تقديم كتاب “دم الاخوين”
يجمع بين نصوص هذا الكتاب موضوع مشترك: العنف، والعنف الاهلي خصوصا، في علاقاته المتبادلة مع الادب والفن. توسلت لذلك دراسة اعمال متباينة تشمل شيعة مسيحية في جنوب فرنسا من القرن الثاني عشر؛ الحرب والتضحية بالابناء في رسوم كاثي كولفتس؛ الذبح في فن الايطالي كارافاجيو؛ الندم والعيب والذاكرة والنسيان في الحروب؛ عدوان الادب والفن على الواقع في مسرح هاينر موللر، الحرب الاهلية اللبنانية في طقوسها وملصقات الميليشيات فيها؛ الاطفال في مسرحية لمحمد الماغوط، وفي فيلم عن الحرب الاهلية بيوغسلافيا، استخدامات جدارية بيكاسو في التعبير التشكيلي عن الحروب العربية، الخ. ولم يخل الامر من نبذات تاريخية متفرّقة عن نشوء وتطوّر استخدام الطيران لقتل المدنيين على الارض، من قمع الطيران البريطاني لـ«ثورة العشرين» في العراق وقصف الطيران الفرنسي لدمشق خلال الثورة السورية العام ١٩٢٥ مروراً بولادة «الحرب الشاملة» التي تستهدف المدنيين في الحرب العالمية الثانية وذروتها المروّعة في هيوشيما وصولا الى آخر الاسلحة المستخدمة في الحروب العربية: الطائرة بدون طيّار والبرميل المتفجّر.
عنوان الكتاب «دم الاخوين» مستوحى من إسم شجرة نادرة في جزيرة سقطرى اليمنية؛ يقال انها اشارة الى قايين لاخيه هابيل: الاسطورة التأسيسية لولادة الحضارة الانسانية التي قوامها قتل الاخ. في هذه النصوص يولد القاتل-القتيل، الزوج المسخ الذي تتمخض عنه الحروب، >والاهلية منها خصوصا. سوف نلتقيه في حصار ساراييفو او في لوحة لكارفاجيو او جدارية >لبابلو بيكاسو او في مأساة عضو في خلية حزبية صينية عند هاينر موللر او في قول مأثور لزعيم ميليشيا في الحرب الاهلية اللبنانية.
لم تتطرّق نصوص هذا الكتاب الى انماط العنف التي تتم لا من السماء وانما على الارض بإسم السماء. وعندها يصير القتل – وقتل الاخ خصوصاً – واجباً دينيا ايمانيا. في طور التوحّش هذا قد تم إستكمل انتقال الانسان من دور الضحية والأضحية الى دور الضاري. وكم هو معبّر أن أدولف هتلر كان يحبّ ان يكنّى بـ«ذئب» وان ابو بكر البغدادي يقسّم مجموعاته التكفيرية بين «ذئاب منفردة» و«مجموعات ذئاب» وان أشهر طائرة اميركية بدون طيار لاغراض الاغتيال من السماء أسمها «الضاري».
لست استطيع ان اتوقع كيف سوف يردّ الادب والفن على تحدي علاقتهما بالعنف في طور التوحش. كلّي استعداد للمراقبة والبحث والدراسة. في الانتظار أردت لهذه النصوص ان تكون صيحات مدوّية من اجل وقف القتال والقتل والحروب. من هنا نبدأ.
فواز طرابلسي
٣١ آب ٢٠١٦
١ – العنف في الحروب الاهلية:
وظائف وطقوس
«الحرب مصرفيّ، ذَهَبَهُ لحم البشر» (إيسكيلُس)
«عبثاً يحاولون التطهّر بأن يتلوثوا بالدم، مثلما رجل بعد حمّامِ وَحْل يريد ان ينظّف جسده بالوحل! ومَن يلاحظه يفعل ذلك يظنه قد مسّه خبل بالتأكيد !» (هيراقليطس)
يعالج هذا النص عددا من الاواليات والاشكال التي يتخذها العنف كما تجلّى في حروب لبنان وخصوصا حروبه الاهلية. تسهيلا لمهمتنا سوف نعتمد تمييزات حنة اراندت بين سلطة وقوة وعنف. تتميز السلطة بأنها تتكيء على اعتراف ما من طرف المطالَبين بالطاعة، اي على مقدار من القبول. اما القوة فترتكز الى التفوق العددي. وحده العنف يكتسب «طابعا أدواتيا» وينطوي على فرض الارادة على الخصم بواسطة ادوات بات الاكثر شيوعيا بينها هي الاسلحة طبعا.
يقال ان الحرب لا معنى لها بل لها وظائف. نعالج هنا مجموعتين من الوظائف للحرب. الاولى هي الوسائل التي يسعى بها أفرقاء النزاع الى فرض اراداتهم على خصومهم. والثانية هي الطقوس التي يولّدها العنف عندما يحيد عن هدفه العسكري المباشر – اي تسديد الهزيمة النهائية للعدو- او يقصّر عنه، فيتمادى زمنا ويروح يتغذى من إحباطاته ذاتها.
١. عنف الجماهير
ما علاقة عيدٌ مسيحيٌ كثيف الطقوس بالصراع الطبقي؟
أوثق وأعمق مما نعتقد.
لنبدأ بالإسم. العيد مُسمّى على اسم القديسة بربارة، وهي شهيدة مسيحية أبدتْ بطولة نادرة في مقاومة أعداء الدين، مدافعة عن إيمانها ضد الرومان وضد أبيها الوثني.
يحتفل جبل لبنان بعيد البربارة في الرابع من كانون الأول من كل عام. ويفتتح عيدُ البربارة الاحتفالات بالمرفع التي تستغرق من كانون الأول الى آذار عندما تحين بداية الصوم عند الطوائف المسيحية. عشية الإحتفال، يطوف الشبان على المنازل متنكرين بوجوه مسودّة أو مرتدين الأقنعة، ملابسهم رثّة ويقودهم “العرندس”، وهو عميد الطواف. وراء العرندس، تسير زمرة الشبان مطبّلين مزمّرين ينشدون ترجمة لسيرة القديسة، ولازمتها:
بـربارة بربـارة
من الله مختارة
أبـوها الكافر
كان عبّاد حجارة
يرقص “العرندس” ومرافقوه على مداخل البيوت، او على عتباتها رقصات ساخرة على صوت قرع الطبول والأناشيد. ثم يهنّئون أهل البيت بالعيد وهم يطالبونهم ان يقاسمونهم بعض محاصيلهم وعندياتهم:
هيلجي بربارهوالقمح بالكواره
هيلجي هيلجيناايش ما عندك اعطينا
فيجود أهل البيت بالحبوب والنقول والفواكه المجففة والحلويات واحياناً ينقدون الطائفين الدراهم. والعيد مناسبة لصنع الحلويات التقليدية للجبل اللبناني: القطائف والعوّامات والمشبّك والزلابية اضافة الى القمح المسلوق المزيّن باللوز والجوز والصنوبر.
وحسب استقبال اهل الدار للطائفين، ومقدار سخائهم، تكون لهجة الاناشيد:
– عُود فوق عود/صاحبة البيت من أهل الجود
– شيحة فوق شيحة/صاحبة البيت مليحة
• أركيلة فوق أركيلة/صاحبة البيت زنكيلة [ثرية]
هذا إذا كان أهل البيت من الأسخياء. اما اذا تبين انهم ليسوا من اهل الجود، او كان استقبالهم بارداً، او انهم رفضوا استقبال الشبان، ينصرف الشبان آنذاك وهم ينشدون الهجو والتعريض:
– أركيلة فوق أركيلة /صاحبة البيت بخيلة
– بلاطة فوق بلاطة/صاحبة البيت خلاّطة
– قطيعة يا قطيعة/صاحبة البيت بشّيعة
لعيد البربارة دلالة إجتماعية مباشرة مرتبطة بالعمل. فالقديسة صاحبة العيد شفيعة العمال والحرفيين وجميع مَن يمارس اعمالاً شاقة وخطيرة من عمال في البناء ومقالع الحجارة والمشتغلين بالبارود والمتفجرات وما شابه. ثم إن الطواف هو في المقام الأول طواف الفقراء على منازل من هم أوفر يسراً. فالعيد بهذا المعنى حفلة تسوّل جماعية. مرة في السنة، يطوف الفقراء على بيوت الأغنياء والموسرين ويتقاضون الإحسان شرعاً وبدون حياء. وهذا الاختلاط الاجتماعي هو ابرز ما يميّز البربارة.
في الأربعينات والخمسينات مع نمو الهجرة الريفية الى بيروت وسائر المدن والمهاجر، هاجر الطقس مع المهاجرين. والحقيقة ان ثمة علاقة حميمة بين بيروت والبربارة ذلك أن ثمة رواية تقول إن القديسة بربارة استشهدت على يد العسكر الروماني في بيروت بالذات. وقد شُيّدت كنيسة على اسمها ظلت قائمة حتى القرن الخامس عشر عندما تحوّلت الى مسجد. مهما يكن، في المدينة يتحوّل الطقس وتكتسي حفلة التسول الجماعية طابعاً متزايد العنف. فإذا كان الشبان في الريف معروفين بعضهم لبعض ولسائر الاهالي، حتى لو دهنوا وجوههم بالفحم، فالشبّان في احياء المدينة الفقيرة بالكاد يعرفون سكان الأحياء الفخمة التي يرتادونها بمناسبة العيد، وقد تقنّعـوا، بديلاً من الفحم، بأقنعة من الورق المضغوط اخذت تتوافد الى اسواق المدينة من جنوب شرق آسيا. وأهالي الاحياء الفخمة طبعاً لا يعرفونهم. والتسوّل هنا تسوّل للمال بالدرجة الأولى. والهجاء أقذع وأعنف.
مع الهجرة الريفية الى بيروت، صار طقس عيد البربارة يتكرر ايضاً خلال الاحتفالات بعيد رأس السنة الميلادية. اعتاد كثير من اللبنانيين الاحتفال برأس السنة في مقاهي شارع الحمراء. عند انتصاف الليل، الى الشارع الاشهر والاكثر حداثة والارفع مقاماً في المدينة، تتدفق زمر الشباب المقنّعين، يعتمرون الطربوش التقليدي، المصنوع من ورق، قادمين من الاحياء الشعبية القريبة او حتى من الضواحي. يجتاحون الشارع اجتياحاً وسط اصوات المزامير وقرع الطبول. لم يكن هؤلاء الشبان من المسيحيين فقط، بل لعل أكثرهم كان من المسلمين الذين لا يعني عيد البربارة لهم الشيء الكثير. ولا هم كانوا يتسوّلون. هم محرومو بيروت يذكّرون مُترفي بيروت بوجودهم. لكن منطق البربارة كان هناك: منطق المشاركة ومنطق المساواة. ثم ان اجتياحهم شارع الحمراء لم يكن يخلو من بعض مظاهر العنف من قَرْص للنساء واستفزاز للرجال. في تلك الصيغة المدينية المستحدثة من طقس البربارة، كان الفقر يكشف عن وجهه مرة كل سنة، ذلك ان الأقنعة تتخذ وظيفة التعميم. هؤلاء ليسوا افراداً فقراء. انهم “الفقر” هكذا بلا وجه. بطبله وزمره. قلنا ان المحرومين لم يكونوا يمارسون التسوّل الجماعي. كانوا يمارسون ما هو اخطر من ذلك: في اجتياحهم المدينة على النحو الذي ذكرنا، كان هؤلاء الشبان يعلنون هويتهم ويؤكدون حضورهم، اي يقولون ان المدينة هي مدينتهم ايضاً، بل يؤكدون ان المدينة عشية رأس السنة هي مدينتهم دون سواهم.
طقس البربارة منوّع من منوّعات “المسخرة”، او الكرنفال. وتكمن الوظيفة الإجتماعية للكرنفال في انه يخلق لحظة زمنية من الهروب والحرية والمساواة. هي لحظة تومض ثم تختفي مثل وميض نجم بعيد. بهذا المعنى، يشكّل الكرنفال انقلاباً في النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي “الطبيعي” للأشياء. وتلك اللحظة الانقلابية الزائلة هي الزمن – الاستثناء الذي يؤكد القاعدة ويعيد إنتاجها. ولعل احتفال الكرنفال في مدينتي ريو دي جانيرو وباهيا في البرازيل هو المثال الأوضح والاغنى تعبيراً عن الاحتفال الكرنفالي قاطبة، على الرغم من الاستيعاب التجاري السياحي له. إقرأ روايات خورخي أمادو، الروائي البرازيلي، لكي تكتشف الكرنفال في صيغته الاصلية غير الاستهلاكية. طوال ايام الاحتفال، يحتل شوارع المدينة الفقراء المتدفقون من احشاء المدينة وضواحيها الفقيرة (الفاڤيلاس في ريو دي جانيرو). تصير المدينة مدينتهم. فيها يمارسون الفرح ويعزفون موسيقاهم ويرقصون رقصاتهم (السامبا) ويؤكدون، وهم المدقعون الجياع، ثقافتهم وعاداتهم والتقاليد، فارضين اياها على سائر فئات المجتمع.
يحتوي احتفال البربارة، في صيغته اللبنانية، على معظم عناصر الاحتفال الكرنفالي، وإن يكن في نِسَب مخففة. فـ “العرندس” في الطقس اللبناني هو قرين “ملك الكرنفال” (ويسمّى الملك “مومو” في البرازيل) او هو شبيه “ملكة الكرنفال” (التي تمثلها شخصية غابرييلا الرائعة في رواية أمادو «غابرييلا، قرفة وكبش قرنفل») وكلاهما ينتخب انتخاباً خلال الكرنفال ليتسلطن على القوم على امتداد ايام الاحتفال. خلال تلك الايام الاستثنائية، الانقلابية، يحكم الفقراءُ انفسهم بأنفسهم، او على الأقل، يحكمهم واحدٌ منهم. ولكن في نهاية الكرنفال، يعمد المحتفلون الى “قتـل” الملك والملكة. يتم القتل جسدياً في بعض الحالات التي أضحت نادرة في ايامنا هذه. على أن القتل يتم رمزياً في كافة الحالات التي أضحت نادرة في ايامنا هذه. على ان القتل يتم رمزياً في كافة الحالات بحرق صنمين يمثلان الملك والملكة، كما هو الحال في ختام كرنفال “نيس”، المدينة الفرنسية الجنوبية. وفي الحالين، الفعلي والرمزي، فممارسة القتل حبلى بالدلالات الملتبسة.
يقوم الالتباس على الوعد والانتهاك. الإنتهاك هو إنتهاك القاعدة التي تقول ان الفقراء يجب ان يحكمهم السوى دائماً. من هنا وجوب قتل الملك المنتخَب من الشعب، لأنه انتهك القاعدة والعُرْف “الطبيعيين”. ولكن الممارسة الطقوسية ذاتها تحتوي الوعد ايضاً. انها تحوي العناصر الموجودة في كل تطلّع مهدوي: ففي تلك اللحظات الزمنية الاستثنائية، الشاذة، الانتهاكية، الزائلة، تتكثّف “مسرحة” الممكن والمتمنّى: تنقلب القاعدة الألفية رأساً على عقب. ويكون الوعد بإمكان، بل قل ضرورة ووجوب، “قاعدة” أخرى: المساواة بين البشر وحكم الناس لأنفسهم بأنفسهم! إنه المستحيل وقد صار ممكناً.
تذكرني هذه الإستدعاءات الملتبسة بشعار الثورة الطلابية الفرنسية في ايار ١٩٦٨: “كونوا واقعيين، اطلبوا المستحيل!”.
في الشهور الأولى من الحرب اللبنانية، اكتسى العنف طابع الإحتفال الكبير بعيد البربارة. في الاحتفال، انقلب النظام الاجتماعي وصار العيد أشبه بعملية “إعادة توزيع عمومية” للثروات. فكانت عمليات نهب مرفأ بيروت ووسط المدينة وأحياء الفنادق والقنطاري تحقيقاً عملياً – اي غير مكتف بالترميز – لإعادة التوزيع هذه. فقد تحقق، اخيراً، ما بشّر به بعض اليمين المنفتح عشية الحزب: “الشراكة في الثروة والإزدهار”، حسب التعبير الذي استخدمه غسان تويني إثر ازمة إنترا عام ١٩٦٥. لم تتحقق تلك الشراكة بمبادرة “من فوق”، حسب وعد حكومة الشباب برئاسة صائب سلام عام ١٩٧٢، وحسب تمنّي بعض وزرائها الإصلاحيين، بتحقيق “الثورة من فوق قبل ان تندلع من تحت”. ولا الشراكة تحققت بالتأكيد بالتنازل الطوعي من قبل الأغنياء. فكان لا بد لها ان تتحقق على الرغم منهم وبمبادرة “من تحت” وعلى تلك الطرائق العبثية العدمية.
تناوب المقاتلون من جانبي خطوط التّماس على نهب وسط المدينة. انتفض سكان أحشاء المدينة وضواحيها والوافدون حديثاً إليها واجتاحوا المدينة، “مدينتهم”. نضع مدينتهم بين مزدوجين، لنقول انها لو كانت حقاً مدينتهم لما اجتاحوها. اجتاحوها لأن في تلك المدينة كانت تعيش مدينتان. مدينة لسكانها ومدينة ليست لهم. مدينة للأغنياء ومدينة للفقراء.
في البداية، تقنّع العديد منهم بالأقنعة. ولم تكن الاقنعة تُستخدم لمجرد التغطية على هوية المقاتلين الشبّان. كانت الأقنعة بمثابة “عودة الى معنى المسرح القديم الذي كان دوماً يشكل جزءاً من الحرب”، حسب تعبير جوناثان راندال، في تعليقه على المقاتلين المقنّعين الذين ظهروا مطلع حرب السنتين. ولكن المسرحية، هذه المرة، كان يجري تمثيلها لا على خشبة المسرح وانما في شوارع الحياة. وهؤلاء الذين كانوا، قبل الحرب، يجتاحون شارع الحمراء ليلة رأس السنة ليفرضوا عالم الفقراء، رمزياً، على عالم الأغنياء، اذا بهم يجتاحون وسط المدينة، مسلّحين، ليقيموا تلك الحفلة العربيدة من اعادة التوزيع العمومية لمحتويات تلك الخزنة الزاخرة التي كانها المرفأ واسواق الوسط التجاري.
