اوباما: الرجل والنظام
فواّز طرابلسي
يتوّج دخول باراك حسين اوباما البيت الابيض نضالا شاقا وطويلا خاضته حركة الحقوق المدنية للافارقة الاميركيين. وقد نجحت تلك الحركة – بقيادة مارتن لوثر كينغ ومالكولم اكس والفهود السود وسواهم- في تفكيك نظام من الفصل والتمييز العنصريين تحكم بحياة الاميركيين الافارقة خلال ثمانين عاما، فامكن اخيرا انتزاع حق جميع السود في الترشح والانتخاب في ستينات القرن الماضي.
هكذا يجيء ارتقاء اول رجل اسود لحكم اقوى بلد في العالم ليسد ثغرة فاغرة في الديمراطية الاميركية ويستكمل تحقيق المساواة القانونية والسياسية بين المواطنين الاميركيين. علما ان المساواة السياسية والقانونية ليست تعني المساواة الاجتماعية بأي حال من الاحوال. ذلك ان الافارقة واللاتيننين لا زالوا يشكلون قسما كبيرا من مهمشي البلد وفقراءه وقد بلغوا المئة مليون مواطن.
لكن الاحتفالية الرمزية والثقافية بالإسم العربي المسلم وباللون يجب ان تنتهي هنا.
فالاسماء لا تصنع السياسات. ولا الاصل الديني والاثني يتجاوز مصالح نظام اقتصادي اجتماعي سياسي ثقافي مركّب ووازن مثل النظام الاميركي.
مسألتان لا مفرّ من تناولهما للحكم على ما يستطيعه الافراد. الاولى هو تحديدا قياس مدى الارتجاج الذي يعاني منه النظام الاميركي برمته تحت وطأة الصدمة الكبيرة للازمة المالية وتحت وطأة الإرث الكارثي لجورج بوش وجوقته من المجافظين الجدد. ان هذا القياس يسمح بتقدير مدى قدرة الرئيس المنتخب على التجاوب مع الحاجات المستجده للنظام وإيفاءها حقها.
اما المسألة الثانية فهي مفارقة العلاقة بين برنامج الحملة الانتخابية لباراك اوباما المرشح وبين برنامج الحكم لرئيس باراك اوباما ومدى قدرة الرئيس على تعديل بل تغيير برنامجه ووعوده بما هو مرشح.
الكثير يتوقف على معرفة الجمهور الذي انتخب أوباما والمصالح التي دعمته. يتبيّن من التحليلات الاولية ان كثرة من ناخبيه هم من السود واللاتيننين والشباب. وهو امر مفهوم. ومع انه من المبكر التدقيق في سلوك الفئات الاجتماعية تجاه المرشحين، الا انه بات معروفا ان الجناح المالي من الطبقة الاقتصادية دعم حملة اوباما ماليا اكثر مما دعم حملة ماكين. ومعروف ان الكلفة العالية للحملات الانتخابية التي تصل الى عدة مليارات من الدولارات لا يمكن تحمّلها من الحزبين والمرشحين الا بناء علي دعم مالي كثيف من كبريات الشركات والمصالح الاقتصادية. فمثلا لعبت الشركات الاكلترونيات دورا بارزا في دعم وتمويل حملة بيل كلنتون. بل ان الحزبين الرئيسيين يعدّلان في برامجهما الانتخابي في ضوء اي جناح من الطبقة الاقتصادية كان الاوفر دعما لها.
من هنا ان انحياز الرأسمالية المالية الى اوباما عبّر عن نفورها من اداء إدارة بوش وجوقته من المحافظين الجدد. ولم يكن الانحياز مستغربا الاستغراب نظرا الى سجّل اوباما في مجلس الشيوخ الذي يذكّرنا به المرشح الثالث لرئاسة الجمهورية الاميركية، المحامي التقدمي رالف نادر، اللبناني العربي الاصل. وفي كل الاحوال، لم يخيّب أوباما امال «وول ستريت». وافق، مثله مثل خصمه ماكين، على خطة تأميم خسائر كبريات الشركات المالية والمصرفية التي تقدمت بها ادارة الرئيس بوش من غير تعديل، وذلك ضد تحفظات تيار واسع من الرأي العام والمشرّعين في مجلسي الكونغرس.
