العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

انها المؤامرة

كم هي مريحة المؤامرة — مكشوفة وناجحة ونحن ذاهلون. ياسين الحافظ: بدلاً من «مؤامرة» قُل «مصالح»، بدلاً من «ضحية» قُل «عجز».

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

انها المؤامرة

فواز طرابلسي

كم هي مريحة فكرة المؤامرة.

كم هو مؤسف ان تستحكم عقدة سايكس بيكو فينا الى درجة ان لا نري من القومية الا الوحدة/التفتيت، ولا نرى من الامبريالية الا مؤامرة تفتيت الامة الى كيانات اثنية طائفية تبرر وجود اسرائيل. هكذا نستطيع ان نناهض الامبريالية ما شئنا طالما هي لا تتعلق بالاطاحة بالتنمية (واستبدالها بالنمو، التخطيط الاقتصادي اللبناني نموذجا) ينمو الاقتصاد وينمو المديونية. من المسؤول عن هذه المعجزة؟ الالعبان الذي يتربع على رأس مصرف لبنان؟

العولمة مؤامرة لتغريب الامة وتفيتتها.

وانت ساذج إن انت سألت: لماذا المؤامرة هي هي لا تتغيّر منذ الحرب العالمية الاولى؟ وكيف ان المؤامرة دوما «مكشوفة» ما دامت المؤامرة تعريفا هو ما يحوكه اكثر من طرف واحد وينوي تنفيذه بشأن طرف ثالث من غير علمه؟ والادهى: طالما انها مكشوفة كيف امكن ان تحقق كل هذه النجاحات ونحن عنها ذاهلون؟

كم هي فتكاكة المؤامرة في السهولة التي بها تلغي التاريخ وتعطّل الذاكرة.

المؤامرة في السودان سارية منذ الاستقلال عن بريطانيا يحوكها الاستعمار والارساليات الاجنبية المسيحية. كأنه ما من زمن كان لا يتجاسر فيه اكبر متطرف جنوبي على المطالبة باكثر من الحكم الذاتي والتنمية المتوازنة وبحصة للجنوب من عائدات النفط. وكأن تطورات الشمال وسياسات حكوماته على مدى نصف قرن من الوعود الخائبة والاتفاقات غير المنفذة والحروب الدموية قضى فيها لا اقل من مليون آدمي، لم يكن لها اي اثر في دفع الجنوبيين نحو الانتقال من الحكم الذاتي الى تقرير المصير فالفيدرالية فالانفصال.

المؤامرة تعطل للذاكرة. تحل الاستمرارية محل التحول والتطور والتقطّع. ننسى دور الحكام العسكريين في التأزيم والدفع نحو البحث عن حلول خارج . هو الجنرال عبود من قرر عام ١٩٥٨ فرض يوم الجمعة يوما للتعطيل في الجنوب بدلا من يوم الاحد. ن و يجب ان ننسى ان جعفر النميري، الذي اعترف بحق الجنوب بالحكم الذاتي ساهم في وقف الحرب لعشر سنوات قبل ان ارتد علي الاتفاقية ويقسّم الجنوب الى ثلاثة اقاليم ثم يقرر تطبيق الشريعة على عموم السودانيين عام ١٩٨٣. والمؤامرة المستمرة هادمة للذاكرة ان قرنق، حليف الحزب الشيوعي السدواني، كان رجل التسوية مع الشمال ورجل الوحدة السودانية وان اتفاقية اديس بين قرنق والميرغني عام ١٩٨٨ نصت على تجميد تطبيق الشريعة وتقاسم السلطة والثروة بين الشطرين. وان حكام السودان الحاليين هم الذي انقلبوا على هذه الاتفاق.

ولا بد من وأد الذاكرة المشتركة لسودان موحد حيث كانت انتفاضات الجنوب، روافع لتغيير الانظمة باتجاه جمهوري وديمقراطي في المركز بغداد كما في الخرطوم. والاحزاب السودانية عندما كان النزاع هو على السلطة بين عسكر نازعين الى الاستبداد ومدنيين دميقراطيين.

كل هذه الذاكرة المشتركة، يريد مؤتمر الاحزاب العربية في الرباط محوها إذ يوازي بين انفصال الجنوب وقيام دولة اسرائيل. فلا يفكرن احدٌ بالتقريب بين شمال وجنوب وربما عودة الى رابطة فيدرالية تجمع بينهما هذه المرة على اساس المصالح المشتركة، اوحل سلمي للنزاعات بينهما حول الملفات الثقيلة: دارفور، ابيي، حقول النفط، المديونية، حنوبيو الشمال. فلعنا نشهد قريبا حركة لمقاطعة جنوب السودان مثل مقاطعة اسرائيل (المخروقة نفطيا مثل منخل)

هي نفسه المنطق الذي لا يرى الان فيما يجري في مصر الا مطلب يرفعه عدد من الاقباط في الولايات المتحدة منذ سنوات يتعلق بالحكم الذاتي في مصر.