في “هالة والملك”، مَسْرحَ الاخوان رحباني عيد البربارة. فتاة فقيرة تنزل من القرية الى المدينة برفقة أبيها السكير، لتبيع الاقنعة، يوم العيد المسمى “عيد الوجه الآخر”. اي عيد البربارة. يظنها القوم أميرة ويقررون تقديمها للملك لتكون زوجة له. من خلال التباسات بين البياعة والاميرة، تكتشف البنت القروية فساد السلطة ومآسي الرعية. وفي واحدة من المشاهد الأشد تعبيراً في تلك المسرحية، يتم التبادل الرمزي للمواقع السياسية والاجتماعية بين الملك والشحاذ بما يعبّر عن الحس الشعبي الدائم تجاه السلطة: وحشة السلطة وعبثيتها. اخيراً، لا تلبث هالة، الشخصية الوحيدة غير المقنّعة في المسرحية ان تكشف الاقنعة عن وجوه مملكة كاملة قائمة على الكذب والخداع والفساد وتوجّه للملك ذاك الانذار الاستباقي: :الفقر، اذا جاع، بياكل الملك”. كل ذلك عام 1972, على ان الأغنياء وسياسييهم اداروا الأذن الصماء لذاك التحذير. فكان أن اكل الجوع الملك واكل معه وفوقه الاخضر واليابس.
سبق لجموع بيروت المدينية ان قامت بتمرينيَن عامين قبل حفلتها العربيدة تلك في العام ١٩٧٥ – ١٩٧٦. عبّر التمرين الاول عن احتجاج تلك الجموع على استقالة جمال عبد الناصر على اثر هزيمة حزيران ١٩٦٧. في تلك الايام، اجتاحت العاصمة جموع آتية من داخلها ومن الضواحي. وسيطرت على المدينة خلال يومين كاملين، تُردد كما في جذبة صوفية صيحة واحدة “ناصر! ناصر!” شعاراً وتضرعاً وتماهياً جماعياً مع القائد المهزوم. وكان الشعار ايضاً بمثابة كلمة السر والتعارف بين الناس يجب دهنها باللون الابيض على السيارات الداخلة الى المدينة كجواز عبور والا تتعرض السيارة للتحطيم. تكرّر المشهد ذاته يوم وفاة عبد الناصر في وقت كان الشعب العربي يشاهد عاجزاً القتال المأساوي بين قوات الملك حسين والفدائيين في شوارع عمان في ذلك الايلول الاسود من العام ١٩٧٠.
كان العنف الجماهيري في تلك الانتفاضتين ذا وجه وطني – قومي. وقد انتقمت الجموع من كل ما يمكن ان يرمز الى الغرب: واجهات المحلات، اليافطات والاعلانات. اما في العامين 1975 – 1976، فقد طغى الوجه الاجتماعي على العنف: نهَب ابناء المدينة مدينتهم. وكانت اكبر عملية نهب افتتاحية هي سرقة مرفأ بيروت، مخزن بضائع المنطقة بأسرها. كان المرفأ محمّلاً بالرمزيات، فهو يمثل ثروة البلد مثلما يمثل رسالتها التجارية الوسيطة. في مخازنه البالغ عددها 150 مخزناً، تتكدس ألاوف الاطنان من السلع بحيث أعلن المسؤول الكتائبي عن عملية السرقة مشدوهاً امام كنوز علي بابا:
“ثروات آل بورجيا، حدائق بابل المعلّقة، الحفلات العربيدة الرومانية والثور المذهّب.. أرموا بها جميعاً إلى غياهب النسيان. كان مرفأ بيروت ومنطقته الحرة “الإلدورادو” الجنّة الذهبية عند عتبات البيوت”.
في البدء، جرى نهب “الجنّة الذهبية” تلك على نحو منظم ثم جرى تسليمها الى النهب “الشعبي” تحت اشراف حزب الكتائب الذي كان يفرض ٥٠٠ ليرة لبنانية رسماً على كل سيارة سياحية والف ليرة على كل شاحنة لقاء حقها في تعبئة حمولتها من المسروقات. ثم كان الحزب يبيع السلع غبّ الطلب، فيدخل الى خزائنه ما معدله ١٥٠ الف ليرة في اليوم الواحد. كانت هذه “تصفيات” جبارة (أوكازيون) لم يكن لأي مستهلك شَرِه ان يتصوّرها. “لقد انتفعتْ بيروت كلها من هذه التجارة. كنا نصفّي يومياً البازار الكبير.” والكلام للمسؤول الكتائبي ذاته. وقد قدرت الصحافة الاجنبية قيمة “منهبة العصر” هذه بأربعة مليارات من الفرنكات الفرنسية.
بعد سقوط فندق الهوليداي إن، الذي أطلق عملية نهب مرفأ بيروت، أخلي المجال في بيروت الغربية لتنظيف ما يسمى المنطقة الكتائبية الرابعة الممتدة بين حي القنطاري وساحة الشهداء. في أعقاب المقاتلين العاملين على “تطهير” المنطقة كانت جموع تمارس نهباً فوضوياً يتماشى مع تعدد التنظيمات اللبنانية والفلسطينية. على ان هذا النهب العفوي في بيروت الغربية لم يكن يخلو من النهب المنظم. في نيسان ١٩٧٦ شكّلت عملية السطو على البنك البريطاني، المنسوبة الى منظمة فلسطينية يسارية، “اكبر سرقة بنك في هذا العصر”، كما أسمتها الصحافة البريطانية وإحتلت مكانتها في كتاب “غينيس” للأرقام القياسية العالمية بما هي أكبر سرقة بنك الى يومنا هذا، اذ بلغ تقدير مجموع ما سرق من البنك البريطاني بين ٢٠ و٥٠ مليون دولار اميركي. وقد تحدثت الصحافة طويلاً عن المجوهرات والكنوز والثروات التي كانت محفوظة في خزائن البنك.
كانت سرقة البنك البريطاني الاستثناء بالنسبة لسرقة المصارف. فسرعان ما اعفى المقاتلون، بل قياداتهم، عن سائر المصارف. دفع اصحاب المصارف الأتاوات الى زعماء الميليشيات لكي يحافظوا على خزائنهم من السرقة. فدخلت المصارف في مجال المقدّس، مثلها مثل قبائل ايام زمان عندما كانت تتوافق زمن الحرب على تعيين أشهر ومناطق يحرّم فيها الاقتتال، سرعان ما تتحول الى اشهر ومناطق مقدسة. وهل من الضروري ان نذكّر بأن المقدس في لبنان كان دائماً الليرة اللبنانية والميدان الاقتصادي عموماً؟ الا تقول النكتة الشهيرة ان الليرة اللبنانية هي الدِين الوحيد الذي يدين به اللبنانيون ويجمعون عليه.
لنعد الى البربارة. قلنا ان البربارة هي انقلاب حقيقي في النظام الاجتماعي، لكنه انقلاب مؤقت وزائل. والحال ان الانقلاب اذ يتم على هذا النحو من العربدة الجماعية فلكي يؤكد انه الاستثناء. وسرعان ما نعود الى القاعدة: نهب الميليشيات المنظم الذي يُغني القلّة على حساب الكثرة. وهكذا فإن نهب المرفأ ووسط المدينة افتتح تلك الوظيفة للعنف بما هو وسيلة مميزة للارتقاء الاجتماعي ولإعادة توزيع الثروة. ولكن سرعان ما انسحبت الجموع من الاسواق ومن ساحات الفعل. كانت الجموع تنتمي الى عهد ما قبل الحرب، الى بقايا النضالات الاجتماعية. وبعد ان كان العنف وسيلة من وسائل التسوية العامة واعادة توزيع الثروة، صار العنف أداة للنهب المافياوي، اي اداة لولادة تمايزات اجتماعية من نمط جديد من خلال الحرب.
أزالت الميليشيات الانتهاك التي ينطوي عليه طقس البربارة. ولكن هل ينجح احد في القضاء على الوعد؟
٢. عنف القبيلة
اذا كانت الحروب اللبنانية في احد اسبابها نتجت عن النزاعات بين الطوائف الا انها بالدرجة الاولى البوتقة حيث تحققت عملية إعادة الانتاج الموسعة للطوائف. في الحروب، تتحول تلك الكائنات العجيبة التي نسمّيها طوائف الى مسوخ حقيقية، علما انه في انتاج المسوخ «يوجد غلط مؤكد وصحيح ممكن»، كما يقول رينيه جيرار. في الحروب خصوصا، تستعير الطوائف أعرافها، وقيمها والعَصَب من تكوينات اجتماعية اكثر عضوية -الاسرة والعشيرة والقبيلة. لكنها في المقابل، تستمدّ مادتها التعبوية الاضافية من المرجعيات الدينية والمذهبية إذ لا معنى للحديث عن «طائفة» اذا لم تكن تخومها مرسومة دينيا او مذهبيا. ولما كانت الطوائف قد نخرها التطور التاريخي والانقسامات الاجتماعية وغلبة القيم والعلاقات النقدية، تظهر بما هي مسوخ متعددة الرؤوس تحكمها اعراف اخلاقية وانماط سلوك مركبة متخلّعة ومنفلتة من اعقلتها، بل قل: انها مخبّلة بكل ما للكملة من معنى.
أ- في البدء كانت الام
الإهانة الموجهة الى الام هي التي دفعت مروان الى القتل. ابن الموظف الشيعي الصغير من الشياح والام مسيحية كان له من العمر ١٥ سنة عندما اندلعت الحرب. من اجل ارضاء أمه الحنونة الحاضنة أراد ان يدرس ليتخرّج طبيبا او مهندسا. صار قاتلا. «حتى القتلة لهم امّهات» هو عنوان قصته. وبامكاننا ان نزيد فنقول: القتلة خصوصا لهم أمهات، تدليال على العلاقة المميزة التي تربط بالقاتل بالأم.
عندما تنطلق اولى رصاصات الحرب، يبدأ مروان تدريبه على البندقية. يلتذّ بالرمي بالبندقية مثلما صبي يكتشف الاستمناء. يقول: «انك تصير جسدا واحدا معها [البندقية]… وهي ترتعش تحت إبطك. تهزّك هزّا… وانت تنعظ معها، ثم تقذف». تفاجأه الام. فتصفعه. «تبدأ هكذا ثم تنتهي بأن تقتل»، تقول له عن اللعب بالبندقية كما لو ان أما تقول لولدها المراهق: اذا لم تقلع عن الاستمناء سوف تفقد البصر.
المشهد الذي يدفع مروان الى العنف يتعلّق ايضا بأمه، وبدقة أكبر يتعلّق بـ «الأم الجمعية ». هو مشهد نساء الشياح مطروحات ارضا يشخب دمهن وقد اصابتهن قذيفة اطلقوها من «الجهة الثانية ». فكّر مروان: انهم يتعرّضون للاضعف فيما بيننا والاغلى على قلوبنا:
«اذ يقتلون نساء الشياح فهذا يعني انهم يريدون قتل طائفتنا برمتها. وإذ يأخذون منا الامهات، فإنهم يريدون سلبنا ارضنا ثم يفجّرون منا العائلة، وبعد الامهات يأتي دور الشقيقات ثم دور الاطفال ثم دورنا جميعا. في كل الاحوال، يستحيل إلا ان نردّ، يستحيل ان لا ندافع عن انفسنا، ان لا نقوم بهجوم مضاد. ينبغي ان نطبق العدالة ونستعرض قوتنا، لنقول لهم اننا لن نستسلم للابادة الجماعية. انها مسألة حياة او موت. بل هي واجب ».
في هذا القول كل عناصر الهذيان القبلي: أم-أرض-أسرة-عرض-قوة-حياة-واجب-إبادة. أما التخلّع فيكمن في ان الهاذي، وهو إبن الضاحية البيروتية، يستوعب استيعاباً ناقصاً لخطاب هو بالدرجة الاولى خطاب الريف.
عندما يعصى الولد نهي أمّه، فينتهي بأن يقتُل، تحضنه الام، تغطيه، مع انه يقتل أبناء جلدتها المسيحيين في «الجهة الاخرى». «أعرف جرائمه »، تقول «لكنه لا يزال هو مروان بالنسبة لي ». وهذه الام المسيحية لقاتل الشيعي في ضاحية بيروت تردد «الحكمة» ذاتها التي ترويها احدى الامهات في رواية نيكوس كازانتزاكس عن الحرب الاهلية اليونانية إذ تقول «خير لي ان اكون أمّ قاتل من ان اكون أمّ قتيل ».
وشفاعة الأم لأبنها القاتل ممنوحة للمقاتل العادي مثلما هي ممنوحة للقائد الميليشياوي. صحفية تلفزيونية اميركية، نَصَحها الموساد الاسرائيلي بأن تذهب شمالا وتقابل النجم الصاعد في لبنان، تلتقي بشير الجميّل وتقع في غرامه. بعد مدة ليست بطويلة تعود الى بيروت لتصوير فيلم عن قائد «القوات اللبنانية » من اجل «تلميع صورته » في اميركا. الفيلم مبنيّ على شاكلة دراما نفسانية (بسيكودراما) على الطريقة الاميركية: بشير يتماهى مع ابيه لكن الاب يؤثر عليه الابن البكر، امين. اما الابن الاصغر فهو حبيب أمه. وعندما تسأل الصحفيةُ الامَ ما اذا كان لبشير أصدقاء، تجيب الام: «بشير ليس بحاجة الى اصدقاء. لديه أمه».
جدير بالتذكير هنا ان بشير حقق صعوده السياسي والحزبي بتجاوزه عرف الاسرة البطيريكية القائم على حق البكورية، اي بإغتصابه السلطة التي تعود «طبيعيا» الى الابن البكر، اخيه أمين. وكان لا بد من ان يقضي الابن الاصغر اغتيالا من أجل ان يستعيد امين الجميل حق البكورية في ترؤس الجمهورية اللبنانية.
ب. الإصابة في العُرض
غريبة الحرب النفسانية التي يمارسها الخصوم في الحروب الاهلية. انها لا تروم كسب افراد القوات المعادية الى صف خصومهم ولا حتى إقناعهم بالفرار من ميليشياتهم والانضمام اليهم. والسبب ان المرء لا يغيّر جلده، كما تقول الحكمة القَبَلية، لا يغيّر قبيلته، وأن «الدم لا يصير ماء». وطالما ان لا نية ولا ارادة بل لا امكانية لكسب الآخر، حريّ إصابته باكبر عدد من «الجراح الرمزية».
إصابة «العرض» هي «الجرح الرمزي» الاعمق الذي يبلغه العنف اللفظي. وطالما ان الرجولة/الذكورة تتجلى في الدفاع عن العرض، فهذه الرجولة/الذكورة ذاتها هي التي ينبغي إستهدافها عند الخصم. ولا غرابة في الامر: هي عملية تجريح تمارسها جميع الجماعات الحربية التقليدية. ذلك ان الاستحواذ على رجولة الخصم جسديا او رمزيا او طقوسيا ممارسة قديمة قدم العالم. لدى بعض القبائل الافريقية، يكون الاستحواذ على رجولة المقاتل العدو، مثلا، بإنتزاع كبده بعد قتله والتهامه نيئاً على اعتبار ان الكبد هو مكمن الرجولة. في التعبير الشعبي عندما يراد التعبير عن ارقى مشاعر الغضب ضد احد يقال: اريد ان اشرب دمه!
في الحروب اللبنانية، مورست عمليات التجريح الرمزية في مبارزات كلامية عنيفة بين المتقاتلين خلال فترات الاستراحة. على طرفي المتراس يستعين المسلحون بمكبرات للصوت وبالهواتف لممارسة عربدات من الشتم والبذاءة يتبادلون خلالها الاهانات والتشهير بالاعراض والتعيير بنقصان الرجولة قبل ان يلجأوا الى استخدام الووكي توكي مع تقادم الحرب تكنولوجيا، مبدعين في إبتكار الشتائم الاكثر بذاءة في ذلك السباق لاصابة «الآخر» في اعمق اعماق «عرضه» والرجولة.
ج. إصابة العرض: الاغتصاب
هذا في اصابة العرض بجروح رمزية، ماذا عن الجروح الفعلية؟ هتك الاعراض بواسطة الاغتصاب؟
يجدر التوقف في موضوع هتك الاعراض عند سؤال كبير من اسئلة الحروب الاهلية اللبنانية: ما مدى انتشار حالات الاغتصاب خلالها؟ ما من شك في ان الحرب عرفت حالات عديدة من الاغتصاب. ولكن هل الحالات النادرة التي نعرفها – وجلّها مرتكب في حق من يعتبر «غريبا» اي غير لبناني وخلال المجازر- هي كل ما ارتكب في تلك الحروب اغتصاب ام اننا نعلم بحالات قليلة، لأن الاعتراف بالاغتصاب نادر، مخافة الفضيحة والعيب؟ لا يسمح مستوى ما نعرفه الى الآن عن هذا الموضوع باكثر من تسجيل هذا السؤال.
د. تدنيس الحِمى وتطهيره
«ارضك وعرضك» يقول المثل القبلي بصدد الاولويات الواجب الدفاع عنها ولو بالتضحية بالحياة من اجلها. وغالبا ما يكون وجود الاخر، الغريب، هو الخطر الابرز الذي يهدد الارض، فيُرى الى وجوده على انه تدنيس لمقدّس، هو الارض الاصلية الطاهرة. للحد من تلك التجاوزات، يجرى تقسيم البلد الى مجموعة من المعسكرات، من الحميات المقدسة، لا بد من تطهيرها بطرد «الآخر» منها.
الحواجز هي المراكز الامامية للحِمى، حيث يتقرر دخول الاخر او عدم دخوله الى الحمى المقدس. «إن كنت من غير اهلي/لا تمر بنا»، يقول سعيد عقل في احدى قصائده.
