العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

سوريا: حكومة جديدة - ام مرحلة جديدة

إسقاط النظام ليس على جدول أعمال واشنطن — المطلوب تنحّي الرئيس لإنقاذ البنية العسكرية. وبين هذا: «رصاصات طائشة» في الجولان. يا للطيش!

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

سوريا: حكومة جديدة – ام مرحلة جديدة

فواز طرابلسي

لا يستطيع اي صديق للثورة السورية الا ان يستنكر ويدين التصريحات الاخيرة لهيلاري كلنتون ضد «المجلس الوطني السوري» ودعوتها لضرورة تجاوزه بعد تقريعه على سوء الادارة. يحمل التصريح من الاستهتار والاستعلاء والاهانة ما يعيد التذكير، لما نسي او تناسى، بأننا لا نزال امام امبراطورية اميركية يدّعي القائمون عليها امتلاك حق التصرّف الصلف في مقدرات البلدان ومصائر الشعوب وحركاتها وانظمتها السياسية. نقول هذا بغض النظر عن رأينا في سياسات «المجلس الوطني السوري». فالتهجم الاميركي الرسمي عليه لا يبرئه قدر ما يدينه وفق قاعدة «من يهن… ». ولكن يبقى ان من يحق له محاسبته هو الشعب السوري وقوى الثورة في مواقع البطولة والتضحيات.

ترافق تصريح وزيرة الخارجية الاميركية مع الانتقال بالازمة السورية من مطابخ انقرة – المستغنى عنها مؤقتا، اللهم الا للاغراض العسكرية واللوجستية – الى مطبخ الاردن – لاستيعاب رئيس وزراء فار – فالعودة الى الدوحة، وقد همّش دورها ودور إعلامها لفترة، وبالرعاية الاميركية اياها.

فالتحية اولا للقلة من المعارضين السوريين الذين رفعوا الصوت استنكارا لهذه الطريقة في التعاطي مع شعبهم وثورتهم. او رفضوا الامتثال لاستدعائهم الى الدوحة بلا كيف. وهم قلة قليلة.

على ان من وصف «الاستغناء» عن «المجلس الوطني» – مع انه ليس يبدو ان في الامر استغناء اصلا – «خطأ استراتيجي » ترتكبه السياسة الاميركية لأن الطرف المعني هو الوحيد الذي يصرّ على «سقوط النظام». ليست المشكلة في الاستغناء عن «المجلس الوطني» او عدم الاستغناء عنه. المشكلة في ان سقوط النظام ليس بندا على جدول اعمال الادوار الاميركية في الثورات العربية. فمن تابع تلك السياسة منذ بدء الثورة السورية، يلاحظ مدى تهافت نظرية التدخل العسكري بوجهيها – الوجه المؤامراتي الذي يدفع الى الانحياز الى النظام بناء على حتمية حصول التدخل، او الوجه الخلاصي لمن يرحّب بالتدخل او يستدعيه استدعاء – علما ان اصحاب النظرية من الوجهين لم يشرحوا لنا بعد اسباب عدم حصول التدخل العتيد بعد سنة وثمانية اشهر من انطلاقة الثورة.

عمدت الادارة الاميركية منذ البدء الى تلزيم الازمة السورية لاطراف عربية واقليمية ومن ثم دولية (تركيا، قطر، الجامعة العربية، وصولا الى شراكة اميركية روسية في مبادرة كوفي انان والاخضر الابراهيمي عن طريق مجلس الامن ) واعتمدت السياسة ذاتها، المعتمدة منذ بداية الثورات العربية، بالدعوة الى تنحي الرئيس، من اجل انقاذ النظام بقاعدته العسكرية-الامنية، وتوجهاته النيوليبرالية، وحراسته للامن والاستقرار على الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، بعد تطعيمه بعناصر من المعارضة الرسمية والتقليدية وخصوصا بعد اقصاء الجماهير الثائرة، وفي مقدمها الشباب، عن الفعل والتأثير من خلال حضوره في الساحات والشوارع.