كم هي مريحة فكرة المؤامرة للحكام. تصدّر المشكلات للخارج وتبريء من كل ما ارتكبوه في الماضي وما سوف يرتكبوه في الحاضر. وهي تسمح بلغتين. الحاكم كاشف للمؤامرة. وكشفها يشكف حكمة الحاكم ويبرئه من اي ذنب او مسؤولية او محاسبة طالما انها مؤامرة. والمؤامرة مؤامرة»!؟ هذه وظيفة المؤامرة للتبرير. كشف عمر البشير ان انفصال السودان «مؤامرة صهيونية عالمية ضد السودان» بل ان لديه علما بمخطط تفتيتي يتعدى السودان الى عدد من الدول العربية. وهذا هو الوجه الآخر التضليل لحديث المؤامرة: مع انه على علم بالمخطط لكنه لا يخشى من علاقات تقيمها جنوب السودان مع اسرائيل. هل احد يسأله: لماذا هو مطمئن الى هذه الدرجة؟

رغم ان المؤامرة دوما مؤامرة غربية فالقائلون بها على حوار داذم مع تلك القوى الغربية التي تنسب اليها المؤامرات. المؤامرة هي «الارهاب» في صنعاء كما في تونس العاصمة. لا هي التمييز المناطقي والطبقي والمذهبي وانما هي «الارهاب» في تونس المنتفضة من اجل الخبز والحرية كما في جنوب اليمن او شماليه. المصطلح يرن جرسا عند المعنيين غربا. يسارع الرئيسان اوباما وساركوزي على التعهد على محاربة الارهاب اينما كان. الا ارهاب الدولة الاسرائيلي. وبعد ان تمدد مصطلح «الارهاب» ليشمل حركات التحرر الوطني ها هو يتمدد الآن كل من يطالب بالخبز والحرية.

وكم ان فكرة «المؤامرة» مريحة للكسل الفكري وللعجالات الصحفية التي تقرّش بالكلمة-النفطية. المؤامرة مستمرة منذ سايكس بيكو. وتأكيدا للتواصل، يجري اخذ خريطة وضعها ضابط اميركي متقاعد للبرهنة على أن المؤامرة مستمرة. ومع ان الصياح والعياد هو عن توسعية اسرائيل وان غرض المؤامرة تزنير اسرائيل بدول مذهبية . فالرجل لا يبدو انه يريد ان يعطي اسرائيل اكثر مما لديها الان. ربما بسبب نظرية الثقافوية الدينية المذهبية لتقسم المنطقة. عليك ان تعتنع ان اميركا سوف تشكل كردستان الكبرى على حساب تركيا، حتى لا نتحدث عن ايران. وعليك ان تقتنع ان الاستعمار عند المفاضلة بين سورية ولبنان، يعطي الاولوية للبنان بأن يحرم سورية من منفذها الضيق الشمالي على البحر الابيض المتوسط ويهب ذلك للساحل اللبنانيبحيث يحادي تركيا. والحجة؟ انه ساحل فينيقيا (علما ان تلميذ الابتدائي يعرف ان الساحل الفينيقي كان يصل الى غزة وما بعد غز ة). وعلكي ان تكتشف ان المصلحة الاميركية تقضي بتقزيم السعودية لصالح الاردن لاسباب لا تزال تتعلق بخواف اميركي نشب بعيد ١١ ايلول يعزو العداء لاميركيا الى السعودية والمذهب الوهابي. اما الهدية الكبرى في تلك الخريطة فهو الهدية التي تقدمها الولايات المتحدة لايران من خلال فصل الجنوب العراقي، ومخزونه الهائل من النفط، في كيان مستقل يصير امتدادا لايران بحيث تهيمن به ومعه على كامل خليج النفط والثروات! ولا يتنحنح صحفي او مفكر او مؤرخ بلدي او يعطس واحدة تعجبا او تشكيكا من هذه الخرطة المسماة خريطة.

نستذكر سايكس بيكو عملية تجزئة. جزأ ماذا؟ الولايات العثمانية؟ هل وحدت الادارة العثمانية الامة العربية؟ هل حاسبها احد على خسارة المغرب ومصر للاستعمار الانكلو-فرنسي؟ ننسى ان الاستعمار يوحد او يجزيء على هوى مصالحه الاقتصادية والجيواستراتيجية. الاستعمار ذاته وحد ثلاث ولايات عثمانية لتكوين العراق الحديث ورعى توحيد الجزيرة العربية وواجه الوحدة السورية-المصرية عام ١٩٥٨ بالوحدة الهاشمية بين العراق والاردن. واذا كان الاستعمار البريطاني جزأ اليمن، فإن خليفته الاستعمار الاميركي رعى وحدة شطري اليمن، عام ١٩٩٠ وكرر الرعاية بدعم التوحيد الشمالي القسري، عام ١٩٩٤، وذلك ضد سياسة ومصالح حليفه الاوثق الحكم السعودي. والمقياس كان ذوما وابدا: المصلحة الاستعمارية لا غير.

كم هو مفيد ان لا نتذكر المفكر العربي الكبير ياسين الحافظ الذي اقترح هذه الاستبدالية: بديلا من مؤامرة، مصالح للامبريالية مصالح مضادة؛ هل من مصلحتنا ان نشتري

المواضيع
علاقات دولية
البلدان
الاردن العالم العربي العراق اليمن لبنان مصر
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الاقتصاد السياسي الفساد النظرية السياسية النيوليبرالية لبنان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.