على الحواجز، ينبغي الكشف عن الهوية. ويتم ذلك باشكال مختلفة. اولا بواسطة بطاقة الهوية. ولكن هذه قد تكون مزورة. في غمرة الجنون الانتمائي، تصير كل علامة مميزة حبلى بالمعاني. فاذا لم يكن الاسم كافيا للكشف عن الهوية، يجري اللجوء الى اللهجة. لكشف فلسطيني ما عليك الا ان تجبره على ان يتلفظ بمفردة «بَنَدُورة». فهو يلفظها بتسكين النون كما لن يلفظها اي لبناني، يقول: «بَنْدُورة». وإن هذا السكون قد يكلف المرء حياته. انها جريمة اللهجة. من جهة ثانية لم يكن نادرا على حواجز المنظمات الفلسطينية واحزاب وتنظيمات الحركة الوطنية اللبنانية ان يطلب من المرء ان يكشف عن عورته للتأكد من هويته الطائفية بإستبيان ما اذا كان مختونا ام لا. وفي إمتحان آخر، قد يطالب ممن يدعي انه مسلم ان يتلو الفاتحة.
خلال الفترة الاولى من الحرب ساد خواف الغريب المتسلل الى الحمى. وغالبا ما كانت جريدة «العمل» تنقل اخبار مَرَدة سود يرودون في الاشرفية، قيل انهم صوماليون متطوعون في صفوف التنظيمات الفلسطينية، يبلغ الواحد منهم مترين طولا على الاقل، وله حلقة معدنية في اذنه، ناهيك عن سمرته السمراء الداكنة (المصطلح المستخدم هو انهم «عبيد سود»). بل روي ان جثة احد هؤلاء الصوماليين قد وجدت في حديقة عامة بمنطقة السيوفي. المفارقة في الامر انه بعد بضعة ايام من إيراد «العمل» هذا الخبر، مع ما رافقه من خواف وتخويف، اذا الصحيفة الكتائبية ذاتها تنشر في صدر صفحاتها الاولى صورة لمطلع الحرب بين الصومال واوغادين. فكنت ترى في الصورة، هؤلاء المردة الصوماليين أنفسهم، في زيهم العسكري الناصع يُستعرَضون في شوارع موغاديشو، فيما اليومية الكتائبية تكيل المدائح لـ«نضالهم» من اجل «تطهير» اثيوبيا من … الشيوعية!
والحواجز هي ايضا المكان حيث يجري التموّن بالمخطوفين على سبيل الاحتياط. اي بما هو ضمانة لتبادل اسرى لاحق او لكي يكون في متناول اليد ضحية محتملة للانتقام منها في حال وقع قريبٌ او احد ابناء الطائفة ضحية القتل على الهوية.
في عرف القبيلة التقليدية، كان اللجوء الى حمى «الاخر» ضمانة لسلامة المرء. حتى لو كان اللاجيء مضرجة يديه بدم احد ابناء القبيلة. «انا دخيلك»، يعلن الدخيل لشيخ القبيلة وهذا يكفي لكي يعفى عنه ويرعى بالحماية. في اللهجة اللبنانية، إتخذ هذا المصطلح مع الوقت معنى التوسّل والتضرّع. انا دخيلك بمعنى: استحلفك، اتوسل اليك. وكم مرة استخدم المخطوفون او ابناء المناطق التي جرى اجتياحها هذه العبارة دون ان يخطر في بالهم ان القبيلة «الحديثة» تصمّ أذانها عن تقاليدها القديمة.
اذا كانت القبائل ترفض الدخلاء، الا انها لم تكن ترتضي ان يتجاوز افرادها قواعد التضامن والامتثال للتقاليد. فالرجل الخارج عن السرب لا بد من عزله. هؤلاء هم الصعاليك، التي تنبذهم القبيلة الى ان تطردهم من الحمى او تقتلهم. بداية المعارك ١٩٧٥، هاجمت القوات الكتائبية قرية جاج في جرود جبيل، وهي احد معاقل حزبية ريمون إده، لمعارضة الاهالي فتح مكتب لحزب الكتائب في قريتهم. طوّق قوات كتائبية القرية، التي لم تكن مسلحة، ثم اقتحمها بضعة مئات من المسلحين. جمعوا الاهالي في ساحة الكنيسة واجبروا الشباب بينهم على الركوع ارضا وشتم ريمون إده. ثلاثة شبان قبلوا مهانة الركوع لكنهم رفضوا شتم زعيمهم فقتلوا راكعين على مرأى من اهل القرية. هذه العملية التأديبية افتتحت تعريفا جديدا لمن هو «الغريب». صار الغريب بعدذاك يعرَّف لا بِناءً على هويتة الطائفية وحدها وانما على انتمائه السياسي ايضا.
وهذا في احسن الاحوال. في الاسوأ، كان على «الصعلوك»، الى اي من المعسكرين انتمى، ان يدفع الثمن بحياته عقابا على مروقه. خلال سنوات الحرب القاسية، حظي المسيحيون القاطنون في المناطق ذات الاغلبية المسلمة بالحماية من لدن منظمة التحرير الفلسطينية كما من تنظيمات واحزاب الحركة الوطنية اللبنانية. مع ذلك، لم يكن الامر يخلو من المهانة، بمقدار ما كان الامر يذكرهم انهم تحت الحماية. انهم اهل ذمّة. ولكن عندما تسلّمت حركة «امل» السيطرة علي بيروت الغربية، إغتيل حسين مروة وحسن حمدان (مهدي عامل) المثقفان الشيوعيان، على يد ابناء جلدتهم في الطائفة الشيعية.
صار القتل واجبا. وصار قتل «الاوباش» بمثابة «مهمة حضارية»، حسب تحريض «حراس الارز»، ابناء الطبقة الوسطى المارونيين الغيورين على امتيازاتهم الطائفية والطبقية الصغيرة. «على كل لبناني ان يقتل فلسطينيا!» كان شعارهم الذي صكّه سعيد عقل. هو الشعور ذاته بالواجب الذي دفع مروان، القاتل الشيعي في كتاب مينيه، الى القتل.
والواجب هو ايضا ما يحدو بالشيخ الدرزي الجليل الى قتل جاره المسيحي، كما في النكتة التي جرى تداولها في بيروت عقب «حرب الجبل» التي شنّه مسلحو وليد جنبلاط ضد «القوات اللبنانية» عام ١٩٨٣ وارتكب خلالها عدد من المجاز في حق المسيحيين ادت الى تهجير اكثريتهم من المنطقة. شيخ درزي إذ رأى ابناء طائفته يقتلون المسيحيين ويطرودنهم من قراهم، وجد انه من واجبه هو ايضا ان يقتل ولو مسيحيا واحدا، عربون وفاء لانتمائه الى طائفته. ولكن اين يجد ذاك المسيحي والعدد كبير من المسيحيين قد لاذوا بالفرار؟ لم يبق غير جاره وصديق عمره الذي لم يفرّ تحديدا لأنه كان يأمن جيرة الشيخ وصداقته. استدعى الشيخ جاره المسيحي فصعد هذا الى بيت صديقه ولم يصدق ما سمعت أذناه. جاره وصديق عمره «مضطر» لقتله. لم يتزحزح الشيخ الدرزي قيد انملة عن تصميمه على الرغم من توسلات جاره المسيحي مستشهدا بالجيرة الحسنة مستحلفا بالخبز والملح بينهما. عبثا حاول. الواجب هو الواجب. اما الصداقة المديدة وحسن الجوار فقد تشفع بالمسيحي بإمر واحد: «لن اوجعك. هي عقصة دبّور»!
الحمى المقدس عندما يدنّس لا بد من تطهيره. لنتذكر: فكرة «الغريب» يندغم فيها ترفّع ابناء القرية «الاصليين» عن «الَجلَب»، الوافدين من خارج القرية، مع الابوية القبلية تجاه «الدخيل»، مع الاستعلاء الطبقي تجاه من هم ادنى في المرتبة او الموقع الاجتماعي والثقافي، ناهيك عن غير اللبنانيين. ها هو الاب سمعان الدويهي، نائب زغرتا السابق، يرفع هذا الادغام السهل بين «بؤساء» و«غرباء» الى العنصرية إذ يعرّف الغرباء بأنهم بالدرجة الاولى الفقراء فيرى الي أحيائهم على انها بؤر فساد واوبئة تهدد الاسس الاخلاقية والانسانية والروحانية للبنانيين.
«لقّحوا أطفالكم ضد اليسار الدولي»، يقول احد الشعارات الجدارية في بيروت الشرقية. والحديث الطبي يجر نفسه عند تنظيم «حراس الارز» يتحدثون عن مخيّم تل الزعتر على انه «دمّلة» يجب ان تفقأ بواسطة «عملية جراحية».
والمداواة والتطهير وجهان لعملية واحدة. ذلك ان الصحيح هو المقدس. ها هو الشيخ الدرزي عفيف بو علوان ينذر مسلحي «القوات اللبنانية» بالاستسلام والقاء السلاح، خلال «حرب الجبل» للعام ١٩٨٣: «سلّموا أسلحتكم، غادروا هذه الارض، لا تدنّسوها، والا حذارِ!». ولا يعرّف الحمي التعريف الجمعي وحسب. هناك التعريف القبلي. المسلحون الكتائبيون الذي اغاروا على إهدن (وقتلوا النائب طوني فرنجية وأسرته) هم مسيحيون موارنة من المذهب ذاته لسكان اهدن والاسرة المقتولة، الا انهم ينتمون الى العشيرة العدوة. بمناسبة الذكرى الاولى للغارة، يقول الاب يوسف يمّين في القداس الاحتفالي بالمناسبة «جميع الذين دنّسوا اهدن سوف يقتلون، خصوصا ابناء عشيرة الجميّل، واحفادهم لاجيال قادمة، حتى لا يبقى منهم رجل او امرأة».
أحيانا كان التطهير يتم بواسطة الحديد والدم والنار والدم. والمشهد الاكثر تعبيرا هنا هو مشهد مجموعة من المسلّحين الكتائبيين يعزف احدهم على الغيتار ويشربون الشامبانيا حول جثة محترقة خلال إجتياحهم حي الكرنتينا تتصاعد منه ألسنة النيران. وقد عرفت الامكنة «الغريبة» المصير ذاته في الحميات المقدسة لهذا الفريق او ذاك: الضبيه، جسر الباشا، تل الزعتر، النبعة، الدامور، الجية، العيشية، الخ.
اما الاعجوبة التي أعلن عنها عقب سقوط حي النبعة فهي أبلغ تعبير عن انجاز تطهير المكان. نقلت الصحف ان المسلحين الكتائبيين، وهم «ينظفون» ارض العدو من اعدائهم الفلسطينيين-التقدميين عثروا على كميات من البخور تفترش الارض. تعالت الصيحات بوجود معجزة. واخذت جموع من الناس تتوافد لتشاهد وتشهد. ها هي الارض ذاتها تعلن اخيرا ان تطهيرها قد تحقق بواسطة اعجوبة.
لم يدم زمن الاعجوبة طويلا. بعد ايام معدودة، تبيّن ان ما حسب انه بخور لم يكن الا منتجات كيماوية من مصنع للصابون، استخدمه المسلحون الفلسطينيون لحشو اكياس المتاريس، لفقدان الرمل. على ان الاثر التطهيري والعجائبي للخبر كان قد فعل فعله وظلت الناس تتوافد لزيارة الموقع لايام عديدة…
لنتذكر، ان لممارسة التطهير هذه سابقة شهيرة في الصهيونية. فقد عمّدت عملية احتلال فلسطين والطرد القسري لسكانها وهجرة عرب فلسطين من اراضيهم عام ١٩٤٨ على انها «التطهير العجائبي للارض» حسب تعبير مجلة الجيش الاسرائيلي.
٣. العنف والمقدّس
أ. تطويب الزعماء المحتجَبين
ما إن توفي بشير الجميل حتى جرى تشبيهه بالسيد المسيح وتطويبه قديسا ابديا. يستعيد الاب سليم عبو حياة قائد «القوات اللبنانية» بما هي قدر مقدّر في المسير نحو مآله المقدَّر- الشهادة. فيتحدث عن الساعات الاخيرة من حياته كما لو انها درب الصليب الى الجلجلة التي عليها مشى المسيح:
«ليس صدفة، بالنسبة للشعب المسيحي، ان يموت بشير يوم ١٤ ايلول/سبتمبر، الذي هو «يوم تمجيد الصليب المقدّس»، ولا هو من قبيل الصدفة ايضا انه القى خطبته الاخيرة، ساعتين قبل اغتياله، في «دير الصليب »، حيث تخدم شقيقته الراهبة، ولا هو من قبيل الصدفة في شيء انه تكلم واقفا امام صليب كبير حامل عبارة «بهذه العلامة سوف تنتصر». هذا الطفل مات وله من العمر ٣٤ سنة، وهو تقريبا عمر المسيح عندما صُلِب ».
فليسمح لنا بهذا التعليق. هذه الـ«تقريبا» في المقارنة بين عمر بشير الجميل وعمر السيد المسيح ليست موفقة. فحسب الرواية الدينية، كان عمر السيد المسيح ٣٣ سنة عندما مات على الصليب. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، اذا كان عمر بشير الجميل عند مصرعه هو ما يكشفه لنا الاب عبو، اي ٣٤ سنة، فهذا يثبت امرا آخر اكثر مساسا بامور هذه الحياة الدنيا: وهو ان قائد «القوات اللبنانية» لم يكن له الحق في ان يترشح الى الانتخابات الرئاسية وان انتخابه رئيسا للجمهورية اللبنانية كان باطلا وغير دستوري. ذلك ان الحد الادنى في الدستور للترشّح الى منصب الرئاسة الاولى في البلاد هو ٣٥ سنة !
مهما يكن من امر، فإن اختفاء الامام موسى الصدر الملفوف بالغموض في ليبيا في آب ١٩٧٨ يحاكي من عدد من الاوجه حال بشير الجميل. فاذا وجدت لبشير صفات تشبهه بالسيد المسيح، فإن رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى كان يتمتع بقابلية لمحاكاة من نوع آخر لسبب انتمائه الأسري. فالسيّد اللبناني يملك ما يكفي من الصفات لكي يتماهى مع الامام محمد الذي حقق «غيبته» في العام ٨٧٤. وهذا ما يكتبه بهذا الصدد مثقف شيعي اميركي من اصل لبناني نافذ الصبر لاثبات قوة الجذب والتعبئة التي يتمتع بها الماضي:
«تمتزج سيرة موسى الصدر مع الحساسية الالفية لشعبه، هي الحساسية الالفية لرجل استثنائي سوف يقود التاريخ الى غايته المقدّرة، غاية تتحقق عندما تقضي بذلك المشيئة الالهية. وقد كان هذا كله معطى لموسى الصدر بحكم الطبيعة ».
اما ما هو معطى للإمام اللبناني بحكم الطبيعة فهو انتماءه المباشر الى سلالة ائمة الشيعة. غير ان «الغيبة» تفتتح زمن الانتظار والتوق الى عودة المهدي «لملأ الكون عدلا وسلاما بعدما مليئ جورا وحربا. وسوف يشكل تسلم الامام الخميني للسلطة في ايران بعد اسابيع من اختفاء الإمام اللبناني دعما لهذا الانتظار ووعداً بعودة المهدي، تلك العودة التي وَعَد بها الامامُ الخميني. وإذ طالبه انصار موسى الصدر بالعثور على الإمام واعادته اليهم، اشاع المرشد الروحي للثورة الايرانية الامل بعودة الصدر مرتكزا الى انتمائه الاسري تحديدا. فكان الامام الخميني عمليا اكثر بكثير من المثقف الشيعي اللبناني المتأمرك، إذ وعد بعودة حقيقية للامام الصدر تتم على الطريقة التي بها عاد الجد الاكبر للإمام اللبناني، الامام موسى الكاظم، صاحب «الغيبة الصغرى ». فقد سجن هذا الاخير سبع سنوات حسب البعض و١٤ سنة حسب البعض الآخر وعاد اخيرا الى انصاره.
ب- سلاح المعجزات
خلال حرب ١٩٧٥، وردت عشرات الروايات عن ظهور السيدة العذراء في اماكن متفرقة من المناطق المسيحية، بينها عشرون ظهور على الاقل في قضائي كسروان والمتن. وانتشرت روايات ايضا عن ظهور العذراء في القرى المارونية دير الاحمر ورام وقدّام في البقاع.
على تله مطلة على زحلة، نصب الاهالي تمثالا ضخما للسيدة العذراء، شفيعة المدينة. واقع الحال ان عبادة العذراء كلية الحضور في اكبر تجمع كاثوليكي في الشرق. يقال عن امرأة جميلة انها تشبه السيدة العذراء؛ ويسمّى مشروب العرق، والزحليون مولعون به اشد الولوع، «دموع العذراء»ك وبإسم العذراء يحلف الاهالي اغلظ الأيمَان او يستحلفون، الخ. خلال الحرب الاهلية، روي عن سيدة زحلة معجزات عديدة خلال عمليات الحصار المكررة التي تعرّضت لها المدينة. ظهرت وهي تطوّح بذراعيها طاردة القذائف المتساقطة على المدينة. ولم تكن معجزة العذراء هذه الا نسخة حديثة عما نسب اليها من معجزات سنة ١٨٤٣ حين انقذت المدينة المسيحية الكاثوليكية من هجمة درزية اذ اطلقت طيورا سماوية ذرّت الرمل في عيون المهاجمين. مهما يكن من امر، فهذا يؤكد اتفاق الديانتين على الدور العسكري لطير الابابيل، أسمّي بهذا الإسم ام لم يسمّ.
