العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

العراق: هل مَن يريد للاميركيين ان يغادروا؟

الاحتلال عاقب طائفة كاملة على جرائم نظام وأقنع القوى العراقية بتعريف نفسها إثنياً-مذهبياً. من يريد حقاً للأميركيين أن يغادروا؟

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

العراق: هل مَن يريد للاميركيين ان يغادروا؟

فواّز طرابلسي

يصطدم التفكير والكتابة عن العراق بجملة من العقبات باتت مميّزة. اولها شعورٌ عارم بضآله اثر الكلمة إزاء المآسي الانسانية التي يتعرّض لها الشعب العراقي. ولا زيادة. والثانية، ضعف الامساك بمفاصل وضع لا يكفي ان يقال عنه انه معقّد بل يجب القول انه متفجّر. اي حافل بالمباغتات. والثالثة، صعوبة تصوّر مخرج من المأزق الدموي الذي وضعت الولايات المتحدة العراق فيه بغزوها واحتلالها ثم بقرارها الانسحاب.

هي جملة من العقبات إن كانت تدعو الى شيء فالى الحذر الشديد في التعميم والاطلاق وادعاء التنبوء.

ومهما يكن، فإن اي مدخل للوضع العراقي لا يمكنه الا البدء من واقع ان الاحتلال الاميركي لم يكتفِ بتدمير الدولة العراقية وخلخلة أركان المجتمع، بل عاقب طائفةً بأكملها وحزباً بالمليون من اعضائه وجيشاً بالمئات الالوف من جنوده وضباطه، والقسم الاوفر من الادارة العراقية على جرائم واوزار نظام صدام حسين الدكتاتوري الدموي. والادهى ان الادارات الاميركية نجحت في اقناع قوى رئيسية في البلاد بأن تعرّف نفسها التعريف الاثني-المذهبي الذي عيّنته لها منذ اعتمادها نظام الحماية الجوية عام ١٩٩١: أكراد، شيعة، سنّة. ما من شك في ان نظام صدام حسين وفّر- بالقمع والحروب كما بالسياسات- المقدمات الضرورية لفرض تلك الهويات القاتلة، الا ان الارهاب هو الذي صبغها بدم الاقتتال الاهلي قبل ان يكرّسها النظام السياسي الذي فرضه الاحتلال في السياسة والقوانين والاعراف.

قبل اسابيع من الانتخابات النيابية، واقل من سنتين على موعد الانسحاب الموعود للقوات الاميركية القتالية، لا تزال هذه الحقيقة ترزح بكل اثقالها على المشهد العراقي وهو اكثر تفارقا مما سبق.

آذنت الانتخابات البلدية، وما تلاها من اصطفافات جديدة، بانشقاقات في التحالف الحاكم لا يختصرها النزاع بين كتلة رئيس الوزراء نوري المالكي وخصومه وان يكن يشكل احد ابرز معالمها. ومهما يكن، يتشارك الطرفان المتصارعان في التهرّب من المسؤولية عن الانهيار الامني وقد وعدا العراقيين بأن تراجع اعمال العنف هي ابرز انجازات السلطة تمهيدا للانسحاب الاميركي. ففيما يوجه المالكي الاتهام الى الجوار، يوجه خصومه، وهم شركاؤه فيما يسمّى «العملية السياسية»، الاتهام الى المالكي نفسه بالتقصير في ضبط الامن.

ولا يقتصر الانقسام بين اطراف «العملية السياسية» على هذا. انه يعلن افلاسها فيما تدّعيه اصلا: تمهيد الطريق لتنفيذ الاتفاقية الامنية مع الولايات المتحدة والقوات «الحليفة» القاضية بالانسحاب من الاراضي العراقية. فهل من مفارقة افدح من ان تكون سلطات الاحتلال هي التي بادرت الى اقتراح التخلي عن قانون استئصال البعث والى اعادة الضباط غير المتهمين بجرائم الى صفوف القوات المسلحة وهي التي انشأت المئة الف وازود من «قوات الصحوة» المجندين من ابناء العشائر العراقية لجذبهم بعيدا عن تنظيم «القاعدة»، فيما احزاب العملية السياسية ترفض تقديم اية بادرة تسمح بنكء الجراح وتحقيق المصالحة بين ابناء الشعب الواحد تمهيدا لخروج المحتلّ؟

من جهة ثانية، فإن المجازر المهولة المرتكبة ضد المدنيين من مجزرة آب الماضي الى التفجير الانتحاري الاخير ضد وزارة العدل، لم تعد تسمح بلَوك الكلام واللعثمة في الحديث عن «مقاومة» الاحتلال، في وقت تكاد ان تختزل عملياتها بقتل المدنيين العراقيين، سيان أتم ذلك في الاسواق او في الابنية الحكومية، هذا عندما لا يتلهّون بنسف الكنائس ودفع ما تبقى من مسيحيي العراق الى الهجرة. فتنظيم «القاعدة»، يبدو ان لا همّ له إلا اعطاء كل المبررات اللازمة لبقاء الاحتلال – ولو من اجل الاستمرار في مقاتلته طالما ان لا هدف لهذا التنظيم غير ذلك، خصوصا بعد ان قضي على مشاريع بناء «إمارة» له هنا و«إمارة» هناك على الاراضي العراقية. اما المجموعات البعثية، فلا تقدّم للشعب العراقي غير الوعد بعودة مستحيلة الى ماضٍ مسؤول لابعد حد الى ايصال المآسي العراقية الى هذه المواصيل.

