شارون والجمل
نُشرت هذه الصورة (الاسوشييتد بريس) في صحيفة «الانترناشيونال هيرالد تريبيون» يوم ٣٠ تشرين الثاني ٢٠٠٥. والمناسبة قيام رئيس الوزراء الاسرائيلي آنذاك ارييل شارون بجولة على الحدود الاسرائيلية-المصرية . خلال الزيارة، التي رافقه فيها مسؤولون كبار في وزارة الدفاع، اعلن شارون «الدرجة صفر» من التسامح مع التهريب، مشددا على ان المهمة ليست قمع التهريب وانما القضاء عليه نهائيا.
الخبر، على اهميته، لا يفسّر الصورة. قد يقال: ان الجَمَل عابر للحدود وانه خير من يمثّل التهريب! لكن هذا لا يكفي تفسيرا كاملا للاهتمام الخاص الذي يبديه كبار المسؤولين الاسرائيليين المتحلقين حول الجمل وفي مقدمهم رئيس الوزراء.
لاحظ توزع الاشخاص حول الحيوان. العسكريان الى يسارالصورة لا يبدو ان الامر يعنيهما كثيرا. واحدهما خافض الطرف والثاني لا تستطيع ان تميّز اتجاه نظرته بسبب النظارة العاكسة للنور على عينيه. الى جانبهما يقف رجلان مدنيان يبتسمان. واحدهما يرمق الجمل بنظرة والثاني نظره مصوّب الى شارون. ثلاثة عناصر امن وحماية يحوطون بشارون. اثنان منهما يعاينان الجمل بشيء من الجدية. فيما ترتسم على وجه الرجل الاصلع الذي يتوسط الصورة بداية ابتسامة. وحده عنصر الحماية الثالث ذو النظارة العاكسة للنور يرى باتجاه اليمين. انه الوحيد الذي يأخذ دوره الامني الحمائي على محمل الجدّ. لأن الاولين احرى بهما، بدلا من التفرّج على حيوانو، التحديق كلٌ في اتجاه مختلف للاحاطة بكافة الاتجاهات التي قد يتأتى منها الخطر على المحميّ. لو كنت محل مسؤولهما وشاهدت الصورة لأحلتهما على التأديب.
اما مقدّم الصورة فيحتلّه شارون والجمل. ولا عجب ان يحتلّ الجمل ثلاثة ارباع الصورة. فالكل يعاينه بطريقة او باخرى. بل ان الكلّ موجود قياسا اليه. والجمل المدرك انه محطّ كل هذا الاهتمام. وكآنه لا يبالي. الكل يعاينه. وهو يشيح بنظره عنهم جميعا. يجانبهم. يتطلع امامه وعلى شفته طرف إبتسامة تشي بشيء من السخرية.
الجمل وشارون.
الجمل، بالعبرية «غهمل»، هو سفينة الصحراء والحيوان الذي اعدته الطبيعة على نحو مدهش للبيئة الصحراوية فجهزته لتحمّل الحرّ والحمل والسير على الرمال واتقاء العواصف الرملية. له رموش سميكة لحمايته عينيه من الرمل. وقوائم مستدقة طويلة لوقائة سائز جسمه من لفح الحرّ. وهو كثيف الصوف والجلد ايضا لحمايته من الحر. وهذا ما يمنعه من التعرّق السريع، علما انه يقاوم التعرّق اصلا، وله طاقة استثنائية علي تحمّل التغيرات في حرارة الجسم. يتحمّل خسارة ٤٠ في المئة من ماء جسمه ويبقى على قيد الحياة، فيما سائر الحيوانات تموت بعد خسارتها لا اكثر من ٢٠ بالمئة من مائها. يخزّن الماء في دمه، لا في حدبته المميّزة كما هو شائع، فهذه مستودع للانسجة الدهنية. ويستطيع الجمل ان يعيش دوه ماء لاسبوعين ودون كلأ لشهر كامل! يقطع الجمل مسافة ٨٠ الى ١٢٠ ميلاً في اليوم وهو مركوب، او ٤٠ ميلا وهو حامل حمولة مائتي كيلوغرام. ويعمّر الجمل بين ثلاثين وأربعين سنة.
شارون، الذي هو عند حدود الثمانين، يقال عنه ايضا ان «جلده سميك»، لأنه لا يأبه أحبه الناس ام كرهوه، وإسرائيليين كانوا ام أجانب. ولكن على سماكة جلده، لا يستطيع شارون ان يتحمّل ان يعيش دون ماء لأسبوعين او دون كلأ لشهر كامل، حتى على سبيل الحميّة لتخفيض الوزن. ومعلوم ان «أريك»، وهو اسم الدلع للرجل، يشكو السمنة الفائقة . ومع ذلك، فإن انحف جمل يزن ضعفيَ وزنه اقلا. والحقيقة آن شارون لا يقارَن بالجمل. بل عادة ما يقارَن بالجرّافة لطاقته على الإقتحام والمبادرة بل المبادهة وجرّ الناس وراءه.