في زغرتا، المشتبكة حينها في حرب مع طرابلس، وقبل ان تقع القطيعة الدموية بينها وبين حزب الكتائب، كان المسلحون ينتظمون في تشكيلات قتالية عائلية، تتباهى كل واحدة منها بظهور شفيعها القديّس يقاتل الى جانبها. ويروى ان مسلحي آل كرم كانوا يشاهدون عميدهم يوسف بك كرم طائرا فوق اشجار الزيتون على صهوة حصانه يعضدهم في مطاردة «الاعداء». ولم يكن في امر ظهور الابطال الاسطوريين او القديسين يقاتلون الى صف انصارهم اي غرابة. فخلال الايام الاولى من الحرب العالمية الاولى، رويت روايات عن مشاهدات مماثلة لدى شعوب اخرى. روى جنود فرنسيون انهم شاهدوا السيدة العذراء وجان دارك وانكليز القديس يوسف وروس القديس ميخائيل يقاتلون الى جانبهم. وفي عودة الى لبنان، خلال احد ايام الحرب، اعلنت امرأة من آل الدويهي، وهم خصومٌ لآل كرم، ان «سيدة التل »، شفيعة زغرتا، ظهرت عليها. صدّقها الالوف وأخذت تلك المرأة تقودهم الى الكنيسة على إسم شفعية زغرتا، يصلّون متعبدين بانتظار ظهور سيدة التل مجددا. وقد رافقت تلك الانتظارات مشاهد من الهستيريا الجمعية والاغماءات الفردية العديدة.
ولم يقتصر «الظهور» على القديسين والابطال الاسطوريين. عرفت الحرب حالات من «الظهور» اكثر معاصرة واكثر «علمانية». ولعل الذروة في مشاهد الانتظار المعاصرة هي السهرات التي كان ينظمها انصار الجنرال ميشال عون في القصر الجمهوري ببعبدا ينتظرون إطلالة القائد من على شرفة القصر، تحييه يافطات جبّارة تصوّره على شاكلة القديس جوارجيوس شفيع بيروت والذي تروي الاسطورة انه صرع التنين في الخليج المسمّى على إسمه. آنذاك، كان التنين يتجسّد في النظام السوري.
وآخر حادثة «ظهور» معروف للسيدة العذراء كانت نهاية العام ١٩٨٣ في الشريط الحدودي الذي يسيطر عليه «جيش لبنان الجنوبي » إبان المرض الذي سوف يقضي على سعد حداد، مؤسس هذا الجيش وقائده. شهد منزل رئيس بلدية رميش ظاهرة عجائبية نموذجية: اخذ تمثال العذراء يرشح زيتا خلال شهر. وفي كل يوم، جندي من جنود «جيش لبنان الجنوبي » يرد منزل المختار لاخذ قطرات من الزيت العجائبي يمشح بها جبين الحداد على امل الشفاء. اخيرا، عندما تحوّل الزيت الراشح من تمثال العذراء الى دم وإنقلب التمثال واقعاً من تلقاء ذاته، رأى القوم في ذلك النذير بوفاة الرائد سعد الحداد المحتومة.
لم تقتصر حالات الظهور العجائبي على المسيحيين، وإن كانت اكثر انتشارا بينهم. سُجّل ظهور الولي يعقوب المنصوري، شفيع قرية السلطان يعقوب السنّية في البقاع الغربي. وسرت روايات عديدة تتحدث عن ظهور ذو الفقار، سيف الامام علي بن ابي طالب، يقود مقاتلي حركة «أمل» وحزب الله.
ج. «حرب باردة » حول معجزة
شكلّ تطويب الحبيس اللبناني شربل مخلوف قديسا في الفاتيكان في تشرين الاول/اكتوبر ١٩٧٧ مناسبة لكي تعبّر الجماعة الدولية عن دعمها، الخيالي والرمزي، لـ«عودة» السلام الى ربوع لبنان ولانطلاقة عملة الإعمار، والاخيرة ليست اقل خيالية ولا رمزية عن الاولى، ناهيك عن الاحتفال الوحدة والتآخي المستعادين. دار كل هذا حول الجثمان العجائبي للحبيس الشمالي الذي إكتشف ان جثمانه ظل سالما كاملا بعد عقود على وفاته والذي حقق معجزات عديدة من خلال ديره في جرود بلاد جبيل على مقربة من قرية شيعية.
كانت الظرف مناسبا جدا. اننا مطلع عهد الرئيس الياس سركيس الموكل بتحقيق السلام في البلاد بعد اول فترة من فترات الحرب بدعم من سورية وحضور قوات الردع العربية ذات الغالبية السورية. ويصدف انه في يوم التطويب ذاته، في ٩ تشرين الاول/اكتوبر، كان مقدّرا على الجيش اللبناني ان ينتشر جنوبا بناء على اتفاق وقعه الرئيس سركيس وابو اياد الرجل الثاني في حركة فتح الفلسطينية. تخلّف الرئيس سركيس عن السفر الى روما بسبب تلك المهمة الملحة، واكتفى بترؤس القداس الاحتفالي في دير عنايا. وكان وفد اكليركي قد وصل روما، يرأسة البطريرك الماروني خريش، فيما الوفد الرسمي اللبناني يضم الرئيس السابق للجمهورية شارل حلو، وهو رئيس الفرانكوفونية واول سفير للبنان في الفاتيكان في عهد الاستقلال الاستقلال. وضم الوفد اللبناني وزراء يمثلون الطوائل الست الرئيسية، ونحواً من عشرين نائبا برئاسة نائب رئيس المجلس النيابي وشخصيات عده بينها رئيس الجامعة اللبنانية. اما الوفد الكتائبي فقد وصل على حدة، يترأسه بيار الجميل ويضم فيمن يضم ابنه بشير.
المعجزة على كافة الالسنة. لكنها لا تحقق الاجماع حولها. لكل شربله ولكل معجزته. مسيرة كبرى انطلقت من مناطق لبنانية عدة تتجه الى محبس الراهب للدلالة على ان لبنان يتوحد في شربل مثلما شربل توحد بالرب. ولكن المسيرة تكاد ان تكون مسيحية صرفة. كل يشدّ بالمعجزة نحوه ويسيّيها على هواه. المحامي الكتائبي فريد غانم يعلن ان التطويب الذي بات يسمى «قديس لبنان » هو «معجزة القرن ». ويستطرد متبهلا الى الله ان يحفظ لبنان «بلدا أبديا ذا رسالة خالدة من القيم والانسانية والحرية » وهذا هو اللبنان الذي يدافع عنه وتلك هي المهمة التي يؤديها. ويلقتط بيار الجميل الكرة وهي بعد في الجو، فيعلن ان التطويب يزيده وعيا لمسؤولياته ويلهمه في نضاله لمتابعة رسالته. كأنما الاحتفال هو لتطويب الشيخ بيار وليس القديس شربل!!
ما من شك من ان المحاولة الكتائبية للاستئثار بالمعجزة تلقى المعارضة مثلما الدعاية الرسمية التي تريد التماهي بين المعجزة وبين الوحدة الوطنية. ها هو شربل آخر، الاب شربل قسيس، رئيس الرهبانيات المارونية اللبنانية، يدافع عن الطائفية السياسية ضد التجاوزات/الإساءات التي ارتكبها بحقها «السياسيون الكذابون » خدمة لمصالحهم الخاصة. إذ نزعوا عنها كل وظيفتها التوازنية. ويزايد قسيس على اطراف التسوية إذ يريد الظهور بمظهر من هم «متفهم» لمبدأ فصل الدين عن الدولة، بل يعلن انه يوافق على «ديمقراطية عددية » (تمثل الطوائف حسب وزنها العددي بين السكان ) شرط احترام الشعور الديني ومراعاة خوف «بعض اللبنانيين » على وجودهم ذاته. ويعلن قسيس انه من دعاة التعددية التي هي الوسيلة الوحيدة لتحقيق التوازن والحفاظ على مجتمع غير مندمج.
وحده عمر فرّوخ، المفكر العروبي المخضرم، تجرأ على عدم المشاركة في التكاذب الطوائفي الجماعي. رفض اقامة اية صلة بين تطويب القديس شربل وبين تحقيق الوحدة الوطنية. ثم انه كمسلم لا يؤمن بالشفاعة فالله في عرفه ليس بحاجة الى وسطاء. اما عن الوحدة الوطنية، فيصرّ فرواخ انها لن تتحقق من دون تحقيق العدالة الاجتماعية، وتخليص أهالي الجنوب من عذاباتهن وعودة المهجرين الي ديارهم ووقف الهجمات ضد الثقافة العربية التي «أشعّت على العالم بأسره شرقا وغربا » وإعتماد سياسة تطبق مبدأ «الغرم على قد الغنم».
اما الوجه الاجتماعي للمعجزة فتعهده البابا وصحفي…شيوعي. بالنسبة للاول، كانت المناسبة نموذجية للتبشير بفكرة محورية في العقيدة الكاثوليكية تخدم البابا في معركته مع الشيوعية، وهي العلاقة بين الفقر والايمان. فطفق الحبر الفاتيكاني الاكبر يتحدث عن البيئة الاجتماعية للقديس وهي أسرة من الفلاحين الفقراء المتواضعين ومن العمال يجمعهم ويحركهم ايمان ساطع. اما على صفحات الجريدة الناطقة بإسم الحزب الشيوعي اللبناني، فتضرّع نبيل هادي للرب الاله، بشفاعة القديس اللبناني، ان يعبد إبنه يسوع المسيح الى الارض للاهتمام بشؤون الفقراء والمحرومين وان يطرد الاغنياء والمحتكرين وقد حوّلوا هيكل الرب مجددا الى وكر للصوص.
ولم يكن ينقص لتحقيق هذا الاجماع غير الاجماعي على الاطلاق غير الصوت الساخر بعض الشيء للسياسي المعني قبل سواه بالموضوع وإن يكن لم يشارك في الاحتفال. لم يحضر ريمون إده، نائب جبيل حيث يقع دير عنايا، الى لبنان للمشاركة في الاحتفال. لأنه كان لاجئاً في باريس بعد ان تعرّض لمحاولتي اغتيال. الا انه أعلن، بين المزاح والجد، ان لا اقل من معجزة من نمط المعجزات التي كان يجترحها القديس شربل تستطيع استعادة لبنان الى سابق عهده.
٤. القنّاص او الجَمع بصيغة المُفرد
«السوري»، «الفلسطيني»، «المسلم»، «الدرزي»، «المسيحي»، «الماروني»، الخ.
هكذا يجري تفريد الجماعة في لغة الحرب. العدو دوما مفرد. تختصر صيغة المفرد كل خصائص الجماعة. ويخدم هذا التفريد في تبرير العقاب الجماعي: اي واحد منهم جدير بالقتل. لما كان كل واحد منهم يحمل خصائص الجماعة، إذاً فقتل واحد منهم يعني قتلهم جميعا. لنتذكر هنا المعادلة الحسابية الرهيبة التي أطلقها «حراس الارز» وصكّها سعيد عقل: «على كل لبناني ان يقتل فلسطينيا». ليس فقط ان الفلسطيني واللبناني كلاهما جوهر، وانما قتل الثاني بات واجبا للاول.
للقبائل دوما «عادلون»، وهم المنتقمون المتطوعون لغسل العار بالدم، او الرد على الثأر بالثأر. وهم الذين يتلقون الضربات الاشد إيلاماً في وقائع الثأر وساحاته. ان القناص في الحرب الاهلية هو مسخ حداثي للمنتقِم القبليّ. لقبه، القناص، وسلاحه، القناصة، مستمدان من القنص. القناص صياد يعمل على حسابه الخاص.
على ان القناص في الحروب الاهلية لا يشبه بشيء تقريبا قناص الحروب الكلاسيكية او حركات التحرير الوطنية. أسلافه الاشهر هم قناصو الحرب الاهلية الاسبانية، افراد «الطابور الخامس » الشهير، الموالون للجنرال فرانكو الذي بقوا في مدريد المحاصرة، مكلّفين بإحداث اكبر قدر من الاضرار، وقتل وترويع اكبر عدد من المدنيين، وزرع الرعب في اواسط القوات المعادية وتحطيم معنوياتها. وقد سمّي هؤلاء الأفراد المجموعات بالطابور الخامس لأن الطوابير الاربعة الاولى كانت تحاصر مدريد. فيما الخامس داخل اسوار المدينة.
كثر استخدم مصطلح «الطابور الخامس » في الحروب الاهلية اللبنانية، للاشارة الى قوة غامضة مؤامراتية ومجهولة تعزى اليها عادة اعمال تخريب التعايش بين اللبنانيين وعرقلة جهود تحقيق السلام. والافتراض السائد ان قتل اللبناني للآخر امر مناف «لطبيعة اللبناني » فلا بد من محرّض خارجي، بل منفّذ خارجي، حتى ان الحرب كلها إن هي إلا «حرب الآخرين »، حسب الصيغة الشهيرة لغسان تويني. في خطابات بيار الجميل، مطلع الحرب عامي ١٩٧٥-١٩٧٦، كان الطابور الخامس هو «اليسار الدولي » . ثم كثرت الاشارات الى «الاصابع الخارجية » التي تعبث بـ «اوضاعنا الداخلية » وتخدم مؤامرة هي دوما خارجية تروم زعزعة الاستقرار وزرع الفتنة بين اللبنانيين.
كان للقناص دوران اثنان في الحروب الاهلية. دوره الاول هو الابقاء على توتر امني دون ان يؤدي ذلك الى إندلاع الاشتباكات على خطوط التماسّ او اللجوء الى اعمال القصف بين الاحياء السكنية. يكفي «قطع» طريق من الطرقات بنيران القنص لاثبات ان الوضع ليس آمنا. خلال تنفيذه هذه المهمة، يكون القناص تحت الرقابة المباشرة لرؤسائه الذين يقررون وتيرة القنص ومدته.
يؤدي القناص الدور الثاني خلال الاشتباكات العسكرية عندما الحرب «تمري في يد حالبها »، كما يقول المثل، وتكون خطوط التماس قد استقرّت. اذذاك يكون القناص راميا حرا. اكثر حرية من القتلة واشد فتكا منهم، بمعنى ان اهدافه هم المدنيون في معظم الاحوال اولئك الذين لا ذنب لهم الا انهم يتجولون في الشوارع والطرقات والازقة الواقعة في الجهة الثانية. اما الخوف من الموت الذي يزرعه القناص فيمنحه سلطة فردية استثنائية على عشرات الالوف من البشر. هنا يكون نشاط القنّاص التطبيق العملي لتفريد الجماعة بمعنيين: الجماعة -جماعته- تتجسد هنا بفرد يمارس العقاب باسمها. وعكسا، الجماعة المعادية تتفرّد، اي تصير كثرة من الافراد يجدر، إن لم نقل يحلو، قتلهم. ولما كان القنّاص «صياد رؤوس » فغالبا ما يجري تعويضه ماليا حسب عدد الرؤوس التي اطاح بها.
المدنيون هم اختصاص القناص. اولئك الذين لا يحاربون. لنتفاهم: لا معنى لنعتهم بالمدنيين الابرياء. ذلك انه لا وجود لابرياء، وفق منطق الحروب الاهلية. كل فرد متّهم بالامر الوحيد الذي لم يختره: ولادته. لنعد الى معادلة التفريد اياها. كل فردِ يحمل الجماعة في ذاته. والجماعات مذنبة تجاه بعضها البعض. بل ان معظم ضحايا القناص هم المدنيون الذين تدفعهم الضرورة الاقتصادية الى التنقل: عمال، كناسون، موزعو صحف، باعة متجولون، موظفون صغار، صحفيون، الخ.
لا يقتل القناص إلا القناص. يصعد قناص صديق الى احد السطوح ليناوش القناص المعادي ويشاغله لكي يتمكن اخيرا من ان يصيب منه مقتلا.
في الانتظار، ابتكر الناس حيلتين رئيسيتين للتحايل على القناص. الحيلة الاولى هي ان يعمد اهل الحي ليلا الى رفع ستائر على عرض الطريق تحجب النشاط الجاري في الشارع. هكذا يجد القناص نفسه بمثابة الاعمى ويستطيع اهل الحي ان يؤدوا ما يلزم من مهمات حياتهم اليومية دون كبير مخاطر. وجدير بالذكر ان اهل ساراييفو المحاصرة استخدموا الحيلة ذاتها للحماية من القناصين المعادين التي استخدمها اهالي بيروت الحرب الاهلية. بل زادوا على ذلك نصيحة للعابرين شوارع يسيطر عليها قناصون: اياك وان تكون ثالث العابرين في شارع يقطعه قناص. فالقناص يشاهد العابر الاول. ويصوّب على الثاني. ويصيب الثالث.
اما الحيلة الثانية فهي استخدام عارضات أزياء الواجهات التجارية (المانيكان) لحرف انظار القناص، فما ان يكتشف القناص ان ما يراه من خلال منظاره ليس إلا تمثال يتحرك على عجلات، لا بشر يكون الاهالي قد عبروا الشارع الخطر الذي يسيطر عليه القناص. لكن القناص ينتقم من العارضة باطلاق النار عليها فيمزقها إربا إربا.
على ان القناص لا يكتفي بقتل الابرياء، انه يغتال «الحياة» ذاتها. في رواية حنان الشيخ، «حكاية زهرة»، يمكن قراءة انجذاب زهرة الجنسي الى القناص العامل في الجوار قراءة فرويدية على انه رغبة في الموت. مهما يكن، فإن رغبة زهرة تفضح حقيقة القناص ذاته. ذلك ان في الامر ما يتعدى الرغبة في الموت عند زهرة الى الموت ذاته. ما تجهله زهرة هو انها إذ تجامع القناص تحكم على نفسها بالموت. فمن المجامعة تولد حياة تحملها زهرة في أحشائها. تحلم زهرة بأن القناص سوف يتزوجها ذات يوم. اما القناص فما هو في الحقيقة الا العِنّة والعُقْم. هي العنة التي تولد العنف، كما تشير حنة ارندت عن حق. لهذا فان زهرة إذ تحمل من القناص تحكم عليه بالاعدام، لانها تحمل في أحشائها نقيضه، الخصوبة والحياة. ان قناصا خصيبا ليس بالقناص. لن يقع القناص في الفخ. بحذر، بلا رحمة وبسرعة خاطفة، يقنص القنّاص المرأة التي تحمل الحياة في احشائها، تلك الحياة التي هي موته.
