العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

درس في المهابة والاحترام

لويس يسأل: «لماذا لا يهابوننا؟» — والسؤال نفسه يقضّ كل حاكم عربي. شكراً للشباب الذي يعلّمنا ألا نهاب الطغيان.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

درس في المهابة والاحترام

فواز طرابلسي

يقول المثل: خذوا اسرارهم من صغارهم.

اما برنارد لويس فينطبق عليه العكس: خذوا اسرارهم من كبارهم.

يتقدم المستشرق الانكلو-الاميركي حثيثا في التسعينات من عمره. والمؤرخ المختص بالتاريخ العثماني، لمن لا يعرفه، أمضى النصف الثاني من حياته استاذا جامعيا في الولايات المتحدة قبل ان يسطع نجمه في السياسة الاميركية بما هو كبير الليكوديين والاب الروحي للمحافظين الجدد واول الداعين لغزو العراق بعيد هجمات ١١ ايلول ٢٠٠١ والمستشار الابرز لبوش الاب والابن في امور الشرق الاوسط.

ولويس، صاحب السؤال الشهير عن العرب والمسلمين: «لماذا يكرهوننا؟» والجواب: «لأنهم تخلفوا وتقدمنا»، اول من نَحَتَ مفهوم «صراع الحضارات»، تعريفا ثقافيا-حضاريا لهوية الشعوب وتخصيصاً لتمايز الغرب وتفوقه، قبل ان يتناول صموئيل هنتينغتون المفهوم ويحوله الى نظرية في العلاقات الدولية.

وكان لويس من بين الشخصيات الاميركية التي ارسلت الى ليبيا لامتحان العقيد القذافي بعد اعلان توبته الى السيد الامبراطوري الاميركي، ورفع تقريره الى ديك تشيني. على ان نجومية لويس حولته في الآونة الاخيرة الى عراف يقدّم لجمهور نهم ٍ للاثارة «وجبات سريعة» من التخريفات العنصرية والشعوذات الدينية.

ففي عام ٢٠٠٦ مثلا تنبأ لويس ن احمدي نجاد، الذي عَيّن يوم ٢٢ آب موعدا للتفاوض حول المشروع النووي الايراني، انما اختار ذلك التاريخ – الذي يصادف ليلة القدر خلال شهر رمضان – من اجل اطلاق تفجير نووي يشكل «نهاية الزمان» ويعلن عودة المهدي المنتظر!

على ان العنصرية والشعوذة عند لويس تتلاقيان على محضه وقاحة وصراحة في التعبير لا تزال تفيد في تذكّر مبتكرات العهد الاستشراقي العتيق والتعرّف على عناصر صنع القرار في واشنطن تجاه الاحداث الجارية في المنطقة.

يعترف لويس – في مقابلة اخيرة في «جيروزالم بوست» (٢٥ شباط الماضي) بأن الانتفاضات العربية تعبير عن الغضب ضد الظلم. ويعزو انطلاقها الى عاملين لا يحتاجان الى تعليق. الاول هو نمو الوعي الناجم عن انتشار وسائل الاعلام والاتصال الحديثة التي بينت للعرب لهم الفارق بين اوضاعهم واوضاع سائر العالم. اما العامل الثاني فهو … «الكبت الجنسي» لدى شباب «لهم شبق جنسي جارف».

قد يستغرب البعض في تشكيك لويس في رغبة الجماهير العربية في الديمقراطية. والحجة انها جزء من الخصوصية الغربية وغريبة عن تاريخهم والتراث. ثم انهم على كل حال « ليسوا جاهزين لانتخابات حرة ونزيهة ». على اعتبار ان الانتخابات، اذا كانت حرة ونزيهة، فسوف «تأتي بالكوارث» مثلما حصل في فلسطين. اما في مصر فإن الاسلاميين سوف يكسبونها. لأنهم يستخدمون لغة مألوفة لدى الناس، فيما الديمقراطية لا وجود لها في اللغة العربية (وهل هي موجودة في العبرية مثلا؟) ما يوجب على دعاتها الترجمة عن اللغات الغربية.