للجمل ١٦٠ اسما بالعربية . عدا عن اسمه بالعبرية (وهو إسم نبتة) نعرف لشارون اسماً آخراً على الاقل: شارون (خارون) هو اسم المراكبي الذي ينقل اوراح البشر عبر انهر الجحيم في الميثلوجيا الاغريقية.
والحال ان هذا العسكري تولى نقل اعداد كبيرة من البشر الى الدينا الآخرة. بدأ حياته قائدا للوحدة ١٠١ المشهود لها بالاعمال الانتقامية الاسرائيلية ضد العرب. وقد سجّلت على اسمه مجازر مشهودة في قِبْيَة وناحلين والشاجيّة وصبرا وشاتيلا وصولا الى قصبة نابلس وجنين وسواها. وهو قائد حركة الالتفاف الشهيرة التي انقذت إسرائيل من الهزيمة المحققة في حرب تشرين١٩٧٣. وشارون بطل اجتياح لبنان، صيف ١٩٨٢، حاول قتل ياسر عرفات خلال حصار بيروت بشتى الوسائل، من دس السمّ في الاكل الى القنابل الفراغية ومحاولات الاصطياد بالطائرات. فلم يفلح. وعاد فحاصره في «المقاطعة» برام الله، حتى نجح اخيرا في اغتياله بالموت البطيء.
والسؤال: لماذا يبدو هذا الصنديد مهموما الى هذا الحدّ في إزاء الجمل؟ كأنه يتساءل: كيف التخلّص من الجمل؟ وكأن الجمل يبتسم، لأنه يعرف ما يدور في خلد شارون. فالجمل خطير لأنه يتذكر كل شيء. مشكلة الجمل انه لا ينسى. والجمل خطير لأنه يتحمّل كثيرا ويصبر. ولكن اخطر ما في الجمل انه ينتفض اخيرا ولا يرحم عندما يثور.
بعد اقل من شهرين على التقاط هذه الصورة، في مطلع كانون الاول ٢٠٠٥، أصيب شارون بجلطة دماغية فاجأت اطباءه الذين لا يعرفون عنه من أمراض الا الوزن الثقيل. وفي الرابع من كانون الثاني/ يناير ٢٠٠٦ ضربته جلطة ثانية اغرقته في غيبوبة لا يزال فيها حتى كتابة هذه السطور.
بدأتُ كتابة هذا التعليق يوم السابع والعشرين من كانون الثاني ٢٠٠٦ وشارون في الغيبوبة الاحتضار. وفي الرابع والعشرين من تموز ٢٠٠٦ صرحت الناطقة باسم مستشفى تل هاشومير في تل ابيب بأن صحة رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق ارييل شارون، «شهدت تدهورا في اليومين الاخيرين».
في ذلك اليوم، أسفرت معركة بنت جبيل عن تدمير خمس دبابات ميركافا من الجيل الرابع، وقتل اربعة جنود للعدو وإسقاط مروحية اباتشي وقتل اثنين من طياريها. حالوتس هدد بتدمير عشرة بنايات في ضاحية بيروت الجنوبية مقابل كل صاروخ يقع على حيفا. وكان كوفي انان لا يزال يَعِدُ بوقفٍ لاطلاق النار. وكونديليس رايس تنهي زيارتها لبيروت.
في هذا الثلاثين من تموز قال لي صحفي اوسترالي من اصل ايرلندي: شارون وبوش يملكون الساعات. انتم العرب تملكون الوقت. اجبت مستدركا: صحيح. عندنا ما يلزم من الوقت. هذا لا يفيد كثيرا لاغراض التنمية والتقدّم. لكن الوقت نقطة قوتنا الكبرى في المعارك الوطنية والقومية، هذا اذا احسنّا استخدام عنصر الوقت.
الجَمَل هو الوقت.
يوم الاثنين في ١٤ آب ٢٠٠٦. اوقف الجيش الاسرائيلي اطلاق النار وباشر انسحابه من الجنوب اللبناني. وفي اليوم ذاته، اعلنتْ الاذاعة الاسرائيلية ان صحة شارون قد تدهورت من جديد. ووصفت صحيفة «معاريف» حالة ايهود اولمرت على اثر صدمة الهزيمة في لبنان بصرخة معبّرة: «شارون إستيقِطْ! اولمرت في غيبوبة».
لم يستيقظ شارون. ومن اسف انه لم يسمع اولمرت يخبره بأن «الجيش الذي لا يقهر» لم يفلح في التخلّص من الجمل بعد ٣٣ يوما من القتال.
شارون راحل والجمل باقٍ. ومعه الوقت كله.