ثم ان القناص ليس يقتل المدنيين الابرياء ولا هو يقتل الحياة ذاتها وحسب. انه يقتل الموتى ايضا. رصاصة في قدم الضحية، وها هي إرتمت ارضا. رصاصة ثانية في الخاصرة مثلا او في الرأس. يجب دوما اصابة الرأس. الرأس هو الامتحان الارقى للقناص وهو ما يكرّسه قناصا. واصابة الرأس هي البرهان الاكيد على ان الضحية لم تعد غير جثة هامدة. والرأس هو ما يصوّب عليه منتقمو القبيلة، بين العينين تحديدا. ذلك ان الشرف يستوطن بين العينين، كما يقال. والثأر يوجب قتل الشرف. وبعد ان يتأكد القنّاص من الضحية قد ماتت، تنهال الرصاصات بتصويب دقيق. عند كل واحدة منها، تترقص الجثة، يتقفز عضو من اعضائها، في هذا الاتجاه او ذلك، في حركة فجائية، وعند كل رصاصة اضافية، تتحرّك الجثة حركاتها المتخلعة. في الحروب اللبنانية جرى تعميد هذه اللعبة «ترقيص الجثة ».
مع ان القناص هو منتقم القبيلة، الا ان اهله ليسوا يعترفون به. انه يذكّرهم كثيرا برعب زميله، القناص العدو المقابل. تخشى الناس القناص. لكنها لا تحبه. خلال حملات التفتيش والمداهمة، يكون الاولوية للبحث عن القناص، ويمكن التعرّف اليه من الكدمات الزرقاء الكبيرة على كتفه. ذلك ان للبندقية القناصة قوة إرتداد عنيفة تحدث كدمات تظل ظاهرة خلال اسابيع. اما بشاعة ما يرتكبه القناص فيستحق عليه مصيرا على المستوى ذاته من البشاعة عندما يقع بين ايدي اعدائه. يطلق القبض على قناص هذيان دموي وطقس تضحية جماعي. هذا هو المصير الذي لاقاه القناص الكتائبي في فندق «هوليدي إن » الذي روّع سكان بيروت الغربية وأرهبهم خلال شهور باكملها. إذ القي القبض عليه عند سقوط الفندق بيد «القوات المشتركة » لمنظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، طُعِن جماعيا بالسكاكين والخناجر والحراب ثم شنق وفصل رأسه عما تبقى من جثته التي ربطت بخلفية سيارة وجرى جرّها عارية إستعراضا في شوارع بيروت الغربية.
في الحرب الطائفية، يموت القناص وحيدا. انه قاتل لحسابه الخاص وعلى مسؤوليته، وهكذا يموت.
٥. الجريمة والعقاب: المنتقِم بين شَرعتين
الانتماء المزدوج للفرد الى منظومتي قيم وسلوك هو احد النوابض الاكثر مراوغة والاشدّ زخما للعنف في الحروب الاهلية اللبنانية. ينجم عن ذلك نظام قيمي هو تنغيلٌ يجمع أعراف من العنف القبليّ وأحكام انتقائية من قوانين المجتمع الحديث. ولهذا السبب بالذات فهو نظام يعيش حالة استعصاء دائمة تطلق عنفا مخبلًا حد العبث.
الحالة الاكثر تعبيرا عن هذه النغولة وذاك الخبل هي حالة جوزيف سعادة الملّقب «سفاح السبت الاسود».
يمكن الحديث عن حياتين عاشهما جوزيف سعادة. للوهلة الاولى لم يكن شيء يؤهل هذا الرجل للعنف او لارتكاب المجازر. كان نشطا في الوسط الرياضي، يرأس «جمعية سباق السيارات اللبنانية »، وعلى خصومة عنيدة مع حزب الكتائب المسيطر على قطاع لا بأس به من الحياة الرياضية اللبنانية. ولانه متمرد «ضد سلطة المال والظلم »، حسب تعبيره، جنحتْ عواطفه السياسية جهة كمال جنبلاط وحزبه التقدمي الاشتراكي. خلال «ثورة» العام ١٩٥٨، والاسابيع التي تلتها من الاقتتال اهلي، عمل سعادة مقدِّما للاخبار في اذاعة الثوار. وعمل خلال الستينات والسبعينات كان موظفا اداريا في جريدة «الاوريان» في مكاتبها في بيروت الغربية. ولما كان جوزيف سعادة ايضا احد المتحمسين للنضال الفلسطيني، كنتَ ترى على الجدار فوق مكتبه صورة لجورج حبش، زعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذي كان جوزيف معجبا باخلاصه وصراحته.
عند اندلاع الحرب، انبثقت شخصية اخرى وحياة باطنية اخرى لجوزيف سعادة، موسومتان بميسم الاصل والهوية. فهذا الجوزيف سعادة ذاته هو ابن صاحب مطعم ماروني كسرواني الاصل عمل في خدمة الجيش الفرنسي ولحق بعسكر الانتداب من لبنان الى درعا فالسويداء في سورية. انتظم ابنه جوزيف في الامن العام الفرنسي في سورية ما إضطره الى مغادرة البلاد هربا من الانتفاضات الوطنية ضد الانتداب. ثم عاد. وعند الاستقلال، سجن جوزيف لشهر واحد في دمشق بتهمة «التعامل مع العدو ». فور الافراج عنه، غادر الى بيروت حيث إستقرّ ووجد لنفسه عملا ثابتا بما هو حارس الملعب الرياضي الفرنسي، المسمّى «ستاد ده شايلا ». سمح له المورد المالي الثابت بأن يطلب يد امرأة لطيفة من أسرة ارثوذكسية ميسورة. أسموا ابنهما الاول «رولان» على اسم ابن اخ الامبراطور شالرمان الذي قتل بسهام العرب، على ما تزعم رواية مشكوك فيها تاريخيا. مهما يكن، عُرِف جوزيف سعادة بتعلّقه الشديد بالعائلة وبنزعة الى الارتقاء الاجتماعي ولو على سبيل الادعاء. فكان فخورا بابنيه اللذين يشاركانه الحماس لسباق السيارات ويخالطان ابناء المجتمع المخملي البيروتي الذي يتعاطون تلك الرياضة، من ابناء سفراء وزعماء السياسيين ورجال الاعمال.
هذا الجوزيف سعادة الثاني سوف تنقلب حياته رأسا على عقب جراء حادثة وقعت خلال احدى الهدنات خلال الحرب. في آب/اوغسطس ١٩٧٥، اختفى ابنه الاصغر ايلي خلال سباق سيارات ووجدت جثته بعد بضعة ايام على مقربة من قرية مسلمة في منطقة زحلة. صاح الوالد المفجوع: «سوف أرتكب مجزرة… أريد ١٥ ولدا مقابل ولدي ». المجزرة سوف يرتكبها بعد شهور معدودة. اما حينها، فما ان شفي من ذبحة قلبية اصابته يوم دفن ابنه، حتى كان جوزيف سعادة امسى عضوا في حزب الكتائب واخذ يطارد الفلسطينيين والمسلمين مراكما اعداد ضحايا الانتقام من الذين حمّلهم مسؤولية قتل ولده. في رياضة القتل تلك، لعب الادوار كلها: مارس القنص والخطف والقتل يعاونه ابنه رولان الذي إنضم الى الـ «ب.ج.» فرقة النخبة الكتائبية التي تحمل الاحرف الاولى من اسم بيار الجميل ويقودها ابنه بشير. على ان ممارسة جوزيف سعادة الاثيرة كانت ان يستقلّ سيارة أجرة يقودها احد الفلسطينيين فيخطف السائق ثم يقتله. يوم ٥ كانون الاول/ديسمبر ١٩٧٥، إختفي ابنه رولان بدوره في برمانا ومعه ثلاثة من رفقائه من مقاتلي «ب.ج.». وإذ بلغ خبر اختفائهم، بدأ خطفُ المسلمين في بيروت الشرقية. وعندما عثر على جثث الكتائبيين الاربعة في منطقة الفنار، في ضواحي بيروت الشرقية، بدأ «السبت الاسود » يوم ٦ كانون الاول/ديسمبر، المجزرة الطقوسية الاشد روعا في الحروب اللبنانية قبل مجزرة صبرا وشاتيلا. هكذا يروي جوزيف سعادة نفسه وقائع ذلك النهار المرعب:
«حمل الي احد افراد الميليشيا قميص ابني رولان مخضبا بالدم. دفنت رأسي في القميص. وذرفت دموعا وانا اصرخ واطلق العويل.
رفعت القميص بذراعي الاثنين فوق رأسي، واخذت اتمتم صلوات غير مفهومة، فيما رجليَّ تؤديان رقصة جنائزية بدائية. صرت الفّ وأدور على نفسي هكذا خلال عدة دقائق ثم توقفت شاخص النظر، متوتر الجسد. امتدت يدي الى اخمص مسدس الـ «كولت» المعلّق في حزامي. وقد بقي في جيوبي ممشطا رصاص إثنين.
توجهتُ الى الرجال الشيعيين الذين كنا أعفينا عنهم منذ ساعة. وأرديتهم جميعا.
صرخ رينغو صرخة مروعة عندما اخبرته بمقتل رولان ورفاقه الثلاثة. إغرورقت عيناه بالدموع. فإمتشق رشاشه الـ «ماو» ذي الممشط الاسطواني وفتح الباب. واخذ يطلق النار في كل الاتجاهات فيما انا أفرغ رصاصات مسدسي «الكولت».
نفدتْ ذخيرتي خلال ثوان. فأسرعت باتجاه القيادة العامة للـ «ب.ج. » حيث مخزن الاسلحة. عثرت فيه على بندقية كارابين اميركية ذات العشرين طلقة وثلاثة مماشط. إنضممت الى رينغو اتهادى كالمجنون وواصلنا التصفيات. كان الرجال متمددين في بحر من الدماء. تنوس حشرجاتهم وتوسلاتهم تدريجيا. غادرت الزقاق وقد خيّم عليه الصمت وتقدمت باتجاه جادة شارل حلو حيث كانت بوابات جهنم مشرّعة على مصراعيها.
هي حمى مجنونة ضربت الحيّ. لم نعد بشرا. حتى الذئاب كانوا أرحم منا تأكيدا. كنا نصفّي المسلمين، ومعظمهم عمال في المرفأ، برصاصة في الرأس بطلقة من مسدس او بصلية من رشاش الكلاشنيكوف. كدّسنا الجثث في شاحنة ذات ستارة. فنقلهم مسلحون وقذفوا بهم من فوق احد الجسور. لقد انتصر الاكثر خبلاً بيننا. لكني لم اشعر بأني ارتويت. لم أشعر بأي فرح، ولا اية نشوة.كنت أطلق النار لأنه لم يعد يوجد ابرياء، لأنه لم تعد توجد براءة. كان جميع المسلمين مسؤولين عن مقتل ولدي. »
هوذا سعادة يعلن حقيقة من حقائق كل حرب أهلية: لا ابرياء في الحروب الاهلية ولا براءة. إعترف بأنه قتل ٧٥ رجلا بمفرده، من اصل مجموع لا يقل من ٢٠٠ ضحية. ها هو الانتقام العددي قد تضاعف ثلاثة اضعاف: قتل سعادة وصحبه ٥٠ مسلما مقابل كل قتيل كتائبي، وهو حرفيا ما أقسم عليه في مشرحة المستشفى امام جثة ابنه وجثث رفاقه الثلاثة.
بعد المجزرة، تولى بشير الجميل «التغطية» على جوزيف سعادة فعيّنه مسؤولا عن المكتب الرابع (التجهيز) في التنظيم العسكري للحزب الذي كان بشير نائبا لقائده. وهكذا ففي حين منح الحزب والطائفة الرعاية لـ «والد الشهيدين »، كانت الناس في بيروت الغربية تسميه «السفاح».
غير ان الثأر الجمعي، بكل ما فيه من الخبل، لم يكن ليروي غليل «بطل» قصتنا. صحيح انه كان بالإمكان اعتبار كل مسلم مسؤولا عن موت ولديه. الا ان جوزيف سعادة كان يريد معاقبة المتهمين الفعليين هم ايضا. والمفارقة في الامر انه قد حصل عليهم. فبعد سقوط مخيّم تل الزعتر، تسلّم جوزيف سعادة من امين الجميل، رئيس الجمهورية لاحقا والقائد العسكري للهجوم على تل الزعتر، ثلاثة فلسطينيين يفترض انهم القتلة الحقيقيون لابنه رولان. ولكي تكتمل حلقات ذلك الطقس الدموي، قرر جوزيف سعادة احتجاز مخطوفيه الثلاثة في … قصر العدل! كان يزور المبنى المهجور يوميا برفقة رجال ثقاة ويعرّض المخطوفين لابشع انواع التعذيب على امتداد اكثر من اربعة شهور. وكانت المدة لتطول اكثر من ذلك لولا ان سعادة خشي الدخول السريع لقوات الردع العربية الى بيروت الشرقية فقرر إعدام سجنائه في الذكرى الاولى لمقتل ابنه، يوم ٦ كانون الاول/ديسمبر ١٩٧٦ وفي المكان ذاته حيث عثر على جثة رولان.
ينطلق رينيه جيرار في تنظيره للعنف من الافتراض ان العنف لا محيد عنه في اي إجتماع بشري. وقد كتب صفحات مثيرة مقارناً الثأر والعقاب بين التقليد القبلي والقانون الجزائي الحديث. يقول جيرار ان النظام القبلي «يخدع العنف » إذ يستبدل معاقبة الجاني بإنزال العقاب بـ «كبش محرقة »، اكان حيوانا ام بشرا. فعندما تضطر القبيلة الى دفع ديّة قتيل، فترتضي التضحية باحد افرادها، او تقرر ان تتولى هي ذاتها قتل احد افرادها، في مبادلة الدم بالدم، عادةً ما تختار القبيلة رجلا آخرا غير الرجل المذنب للتضحية به او لقتله. في المقابل، ينزِل القانونُ الجزائي الحديث العقاب بالمذنب شخصيا، ملتزما بالوصايا العشر للديانات التوحيدية الثلاث: القاتل يقتل. لأن هذا النظام، نظام دولة الحق والقانون، يملك احتكارا مطلقا للعنف. هكذا يسعى النظامان، القانوني والعرفي، في رأي جيرار، الى تحقيق الهدف ذاته: “خداع العنف” ومنعه من التفشي في المجتمع.
عرفت الحروب اللبنانية عمليتي ثأر جمعي استبدالي تمثلتا في ردود الافعال على اغتيال كمال جنبلاط وبشير الجميّل. ومع ان ثمة فارقا بين العمليتين من حيث درجة العنف وعدد الضحايا، غير ان المشترك بينهما هو تركّز الثأر على ضحايا يصعب إجمالهم بما هم متهمون بقتل اي من الزعيمين السياسيين. عند موت كمال جنبلاط، قََتل إنصارُه لا اقل من مئة مسيحي في عدد من قرى منطقة الشوف. يصعب التصوّر ان اعمال الثار تلك كانت مدبّرة سلفاً او انها إرتكبتْ عن سابق تصوّر وتصميم. في المقابل، كان السعي الى إجلاء المخيمين الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا بواسطة المجزرة الاشهر للحرب الاهلية، فعلا جماعيا منظما ومدبّراً قبل اغتيال بشير الجميل وقد نفّذ بعد اغتياله عن سابق تصوّر وتصميم. خلال المجزرة، قضى لا اقل من الف فلسطيني ولبناني وكان هدف العملية احداث ما يكفي من الترويع لدفع المدنيين الفلسطينيين الى الهجرة من بيروت بل من كل لبنان.
ومهما يكن من امر، ففي كلا الحالين، لم يسهم ارتكاب العنف على غير المذنبين في خداع العنف ولا في إهماده.
من جهة اخرى، يرتكز «القانون» الالباني، وهو مجموعة الاعراف المركبة البالغة التعقيد التي يكشفها لنا الروائي اسماعيل قدريه في احدى اجمل رواياته «نيسان المكسور »، الى المبدأ القائل إن العنف نمط من التبادل – تبادل الدم – بين الجماعات يخضع لقواعد عرفية هي الاكثر شكلانية يلتزم بها المعنيون حتى ادق تفاصيلها. يعيّن «القانون» الالباني شكليات الانتقام وطقوسه ومواعيده ويقرّر تحليل الدم وتحريمه وفقا لحالات ومواقيت معينة، هي «الاشهر الحُرُم »، على غرار السائد عادةً وعرفا في اي مجتمع رعوي قائم على الغزو. ويعيّن «القانون» ايضا اثمان الدم، او الفديات، ومن يعيّنها ويقبضها، وما اليه.
في لبنان الحرب الاهلية، ظل القانون القبلي ساري المفعول، ولكنه اخذ يفعل فعله على نحو مضطرب، في وضع لم يكن فيه القانون الحديث قد حقق الغلبة إذ كان تطبيقه هو ذاته لا يزال يتم على نحو جزئي وانتقائي. عادة ما يكون مثل هذا التنغيل بين القانونين الحديث والعرفي حاداً في المجتمعات التي عرفت انتقالا سريعا من العالم الريفي الزراعي التقليدي الى السوق الرأسمالية. يقول آرلاتشي عن التنازع بين القيم المتولدة عن ذلك الانتقال: «يبدو ان المجتمع التقليدي يقاوم الخضوع الكامل لمنطق السوق، الا انه ليس يملك القوة الضرورية لتصفية آثار القوى والقيم وانماط السلوك المرتبطة بذلك المنطق او حتى تحييدها ». لا ينتج عن تلك المقاومة فصام ما وانما تعديل عجيب في وظائف السوق ومعانيها. يتخذ شكل رد فعل ثنائي يجمع، على صعيد القيم، «تمجيد الثقافة التقليدية مندمجا مع تطبيق انتقائي ووظيفي لقيمها».
