العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

الشرعيات الخارجية على حساب الشرعية الشعبية

فزاعة الإسلاميين برّرت الاستبداد عقوداً — والانتفاضات أثبتت أن الجهادية هي الاستثناء لا القاعدة، و«تقارير التنمية» فسّرت الماء بالماء.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

الشرعيات الخارجية على حساب الشرعية الشعبية

انطلقت الانتفاضات العربية من غير دعم خارجي بل يجوز القول انها انطلقت ضد القوى الخارجية وبالرغم منها. وقد رفعت بذلك الغطاء عن التعاقد القائم بين انظمة الاستبداد العربية – السلالية والشعبوية العسكرية منها على حد سواء – يقوم على تعاقد تمتن بعد ايلول ٢٠٠١، يقضي الالتزام بالاجندة الغربية في المنطقة وحفظ المصالح الغربية في مقابل دعم الاستمرارية الانظمة وغض النظر عن سرقاتها وقمعها. وبقدر عزلة تلك الانظمة عن شعوبها- او احتقارها لها واستعلائها عليها – كانت زيادة اتكالها على تلك القوى الغربية. يمكن إجمال تلك الاجندة بثلاث نقاط.

اولا. الحفاظ على الامر الواقع النيوكولونيالي تحت عنوان اولوية «الامن والاستقرار». وهذا يعني امن القواعد والتسهيلات والمطارات والمرافيء العسكرية الاميركية، وامن خطوط النفط والغاز، واستمرار تدوير القسط الاوفر من العائدات للايداع او التوظيف في الاقتصاديات وفي سندات الخزينة الغربية والإنفاق على المستوردات الاكثر ادرارا للربح، من الاسلحة ومشاريع البنى التحتية الى الجامعات والمتاحف، ناهيك عن مستوردات السلع الاستهلاكية الباذخة.

ويحتل «الحفاظ على امن اسرائيل» المكانة الابرز في الدور الجيوسياسي لتلك الانظمة. وبتراوح الالتزام بالاجندة الغربية هنا بين توقيع ورعاية اتفاقيات السلام الثنائية (محور دول الاعتدال )، والتحييد الذاتي لدول راديكالية سابقا عن اي دور في الصراع العربي الاسرائيلي (العراق وليبيا واليمن) او الالتزام بمعادلة الحلول الثنائية التي باتت لا تعني الآن اكثر من التزامها بحراسة أمن دولة اسرائيل وحدودها (المتوسعة ابدا وغير المحددة اصلا ).

ويشمل هذا البند «الامني» ايضا دور عدد من دول المغرب العربي في حفظ «الامن الاوروبي » عن طريق صد الهجرة الافريقية اليها عبر شواطىها.

ثانيا. استخدمت معظم انظمة الاستبداد العربية فزاعة وصول الاسلاميين الي السلطة تبريرا لبقائها في سدة الحكم ووسيلة لاستدرار الشرعية والدعم المالي من القوى الغربية ناهيك عن التجديد والتمديد والتوريث. ولكن عندما تحرك الشعب، تبين الحجم الحقيقي للتيارات الاسلامية التي انتظمت في اطارها الصحيح من حركة الملايين من كافة الفئات والاتجاهات، الى درجة ان بعض الخبراءالاكاديميين يرون في الانتفاضات الحالية بدء الانحسار الفعلي للمد الاسلامي المعتدل منه والاصولي والجهادي. وقد بيّنت تجربة تونس ومصر والاردن واليمن والجزائر ان التيارات الاسلامية لم تشذ عن سلوك منظومة الاحزاب المعارضة التقليدية، بل انها لم تكن بينها الاكثر نضالية او تطرفا ولا الاكثر جذرية في جهود تفكيك النظام الدكتاتوري. ولن يكون مستغربا ان تشكل تلك التيارات حليفا وسطيا محافظا للقوى العاملة على اجهاض الثورات وتحويلها الى مجرد استبدال حاكم بآخر. ومعبّر جدا ان تشذ جماعة الاخوان المسلمين في مصر عن سائر الاحزاب وعن الشباب الثاىر الذين قرروا مقاطعة الاستفتاء على الدستور لخلوه من الحد الادنى من التعديلات في صلاحيات رئيس الجمهورية وان تشذ عن النزول الي الشارع من اجل مواصلة الضغط ل.

= = = = = = =

لم تكن المفاهيم المهيمنة التي تطرقنا اليها اعلاه مفصولة عن سياسات اورو-اميركية تجاه المنطقة التزمت الصمت عن التجاوزات الفاضحة لحقوق الانسان وفرض حالات الطواريء والاحكام العرفية واغتيالات المعارضين والاعتقالات الكيفية والتعذيب في السجون والمعتقلات وكم افواه الصحافة ووسائل الاعلام المجتمعية.

اما عن رطانة اللغو الديمقراطي فكات ترجمته في حالات مصر وتونس وليبيا واليمن وحتى سورية، الاكتفاء بتعددية حزبية وصحافية تحت السيطرة، تشكل واجهات لحكم الفرد الواحد والحزب الواحد خلال عقود من الزمن والتفلّت من اية التزامات تجاه التمثيل الشعبي والفصل بين السلطات وتداول السلطة.

