“المؤامرة”، من ينفّذها؟
فوّاز طرابلسي
»انت، منذ الآن، غيرك!« (محمود درويش)
ثمة أوجه شبه غريبة بين نظريات المؤامرة في بلادنا وبين قصة »أوديب«، ملك طيبة الاغريقية الذي اخذ يتحرى عن جريمة جلبت الوباء لمملكته، فإنتهى الى الاكتشاف المأسوي بأنه هو المجرم. الفارق الوحيد بين الروايتين هو ان اصحاب نظريات المؤامرة عندنا لا يصلون، او هم لم يصلوا بعد، الى الاكتشاف المأسوي لدورهم في العجز عن مقاومة المؤامرات او تسهيل تنفيذها.
تشكو نظرية المؤامرة من عطلينَ كبيرين. الاول، هو ان المؤامرات الفعلية – تلك التي تحوكها قوى استعمارية في الخفاء للسيطرة على شعوب العالم من اجل استغلالها والاستيلاء علي ثرواتها والموارد- تفوق المؤامرات المتخيّلة خيالاً وهَوْلاً. حتى ان التنظير، عندما يصيب هدفه فيلقي القبض على مؤامرة حقيقية، عادة ما يأتي جزئيا او مضخما او يرى الصورة معكوسة، كما سوف يتبينّ لنا عما قليل. اما العطب الثاني والاهم، فهو ان نظرية المؤامرة تغذّي تقليدا عريقا من تحميل الذنب للغير والتفلّت من محاسبة النفس، غالبا ما يؤدي النتيجة العكسية: الاستكانة الدهرية، والعجز عن مواجهة مؤامرات الخصم او اطلاق سهام طائشة عن اهدافها، ناهيك عن المسؤولية في تمرير… المؤامرة.
بذا نعود الى قصة »أوديب«. مثلما توجد »عقدة أوديب«، توجد »عقدة سايكس بيكو« يشكو منها عدد لا بأس به من القوميين والاسلاميين، ناهيك عن اليساريين- منذ ان انشقوا، إلا النذر اليسير، بين قوميي عصر الانحطاط وليبراليي التبعية. ويجمع المصابون بتلك العقدة على وجود مؤامرة »غربية« تتلخص بفي معادلة »فرِّ ق تسد« – مؤامرة تسري، وفق »مخطط مرسوم«، طبعاً، منذ الاتفاقية السرّية الفرنسية-البريطانية المشؤومة لعام ٦۱۹۱.
لا يخطر في بال منظري المؤامرات مثلا ان القوى الاستعمارية قد تلجأ احيانا الى التجميع والتوحيد، اذا ما اقتضت مصالحها ذلك. ففي سايكس بيكو ذاتها، وحّدت بريطانيا ثلاث ولايات عثمانية (الموصل، بغداد، البصرة) لانشاء دولة العراق الحديث.
ففرنسا، وقد دفعها الخوف من قوة النزعة الاستقلالية الوطنية الى تقسيم سورية الى خمس دويلات على اساس طائفي (ناهيك عن إقتطاعها لواء الاسكندرون لتركيا ولواء الموصل للعراق »البريطاني«) ما لبثت ان أعادت توحيد سورية في دولتين اثنتين في محاولة لتأمين مصالحها الاساسية في حال إستقلال البلدين، ورضوخا امام ضغوط الحركة الاستقلالية في آن معا.
بعد نكبة العام ۸٤۱۹- اي بعد اكثر من ربع قرن علي تكريس تجزئة »سايكس بيكو« الاصلية- صدرت نسخة منقحة تعرّف المؤامرة الاميركية-الاسرائيلية بأنها تهدف الى إنشاء كيانات ودويلات عرقية، طائفية، ومذهبية تقع »على شاكلة اسرائيل ومثالها«، وتشرعنها وتحوطها بكيانات هشة خاضعة لهيمنتها. هكذا إنقلبت معادلة »فرِّ ق تسد« رأسا على عقب. ففيما كان »التفريق« (التقسيم) وسيلة لغاية هي »السيادة« (السيطرة الاستعمارية) صارت السيطرة هي الوسيلة والتقسيم هو الهدف. كذلك انقلبت معادلة القوى بين اميركا واسرائيل رأسا على عقب. فصارت الاولى اداة طيّعة في يد الثانية لا مصالح خاصة لها غير مصلحة وجود اسرائيل وسيادتها. فإذا ذَنَب الكلب يحرّك الكلبَ؟ بدلاً من الكلبُ يحرِّ ك ذَنَبه. وعذراً على فجاجة المثال فهو مثال… أميركي!
❊ ❊ ❊
يمكن البدء بقصة استيلاء حركة »حماس« على السلطة في غزة بالتذكير بأن هذه المساحة من بضعة كيلومترات مربّعة من ارض فلسطين (۲٪ من مساحتها)
يعيش على ارضها، بل رملها، في سجن كبير، اكثر من مليون ونصف نسمة، اكثرهم من الفقراء واللاجئين في مخيمات في وطنهم ذاته، محاصرين في خبزهم والمعاش بالعقاب الاسرائيلي-الامريكي-الاوروبي على خيارهم الانتخابي.
ولا بد من التوقف في السرد عند اتفاق اوسلو وقد كرّس الفصل بين غزة وسائر فلسطين، مثلما اعترف بمشروع سلطة »وطنية« لابي عمار والقيادة الفلسطينية – »على شاكلة« الانظمة العربية »ومثالها«- بديلا من الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والدولة المستقلة.
ويمكن التكنية على ما جرى في غزة بأنه بمثابة انقلابين. انقلاب حاولته حركة فتح، ومن ورائها الادارة الاميركية والاتحاد الاوروبي وعدد من الدول العربية، على نتائج انتخابات نيابية حرّة ومراقبة دوليا. صوّتت فيها اعداد كبيرة من الفلسطينيين الى جانب »حماس« احتجاجا على فساد السلطة وتفريطها المتزايد بالحقوق الوطنية. وثمة انقلاب آخر نجحت فيه حركة »حماس« ضد حكومة الوحدة وطنية، مغلّبة العداء لسائر فصائل منظمة التحرير الفلسطينية حول »العلمانية« على ما يجمع بينهما في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي والاستيطان الصهيوني العنصري التوسعي.
على ان الادهى من هذا كله هو تبرير الانقلاب »الحماسي«. تساءل احد مسؤولي
»الحركة« في لندن: وما العجيب في نيتنا انشاء دولة اسلامية في غزة (وفلسطين عموما؟) اليست اسرائيل دولة دينية يهودية. لا يتسع المجال هنا للنقاش في مدى دينية الدولة الاسرائيلية. ما يهمّنا هو التساؤل عن الفارق بين بناء دولة فلسطينية اسلامية الى جوار اسرائيل اليهودية، وبين مؤامرة تسوير اسرائيل بكيانات دينية، مذهبية، الى آخر الترسيمة!!