في الحالة التي نحن بصددها، ينجم عن ذلك «التطبيق الانتقائي والوظيفي للثقافة التقليدية » اعتماد مبدأ الثأر ولكن دون شكلياته واصوله وضوابطه المذكورة اعلاه: متى يجوز الثأر ومتى يحرّم؟ ؟ كيف؟ ضد من؟ ضمن اية حدود؟ الخ. يتّبع القانون القبلي مبدأ «العين بالعين والسن بالسن ». وهو تبادل للدم يبدو متكافئا. اما جوزيف سعادة فيصعّد في جدول الضرب: من ١٥ مقابل واحد وصولا الى ٥٠ مقابل واحد. اقتضى الامر رؤية اكثر تراتبا للكائنات البشرية – هي رؤية عنصرية بإمتياز – لكي يمكن تصوُّر هذه الكمية من البشر الواجب قتلها انتقاما لقتيل واحد، وتقدير مبلغ الديّة غير المتكافئة اطلاقا قياسا للدم المراق. وعلى عكس ما يوحيه العرف التوراتي، الثأر عملية تبادل، لكنه تبادل غير متكافيء. ذلك ان ثمن الدم ليس متساويا في معظم الحالات إن لم يكن كلّها.
لم تشبع الجريمة الاستبدالية غريزة الثأر عند «بطل» قصتنا. تبيّن ان التضحية بالابرياء لمجرد انهم ينتمون الى القبيلة ذاتها التي ينتمي اليها القتلة، لم تفلح في «خداع العنف » عند المنتقم ليقطع حلقة الثأر المفرَغة. فهل ان تطبيق القانون الجزائي الحديث – تنفيذ حكم الاعدام «بالقاتل الذي لا يستطيع ان ينتقم »، حسب عبارة جيرار- سوف يروي غليل الاب المنكوب؟
جريمة – عقاب – ثأر.
قبل الاجابة على هذا السؤال، لنتوقف هنا لبرهة لكي نسأل: هل ان انتقام الاب سعادة كان رد الفعل الوحيد الممكن والقابل للتصوّر على جريمة اغتيال الكتائبيين الاربعة؟ لن يأتي الجواب على سؤالنا من خلال اي ديّان او مرجع اخلاقي او ديني. ولا معنى ان يأتي من هذا السِلك. الجواب صادر عن والد أحد ضحايا الذين قتلوا مع رولان سعادة وقد رواه جوزيف سعادة ذاته في كتابه. خلال «السبت الاسود» كان والد ايلي پانو، احد افراد الـ «ب.ج.» الاربعة الذين قتلوا مع رولان سعادة، يلاحق جوزيف سعادة ورهط القتلة وهو يصيح بهم بما يبدو انه الخبل عينه:
«انتم وحوش. انكم تقتلون العمال، الكناسين، الفقراء. اقتلوا المجرمين لا الابرياء! ».
على عكس الاب سعادة، كان الاب پانو يعتقد انه لا يزال يوجد ابرياء في الحروب الاهلية، حتى في أشدها فتكا وهولا. فاذا كان لا بد من القتل، فالاحرى قتل المجرمين الحقيقيين. غير ان خطاب الأب پانو اكثر ثراء بالدلالات. للوهلة الاولى يبدو انه يدعو الى احقاق الحق حتى لو عنى ذلك ان يتولى المرء تطبيق القانون بنفسه. لكن الصيحات الصادرة مباشرة عن قلب هذا الاب المفجوع تعبّر عما يمكن تسميتة بـ «شعبوية التعايش » التي لا تزال عميقة الجذور في الضمير والوعي الشعبيين، على الرغم من كل شيء. فالاب پانو، لا يؤمن بالانتقام من «كبش محرقة »، بل انه لا يؤمن ايضا بأن «الآخر» كل متكامل وموحد، ولا هو يؤمن بتفريد «الاخر» الجمعي من جهة اخرى. المسلمون منقسمون مثلما قومه منقسمون الى اغنياء وفقراء، حكام ومحكومين. اما الادعاء بأن الاب پانو يريدنا ان نفهم ان العمال والفقراء ليسوا يقتلون فينطوي على تبسيط شديد. الاحرى انه يكرر حكمة شعبية لا تلبث ان تظهر الى السطح باستمرار: انهم الزعماء والاغنياء من جرّنا الى هذه الحرب، نحن الفقراء من كل صوب، ومنهم يجب الانتقام. بهذا المعنى، لا بمعنى غسان تويني، يمكن القول، مع الاب پانو، ان الحروب الاهلية كانت «حروب الآخرين ». لكنهم «آخرون» الداخل، في هذه الحالة، لا «اخرون» الخارج، . إن القتلة الفعليون ليسوا من ينفّذ الجريمة بل من يحرّ ض عليها.
بهذه العبارات، يضع الاب پانو موضع الاتهام اولئك الذين يسمّيهم إسماعيل قدريه «أسياد الدم » في «القانون» الالباني. و «اسياد الدم» هم اولئك الذين يقبضون «ثمن» الدم وثمن «استعادة الدم» على الصعيد المادي، والرمزي والسلطوي. والاصعدة الثلاثة متلازمة في اي حال. في رواية «نيسان المكسور»، يرد توصيف عناصر هذا الاقتصاد السياسي للثأر خلال تبادل احاديث بين عريسين جاءا لدراسة العادات والتقاليد في الاطراف الريفية الالبانية:
– «الدم المراق، الدم المستعاد» كررت ديان، «انك تتكلم عن هذه الامور كما لو انها عمليات مصرفية. »
إبتسم بِسْيان:
– «في نهاية المطاف، بمعنى ما، بلى، انها ليست تختلف كثيرا عن العملياتالمصرفية. «القانون» يحسب ببرود… غالبا، يجب التنقيب وراء هذا الديكور شبهالاسطوري، عن العنصر الاقتصادي (…) في عصرنا، تحوّل الدم الى سلعة، مثله مثل كل شيء آخر».
الدم سلعة في عصرنا. كأن قدريه يشرح لنا في هذا الحوار معادلة معلّمه ايسكيليس التي توّجنا بها هذا النص: «الحرب مصرفي/ الذهب الذي يتعاطاه هو اللحم البشري».
لنعد الى الاب المنتقِم. جوزيف سعادة هو ابن مدينة. ليس له «ظهر» في اسرة عشيرية من الاسر الريفية او ذات التحدر الريفي الحديث. ليس يملك عزوة تدافع عنه وتنتقم له او تغطيه وتحضنه. لذا تجده يلجأ الى الحزب والى الحي والى الطائفة. غير ان هذه الاقانيم الثلاثة لا يسعها ان تحل محل العائلة، انها لا تني تردّه الى الاقانيم الثلاثة التي تقوم عليها العقيدة الكتائبية: «الله، الوطن، العائلة » – وهي الطاقة المحركة للجماعة التي تريد ان تكون «حديثة».
حقيقة الامر ان تقديس العائلة هو محرّك كل القصة الفاجعة لـ «جزار» الاشرفية. ذلك ان مقتل الابنين قد خصي المنتقم ذاته بأن صرم عملية إعادة انتاج العائلة ذاتها. من هنا فإن العنف الذي صدر عن جوزيف سعادة هو على قدر قوة ايمانه بالعائلة بما هي مؤسسة، وعلى قدر عجزه عن اعادة انتاج عائلته وإعادة انتاج نفسه بما هو رأس تلك العائلة وشيخها وقيدومها.
حقيقة الامر ان رواية سعادة أشبه بتحقيق على طريقة المآسي الاغريقية، ولكن نهايتها معكوسة. فجوزيف سعادة يتحرّى عن جريمة مثله مثل أوديب. لكن الاكتشافات المفاجئة التي تقوده اليها تحرياته، ليست اكتشافه قتلة ولده، ولا حقيقة انه هو القاتل، كما في حال أوديب. لا. ان الاكتشاف الفاجع الذي يتوصل اليه جوزيف سعادة هو عكس اكتشاف أوديب. يكتشف سعادة الجزّار القاتل انه هو الضحية. عند دفن ابنه، يبلغ الرجل ذروة مأساته إذ يدرك انه «لن يكون له حفيد يحمل إسمه». وهكذا فالعائلة، وقد أخصي شيخُها وقيدومها والبطريرك فيها على هذا النحو، قد قتلت قيدومها!
لنتوقف لحظة لكي نلاحظ جيدا اننا بصدد مفهوم ذكوري للعائلة: العائلة هي افرادها الذكور. ذلك ان لجوزيف سعادة ابنة، تلك التي يسمّيها «صغيرتي الرائعة مايا». الا انه عندما يجدّ الجدّ، لا تدخل البنات في الحسبان. فالبنت لا تستطيع ان تعيد انتاج العائلة ولا ان تمنح اسم اسرة أبيها الى ذريتها. الا تقول الحكمة الجبلية «ابن ابنك إلك وابن بنتك للغريب»؟ وها نحن حرنا ودرنا وعدنا الى الغريب !
وجوزيف سعادة، في نهاية الامر، هو «حيّ ميت »، حسب اللقب الذي تطلقه القبيلة على افرادها الذين أعطبتهم أعمال الثأر.
عند صدور كتابه في فرنسا، دعي هذا «الحي الميت » للمشاركة في برنامج «آپوستروف» الذي يديره برنار پيفو، وهو اشهر البرامج الثقافية في حينها. على مسرح أستديو القناة الثانية الفرنسية تقابل عالمَان ومفهومان للعنف والقانون والجريمة والعقاب. عجّت سهرة پيفو بالاسئلة المعلّقة: لماذا ارتضى المشاركون أن يظهروا في نفس البرنامج مع مجرم قد إعترف بجرائمه؟ هل هو أحتراما لحقه في التعبير والرأي؟ ام هو من قبيل التسامح؟ وهل ان القاتل الشيعي مروان صاحب الاعترافات في كتاب مينيه كان سوف يدعى الى البرنامج ويعامل بالاحترام ذاته الذي عومل به «زميله» المسيحي؟ ام ان المشاركين كانوا يعون ان الامر مجرد لعب، مجرد «ظهور» تلفزيوني؟
لعلنا نلقى مفتاح الاجابات على هذه التساؤلات في حقيقة ان الحضور يعرفون ان العنف كامن في مكان آخر، «هنالك»، وان استحضاره على «پلاتو» القناة الثانية للتلفزيون الفرنسي يؤكد احد وظائف استحضار العنف على التلفزيون: إشعار المشاهد بالانفراج والإطمئنان لأن العنف لا يجري عنده. ولعل تفسير آخر يقول إن جوزيف سعادة بالنسبة للمشاهد الفرنسي ليس سوى كائنا افتراضيا، مثله مثل ابطال العنف في افلام هوليوود او هو من تلك الكائنات التي يؤتى بها من بعيد، من بلدان العالم الثالث، للمزيد من السماح للمتفرّج الفرنسي بأن يتطهّر ولو رمزيا من العنف القائم في ذاته بتصعيده بما هو عنف «الآخر».
دون اية بادرة ندم او اي تأنيب ضمير، روى سعادة حياته وأفعاله على الشاشة كما رواها في الكتاب. هل ادلى بتلك الاعترافات كفارة عن ذنوبه؟ هل كان يسعى فعلا الى تفهم الآخرين له؟ الى التسامح، بل الغفران؟ في كل الاحوال، الفريد في وضع سعادة انه قاتل معترف بجرائمه ولكنه لن يضطر للمثول امام اية هيئة قضائية لتحاكمه. هذا ما كان يعرفه جيدا. فعند انتهاء الحرب، صدر سنة ١٩٩١ قانون العفو العام عن كل الجرائم المرتكبة في تلك الحرب الطويلة القذرة. والانكى من ذلك هو إستثناء الجرائم في حق سياسيين او رجال دين من العفو على اعتبار انها «جرائم في حق امن الدولة»!! لهذا السبب، لا توجد قضية اسمها قضية جوزيف سعادة. قضيته مردودة في الشكل، كما تطالب مرافعات المحامين او تجزم احكام القضاة.
مهما يكن من امر ففي استوديو تجاور فيه مجرم معلن ومدعويين ابرياء (من اي جرم جزائي، على حد ما نعلم) سئل سعادة اذا كان يحدث له ان يتذكر جرائمه. اجاب انه إذ تخطر الجرائم في باله، يطرد كل افكار اخرى، ويركّز فقط على ذكرى ابنيه القتيلين. للغرابة، قد يوحي الستوديو بأنه اشبه بجلسة استجواب، الا انه كان العكس تماما من قاعة المحكمة. «المتهم» هنا يذكّر «قضاته» بأنهم لا يعرفون الـ«قوانين» السارية المفعول «هناك»: «لستم تتصوّرون ما الذي بوسعهم ان يفعلوا»، يقول قاصدا المسلمين. بل ثمة اكثر من ذلك. فهذا «المتهم» المعترف بجرائمه لا يجد اي سبب يدفعه الى الندم والغفران. فهو يصرّ على ما قد فعله ويتشبّث به. «لو ان الامر يعاد الى ما كان عليه، سوف اعيد ما فعلت »، قال ردا على سؤال مباشر في هذا الصدد، مكررا ما قد قاله اصلا في كتابه واضاف اليه «سوف اعيد ما فعلت، ولكن بفن اكبر، لاني اكتسبت خبرة». للعلم، اعطى القناص الشيعي الجواب نفسه على السؤال ذاته.
مهما يكن من امر، لم يكن سعادة متّهما في الستوديو، ولا كان سائر المشاركين في تلك الحلقة يرون الى انفسهم على انهم مدّعون عامون او قضاة او ديّانون. لكن الغريب في امر هؤلاء المواطنين في دولة الحق والقانون الفرنسية، انهم ارتضوا ان ثمة شرعتين: شرعة «لبنانية» قائمة على قانون الثأر وشرعة ديمقراطية فرنسية قائمة على قانون نابليون مع تعديلاته! ومع ان الديانات المسماة سماوية تنهي جميعها عن القتل، الا ان الاسقف غاليو -اسقف مدينة ليون المعروف بمواقفه السمحة والمنفتحة في امور الدين والاخلاق- آثر ان يتفادى الوصايا العشر ويتحدث عن الثأر. فعندما واجه سؤالا مباشرا من برنار پيفو ما اذا كان يعتبر ان سعادة لا يزال مسيحيا، أجاب «لست اقاضي. ولكن المسيحية والثار لا يتوافقان. ان الانتقام لن يحقق السلام.» فوافق سعادة بخشوع. لكنه ذّكر بمكر شديد بأنه ليس المسيحي الوحيد الذي قتل «قريبه».
هل نفعتْ الجريمة لاي شيء؟ لا حاجة للتبشير الى مؤمن. يعرف سعادة سلفا ان الجريمة «لن تعيد لي ابنائي ». وماذا عن السلام؟ ليس يسعى سعادة الى السلام. ربما كان ينشد سلام النفس، كما قال، بمعنى راحة البال. مهما يكن، فالسلام هو ايضا لن يعيد له ابناءه.
عندما قال سعادة انه سوف يعيد ارتكاب جريمته، ولكن بمزيد من الفن بعدما كل ما اكتسبه من خبرة، ما الذي كان يريد قوله فعلا؟ الم يكن يعني انه سوف يعيد ارتكاب ما قد ارتكب تحديدا لأن ما قد ارتكب لم يؤّدِ اي غرض؟ تكمن مأساة سعادة في انه جرّب القانونين الاثنين، طبق قانون الانتقام العُرفي القبلي على أبرياء هم اكباش محرقة – «ذنبهم» الوحيد انهم ينتمون الى «قبيلة» القتلة. هذا من جهة. لكنه من جهة ثانية، كان له ما يندر ان يتحقق. سنحتْ له فرصة ان يعاقب المتهمين «الحقيقيين»، بل «المجرمين» الحقيقيين، ونفّذ فيهم حكم الاعدام، اذا جاز التعبير. هنا، ناب سعادة عن هيئات تنفيذ القانون الجزائي الحديث واستجوب وحكم ونفّذ الحكم. وإن قضتْ مفارقة قاتلة ان يتم ذلك في قصر العدل ببيروت! ولكن لا هذا ولا ذاك روى غليله. كان انتقامه المسخ عنيفا على نحو مضاعف، لأنه عنف عبثي، عنفٌ عِنّين.
٦. الآليات السرّية
أ. التخلّص من الفائض البشري
ادخلت الحروب اللبنانية فكرة جديدة نوعيا على الجيوستراتيجيا هي فكرة وجود «شعب زائد» في الشرق الاوسط هو الشعب الفلسطيني. والتعبير لبشير الجميّل. فكانت مجزرة صبرا وشاتيلا عام ١٩٨٢ على يد مسلحي «القوات اللبنانية» وجيش لبنان الجنوبي، بتحريض آرييل شارون ورعاية الجيش الاسرائيلي المحتلّ ومشاركته، ومثلها الحروب الصغيرة التي شنّتها حركة امل ضد المخيمات الفلسطينية خلال عامي ١٩٨٥-١٩٨٦، محاولات لاجلاء هذا «الشعب الزائد» عن أرض لبنان. ولم يفت مصادر اسرائيلية ان تلاحظ تلك الوظيفة الديمغرافية للمجزرة. إذ كتبت سكيرا هوديشيت، الشهرية الناطقة بإسم الجيش الاسرائيلي، في تعليقها على مجزرة صبرا وشاتيلا تقول إن «القوات اللبنانية» كانت تأمل بارتكابها تلك المجزرة إستثارة «الهجرة الجماعية للسكان الفلسطينيين من بيروت ثم من سائر لبنان. هكذا أراد المسيحيون خلق توازن ديمغرافي جديد في لبنان».
