطة دول الجوار» تضم الدول العربية وتركيا وايران أصيب إصابة قاتلة على يد وزير الخارجية السعودي. والحجة: ان الوقت لم يحن بعد «ليرى العرب ان ايران غيّرت موقفها تجاه الدول العربية». ما هو الموقف المقصود والمعترَض عليه؟ وما الذي يجب تغييره في الموقف الايراني من «الدول العربية»؟ ليس يهم ان يعرف سائر العباد. المهمّ ان القمة العربية رحّبت بإنضمام التشاد الى دول الجوار ولكن ليس بإيران.

حيّت القمة الرئيس اوباما على تمسكه بموقفه «المبدئي والاساسي» من وقف الاستيطان. لم يخطر في بال القمميين ان ضغطا ليس اقل شراسة من ضغط نتنياهو على اوباما يحتاج اليه العرب لاحداث اي تعديل جذري في الموقف الاميركي. نعني: تحريك اسلحة الدفاع عن المصالح القومية للعرب من الارصدة والتوظيفات بالترليارات من الدولارات في الحواضر الغربية الى وقف التطبيع السرّي مع اسرائيل مرورا بسلاح النفط والتهديد باخراج القواعد الاميركية وما شابهها. اما عدا عن ذلك، قفبض ريح. ولم يكن غريبا ان ينسحب هذا الموقف تكرارا لمبادرة السلام العربية- وقد بلغت سنتها الثامنة. وحدها ليبيا وسوريا شذّتا عن الاجماع بالتهديد بسحب الاعتراف بالمبادرة. بانتظار تطبيق التهديد.

تستحق المبارزة الكلامية بين الرئيسين الاسد وعباس التوقف عندها، لتعبيرها عن نمط السجال السائد بين قوى «الاعتدال» وقوى «الممانعة». قال الرئيس الاسد، الذي لا يزال ملتزما بالمفاوضات غير المباشرة مع اسرائيل عبر تركيا، لعباس «ان ثمن المقاومة ليس أعلى بكثير من ثمن السلام». غريبة المعادلة. كأن السلام تضحية وليس انجازا. وكأن المقاومة تفشل اذا تحقق السلام بدل ان تنجح. والغائب في كلا الحالين ما يعطي للمصطلحيَن معناهما: طبيعة السلام وتوازن القوى الذي يتم التفاوض في ظلّه. ردّ رئيس السلطة الوطنية، بالمنطق ذاته، متمتمًا التزامه نهج السلام. وكان لا بد للمشهد من تدخل الناطق بلسان الرئاسة الفلسطينية نبيل ابو ردينة الذي رفع التحدي الى المستوئ المألوف في المزايدات: من يرد الذهاب الى الحرب فليذهب الى الحرب ونحن وراءه.

لم يغب العراق عن القمة. حيّى المؤتمرون الانتخابات البرلمانية فيه، ولا مفارقة. رؤساء وعواهل عرب، من سلاليين واشباه السلاليين من حكام الحزب الاوحد او الحاكم الفرد، ومعظمهم بريء كل البراءة من «إرتكاب» انتخابات بلدية او نيابية او رئاسية- نزيهة على الاقل- قدر براءته من الامتناع عن التوريث او من ممارسة تداول السلطة، يحييون العملية الانتخابية العراقية. ومع ذلك، لم يتلعثم اي منهم، وهم الموكلون بسيادتنا والاستقلال، بكلمة واضحة تطالب بتأكيد إنسحاب الجيش الاميركي والجيوش الحليفة من العراق. فمثل هذا الكلام «الخطير» قد يوحي للبعض بالمطالبة بانسحاب الجيش الاميركي من قواعده في الخليج والجزيرة التي سوف تزداد الحاجة اليها في حال انسحاب القوات من العراق.

وهذه مناسبة للقول ان ما بات مألوفا في القمم العربية من نعي الحكام العرب للهوة المتسعة بين الحكام والمحكومين ومن ممارسات فهلوية للـ«نقد الذاتي» فرديا او بإسم «النظام الرسي العربي» لم يعد ينطلي على احد. المحكومون مسؤولون عن حكامهم الى ان يثبتوا العكس. اما من يريد ممارسة «النقد الذاتي» من الحكام، فما عليه الا تقديم استقالته. هكذا وبكل بساطة.

كان لا بد ان تختتم القمة بمقدار من الهزل السوداوي. إذ قررت قمة سرت الدعوة الى قمة استثنائية تنعقد قبل تشرين الاول القادم للبحث في مشروع تقدم به الرئيس علي عبدالله صالح بإقامة اتحاد للدول العربية. لا شك في ان الاجماع الذي تكوّن حول هذا الاقتراح إستلهم نجاحات الرئيس علي عبدالله صالح في المضمار الوحدوي. فقد نجح الرئيس اليمني، خلال اقل من عقد من الزمن، في ان يحوّل كثرة من سكان المحافظات اليمنية الجنوبية، حتى لا نقول الكثرة منهم، من الحماس العارم للوحدة بين شطري اليمن، الي حماس عارم للتشطير!

المواضيع
سياسة علاقات دولية
البلدان
إيران الشرق الاوسط العالم العربي العراق اليمن سوريا فلسطين
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
إسرائيل الشرق الأوسط القومية العربية فلسطين

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.