يصعب على مواطني الاقطار العربية الآن تصديق ما تدعيه الدوائر الغربية من نصائح كانت تقدمها سرّا للحكام العرب. الا ان الكشف عنها يزيد في طين الكذب بلّة عندما تدّعي ادارة الرئيس باراك اوباما انها نصحت الرئيس المخلوع حسني مبارك بأن يعين نائبا لرئيس الجمهورية. او ان ادارة جورج بوش الابن تمنت على الملك السعودي اجراء انتخابات بلدية. اجرى الرجل انتخابات للرجال فقط لمجالس بلدية إمتنع عن منحها اية صلاحيات. ثم علّق العمل بالنظام البلدي كله بعد اربعة سنين عندما حان موعد تكرار التجربة الانتخابية.

المحور الثاني للسياسات الغربية تجاه الانظمة الاستبدادية يتعلق ببرامج الاصلاح السياسي ومكافحة الفساد. وقد وضعتها الحكومات الاوروببة والاميركية «المانحة» شرطا على النظام اليمني، مثلا، في محاولة لانهاء الجولة السادسة من حربه ضد الحركة الحوثية في شمال غربي البلاد. لم يلتزم الرئيس اليمني باي من تلك الشروط، ومع ذلك استمر ضخ الـ ٣٠٠ مليون دولار سنويا دعما لجهوده في الحرب ضد «الارهاب».

= = = = =

فعندما يهتف الشباب العراقي الغاضب الآن من السليمانية الى البصرة مرورا ببغداد، «الشعب يريد» استكمال جلاء الاحتلال وسقوط حكومة المالكي، فهو يعلن رفضه للفعل التأسيسي الذي بموجبه سعت «القوات الحليفة» الى تغيير هوية العراق، مجتمعا وشعبا، منذ العام ١٩٩١ عندما تولى الحظر الجوي تقسيم العراق الى مناطق ثلاث جرى تعريفها على اساس ان العراقيين هم إثنية (الاكراد) ومذهبان اسلاميان (سنّة وشيعة ). وعلى هذا الفعل التأسيسي قام الدستور العراقي الجديد ونظام المحاصصة الاثنية-المذهبية. وعندما تعلن الجماهير اليمنية المتحشدة في الشوارع والساحات «الشعب يريد» فإنها تطلق الدعوة لوحدة شعبية تتجاوز التناقضات بين المدن والارياف، والاتحادات القبلية، والفروقات المذهبية، والمشكلات الجهوية.

= = =

لكن لا تقارير التنمية البشرية ولا وكالة التنمية وجدت الكثير مما يقال عن سبل زيادة فرص العمل في ظل اقتصاديات تغلب عليها القطاعات الريعية والمالية والخدمية والاستهلاكية.

====

الا ان معظم التحليلات عن «النقصان»، على العشرات من العوامل التي قدمّتها، تفسيرا او تبريرا، انتهت الى «تفسير الماء بعد الجهد بالماء»: يوجد استبداد لانه لا توجد ديمقراطية. فإنصبّ الهمّ على التبشير بضرورة … الديمقراطية.

= = =

المغافلة الاولى هي للنزعة «الثقافوية» التي ظلّت وجود سمات جوهرية للثقافة العربية تمنعها من اللحاق بالغرب. وهي سمات يعود معظمها او كلها للدين الاسلامي. هي تفسير للحياة والظواهر الاجتماعية ولسلوك البشر وفقا لجواهر ثابتة وهويات احدية قوامها الدين واللغة. وهذه الجواهر تعيّن تراتبا ثقافيا/حضاريا بين الشعوب والجماعات عبّر عنه خير تعبير صموئيل هانتنغتن في مقولة «صراع الحضارات». للثقافوية منوعات عدة اجنبية ومحلية. يهمنا منها هنا مقولة «الاستثناء الاسلامي اكان في مجال »، وهو استنثاء قياسا الى «قاعدة» ثقافية هي الغرب، معرّفا بدوره على انه «مسيحي» بديقمراطيته وعلمانيته والحضارة. وقد خدمت مقولة الاستثناء بعيد الهجوم الارهابي على مركز التجارة الدولي في نيويورك بما هي مفتاح لتفسير نمو التيارات الاسلاموية وظاهرة العنف الجهادي. بيّنت الانتفاضات لمن كان يحتاج الى بيان خروج الانتفاضات من خارج البيئات السياسية للحركات الاسلامية والاهم ان الجهادية الاسلامية هي الاستثناء لدى الجماهير والرأي العام العربي وليس القاعدة.

المواضيع
سياسة علاقات دولية
البلدان
الاردن الجزائر العالم العربي العراق اليمن مصر
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
الإمبريالية الثورة الديمقراطية الربيع العربي السياسة الخارجية الأميركية النيوليبرالية

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.