هذا بالنسبة للفلسطينيين، ولكن ماذا بالنسبة للبنانيين؟ اسفرت حروب ١٩٧٥-١٩٩٠ عن سقوط ما يربو على مئة الف ضحية بين اللبنانيين. ومن جهتها، أدت الهجرة الى طرد نحو ثلث السكان خارج بلدهم. واقول «طرد» لاني اتساءل: هل توجد هجرة طوعية؟ اليست الحاجة الاقتصادية الدافعة للهجرة هي ذاتها قسرية بل هي ضرب من العنف؟ إن لم نقل انها الضرب الاشد وطأة والاكثر إذلالا والاكثر مجانية ومراوغة؟ اليست الهجرة اجلاء لهؤلاء الغرباء الآخرين، الغرباء في وطنهم من فقراء وعاطلين عن العمل والباحثين عن حياة افضل؟
في تعليقه على استسهال القتل خلال الحروب الاهلية، كتب جوناثان راندال «كما هو الحال في مجتمع تتحكم به قوانين التجارة، بدأ لبنان بالتضحية بالأقل شأنا فيه: الحياة البشرية ذاتها». على ما تحتويه هذه الملاحظة من وخز، الا انها تحتمل تفسيرين اثنين. الاول يتعلق بواقع ان الحياة البشرية تحتل المرتبة الثانوية في عالم تسيطر عليه قوانين السوق وصنمية المال والسلعة. لكنه -التفسير- يمكنه ان يشير ايضا الى العملية التي تفحصناها آنفا: ذلك ان قوانين التجارة تعمل بطريقة تستدعي التصفيات الدورية لذلك الفائض الخطير الا وهو الفائض السكّاني. في التقاليد القديمة، كانت عادة وأد البنات هي السبيل الى التخلص ممن سوف يشكلون عالة على العشيرة والقبيلة في مجتمع قائم على الغزو وحيث وسيلة الانتاج الرئيسة هي القوة العضلية للرجل المقاتل. والحال ذاته يتكرر في بعض المجتمعات، اليابان مثلا، حيث يدفن الاكبر عمرا في الاسرة الموسعة عندما يولد لها مولود جديد، لأن الاسرة لا تملك ان تعيل فما اضافيا.
إن الصيغة الحديثة لذلك الاقتصاد العائلي هي لعبة الروليت الروسية المراوغة التي كان يلعبها المقاتلون خلال أوقات فراغهم، خصوصاً اذا كانوا قد تخّدروا بحشيشة الكيف او حبّة كيماوية من نمط كابتاغون مثلا او نَخْعَة كوكايين.
ب. «العدو هو أنا»
زدْ في تغريب العدو، ينتهى بك الامر الى إستبطانه. يصير العدو في داخلك. تلك هي احدى الاواليات المراوغة للحرب الاهلية اللبنانية.
طوال سنيّ الحرب، تصوّر لبنانيون وإبتكروا كل الحجج الممكنة لتغريب العنف الذي كان يمارسه واحدهما ضد الآخر. انها «حرب الآخرين على أرضهم؛ المسؤولية عن الحرب تقع على «الطابور الخامس » وعلى «الغرباء» والحرب إن هي الا نتاج «المؤامرة الخارجية». ذلك ان التقاتل بين اللبنانيين امر مستحيل، لانه غريب عن العادات والتقاليد اللبنانية! بل عن طبيعة اللبناني ذاته، الخ. ومع ذلك فعندما يبدو ان الطوائف قد بلغت ذورة تماسكها، عندما تبدو انها قد حققت اكبر قدر ممكن من الوحدة، في تلك اللحظة بالذات تأخذ في التفكك والتشظي في كثرة لا عدد لها من الوحدات الفرعية العشيرية والقبلية والعائلية والمناطقية المتحاربة. وهذا الانتشار الجهنمي للعنف مغروز في المنطق الطوائفي ذاته، إذ هو نتاج الوهم المزدوج القاتل: الوهم بامكان توحيد الطائفة في ظل قيادة واحدة من جهة والوهم بامكانية اختزال عناصر الطائفة ومصالحها، على ما فيها من تفارق بل تضاد، الى وحدانية واحدة، حتى لو اضطر الامر فرض تلك الوحدانية بواسطة السلاح. فلن تكون نتيجة هذه المنطق، في احسن الاحوال، غير فرض الغلبة على الطائفة من داخلها لا اكثر.
هكذا فالمَشاهد الاخيرة من الحرب تشبه تصوير بابلو بيكاسو للحرب الاهلية في جداريته الشهيرة «غيرنيكا» حيث تختلط ملامح الجزار واعضاؤه مع ملامح الضحية واعضائها بحيث يصعب تمييز الواحد منهما عن الآخر. ضحية القصف الجوي، في «غيرنيكا»، هي مزيج من جذع شجرة محترق وأجزاء طائرة. وفي تفصيل آخر من الجدارية، تلقى طيرا تذبحه سكين هي جزء منه، هي جناحه. الخ.
لننتقل دون مقدمات من بابلو بيكاسو الى… وليد جنبلاط. الزعيم الدرزي، شخصية هامليتية، يتميز عن سائر زعماء الحرب، بالنظرة المستقلة التي يلقيها على الاحداث وإن تكن ملطّخة بلطخات من الإستهتار والفكاهة السوداء، بل قل السوداوية يلقيها احيانا على افعاله وافعال الآخرين على حد سواء. خلال احدى احلك فترات الحرب، وتحديدا بمناسبة ذكراها التاسعة، عام ١٩٨٦، رمى جنبلاط فجأة هذه المعادلة: «صار العدو داخل كل واحد منا». هكذا أتمت الدائرة انغلاقها في هذه الرؤية التأمرية الرُهابية الى التاريخ والحياة. ها ان «الآخر» قد استبطننا، صار القاتل في قلب قلبنا، في صميم صميمنا.
تختزل هذه العبارة الحرب الاهلية اللبنانية كلها. منطقها والمسار. من معسكرين اثنين يتحاربان، إنتشر العنف ليغطّي المجتمع كله و«تقدم» متراجعا في التشيّع والتفتت. حلّت «الحروب الصغيرة» (وهي عنوان فيلم للراحل مارون بغدادي) محل الحرب الكبرى، هذا على افتراض ان ثمة كِبَراً ما في اي حرب! لم يعد للحرب معسكرات ولا جبهات قتال، كل حي، كل زقاق، كل بناية، كل عائلة إنقسمت على ذاتها في معسكرات وجبهات قتال وصولا الى الوحدة التي يفترض انها لا تتجزأ: الفرد ذاته. حتى هذا إنفصم نصفين، نصف يقاتل نصفا. هكذا صار الاخوة الاعداء يتقاتلون داخل كل واحد منها، ذورة العنف في الشخصية الفصامية.
نحن قايين ونحن هابيل.
٢ – الملصقات بما هي أسلحة
المأثرة الكبرى لزينة معاصري في باكورتها عن ملطقات الحرب الاهلية اللبنانية هو انها نجحت بصبر وأناة والكثير من الموهبة في ان تجمع وتوثق وتأرشف عدة مئات من الملصقات التي انتجها الافرقاء المختلفون في حروب لبنان. وما يزيد من قيمة هذه المساهمة اللافتة في تغذية الذاكرة الجمعية انها ثمرة جهد فرد واحد في وقت تقاعست او ترددت عن القيام به المؤسسات الرسمية او الخاصة والمنظمات غير الحكومية.
لكن زينة معاصري أنجزت ما هو اكثر من ذلك بكثير. حللت الملصقات من حيث المحتوى والشكل، وطوّعت عددا من الادوات النظرية لهذا الغرض.
في البداية، وضعت الملصقات في سياقها والصيرورة، إذ ان الصيرورة هي المضاد الاكيد لفقدان الذاكرة. ولم تقع معاصري في فخ تحليل المضمون التي غالبا ما يقع فيها المحللون الذين يفترضون انه لا بد ان يوجد على الدوام سردية مهيمنة ينبغي استكشافها. تُحلل معاصري سرديات عديدة تتحول من ادعاءاتها الحداثية المبكرة الى ذواتها الطوائفية والانتمائية السافرة.
تعتني الكاتبة بالتمييز بين ملصقات الحرب الاهلية والمصلقات الدعاوية. فعدا عن ان الاولى تتضمن بعض عناصر البروباغاندا، الا ان رسائلها تميل الى ان تكون اقل اهتماما بالتغلب على «العدو» او تحطيم معنوياته، مما هي معنية بنفخ النرجسية الجماعية والتعبئة لمزيد من الاسباب الدافعة الى الموت. ففي كل الاحوال، نادرا ما يفرّ المقاتلون من الخدمة في الحروب الاهلية. لن تتوقع ان يفر المقاتلون الاعداء من الخدمة، اكثر مما تتوقع ان تفر أنت من الخدمة، ذلك ان مصيركما هو الموت المحقق. فمنطق القبيلة ان «الدم لا يصير ماء».
تقول الملصقات الكثير عن الحرب.
في هذا الكتاب، تتحدث الحرب بوسطة الصور والكلمات تمجيداً لزعماء غائبين، بانتظار عودتهم، وتتنافس الميليشيات على السيطرة على الارض او حتى على البلد ككل. وبقدر ما يتقلّص «وطن» كل فريق من الافرقاء، بذات النسبة تتسع المساحة المقدسة في فضائه القبلي-الديني، إذ تندلع هلوسة العنف والهوية.
كذلك تضع زينة معاصري الملصق في سياقه لتوفر خلفية لفهم نمو فن الملصق العربي خصوصا في التجربة اللبنانية-الفلسطينية المشتركة، وتجري الكاتبة تفصيلا في المنتجين والممولين والفنانين ومنوعات الابداعات في فن الملصق.
اخيرا لا تغفل زينة ملاحظة تدهور القيمة الفنية والجمالية للملصق إذ تقلع الطوائف الدينية القبلية أرديتها الحداثية وترتدي الازياء العسكرية للهويات القاتلة.
الحروب الاهلية هي الميدان المثالي للترميز. اما الحروب الاهلية المتمادية والتي لا تنتهي بغالب ومغلوب، فإنها تميل الى تضخيم المحمول الرمزي إذ تعجز المعارك في الارتقاء الى الطور الختامي المحتوم الذي يقرر النصر لهذا الفريق والهزيمة لذاك. إذذاك ينطوي النزاع على عينة اضافية من المبارزات الرمزية حيث العنف يزيد من وظائفه غير العسكرية. ان مثل تلك المبارزات تطمح الى انزال اكبر قدر ممكن من الجراح الرمزية في الآخر. وقد ابتكر المتحاربون في الحروب الاهلية اللبنانية طرائق عدة لانزال مثل تلك الجروح: المبارزات الكلامية بواسطة السباب والشتائم عبر خطوط القتال، الخربشات التعييرية على الجدران، تدنيس الاماكن المقدسة، الخطف، الاذلال على الحواجز، ناهيك عن الاغتصاب الذي يبدو ان له اثرا محدودا في الحروب لاسباب لا تزال ملتبسة.
هنا لم يكن الرمزي بمنفصل عن الفعلي؟. ذلك ان الرمز يشحن الفعل بزخم اضافي. وهكذا فإن «تفريد العدو» يزوّد القناصين بمنهجية تقول ان «قتل واحد منهم يوازي قتلهم جميعا». والحمى المقدّس يتطلب احيانا، بشفاعة القديسين رجالا ونساء، ان يعاد تقديسه بالتطهير بواسطة الدم والنار ضد الذين دنّسوه. وقد كانت الحروب اللبنانية السبّاقة الى اعتماد التهطير العرقي/المذهبي.
الملصقات التي أحسنت معاصري تعريفها على انها «مساحات رمزية للصراع السياسي» سرعان ما تصير مساحات رمزية للصراع العسكري.
في نظريته عن «الصورة الفعل» يثير مؤرخ الفن الالماني هورست بريدكامب، «حيوية» الصور. ويطرح مقولة ان الصور لا تزيّن فقط، بل انها تتمظهر في اشكال متجددة باستمرار من «الإحيائية/الحيوية» وبالتالي تكتسب دورا «فاعلا reflexive. لست واثقا الى اي مدى يمكن تطبيق نظرية بريديكامب على كافة اشكال التمثيل. المعقول ان نظرية الصورة-الفعل تبدو ملائمة الى حد بعيد لاقامة العلاقة بين الفن والحرب، بين الصور والعنف، عندما تصير الصور بدائل عن الفعل والانجاز.
ولا عجب ان يلجأ بريدكامب للتمثيل على نظريته الى امثلة عن العنف الذي تثيره الصور. فهو يذكّرنا مثلا بصورة شهيرة لثائر روماني يوجه حربته الى صورة لتشاوسيسكو. فلما كان الثائر لا يستطيع توجيه الطعنة لوجه الدكتاتور الروماني فعليا، وجه فعلَ العقاب الي الصورة. في فترة اقرب منا، وزعت وكالات الانباء صورة متظاهرين مصريين يدوسون بالارجل صورة كبيرة للرئيس حسني مبارك خلال الاضراب العام الشهير يوم ٦ مايو ٢٠٠٨ ضد غلاء المعيشة في مصر.
في كل يوم، يجري تمزيق الملصقات والصور علي جدران الشوارع في مدن العالم اجمع على إيدي اناس يعترضون عليها. على انه قد لا يكتفي المرء أحياناً بجرح ملصق بسكين او خنجر او حربة، قد يحاول إغتيال الملصق!
معروف ان مختلين عقليا قد هاجموا اعمالا فنية، مزقوا لوحة زيتية بواسطة سكين او خنجر، او شوهوا جدارية او منحوتة او تمثالا لاسباب عادة ما تكون شخصية، او نفسانية عصبية. على ان تلك الاعمال الفردية إن هي الا الشواذات التي تثبت القاعدة. ان الثائر الروماني والمتظاهرين في القاهرة ليسوا يرتكبون عملا جماعيا، بل انهم يبدون اشبه باناس يرتكبون اغتيالا سياسيا.
ويصدف احيانا ان تكون الصور من الخطورة بحيث تحتاج الى الحماية بواسطة الحراس المسلحين او العوازل الواقية من الرصاص درءاً للعنف الذي قد يستهدفها. ان جدارية بيكاسو الشهيرة، «غيرنيكا» التي رسمها الفنان عام ١٩٣٧ عن الحرب الاهلية في بلاده مثال على ذلك. لا تزال اللوحة معروضة في احد ملحقات متحف البرادو في مدريد خلف حاجز زجاجي واق من الرصاص بعد انقضاء نحو من سبعين سنة على الحدث الذي دفع بالفنان الى تصويرها. والي جانب الجدارية يقف شرطي مسلح من افراد «الغوارديا سيفيل». حقيقة الامر ان جدارية بيكاسو في بلده تجري حمايتها من خطر مختلف. انها محمية من ان تزعج احدا يتصرّف بإسم جماعة تشكو من «جرح في الذاكرة» لم يلتئم بعد منذ الحرب الاهلية الاسبانية ١٩٣٦-١٩٣٩.
فيما انا اكتب هذه الكلمات، وصلني من صديق فلسطيني صورا التقطها في منطقة نابلس لملصقات لا تزال مرفوعة في ساحة قرية عقربة تمثل الديمومة المتناقضة لذكرى صدام حسين بين الفلسطينيين. يظهر الدكتاتور في ثلاث من الصور في البزة العسكرية، وفي اثنين منها تشاهده يرمي ببندقية الكلاشنيكوف الآلية. تحت واحدة من الملصقات يوصف صدام بما هو ابو الشهداء، القائد، المجاهد، والشهيد، صدام المجيد. يمكن الاستنتاج من ثباث الصور على الواح معدنية ان من علّقها هو المجلس البلدي او احد اعيان القرية النافذين. على ان هذا لم يمنع فلسطينيين يخالفون الدكتاتور العراقي الرأي من ان يثقبوا اثنين من ملصقاته بالرصاص.
فلسطينيون عبروا عن معارضتهم صدام حسين باطلاق النار على صورته في قريتهم. انسان يقتل صورة. الامر نفسه يمكن ان يقال عن قائد الدبابة العراقي الشهير العائد من حرب الكويت في اذار ١٩٩١ حين وجّه مدفع دبابته ليفجر جدارا عليه صورة لصدام حسين في مدينة البصرة الجنوبية. قائد دبابة يضرب بالمدفع صورة للدكتاتور. اطلق الفعل الرمزي انتفاضة من عشرات الالوف من اهالي جنوب العراق ضد نظام صدام. والاكيد ان رامي المدفع على الدبابة لم يكن ليتصوّر نتيجة فعله ذاك. كان يمارس رد فعل عنيف وغريزي ضد مجرد المظهر المرأي للرجل الذي يعتبره مسؤولا عن قمع الدموي لشعبه وعلى الاخص مسوولا عن اذلاله في الهزيمة العسكرية.
ان الحروب تقول الكثير عن الملصقات.
ولولا ان الملصقات لم تكن تنضح بمثل تلك المقادير من التحدي، لماذا إذاً تلقاها تثير تلك ردود الفعل العنيفة الى حد اغتيالها؟
في قرائتها للحرب من خلال الملصقات وللملصقات من خلال الرب، قدمت لنا زينة معاصري طريقة اخرى للنظر الى الملصقات: النظر اليها بما هي اسلحة.
٣ – عن الكاثار والشَرّّ وما يرسمون
«النِذر للدَيْر والخَرَا ع سمعان».
اضع هذا المثل الشعبي مدخلا الى نصي هذا لأنه يقيم مقارنة ما، والمقارنة علاقة، بين شأن ديني وبين ما قد يبدو الاسفل من امور الدنيا، البراز البشري. ولكن، هل ان السافل من شؤون هذه الدنيا نقيض للخير الذي يفترض ان تبشّر به جميع الديانات السماوية؟ هل ان البراز والشرّ متماثلان؟ وما حكم الخير والشر؟ ما الذي يجعل البشر يعتقدون ان الشرّ على هذه الدنيا من صنع الشيطان وحده وان الروح وحدها من خلق الله؟ بل كيف يندفع بشرٌ، بمثل ذلك اليقين، الى رفص الإقرار بوجود حقيقي للعالم الارضي والقول بأن العالم الوحيد الحقيقي هو الحياة الآخرة؟
تداعت عليّ هذه الاسئلة في مزرعة في منطقة الـ«تارن» في مقاطعة تولوز الواقعة بين جبال الپيرينيه الفرنسية والبحر الابيض المتوسط عندما جمعتْ الصدفة بين يديّ ثلاثة نصوص:
– كتاب تعريفي بـ«الـكاثار»، الشيعة المسيحية التي هيمنت على تلك المنطقة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين،
– مجموعة مقالات لجون برجر في النقد الادبي والفني،
– رواية «مديح زوجة الاب» لماريو فارغاس يوسّا.
يروي يوسّا قصة حبّ يافع لزوجة ابيه المثيرة قاطعاً سرد الولد العاشق بوايطة فصول تروي قصص الحب والجنس عند ملوك وآلهة من التراث الاغريقي. بل ان القسم الاكبر من رواية يوسّا استنطاق للقصّ الاسطوري في اللوحات الفنّية: ملك ليديا المفتون بعجيزة زوجته، في لوحة لجاكوب جوردياش، ولوحة فرانسوا بوشيه الشهيرة «ديانا تستحمّ»، ولوحة «فينوس والحب والموسيقى» لتيسيان، ولوحة «البشارة» لفرا أنجيليكو، وغيرها.