وهكذا فالسيد لويس، الذي يتلاقى ورأي الرئيس بشار الاسد بأن الشعب ليس جاهزا بعد للديمقراطية، يوافق الحركات الاسلامية في الدعوة الى اعتماد «الشورى ». و«الشورى» في عرفه هي مشاورة الحاكم – دون تحديد كيف يصل الى الحكم- لقوى ليست ديمقراطية وانما تستمد سلطتها من الجماعة التي تمثل. والنموذج في ذلك العراق، اي نظام المحاصصة الطائفية الاثنية فيه!

قلنا خذوا اسرارهم من كبارهم. ها هو شيخ الاستشراقيين الغربيين يتوسع في المنظور الرئيسي للسياسة الاميركية الى الصراع العربي-الاسرائيلي: البحث للعرب عن اعداء بدائل لاسرائيل. ومثاله: عقد السادات الصلح مع اسرائيل عندما اكتشف ان خطر اسرائيل ارحم من خطر الاتحاد السوفياتي. ومثال آخر: خلال عدوان تموز ٢٠٠٦ على لبنان، كانت الحكومات العربية تصفق للجيش الاسرائيلي خفية، متمنية ان يحسم الامر، وقد خاب املها كثيرا لما فشلت اسرائيل في الحسم. لويس قال ووثائق ويكيليكس تصادق على قوله. اما إن سألتَ «وماذا عن العداء للامبريالية الاميركية؟» يأتيك جواب من اعماق التاريخ وغياهب الدجل: الحديث عن امبريالية اميركية مجرد هراء. والدليل انه عندما دخل الرومان بريطانيا منذ الفي سنة، او عندما ذهب البريطانيون الى الهند لثلاثمائة سنة خلت لم تكن استراتيجية المغادرة هي الاولوية في اذهانهم!

العدو الرئيسي والخطر الاكبر الآن هو الثورة الايرانية. جوابا على سؤال عما يقترحه لاسرائيل، يدعوها الى ان تبادر لانتزاع امرين: النظر العربي اليها بما هي سدّ ضد الخطر الايراني. والنظر العربي اليها بما هي نموذج للحكم الديمقراطي. هذا بالرغم من ان الديمقراطية ليست من تقاليد العرب والمسلمين ولا من تاريخهم والتراث ناهيك ان الشعب العربي ليس جاهزا بعد لها!

على ماذا يحصل «العربي» في المقابل؟ على لا شيء. واذا كنتم تفكرون في فلسطين، إعلموا ان برنارد لويس من دعاة الدولة الواحدة. ولسان حاله: خير للفلسطينيين العيش بما هم مواطنون من الدرجة الثانية في دولة يهودية من العيش في دولة عربية.

هذا الحديث اشبه بالوصية السياسية لبرنارد لويس. في الحديث الاذاعي ذاته الذي اثار فيه سؤاله الشهير عن سبب كره العرب للغرب، استطرد قائلا ان كره العرب امر طبيعي «لانه لا يمكنك ان تكون ثريا وقويا وناجحا وتكون محبوبا خصوصا ممن ليسوا اغنياء ولا اقوياء ولا ناجحين… السؤال الذي يجب ان نطرحه على أنفسنا هو: لماذا لا يهابوننا ولا يحترموننا؟»

اقرأ هذا السؤال على وجهين. الاول، أنه أرقى درجات المديح تأتي من عدو! رغم الهزائم لم نهابهم ولم نحترمهم. واقرأه على وجه آخر: لأنه السؤال ذاته الذي يقضّ مضاجع كل حاكم عربي في زمن النيران هذا: لماذا رغم مالي وقوتي ونجاحي في حكمهم وقهرهم لا يهابونني ولا يحترمونني؟

شكرا للشباب العربي الثائر الذي يعلمنا يوميا ان لا نهاب الطغيان وان لا نحترم الا ارادة الشعب.

المواضيع
سياسة
البلدان
العالم العربي العراق فلسطين لبنان مصر
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الإمبريالية التاريخ السياسة الخارجية الأميركية العراق سياسات اليسار

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.