وقد إقتفى الرئيس بشار الاسد اثر زميله المخلوع علي عبدالله صالح في ملاقاة تلك السياسة: رفع فزاعة الارهاب الدولي، واستدعاه استدعاء بسياساته الحربية الدموية او بالدعوة الاستخبارية الصريحة، لغرض تحييد الادارة الاميركية او حتى استمالتها؛ وواكب النظام السوري كل مسارات التعريب والاقلمة والتدويل محولا اياها الى مهل اضافية على امل تحقيق انتصار عسكري لا حظوظ لتحقيقه. واستخدم كل انواع «الخورجة» هذه لانكار اسباب الثورة وتحويلا الملايين من ابناء الشعب السوري المحتجين سلميا بتحويلهم الى مجموعات ارهابية مسلّحة – بات الان المطلوب «استئصالها»، حسب آخر مصطلحات الاعلام الرسمي – واخيرا ليس آخرا، طمس مطالب تلك الجماهير وحقوقها المشروعة.

ولن ننسى كلام هيلاري كلنتون عن اهمية تطمين الاقليات الذي لقي صدى مزايدا عند السيد لافروف الذي اعتبر حماية الاقليات هو المبرر الاول لبقاء الرئيس الاسد في السلطة. ولم يفت الاخير ان يتمثل الدور كاملا فتولى تسليم المناطق ذات الاكثيرة الكردية الى الحزب الكردي الحليف لحزب العمال الكردستاني، وحلفائه، فيما دعت اجهزته الامنية المسيحيين الى التسلّح في اطار «اللجان الشعبية».

مهما يكن من امر، فإن وضع «الاقليات» على جدول الاعمال ينذر بحلول على الطريقة اللبنانية تنطوي على اعادة تشكيل الحياة السياسية (والعسكرية والامنية) على قاعدة محاصصات وتوازنات طوائفية ومذهبية واقوامية (الاكراد).

بحجة الانغماس في الانتخابات الرئاسية او بعدمه، بذريعة انقسام المعارضات او عدمه، كان الموقف الاميركي المتفرّج على الازمة الدموية السورية يرى الى النظام السوري يدمّر بلده بنفسه، بالوحشية التي نشهدها عاجزين، ما ينوب عن اي تدخل، بل يغني حتى عن التسرّع في البحث عن حل. فما عدا مما بدا الآن؟ وهل من تحوّل في النهج الاميركي؟

اللافت في المبادرة الاميركية-الخليجية الجديدة هو التركيز هذه المرة، ولاول مرة، على تشكيل حكومة توحّد المعارضة وتقودها. يريد البعض تفسير ذلك على انه تجهيز للمعارضة لاستقبال الولاية الجديدة للرئيس اوباما، في حال فوزه بالطبع. وثمة من ينظر الى النقلة على انها تعبير عن تزايد القلق الاميركي من تنامي دور العناصر الجهادية في صفوف المعارضة المسلّحة ما يدفع الى واحد من خيارين او كليهما معا: دعوة المعارضة المسلحة لتطهير صفوفها والاستعجال في البحث عن حلّ سياسي. تبقى هذه التفسيرات في باب الاحتمالات. علما ان قلقا من تنامي دور الجهاديين عادة ما يدفع الى دعم القوى الاسلامية «المعتدلة» وهذه متواجدة في «المجلس الوطني السوري» قبل سواه.

مهما يكن، فالحد الادنى مما يمكن قوله هنا ان القاء الثقل الاميركي على الحكومات يلتقي المبادرات الروسية في منتصف الطريق، وموسكو تنادي منذ البدء باولوية تشكيل حكومة اتحاد وطني على الحوار الوطني وعلى البحث في مصير رئيس الدولة. هل هي خطوة اميركية نحو التسوية مع روسيا على حل، او تنظيم المنافسة الاخيرة بين خيارين اولويتين: التنحي او حكومة الاتحاد الوطني؟

ولكن اية قوة سوف تستطيع ان تفرض مثل هذه الخيار الاختزالي على شعب لا يزال يتظاهر كل يوم جمعة، وسط الخراب وتحت وابل البراميل المتفجرة ويتحدي المجازر والارقام القياسية لعدد القتلى اليومي ليقول اصراره على الحرية وبناء سوريا جديدة ديمقراطية تعوّض ولو جزئيا عن تضحياته وتليق بشعب سوريا وطموحاته؟

وكان ينقص هذا العالم السوري المقلوب فوق رؤوس ابنائه هذا الخبر:

أصيبت سيارة اسرائيلية في هضبة الجولان المحتل (والمضموم) بـ«رصاصات طائشة» مصدرها الجهة السورية من الهضبة غير المحتلة (وغير المضمومة).

يا للطيش!

المواضيع
سياسة علاقات دولية
البلدان
الاردن العالم العربي سوريا فلسطين لبنان
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الحرب الديمقراطية السياسة الخارجية الأميركية القومية العربية سوريا

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.