العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

العراق: خربوا البلد وهربوا

خرّبوا البلد وهربوا — ١٥٠ ألف قتيل و٤٫٧ مليون نازح، ولا يزال عراقيون يشتبكون مع الشرطة احتجاجاً على الكهرباء.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

العراق: خربوا البلد وهربوا

فواز طرابلسي

لكثرة ما تعودنا على نجاح سياسات القوى الغربية ( المتضخمة عادة بفعل العقل التأمري ) ولكثرة ما عاينا من انتكاسات وهزائم، وما اورثتنا من دهرية، يصعب تصوّر قوة غربية الا ناجحة في مخططاتها في المنطقة. يحصل ان تنهزم هزيمة موصوفة كما في فيتنام. ولكن ماذا يقال حين «لا ينجح» مشروع موصوف من المشاريع الغربية؟

مع ذلك، علينا ان نعترف ان المشروع الاميركي في العراق «لم ينجح». وان نتأمل في معاني ذلك اللانجاح. والحقيقة انه فشل من الفه الى يائه بما في ذلك آخر تعرجاته.

لا المشهد العجائبي الافتتاحي الذي روج له احمد الجلبي حصل: جماهير بغداد تنثر الورود ترحيبا بالجنود الفاتحين. والحال ان حرب العراق الفعلية بدأت عندما اعلن الرئيس بوش ان قواته «انجزت مهمتها» واستطالت ست سنوات ونصف النصف قبل ان يستطيع خليفته سحب نصف القوات العاملة في العراق.

ومهما يكن دور النفط في قرار احتلال العراق، فلا شك في انه إندرج في تصور جيو استراتيجي اوسع هو رؤية متكاملة لقيام الامبراطورية الاميركية. اراد جورج بوش الاب من حربه العراقية الاولى عام ١٩٩١ الاعلان الدرامي عن انتهاء الحرب الباردة وإفتتاح عصر الامبراطورية الاميركية الوحيدة المستعدة للحرب لمنع اي قوة ان تصل الي مستوى منافستها عسكريا. لم يكتف جورج بوش الابن بذلك. اراد عام ٢٠٠٣ تعميم «نمط الحياة الاميركي» بالقاء القبض على اغنى واقوى بلد في قلب منطقة الشرق اوسط وتحويله الى نموذج للعصر الاميركي الجديد من خلال ثلاثي اقتصاد السوق والديمقراطية والثقافة الاميركية.

للاستعمار نسقان تاريخيان: تعميم النموذج الغربي الحضاري – وهو عادة ما يظل في مستوى الاعلان والتبرير والايديولوجيا – واستخدام البنى التقليدية في البلدان المستعمرة كمادة للتفتيت والسيطرة والاستغلال. المفارقة في مشروع المحافظين الجدد تعميم نمط الحياة الاميركي انه خلط النسقين معا.

بإسم اسقاط نظام صدام حسين، وبناء دولة المؤسسات، جرى تدمير الدولة العراقية بابرز مؤسساتها الحكومية والادارية والعسكرية.

وبديلا عن تنمية قوى المجتمع المدني، جرى اطلاق العنان لقوى المجتمع الاهلي، التي اطلقها تدمير الدولة بما هي عنصر توحيد من عقالها، وبعد ان جرى تقسيم العراق الى ثلاث هويات: اثنية كردية ومذهبان الاسلاميان تطبيقا لشعار «العراق اللاعربي » الذي اطلقه السيد كنعان مكية، كبير منظري الاحتلال.

وبدل محاكمة المسؤولين الرئيسيين في نظام صدام حسين، من ضباط وحزبيين وسياسيين وموظفين وامنيين، في محاكمات جزائية – وسياسية – فرضت عقوبات الجماعية على طائفة باكملها، وجرى تحميل الجماعة السنية وزر دكتاتورية صدام حسين، واقصائها عن النظام السياسي الجديد، ما دفع بالعديد من عسكرييها وموظفيها وابنائها عموما الى الالتحاق بتنظيم «القاعدة» او القتال في صفوف احدى المجموعات البعثية المسلحة.

اقليميا، اسدى تدمير دولة العراق ومؤسساته وطاقته العسكرية وثرواته خدمة استراتيجية حاسمة لاسرائيل تكللت بازاحة اغنى واقوى دولة عربية من الصراع العربي-الاسرائيلي، حتى لا نتحدث عن الخرق الاسرائيلي المتنامي في كردستان. وانه لذو دلالة ان يعلن بنيامين نتنياهو قلقه (ولو بخبث) على امن اسرائيل جراء الانسحاب العسكري الاميركي من العراق.

عزز تدمير العراق واضعافه من نمو قوة ايران النسبية. فلا معنى لأن يعزى تنامي النفوذ الايراني الى القوى الذاتية وحدها. لا بد ان يتم ايضا قياسا لتنامي الضعف المقابل في الطاقات الاقتصادية والعسكرية والنووية العراقية.