على صعيد القوى الخارجية، لا بد من المكاشفة الصريحة ايضا. مع اقتراب موعد الانسحاب الاميركي، يتصاعد ضغط دول الجوار، وايران وسوريا تحديدا، وفق شعار: تسهيل خروج الاميركيين لقاء اثمان اقليمية – كالجولان، والنووي الايراني- او لقاء حصة للقوى الحليفة في السلطة المحلية بعد الانسحاب او تكريسا لتلك الحصة. قد لا يتطابق السلوك السوري مع الايراني هنا، ولا المصالح، ولكن الفاجع ان حوار دمشق وطهران يجري مع الاحتلال من فوق رأس الشعب العراقي. وهل ابلغ من تردي العلاقات مع «دول الجوار»، اذا شئنا استخدام التورية، من فشل المفاوضات المباشرة السورية-العراقية ولجوء السلطات العراقية مجددا الى طلب تحقيق الامم المتحدة في التفجيرات الاخيرة

اما المشهد الاخير والاكثر درامية فهو المشهد في إقليم كردستان حيث الخلافات بين حكومة الاقليم وبين الحكومة المركزية تستفحل حول الاستفتاء على مصير كركوك من بين عوامل اخرى.

وعقدة الامر هنا هي الازدواجية الكردية. يعرف القادة الاكراد ان استقلال كردستان العراق ليس مقبولا لا من تركيا ولا من إيراني، وان اكثرية العراقيين تؤثر كردستان داخل العراق. لذلك يعملون على تجميع كل منافع الوجود داخل الاطار العراقي مع السعي لبناء كامل مقوّمات الاستقلال عنه.

المعروف ان النظام الفيدرالي العراقي نظام اعرج يقتصر على إقليم كردستان، المكوّن من ثلاثة محافظات، فيما المحافظات الخمس عشرة الباقية لا ينتظمها الا الخضوع للحكم المركزي. في ظل هذا التدبير، يتمتع اقليم كردستان بحكم ذاتي واسع الصلاحيات بقيادة برلمان وحكومة وبالسيطرة على الموارد وعلى نواحي الحياة التربوية والثقافية اضافة الى حصوله على نسبة متعارف عليها من عائدات النفط من الخزينة المركزية. الى هذا، يتمتع الاكراد بحصة محفوظة من السلطة المركزية في بغداد ليس أقلّها شأناً موقعا رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية. ومهما تكن المسوّغات الاثنية للنزاع على كركوك، فلا مجال للنظر الى الاصرار على ضم المحافظة الغنية بالنفط الي الاقليم الكردي، وعلى حق حكومة الاقليم في عقد اتفاقات تنقيب واستثمار مع الشركات النفطية دون المرور بالحكومة المركزية، غير توفير قاعدة اقتصادية للاستقلال الكردي وتحرير الاقليم من مجرد الاتكال على حصته من عائدات النفط التي ترده من الموازنة المركزية.

على ان الاخطر مما يأتينا من كردستان العراق هو نتائج استطلاع اخير للرأي تفيد ان أكثرية من الرأي العام الكردي تزيد عن ستين في المئة تريد علاقات طبيعية مع دولة اسرائيل. ينكر الرسميون او اشباه الرسميين الاكراد امام نقّادهم وجود صلات عميقة ومتسعة بينهم وبين المسؤولين الاسرائيليين، او يتحججون عليها بما يجري من عمليات تطبيع في عدد من البلدان العربية. والمجازر التي ارتكبت عبر عقود من السلطات العراقية بحق الاكراد بإسم العرب، وأفظعها مجازر صدام حسين، حاضرة ابداً لتفسير اتساع التعاطف مع اسرائيل او تبريره. ولو شاء المرء ان يجاري في المحاججة، لذكّر ان عمليات التطبيعالعربية ظلّت محصورة بفئات من الحكام ولم تطاول اي نسبة ملحوظة من الرأي العام في البلدان المعنية. ولقال ان العراق الرسمي لا يزال في حالة حرب مع اسرائيل. ثم ان اعلانات من مثل اعلان رئيس اقليم كردستان، مسعود البرزاني عن استعداده لفتح قنصلية لاسرائيل في اربيل، ليس يعني فتح علاقات خارجية خارج السيادة العراقية، وانما دق المزيد من الاسافين بين الاكراد والعرب.

ازاء هذا كله، يتساءل المرء مَن مِن هذه القوى يريد حقا تحرير العراق من الاحتلال لكي تتفرّغ قواه على اختلاف اطيافها لحلّ مشكلاته فيما بينها؟

المواضيع
علاقات دولية
البلدان
إيران العراق سوريا
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الحرب السياسة الخارجية الأميركية السياسة العراقية العراق

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.