العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

العراق: حروف لنقاط النفط والدم

الاحتلال حمّل طائفة كاملة وزر نظام — والمطلوب فيدرالية عربية-كردية وتوزيع عادل لرافدي الماء والنفط بدل التقسيم المذهبي.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

العراق: حروف لنقاط النفط والدم

فواز طرابلسي

حدثان مترابطان شهدهما العراق خلال الأيام الأخيرة الماضية: الأول هو تفاقم أزمته الوزارية بعد استقالة خمسة وزراء من كتلة أياد علاوي لحقوا بالوزراء السنّة المستقيلين ووزراء التيار الصدري، بحيث لم يعد يوجد في وزارة المالكي أي وزير سني (هل يذكّرنا هذا بشيء محلياً؟). والحدث الثاني هو تجدد لقاءات رسمية أميركية ـ إيرانية في بغداد. ولا يخفى أن موضوعها هو توسل النفوذ الإيراني للضغط على الأحزاب الشيعية الحاكمة لتمرير مشروع مشاركة لجماعات سنية في الحكم. وهو مشروع لا تزال ترفضه الأحزاب والفصائل الأكثر تمثيلاً للسنة.

لم يعد من شك في أن الاحتلال الأميركي إذ قوّض أسس الدولة العراقية (بحل الجيش، وتسريح القسم الأكبر من الإدارة، وحل حزب البعث وإصدار قانون «استئصال البعث» وبناء «العراق غير العربي» حمّل الطائفة السنية وزر نظام البعث، وعزلها عملياً بالعنف والقسر عن الحياة السياسية. وقد شجعت هذه السياسة، أولاً، على دفع العديد من المنبوذين من عسكريي ومدنيي النظام السابق إلى توســل العمل المسلح ضد الاحتلال والسلطات العراقية. بل وأفسحت في المجال واسعاً أمام الأممية الجهادية لتجعل من العراق ساحة أثيرة لها.

ثانياً، حفّزت عملية العزل هذه فكرة الحكم بواسطة الأكثرية العددية لدى الأحزاب والجماعات الشيعية السياسية التي والت الاحتلال وترعرعت في إيران.

ثالثاً، أفسحت السياسة الأميركية تلك، في تشجيع النعرة الاستقلالية الكردية من خلال المطالبة بكركوك وبحق «الحكومة الكردية» في توقيع عقود مع شركات النفط الأجنبية دون مرور ببغداد.

في المقابل، لا بد من المصارحة حول ما يسمى الآن «مقاومة عراقية». وحقيقة الأمر أنها ظاهرة معقدة يجب أن نتمكن من تمييز مكوّناتها وأغراضها. وأقل ما يقال هنا إنها، في تعبيرها السياسي، خليط من تيارين رئيسيين: الأول هو خلايا وفصائل ومجموعات جهادية على علاقات متفاوتة بتنظيم «القاعدة» تطمح إلى إقامة حاكمية إسلامية على أي شبر من الأراضي العراقية، وتمارس الإرهاب الدموي ضد المدنيين، الشيعة خصوصاً.

أما التيار الثاني، فيضم مجموعات بعثية وجمهوراً سنياً مؤيداً لها، لا يجوز التهاون في حجمه الذي توسّع رداً على قمع قوات الاحتلال، وتتراوح أهدافها بين أوهام إعادة البعث إلى الحكم وبين السعي إلى تأمين موقع متكافئ، إن لم نقل متميّز، للجماعة السنية في تركيبة الحكم الجديدة.

هذا الخليط يفسّر أيضاً طبيعة العنف الدائر في العراق. ففي وجه منه هو عنف ضد قوات الاحتلال. وفي وجه آخر هو عنف يكتسب أكثر فأكثر طابع الاقتتال الأهلي المذهبي ـ الإثني. وهنا لا يجوز تبرئة أحد من جرائم ذلك العنف الأخير (ولا من التعرض للمسيحيين) لا عناصر الشرطة، التابعين لأحزاب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية ولا عناصر من جيش المهدي التابع للتيار الصدري، ولا الحزبين الكرديين الحاكمين، ولا قطعاً سائر تشكيلات «المقاومة» كافة. فقد أوغلت هذه جميعها في دماء المدنيين العراقيين بنهم ولا شبع. حتى صارت نسبة ما يسقط من المدنيين العراقيين يومياً على يد عراقيين (أو أشقاء عرب ومسلمين!) أضعافاً مضاعفة ممن يقسط من عسكريي قوات الاحتلال.

أي أننا هنا لسنا بصدد «مقاومة وطنية» ولا حركة تحرر وطنية. فما نحن بصدده، من حيث الوضع الداخلي العراقي، يكاد أن يكون محصوراً بمكوّن واحد من مكوّنات الشعب العراقي. حتى أنه إذا ما قيّض لهذه القوى المسلحة أن «تنتصر» فهي سوف تسيطر في أحسن الأحوال على محافظة واحدة إلى ثلاث محافظات من أصل المحافظات العراقية الثماني عشرة.