جرى احتلال العراق يذريعيتين اسلحة الدمار الشامل وصلات النظام بتنظيم «القاعدة». تبيّن خلو البلد منهما معا. فكان «النجاح» الكبير للاحتلال في حربه المستمرة ضد الارهاب، انه استدرج الى العراق الالاف المولفة من الجهاديين نجحوا احيانا في اقفال مدنا باكملها ومناطق باكملها.

واخيرا ليس آخرا، بدلا من ان يجري التعويض على الشعب العراقي عن ارتكابات الاحتلال، وما حصل هو احتلال باعتراف المحتلّ والامم المتحدة التي رعت عملية الاحتلال وتوابعها، يجري تحميل الخزينة العراقية والشعب العراقي تبعات الاحتلال.

بايجاز: خربوا البلد وهربوا.

فشل الاحتلال. ولم تنجح المقاومة. هي حالة فريدة لاحتلال لم يستولد حركة تحرر وطني بديلة. وترك نظاما سياسيا اوسع تمثيلا من ان يعتبر مجرد نظام عميل. والاهم ان فشله بدل ان يقوي البلد والشعب انهكمها. ويصعب القول ان الاحتلال الاميركي للعراق ترك من الآثار والمؤسسات ما يمكن لعراق ما بعد الاحتلال الافادة منها اسوة بسواه من القوى الاستعمارية.

ضحايا الاحتلال وتوابعه، بما فيها الارهاب، تصل الي مئات الالوف. حتى لا نتحدث عن الجرحى والمعاقين. اكثر من عِشر سكان العراق منفيون ومشردون ولاجئون في الخارج. الحياة اليومية جحيم. سوء الخدمات يبدأ بالادارة ولا ينتهي بالتعليم والمستشفيات. امداد الكهرباء ينخفض الى مستويات لبنانية (خمس ساعات باليوم ). الفساد عميم. السياسيون وزعماء الميليشيات ورجال الاعمال المرتبطون بهم يراكمون الثروات من خلال نهب اموال الدولة والعقود والمقاولات وتهريب النفط والخوات. فيما مستوى الدخل الفردي للعراقي صار من بين الاخفض عالميا في بلد الثروات النفطية حيث يعيش نصف سكانه في بيوت من صفيح.

خربوا البلد وهربوا.

فشل اوباما في حل استعصاءات النظام الاثني-المذهبي. فغادر ورمى الكرة في ملعب القوى الاقليمية. وما من احد معنى في ادارته في تصور ما لعراق ما بعد الانسحاب. باية سذاجة، بل باي نفاق، يحاول كبير الخبراء الستراتيجيين الاميركيين، انطوني كوردزمان، اقناعنا بأن عراق بعد الانسحاب العسكري الجزئي قادر على ان يكون قوة في مواجهة ايران! بل اية مزحة يرمينا بها حين يتدخل في الاقتصاد فيفتي ان اعتماد اقتصاد السوق من شأنه تشجيع الناس على تجاوز «التوترات الاثنية والمذهبية»!

فراغ حكومي معطوف على انسحاب عسكري. يا له من خليط متفجر.

الاستعصاء السياسي شبيه جدا باستعصاءات النظام اللبناني. فالنظام العراقي مبني ايضا على ثنائية النظام الاكثري/النظام التوافقي. اياد العلاوي وقد نال الاكثرية البرلمانية يطالب برئاسة الوزراء ورئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، يتمسك بالمنصب على اعتباره من حصة للشيعة ( العلاوي شيعي لكن كتلته فازت باكثرية من الاصوات السنية ). هذا دون ان نضيف التعقيدات الفدرالية حيث الاحزاب الكردية تتخوف من تنامي صلاحيات منصب رئيس الوزراء (هل يذكرنا هذا بشيء في بلاد الارز؟ ) وهم عموما ضد تعزيز السلطة المركزية في بغدا. لكن الاكراد خسروا قوة النقض التي كانت تجعل منهم بيضة القبان في تشكيل الحكومة. انتقل هذا الدور الى مقتدى الصدر و«جيش المهدي» وكتلته النيابية من ٤٠ نائبا هي اكبر كتلة في «التحالف الوطني العراقي» الذي تملك لا اكثر من ٧٠ مقعدا برلمانيا.

لم توفق مساعي نائب الرئيس بايدن في اقتراح تسوية: المالكي لرئاسة الوزراء والعلاوي للامن. من البدائل المتداولة مشروع «اتفاق طائف» عراقي على غرار الاتفاق اللبناني؟ هذا ما يسعى اليه توافق سين وسين مدعوما بتركيا وروسيا. يلقى دعم اياد علاوي وصانع الملوك مقتدى الصدر وقد جاءا كلاهما الى دمشق لهذا الغرض. والسؤال الى اي مدى تستطيع سوريا ان تأخذ الضوء الاخضر الايراني على مثل هذه المبادرة التي لا بد ان تأكل من الحصة السياسية الشيعية.

ومع ذلك، لا يزال ثمة عراقيون ينزلون الى الشارع ويشتبكون مع الشرطة احتجاجا على تقنين الكهرباء وسوء الخدمات.

المواضيع
علاقات دولية
البلدان
العالم العربي العراق سوريا لبنان
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الإمبريالية الحرب السياسة الخارجية الأميركية السياسة العراقية العراق

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.