ينطوي نص الروائي البيروفي على ومضات من الكتابة الايروسية الناضجة. وما عدا ذلك من العاديات. اما اللوحات الفنية فقد أدرجتْ في النص لغرض تزيين السرد الروائي ليس إلا. لا يشذّ عن هذا الا اللوحة التجريدية الحديثة التي يشبّهها اليافع بزوجة الاب. والتشبيه هو عقدة السرد. تنحلّ العقدة عندما يفكّ الابُ اللغزَ إذ يكتشف ان تفاصيل اللوحة التجريدية انما هي تفاصيل جسد زوجته. فيكتشف الأب بذلك ما وقع بين الابن وزوجة الأب.
يروي يوسّا قصة ولد يتركنا سلوكه بلا تفسير. فهو يغري زوجة ابيه في اربعينها فيضاجعها ثم يفشي الِسّر الى أبيه عبر فرض دراسي، فيستجلب التعاسة للاب ولزوجة الأب معا. إذ ان الاب الشغوف حد الهوس بجسد زوجته لا يلبث ان يطلّقها. وفي حوار للولد مع مربّيته الشابة، يزيد الولد من الغموض الذي يلف دوافعه. تسأله المربّية هل اقدم على فعلته ليمنع اباه من ان يُحِلّ امرأة اخرى في فراش امه؟ فيجيب انه صارح الاب بعلاقته بزوجه أبيه من اجل المربّية! عقدة اوديب ليست إذاً عقدة الرواية، ولا هي بالتالي الحل.
في ايروسية يوسّا عبادة للجسد النسائي وقد بات شميما ولميسا وأصوات. هنا يشكّل الانف والاذنان والردفان الف باء ابجدية إيروسية مبتكرة تريد ان تتحاشى التركيز على المفردات التقليدية للنص الجنسي: النهدين والفرج. على ان يوسّا يغلّب الطقس على الفعل، فتأتي ممارسة الحب في روايته متقطعة سريعة.
ولعل الكلمة المفتاح في رواية يوسّا هي الطقوسية. تدور معظم طقوس الرواية مدار الماء والاغتسال والتمرحض: تمرحض الرجال واغتسال النساء، بما فيه طقس الاغتسال قبل المجامعة. وذروة هذه الطقوسية، وصف الروائي للدقائق التي يقضيها احد الارستقراطيين متأملا خراءه الذي يواظب على انزاله في الساعة عينها من كل يوم.
❊❊❊
تشاء الصدفة ان يتطرّق كلا من يوسّا وبرجر للتمرحض والبراز البشري. ولكن كل واحد منهما من موقع مختلف، واي اختلاف.
يجمع كتاب جون برجر نصوصا مختارة من النقد الادبي والفني لن اتطرق اليها هنا. بل اكتفي بواحد منها فقط. ولا بد باديء بدء من ملاحظة الفارق بين الكاتبين. يوسّا روائي فيما برجر حكواتي. برجر حكواتي القرية حتى عندما يكتب ما يمكن اعتباره «رسالة» في موضوع معيّن او مقالة في النقد الادبي والفني.
في النص المعني، يروي الحكواتي برجر تجربة شخصية. هذا الكاتب والناقد الكبير يعيش منذ عقود من الزمن بما هو فلاّح في قرية نائية في أعلى جبال الساڤوا الفرنسية تعوزها المجارير الحديثة لتصريف الإفرازات البشرية. وفي شهر أيار من كل عام، يحفر برجر حفرة كبيرة ليطمر فيها الخراء البشري المتراكم في بيته خلال الشتاء.
والحال ان مهمة طمر براز الشتاء هذه مناسبة لتأملات وتخييلات لا متناهية عند الكاتب. توحي له رائحة البراز بمشاهد من الجنة، لا بصور لملائكة وقديسين، وانما بصور جنّّات من خُضرة وماء. على الذين قد تصدمهم العلاقة، يردّ برجر على شاكلة سؤال: من اين تأتي أحلام الطهارة والنضارة الا من الحضور الدائم والعميم للغبار والوحل والخراء؟
على المنوال نفسه من اقامة العلاقة بين السافل والسامي، يستشهد برجر بملاحظة للروائي التشيكي ميلان كونديرا يقول فيها ان الحجة على عدم وجود الله هي الحُكم على الانسان بأن يتبرّز. فلو كان الله موجودا لما حُكِم على البشر الممارسة اليومية لمثل ذاك الفعل الشنيع. يعلّق برجر ان مثل هذا القول انما هو عيّنة معبّرة عن الفكر النخبوي. يحوّل النخبويون النفور الطبيعي الى صدمة أخلاقية. فتلك عادة متأصلة من عادات النخبويين. وهذه عادة اخرى عندهم: الشجاعة قيمة يعجب بها الجميع. لكن وحدهم النخبويون يذمّون الجُبن على انه شرّ فيما المحرومون والفقراء، ناهيك بالجنود والمقاتلين والمناضلين، يدركون تمام الادراك ان الجميع قابل لأن يجبن في حالات معينة.
ينفي برجر وجود الشرّ في الطبيعة. ليس الشر وليد تخثُّر المادة، كما في الخراء. انما الشرّ وليد قدرة البشر على ان يقنعوا أنفسهم بالشرّ. الشرّ كامن وظاهر في البشر، إذاً. وعلى عكس الكثير ممن يريدون اقناع انفسهم واقناعنا معهم بأن السلوك غير البشري هو سلوك حيواني، يؤكد برجر ان الوحشية ليست من نتاج الحيوان ولا هي من نتاج الطبيعة. فيخلص الى ان «التوحش نتاج اقناع انفسنا بإلحاق الاذى بالآخر او هو نتاج التجاهل الواعي للالم الذي يعاني منه الآخرون» (ص ٤١). يمكن تفادي الشرّ، يستنتج برجر، لكنه يستدرك قائلا ان تفادي الشَرّ مجرّد خيار، قد نختاره او لا نختاره.
برجر الحكواتي فلاح مضطرّ لان يتعامل والخراء. فتردّه رائحة البراز الى الطفولة والى مشهد تفتّح نوّارات اللَيْلَك، فيتذكر رائحتين متمازجتين، الليلَك والبراز، هي ذاكرة تعود الى زمن طفولي لم يكن يعرف الكاتب فيه إسماً لا للَّيلَك ولا للبراز!
اليس الحلم بالجنة هو الحلم بليَلك الطفولة؟
❊❊❊
قد يوافق الكاثار على رأي برجر القائل إن الشرّ ليس موجودا في الطبيعة وانما في البشر موجود. ولكنهم يدفعون ذلك الرأي الى نهايات عجبية. فيخلصون من تأكيد وجود الشرّ في البشر الى إنكار وجود عالمنا الارضي، بل قل الى تكفيره.
ظهرتْ طائفة الكاثار المسيحية الهرطوقية في القرن الحادي عشر في بلاد «ليموزان» وانتشرت في وسط فرنسا فكانت مراكزها الرئيسية في مدن وبلدات تولوز وكاركاسون وبيزييه. تأثر انصارها بالديانات الشرقية مثل المزدكية والمانوية. وابرز معتقد لديهم رفضهم الاعتراف بوجود حقيقي للعالم المحسوس. كانو يؤمنون بأن العالم المحسوس نفيٌ خُلِقَ من غير تدخّل الارادة الربّانية. ولما كان الخلق الوحيد هو ما صنعه الله، فالروح وحدها حقيقية. من هنا ان اساس الشرّ كامن في هذا العالم. إذ لا يمكن للشرّ ان يكون صادرا عن الله، إن هو الا من صنع الشيطان. هنا يتجلّى التأثير المزدكي الفارسي على مذهبهم، إذ يرون الى الكون مسرحا للصراع بين مبدئين: مبدأ الخير، خالق العالم الروحي، ومبدأ الشر، المتجسّد بالشيطان، خالق العالم المادي، الحسي. لذا كان على الانسان أن يتحرر من العالم المادي لكي يستطيع الانفلات من إمارة السوء الذي يسيطر عليها الشيطان وتحقيق الاتحاد بالخالق.
كيف يكون ذلك؟ يكون بانتصار مبدأ الخير على مبدأ الشرّ وفق نظرة طوَفانية نُشورية لنهاية العالم. عندما تحين اللحظة الآتية، سوف تغمر المياهُ الأرضَ وتنخسف الشمس والكواكب وتسود الظلمات. والنار سوف تستهلك المياه والمياه سوف تطفيء النيران. وفي انتظار تلك اللحظة الآتية لا محالة، ما الذي يترتّب على المؤمنين ان يفعلوا؟ يتعيّن عليهم ان يعيشوا حياة التقشف البسيطة الطهرانية كالتي يفرضها الكاثار على أنفسهم. فقد مجّدوا العُذرية والعزوبية ودعوا الى ممارسة الإمتناع الجنسي. ولما كانوا يؤمنون ايضا بالتقمّص وتناسخ الارواح، ما جعلهم رفضوا قتل الحيوان، فقد كانوا نباتين امتنعوا عن أكل اي من مشتقات اللحم.
وكانت الجماعة الكاثارية تنقسم الى فئتين: فئة تسمى «الكاملون» (او المختارون) وفئة المؤمنين العاديين. الاولون، يتلقّون العمادة الروحية (الكونسالامِنْتُم) التي تتم بتقاطع الايدي ويُجْبَر الذين يتلقّونها على سلوك حياة عذرية وتقشف. فيمتنعون عن اكل اللحوم والبَيض وكل مأكول ذي اصل حيواني ويحرّمون على انفسهم شرب الخمر والإتصال الجنسي. والى ذلك كان الكاملون يتخلّون طوعاً عن كل ممتلكاتهم الدنيوية ويعيشون على صَدََقات المؤمنين العاديين. اما الاخيرون، وكانوا يسمّون ايضا «الخيّرون»، فلم يكن مطلوبا منهم مثل تلك التضحيات والتحريمات القاسية المفروضة على الكاملين، بل كان يكتفى بأن يتلقّوا العمادة الروحية عند الوفاة. ولما كانت حركتهم ايضا ردة فعل على فساد رجال الدين، شيّدوا كنيسة خاصة بهم، يرأسها اساقفتهم، ورفضوا الطقوس الدارجة للكنسية الكاثوليكية الرسمية، بما فيها طقوس الزواج.
مارس الكاثار التضامن الوثيق فيما بينهم مثلما اشتهروا بممارسة المؤاساة بعضهم لبعض. ولن تعجب، وقد بلغ إيمانهم بالروح تلك المواصيل، ان تعلم انهم استهتروا بالموت إستهتارا. عرف عنهم سعيهم للإحتراق بالنار، ما جعل خصومهم يتهمونهم بانهم يمجّدون الموت ويشجعون على الانتحار. ومن تقاليدهم النضالية ممارستهم «الإنديور» Endura وهي الصوم او الاضراب عن الطعام عند الاعتقال.
إنتشرت شيعة الكاثار بين عامة الشعب في اواسط فرنسا، الا انهم تكاثروا بين الحرفيين، والحائكين منهم خصوصا. ولكنهم لقيوا تأييدا واسعا في صفوف النبلاء والبرجوازيين والفرسان والتجار والفلاحين. بل ان كبار إقطاعيي فرنسا مالوا اليهم وخصوصا نبلاء مدينة تولوز، ثالث اكبر مدن اوروبا، بعد البندقية وروما. وتولوز آنذاك منطقة غنية من ابرز معالمها الثقافية التروبادور، الشعراء الشعبيون الذين كانوا يعمّمون قيم الاستقامة والمساواة ويرفضون حق الاقوى ويمجّدون الانسان.
تحصّن الكاثار في قلاع منيعة. وأشهرها قلعتهم المقدسة في «مون سيغور» القلعة المبنيّة على شاكلة تابوت يعكس كل حركات الشمس في دورانها. واغلب الظن انها كانت في الاصل معبدا مانويا.
للتكفير عادات. وللعنف عادات. والتكفير أعظم مسوّغ للعنف. فإذا التكفير الذي مارسه الاوروبيون في الحملات الصليبية ضد العرب والمسلمين خلال سنوات ١٢٧٠-١٠٩٥ يرتد ضد الاوروبيين أنفسهم عند انتهاء الصليبية المشرقية. بدأ البحث عن الكفّار داخل البيت الاوروبي المسيحي. فقرّر بابا روما اينوتشنتي الثالث شنّ حملة صليبية على الكاثار. وخلال لا اقل من عشرين عاما بين ١٢٠٩ و١٢٢٩ تدفّق اكثر من ٣٠٠ الف جندي صليبي من كافة انحاء اوروبا وارتكبوا بحق الكاثار مجازر مشهورة كان اشهرها مجزرة مدينة بيزييه التي قتل خلالها نحو ٢٠ الفا من اهالي البلدة. ونسب الى احد قادة تلك الحملة انه عندما سأله جنوده كيف التمييز بين الكاثارالكفرة وبين عباد الله المؤمنين من سكان المدينة، دعاهم الى القتل دون تمييز. قال: «اقتلوهم جميعا. سوف يتعرّف الله الى ابنائه بينهم».
على سيرة «سوف يتعرف الله الى ابنائه»، إسمحوا لي بهذا الاستطراد. في واحدة من اغرب تخريفاته، تنبأ برنارد لويس بأن ايران سوف تهاجم اسرائيل في اليوم ذاته الذي أعلنه الرئيس الايراني احمدي نجاد يوم بدء المفاوضات النووية مع الدول الغربية في ٢٢ اوغسطس ٢٠٠٦. البرهان ان تلك الليلة – اتي تصادف «ليلة القدر» – سوف تكون ليلة مجيء «صاحب الزمان» المهدي المنتظر. وانها الليلة التي سوف تشنّ فيها ايران هجوما نوويا على اسرائيل. ولقطع الطريق على الحجة القائلة بأن مثل هذا الهجوم النووي سوف يقتل من عرب ومسلمين اكثر من يهود اسرائيليين بكثير، يقول ان ارهابيين يعملون بإسم الاسلام لا حراجة لديهم في ذبح اعداد من اخوتهم المسلمين ذلك ان غير المسلمين الذين سوف يقتلون في ذلك الهجوم سوف يكون مصيرهم النار، أما الضحايا المسلمون للقتلة المسلمين فسوف يصعدون فورا الى الجنّة. وختم لويس قائلا: «إن الله سوف يتعرّف على أبنائه». استخدم لويس في تلك العبارة مفردة Allah للايحاء بأنه يستشهد بنص ديني اسلامي. نشرت نبوءة شيخ المستشرقين الانكلو-اميركيين، الزعيم الروحي للمحافظين الجدد ومستشار الرئيس بوش في الحرب على العراق، في «وول ستريت جورنال» الاقتصادية بالغة الجدّية في الثامن من آب/اوغسطس ٢٠٠٦ بعنوان «اوغسطس ٢٢. هل ان ايران تخبيّ أمراً ما؟»
في آب/اوغسطس ٢٠٠٦ لم تكن ايران تخبيء اي أمر. كانت اسرائيل تخوض حربها على لبنان (١٢ تموز/يوليو – ١٤ آب/اوغسطس).
والآن لنعد الى الكاثار.
إحتل الصليبيون مدينة كاركاسون، فإنكفاء الكاثاريون الى قلاعهم. أخذ الصليبيون يحاصرون القلاع الكاثارية. وفي عام ١٢٢٨، إنعقد مجمع تولوز الكنسي، الذي ولدت فيه محاكم التفتيش ونِيْطَ بسلك الرهبان البِنيدِكتيين مهمة مطاردة الهراطقة الكاثار. وفي عام ١٢٥٢، صدر رقيم بابوي يبيح لمحاكم التفتيش استخدام التعذيب خلال التحقيق مع الهراطقة.
نظّم الكاثار مقاومة سرّية ضد الكنيسة الرسمية والسلطة الملكية استمرت عشرات السنين الى حين سقوط قلعتهم المقدسة في «مُون سيغور».
ولم يكن أمر الكاثار بلا مضاعفات مناطقية وسياسية. مثلما كان ثمة ارتباط وثيق بين نمو نفوذهم وبين استقلالية مقاطعة تولوز عن السلطة الملكية المركزية. فإنعقدت صلة وثيقة بين مكافحة الكاثار وبين اخضاع تلك المقاطعة لسلطة ملوك فرنسا. تم ذلك في عهد لويس الثامن وزوجته الطموحة والقديرة بلانش دي كاستيل، مؤسسَي السلطة الملكية المركزية الفرنسية. وقد وسّعوا رقعة المملكة الفرنسية وأخضعوا الارستقراطية العليا بالاتكال على رجال الدين والبرجوازية الصاعدة. تحاشياً للاسوأ، تعهّد ريمون السابع، كونت تولوز، بتطهير المنطقة من الكاثار بنفسه. فبين فقدان الاستقلال السياسي والتخلي عن الكاثار، إختار الحكّام التضحية بالكاثار. لم يتحقق لهم ما أرادوا. ثار اهالي تولوز ضد محاكم التفتيش وارتكبوا مجزرة بحق عسسها والجلاوزة، بتواطوء إن لم نقل بقيادة ريمون السابع بل بقيادته. ولا تلبث المعارك ان تنتهي بمصالحة بين سان لوي، ملك فرنسا، وحكام تولوز. لكن بلانش دُ كاستيل أعطت امرها الى أمير كاركاسون لكي «يقطع رأس التنين»، حسب تعبيرها، اي اسقاط حصن «مُون سيغور». وهكذا صار. تزامن إسقاط آخر قلاع الكاثار مع وفاة ريمون السابع، كونت تولوز، سنة ١٢٤٨، فإنقطعت إستقلالية منطقة «اللاغندوك» وإلتحقت بالتاج الفرنسي.
مأساة الكاثار انهم اقنعوا انفسهم بان العالم شرّ وقائم على الشرّ. فصاروا هم الشرّ.
