العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

اليمن: حرب جديدة «من اجل السلام»؟

التدخل الأميركي في اليمن، تحت ذريعة «الحرب على الإرهاب»، كان مخططاً له مسبقاً، ويستغله النظام اليمني لتحويل الأنظار عن صراعاته الداخلية وتأمين دعم لا يخدم التنمية.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

اليمن: حرب جديدة «من اجل السلام»؟

فوّاز طرابلسي

لم تكن الادارة الاميركية بحاجة الى محاولة تفجير الطائرة الاميركية فوق ديترويت، يوم عيد الميلاد، لكي ترشّح اليمن ليكون الساحة الرابعة في «الحرب ضد الارهاب».

ولنقل باديء بدء ان لا شيء يبرر التقاعس عن الادانة المدوّية للمحاولة واستفظاع المجزرة المروّعة التي كانت سوف تجرّّ اليها فيما لو كتب لها النجاح.

حقيقة الامر انه قبل المحاولة الإجرامية بأسبوع، ذاع خبر يقول ان الرئيس اوباما أجاز لقواته ان تقدّم «قوة نارية واستخبارات ودعم من نوع آخر الى حكومة اليمن» وان الإجازة جاءت «بناء على طلب الحكومة اليمنية» («نيويورك تايمز» ١٩ كانون الاول ٢٠٠٩). فسّرت الصحافة الاميركية نفسها «الدعم من نوع آخر» بأنه يعني، في حده الادنى، تموضع «وحدات خاصة» ومستشارين للجيش الاميركي في اليمن تشارك في العمليات العسكرية ضد تنظيم «القاعدة».

مع ذلك، ينفى الرئيس اوباما عزمه إرسال القوات الى اليمن. ليصدّق من يريد التصديق. ولمن لا يريد هذه الحجة الإضافية المتمثلة بالضغوط القوية التي تمارَس حاليا على صنعاء للموافقة على إستقبال قوات اميركية-بريطانية على ارضها، وهو البند الرئيسي على جدول اعمال القمة الدولية حول اليمن المزمع عقدها نهاية الشهر الجاري.

تشدد صنعاء على مقدرتها على خوض الحرب بالاعتماد على قواها الذاتية. تأكيدا لذلك أعلنت عن شنّ حملة واسعة النطاق على عناصر «القاعدة» في ثلاث محافظات. كانت الحملة كافية لتطمين الادارة الاميركية على ان «الحرب على الإرهاب» بين ايد امينة، الى درجة انها أعادت فتح السفارة الاميركية في العاصمة اليمنية بعد يومين من اعلان اقفالها بحجة وجود خطر داهم لعملية انتحارية عليها!

طالبتْ صنعاء في المقابل بالدعم الاقتصادي. والدعم الاقتصادي حاصل اصلا. وهو يصبّ بالمليارات في خزائن صنعاء وفق أعرق تقاليد «المقاولة الحربية» التي بات نظام صنعاء بجيدها ببراعة يحسد عليها. الا ان المطلوب على ما يبدو هو المزيد من الدعم. فلا يكفي، على ما يبدو، ان تكون الادارة الاميركية قد رفعت مساعدتها من ٧٠ الى ١٥٠ مليون دولار، تضاف الى المساعدات السعودية التي بلغت ملياري دولار والإماراتية التي تتراوح بين ٦٠٠ و٧٠٠ مليون (والارقام للجنرال ديفيد بتراوس، قائد المنطقة الوسطى في القوات الاميركية).

ولا يحسبنّ احدٌ ان مليارات «الدعم الاقتصادي» هذه تنفق الآن على خفض نسب الفقر في أفقر بلد عربي او في زيادة فرص العمل والدراسة والعناية الصحية والوصول الى مياه الشفة، المتناقصة، او حتى في «تجفيف منابع الارهاب»، الوفيرة. ويصعب التصوّر ان المليارات من الدعم الخارجي تسهم في دفع تعويضات الثمانين الفًا من الموظفين والعسكريين المصروفين من الخدمة في المحافظات الجنوبية منذ العام ١٩٩٤، ناهيك عن إستخدامها للتعويض عن إنخفاض العائدات النفطية، مثلا، في البلد الذي تقول عنه التقارير الدولية انه ايضا البلد العربي الضارب ارقاما قياسية في الفساد والهدر.

مهما يكن، فالمثير للانتباه في التطورات الاخيرة هو التزامن بين التركيز المحلي والدولي على اليمن بما هو ساحة جديدة لـ«الحرب على الارهاب» وبين الدعوة المفاجئة للحوار التي وجهها الرئيس علي عبد الله صالح الى الحوثيين وقوى «الحراك الجنوبي» بل حتى الى تنظيم «القاعدة».

فما عدا مما بدا؟ لقد دق الرئيس اليمني للتوّ طبول الحرب ضد «القاعدة». واعلن ليس منذ زمن بعيد ان الحرب على الحركة الحوثية مستمرة الى حين القضاء التام على «تمردها». وتجاهل المئات المؤلفة التي تشارك بانتظام في «الحراك الجنوبي» بحجة الانفصالية. وهل يمكن اخذ هذه الدعوة علي محمل الجد؟

يستدعي السؤال ملاحظتين.

الاولى هي الفشل الظاهر للـ«أقلمة». نجحت صنعاء في استدراج النزاع الايراني-السعودي الى قلب اليمن والحدود السعودية-اليمنية، وزج السعودية في حرب حدودية لا يبدو ان الجيش السعودي حقق فيها انجازات تذكر. فلا هو «حرّر» «جبل الدخان»، السبب المباشر للتدخل العسكري، ولا أنجز الحزام الآمن من عشر كيلومترات في عمق الاراضي اليمنية ولا قضى بالطبع على الحركة الحوثية. من جهتها، لم تفلح صنعاء الى الآن في اثبات اية تهمة عن ضلوع طهران في دعم الحركة الحوثية.

الملاحظة الثانية هي ان حكام صنعاء إذ يضيفون «التدويل» الى «الاقملة» بزج البلاد في «الحرب ضد الارهاب» يأملون في حرف الانظار عن القتال الدائر في الاطراف الشمالية والغربية وفي جنوب البلاد. بل يسعون الى إحراج الحركة الحوثية والحراك الجنوبي وإخراجهما بإسم اولوية «الحرب ضد الارهاب»، او بالنفخ في خطر «التدخل الخارجي» لتحقيق الاغراض ذاتها.

ولكن، اذا كان هذا تقدير ما يسعى اليه اللاعب الاول في هذه اللعبة الخطيرة والدموية والمعقدة، فماذا عن اللاعب الثاني؟

لعل الرئيس اوباما لم يكن يلعب على الكلمات بل كان يرسم سياسات عندما اعلن في خطبة تسلّمه جائزة نوبل للسلام معادلته الشهيرة ان «السلام يحتاج الى حرب». ذلك ان فلسفة الحرب والسلام هذه تستبعد سلفًا إمكان ان يعني السلام منع نشوب الحروب او وضع حد للحروب القائمة او حتى الاكتفاء بما هو موجود من حروب دائرة في الوقت الراهي. وها هو الآن يعدّ لحرب رابعة. كأنه يريد اقناعنا بأن زيادة عدد الحروب التي يخوضها يزيد من فرص تحقيق السلام الذي من أجله مُنح الجائزة؟

المواضيع
سياسة علاقات دولية
البلدان
اليمن مصر
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الإرهاب الحرب السياسة الخارجية الأميركية اليمن

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.