العودة إلى المحاضرات والمقابلات
محاضرات ومقابلات محاضرات ومؤتمرات

بيني وبينك الياسمين - الى عاصم الجندي

إهداء إلى عاصم الجندي، الصديق الذي ولد من جديد بعد رصاصة كاتم الصوت العربي، متمسكاً بأحلامه الكبيرة، وعلى ما بينهما من صداقة وحب، يبقى الياسمين.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

بيني وبينك الياسمين الى عاصم الجندي

إلتقيت عاصم الجندي مطلع الستينات. نحن: طلبة جامعيون مولعون بالادب والثورة. وهم: حلقة من الادباء والفنانين والصحافيين من سورية ولبنان وفلسطين. وكان ذلك في بيروت السمحة تفتح ذراعيها للباحثين عن حبر للحرية او عن ملجأ او اندلس. وكان عاصم أصغر افراد تلك الحلقة، فصار اقربهم الينا. كثيرا ما فرّقتنا المنافي والسفرات عبر السنوات، ولكننا دوما كانت تجمّعنا … بيروت. نلتقي فيتواصل الحديث. وهذا، في عرفي، تعريف الصداقة: ان تجلس الى امريء وتواصل حديثك معه كأنك غادرته للتوّ.

عايشت عاصم عن قرب فترة شفائه من الثقب الذي احدثه كاتم الصوت العربي في اسفل رأسه. عاد عاصم من الموت ليخبر لا عن الموت وانما عن فرح الحياة. لا كاتم الصوت كتم صوته. ولا الرصاصات كسرت قلمه. والرصاصات التي لم تقتل عاصم أحيته. ولد عاصم من جديد. ترنّح ثم اخذ يمشي ويتقدّم. تلعثم ثم اخذ يحكي ويكتب. وتسلّل نور حنون الى كتاباته اخذ يغلّف كتلة صلدة من مرارة لا تزول على ذلك الزمن العربي الزنيم، كما كان يحلو له ان ينعته. لا من عناده على مطاردة الاحلام الكبيرة ولد عاصم من جديد وحسب. ولد ايضا من امرأة وثلاث بنات. وعاصم هو البرهان على ان الرجل لا ينشيء عائلة فقط، انما الرجل تصنعه عائلته، تأنسنه، تؤنثه، ومن نسائه يولد. ومن الهام وريم وديما ودارينا ولد عاصم من جديد.

اي جنون جعلنا نحوّل حصار بيروت العام ٨٢ الى مهرجان للمقاومة والفرح! في مكاتب »بيروت المساء«، كان ثالثَنا حمدانُ القرمطي – الذي استعار عاصم اسمه لتوقيع مقالاته في »بيروت المساء«- ورابعَنا عليّ بن الفضل اليمني الذي دعا الفقراء الى الخروج لقتال الظَلَمة »حتى لا يموت انسان من الجوع وجاره متخم«. لهذا عاش عاصم وكتب وحزن وفرح وضحّى وتشرّد. كثيرون غيّروا أحلامهم. وهو يتشبّث عنيدا بأحلام التغيير. وما بدّل تبديلا.

وهي تلك الاحلام الكبيرة التي ضاق بها اخيرا شريان القلب، فإنفجر.

أترك لمن هم أعلم مني ان يقوّموا شعر عاصم الجندي واعماله القصصية والروائية وكتاباته النقدية. اريد فقط من هذه الكلمات الشهادة على العناد المكابر الذي اخفاه عاصم وراء قهقهته المجلجلة ونكاته العديدة ونميمته المحببة وسخريته السوداوية احيانا. العناد الذي هو نواة الحرية التي لا تكسر. والعناد الذي هو مخاتلة للالم. والعناد الذي هو محاولة في الامل.

عندما اودعنا عاصم مثواه الاخير في تراب ارنون المحررة، تطل عليها قلعة الشقيف التي شوّهها الاحتلال، فكّرتُ اننا كنا نستطيع ان نودع عاصم تراب فلسطين او العراق او او الجزائر او اليمن. فهذه كلها هي الوطن الذي حلم عاصم بأن ينتمي اليه موحّدا. ومع ذلك اقول: عندما يحتضن تراب السلمية عاصم، ويحتفل زملاؤه واصدقاؤه من ادباء وفناني ومثقفي سورية مثلما نحتفل به الآن، إذذاك فقط يكون عهد كاتم الصوت العربي قد إنحسر- حتى لا اقول انقضى الى غير رجعة- ويتأكد ان هذا الوطن العربي الكبير – الكبير اكبر مما يجب، حسب تعبير عاصم- قد بات يتسّع اخيرا لابنائه، لكل ابنائه. فذلك هو التكريم الذي يستحقه عاصم.

على ما بيننا من صداقة وحب، اختلفنا مرة على موضوع خطير. إختلفنا على وصف أريج الياسمين. كتبت في يوميات حصار بيروت عن »عبق الياسمين العنيف الثاقب« الذي صدمني وانا اتنقّل بين زقاق وآخر في المدينة المحاصرة. لم يَرُق الوصف لعاصم- وهو العاشق، القيّم، وحده، على إمارة الياسمين. فكيف لأحد ان يجروء على وصف زهرته الرهيفة الفوّاحة بالعنف؟ فصار الياسمين تحيتنا المشتركة وكلمة السرّ بيننا وموضوع مشاكساتنا ومساجلاتنا الدائمة.

افكّر بعاصم وأبتسم وارى شلالا من الياسمين ينهال على هذه القاعة.

عاصم: بيني وبينك الياسمين. سيبقى بيني وبينك الياسمين.

المواضيع
أدب وفن تاريخ
البلدان
سوريا لبنان
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الأدب العربي السيرة الذاتية والمذكرات تحية شخصية سوريا لبنان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.