اذا صدّقنا تصريحات الحملة الانتخابية، يحمل اوباما في جعبته اجراءات اقتصادية واجتماعية متواضعة، لكنها سوف تبدو قطعا إيجابية قياسا الى كوارث عهد بوش. على انه يصعب وصفها بانها اجراءات «اشتراكية ديمقراطية» ولا هي تملك الجذرية والتكامل لاصلاحات «العقد الجديد» لعهد روزفلت في الثلاثينات والاربعينات. على ان الكل هنا يتوقف على تداعيات الازمة المالية في مجال قطاعات الانتاج وعمق الركود الاقتصادي المتوقع.
كان اوباما صريحا في وعده بدعم الطبقات الوسطى. ولكنه وعد ايضا باجراءات تمس الفئات الفقيرة. ومنها زيادة تعويضات البطالة التي سوف تفرضها اصلاً تداعيات الازمة المالية والتسريحات الواسعة النطاق المتوقعة في كافة مرافق الاقتصاد. على صعيد آخر، تعهد بالتخفيف من المداهمات الامنية ضد المهاجرين غير الشرعيين – التي تمسّ بنوع خاص الجاليات اللاتينية التي ينمو عددها ووزنها في الحياة الاميركية. يبقى ان النقطة الابرز في برنامجه الاجتماعي هي مشروع تعميم الضمان الصحي. على ان ما سوف ينفذه اوباما في هذا المجال مرهون الى ابعد حد بمدى نجاحه في مقاومة العقبات التي سوف تضعها في وجهه مصانع الادوية وشركات التأمين، وهي التي احبطت المشروع ذاته زمن ولاية بيل كلنتون.
قد تنفع تسمية اوباما بأنه «كنيدي اسود» بالاشارة الي صغر سنه النسبي وحيويته وانتمائه الى اقلية من الاقليات الاميركية. لكن المفضل ان تنتهي المقارنة عند هذا الحد. فاوباما ابن مرحلة ما بعد الحرب الباردة اما كنيدي فممثل ذروة من ذروات معاركها. والتمني الاول هنا هو ان لا يلقي الرئيس الاسود مصير الرئيس الكاثوليكي الابيض إغتيالا على يد مافيات النظام الاميركي ذاته او الذين سوف يرفضون نتائج صناديق الاقتراع. اما التمني الثاني فهو ان لا يتعاطى اوباما مع اميركا اللاتينية، وخصوصا مع كوبا وفينزويلا، على غرار كنيدي صاحب حملة الغزو الفاشلة ضد الجزيرة التقدمية.
للسياسة الخارجية نظامها هي ايضا. ويمكن التهكن هنا ان مستشاري اوباما يضربون الآن اخماسا باسداس حول الكيفية التي سوف يمارسون بها سياسة خارجية تعيد الثقة بالولايات المتحدة والسمعة الدولية وتوحي بأنها لا تزال الامبراطورية القوية والمنيعة دون ان تكرر سياسة بوش الرعناء وحيدة القطب. ان الكثير من الامل والتغيير يعتمد على التوفيق بين هذين الاعتبارين.
تتكاثر التصريحات المتفائلة والمشجعة والمتفائلة بالعهد الجديد من شركاء الولايات المتحدة ونظرائها الدوليين. على ان الكثير يتوقف على مدى استعداد الرئيس المنتخب التراجع مثلا عن نشر الدروع الصاروخية على الحدود الروسية، مصدر الخلاف الكبير مع نظام بوتين. او هو يتوقف على مدى استجابته لتمنيات اوروبية علي الولايات المتحدة التخلي عن سياسة القطب الاوحد وانتهاج سياسة التعددية القطبية التي يحلم به الرئيس ساركوزي.