إذا كانت سياسة العزل الآنفة الذكر تفسّر انطلاقة العنف إلا أن ما يجري التغافل عنه غالباً هو أن وقود الصراع على السلطة إطاره وغرضه الصراع على توزع الثروة النفطية. وهذا هو موضوع مشروع القانون المتوقع أن يبت فيه البرلمان العراقي قريباً. ونقطة الخطر الكبرى في هذا القانون التي لا تهدد بتبديد الثروة النفطية والوحدة الوطنية العراقية في آن معاً، هي التسليم بحق الأقاليم في توقيع عقود مع شركات نفط باستقلال عن السلطة المركزية في بغداد وعن سيادة شركة النفط الوطنية.

من الناحية الوطنية، لا يشجع هذا القانون على الانفصال الكردي وحسب، وإنما يهدد بالرد عليه بقيام إقليم فيدرالي من المحافظات الجنوبية ذات الأكثرية الشيعية يسيطر على حقول النفط، وهي الأكثر عدداً والأغنى إنتاجاً واحتياطاً.

بعبارة أخرى، إن أخطر ما يتهدد العراق الآن ليس التقسيم الكياني ـ الإداري، الذي لا يرى سواه أولئك الناظرون إلى السياسات الإمبريالية في عصر العولمة من ثقب إبرة «سايكس بيكو»، وإنما هو التقسيم البشري، الذي يسير هادراً على مجاري خطوط الدم الفاصلة بين العراقيين على أسس عشائرية ومناطقية ومذهبية وإثنية. وإنه من قبيل العمى لا غير أن نضيّع التمييز بين الخطر الأول والخطر الثاني، علماً بأن خطر التقسيم السكاني، ليس هو فقط الشرخ الأعمق وإنما هو الذي تشكّل معالجته الضمان الأكيد لدرء خطر التقسيم الإداري ـ الكياني.

من هنا فإن الخيار بات الآن أكثر وضوحاً بقدر ما هو أكثر إلحاحاً. إنه خيار المصالحة الوطنية العراقية. ذلك أن تسوية أميركية ـ إيرانية لترميم الاحتلال بمشاركة سنية رمزية، قد تتراجع عنها طهران إذا ما رفض الطرف الأميركي إشراك دمشق، شريك إيران الإقليمي في العراق، أو قد تتولى دمشق تخريبها بذاتها، بما لها من نفوذ على فئات واسعة من المجموعات المسلحة العراقية.

المطلوب مصالحة وطنية، تشرِك ممثلين حقيقيين عن الجماعات السنية في الحكم، وتعيد ضباط وجنود وموظفي العهد السابق إلى وظائفهم في الجيش والإدارة، باستثناء المتهمين منهم بارتكاب جرائم موصوفة. إن مثل هذه المصالحة هي وحدها التي تسمح بتكوّن لقاء عراقي واسع (حتى لا نسميه إجماعاً) على المطالبة بجلاء القوات الأميركية. وهي وحدها المنفتحة على بحث جاد ومسؤول في إعادة النظر بالمشروع الفيدرالي باتجاه إرسائه على قاعدة عربية ـ كردية، بديلاً من التقسيم المذهبي للعرب بين سنة وشيعة وعوضاً عن اعتماد المحافظة الواحدة قاعدة للفيدرالية، ما يوازي الفوضى الكاملة.

المطلوب هنا سياسة نفطية ينجدل عندها الوطني والديموقراطي ـ الاجتماعي. سياسة تحبط خطة خصخصة النفط الأميركية الرامية إلى رهن الثروة العراقية للاحتكارات النفطية. والمطلوب هو التمسك بشركة النفط الوطنية ممثلة سيادة العراق على ثروته النفطية وبحقها الحصري في توقيع ومراقبة العقود الخدمية مع الشركات الأجنبية، وإذ تتأمّن مركزية القرار النفطي، يستوي إذ ذاك إنشاء آليات توزيع للعائدات النفطية على المحافظات، أو المناطق الفيدرالية، بما يراعي لا عدد السكان وحسب وإنما ضرورات التنمية المناطقية المتوازنة واعتبارات العدالة الاجتماعية.

لم تكن دكتاتورية صدام حسين البعثية لتقوم وتستمر لولا سيطرة الدكتاتور على القرار النفطي وتسخيره لخدمة مغامراته الخارجية واستبداده الداخلي (دون استثناء دور النفط في الرشاوى الداخلية والخارجية). في بلاد الرافدين، التي أنعِمَ عليها برافد الثروة المائية ورافد الثروة النفطية، أليس الأجدر أن يكون التوزيع العادل لخيرات هذين الرافدين سبيلاً إلى وقف دورات العنف الدموية وتأسيساً لخروج المحتل وإعادة إعمار عراق مستقل وديموقراطي ومزدهر؟

المواضيع
علاقات دولية
البلدان
العراق
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
إيران السياسة الخارجية الأميركية السياسة العراقية العراق النفط

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.