يتبدى ثقل مصالح النظام الامبراطوري ووطأة الارث البوشي فيما يتعلّق بمنطقتنا اكثر من اي منطقة اخرى من العالم. فالتمايز الوحيد عن السياسة البوشية هنا يكاد ان يكون وعد الرئيس المنتخب بأنه سوف يعتمد الحوار مع ايران وسورية فيما كان خصمه ماكين، الطيار الاسير في حرب فيتنام، يطلق ضد ايران صيحاته المخبّلة:«أقصف، اقصف ثم اقصف»!!
عن العراق، تحدث اوباما عن «انسحاب» يتم خلال ١٦ شهرا – بعد إستشارة القادة العسكريين. الا انه اعلن عن عزمه الابقاء على ٥٠،٠٠٠ جندي في قواعد اميركية في بلاد الرافدين من اجل مواصلة «الحرب ضد الارهاب» حسب تعبيره، وإرسال القوات المنسحبة من العراق لمواصلة الحرب في افغانستان. اما الهدف الآخر للاحتلال الاميركي في العراق – تخصيص النفط بسحبه من سيادة ووصاية الشركة الوطنية العراقية وتسليمه لكبريات شركات النفط المتعدية الجنسيات- فلا يبدو ان الرئيس الجديد يعارضه في شيء.
في النزاع العربي-الاسرائيلي أطلق اوباما من التصريحات واعلن من المواقف ما يوحي كأنه يريد نسف كل الجسور امام التراجع عنها وهو في سدّة الرئاسة. فعضو مجلس الشيوخ المعروف بتأييده العلني للحقوق الفلسطينية انقلب فجأة الى مؤيد بلا تحفظ لاشد المواقف الاسرائيلية تطرفا لا يختلف في شيء عن اعتى الليكوديين من جماعة المحافظين الجدد.
في خطاب امام مؤتمر اللوبي الصهيوني،«آيباك»، لم يكتف بالتعهد بحماية اسرائيل بل اعلن معارضته «تقسيم القدس». ورفض الحوار مع حركة حماس، مع ان استطلاعات الرأي تقدّر ان لا اقل من ٦٤٪ من الاسرائيليين تؤيدها! وخلال زيارته لاسرائيل الصيف الماضي، لم يمض اكثر من ٤٥ دقيقة في اراضي السلطة الوطنية الفلسطينية ورفض زيارة اي مخيّم للاجئين وإمتنع عن توجيه كلمة نقد واحدة لاسرائيل، مع ان إدارة بوش انتقدت استخدام القنابل العنقودية في حرب تموز ٢٠٠٦ على لبنان وكانت ولا تزال تدعو- ولو لفظيا- لتجميد بناء المستوطنات. الى هذا، كان اوباما بين الذين منعوا الرئيس السابق جيمي كارتر من الحديث عن فلسطين امام مؤتمر الحزب الديمقراطي الاخير.
يبقى ان نراقب الآثار غير المباشرة لانتخاب الرئيس الديمقراطي على سياسات المنطقة وانتخاباتها القادمة. فليس مستبعدا مثلا ان يساعد نجاح اوباما على ترجيح كفة «الاصلاحيين» ضد «المحافظين» في الانتخابات الايرانية. ومن جهة اخرى، لا يزال التردد كبيرا في كيفية التعاطي مع الرئيس الجديد في اسرائيل. فاليمين المتطرف، الذي اخفى مخاوفه وكبت مشاعره تجاه اوباما على امل ان ينجح ماكين، يسعى الآن الى استيعاب الانتصار بتطمين النفس على ان اوباما سوف يغيّر موقفه من ايران. ومن جهة ثانية، تحاول ليفني توظيف الانتصار الديمقراطي من اجل تدعيم حظوظ كديما الانتخابية.
ان الفرحة الكبيرة بسقوط عملية تجديد نظام بوش بواسطة ماكين، وبانتصار جديد حققه السود الافريقيين على طريق المساواة في المواطنة والحقوق، لا يقترن بفرحة مماثلة تجاه ما يحمله الرئيس الاميركي الجديد من ايجابيات في السياسة الخارجية وشؤون منطقتنا خصوصا.
