العودة إلى المنشورات
منشورات مقالات

السنة العالمية للمصالحة - وذاكرة الحرب

في «السنة العالمية للمصالحة»، يتكشف إخفاق لبنان في معالجة ذاكرة حربه الأهلية بسبب قانون العفو الذي برّأ أمراء الحرب وحجب الأسباب الحقيقية للحرب.

حجم النص



مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.

السنة العالمية للمصالحة

وذاكرة الحرب

فواّز طرابلسي

الخبر مفاجيء.

اعلنت الامم المتحدة هذا العام ٢٠٠٩ «سنة عالمية للمصالحة». وكأن الامر لا يعني البلد الاحوج الى المصالحات من سواه. ولولا إمام وقس نيجيريين لربما لم نكن لنأبه بالخبر ونحن في حمأة المباريات الانتخابية ومتابعة المصالحات الاقليمية.

وفَدَ الرجلان الى لبنان لعرض تجربتهما كزعيمين ميليشياويين خلال الحرب الاهلية في بلدهما. مَن يمر على الخبر مرورا سريعا قد لا ينتبه الى ان الحرب المعنية التي يتحدثان عنها جرت في الستينات من القرن الماضي. وها نحن في ازاء كهلين، مسيحي ومسلم، أعطبتهما الحرب شخصيا وعائليا، يذكّران بأن بلادهما لا تزال تعاني من آثار تلك الحرب الى الآن، ويعلنان امام الملأ الندم ويطلبان المغفرة. وفي برنامج روعي فيه تماما التوازن الديني بين الهيئات والمؤسسات التعليمية اللبنانية، يبشّر القس والإمام بـ«التسلّح الخلقي» وضرورة انفتاح رجال الدين بعضهم على بعض.

ليس في النية هنا القاء ظلال الشك على صراحة الزائريَن او الصدقية ولا القدح في اخلاص المبادرين الى استحضارهما مثالا يقتدى به اللبنانيون للذكرى والفائدة بل للتقليد اذا استدعى الامر. غير ان تصوير الحرب بين نيجيريا واقليم بيافرا خلال الاعوام ١٩٦٧ – ١٩٧٠ على انها مجرد نزاع عرقي تطور الى نزاع ديني بين مسيحيين ومسلمين ينطوي على مقدار من مجافاة للتاريخ بالمقدار الذي يجافيه تصوير الحروب اللبنانية ١٩٧٥-١٩٩٠ على انها قابلة للاختزال الى حروب دينية. يزيد في الطين بلّة ان هذه النظرة الى الماضي تتم من منظار حاضرٍ متعولم يفرَضُ فيه تحويلُ كل نزاع الى نزاع «ثقافي» او نزاع على «الهوية» بما يحجب كل ما له علاقة بالجيو-استراتجيا والاقتصاد والاجتماع.

القليل القليل المطلوب التذكير به عن الحرب النيجيرية هو دور الاستعمار البريطاني، وارسالياته، في تأسيس سيطرته على اعادة انتاج القبائل والاثنيات التي تتكون منها الفيدرالية النيجيرية بما فيها القسمة بين المسيحيين والمسلمين. وقد جرى تحويل تلك الجماعات الى مؤسسات معترف بها سياسيا وقانونيا وإداريا ذوات حصص متفاوتة حكما في مناصب الدولة وخدماتها والتوزيع الاجتماعي. على ان تحميل الاستعمار هذه التبعة لا يبريء القوى المحلية من الوقوع الطوعي او القسري في الفخ والقبول باختزال هوياتها الى هويات اثنية ودينية وقبلية وجهوية. الى هذا يجب ان يقال إن العامل الابرز في تشجيع مقاطعة بيافرا على الانفصال- وهو العامل الداخلي الاهم للحرب- يتعلّق بحقيقة ان بيافرا تضم معظم حقول النفط في البلاد وان استقلالها عن الفيدرالية كان بمثابة حلم الانفراد بثروتها تلك دون الاكثرية الساحقة من سكان نيجيريا. نسوق هذه النبذة لمجرد التذكير بأن الذاكرة قد تراوغ حتى الذين عاشوا الاحداث التي يجري تذكّرها.

تشترك الحروب النيجيرية واللبنانية في أمرين اساسيين: تشابك الانقسامات الاقتصادية-الاجتماعية- السياسية فيها مع النزاعات الدينية والفئوية وبروزها بما هي نزاعات دينية وفئوية؛ وإختتام الاقتال من دون غالب ومغلوب. هذا اذا إستثنينا تفاصيل من مثل وجود رجال وعلماء دين مارسوا دور الزعامة الميليشياوية في الحالتين معا.

في ضوء زيارة الوفد النيجيري، يستطيع المرء ان يتصوّر زعماء ميليشياويين لبنانيين بعد خمس او عشر سنوات يزورون نيجيريا، ويعلنون الندم ويطلبون الغفران ويدعون الى مزيد من الحوار بين الاديان والمذاهب. وما من شك انه في العام ٢٠٢٠ مثلا لن يزل هناك جمعيات اهلية متخصصة في البحث في ذاكرة الحرب والتذكير بها. وسوف تستورد لنا المزيد من الحالات المشابهة في انحاء مختلفة من العالم، وتعرض علينا المزيد من النماذج للتعاطي مع ماضي النزاعات الدموية.

وقد يزورنا القس توتو حاملا تجربة «الحقيقة والمصالحة» الرائعة والثرية في انسانيتها وذكائها وجرأتها وإن تكن ليست ملائمة للنقل مباشرة الى حالة لبنان الحروب المركبة. لماذا؟ لأن ما جرى في افريقيا الجنوبية لم يكن حربا اهلية بالمعني الدقيق. كان مقاومة شعبية مسلحة وسياسية، يقودها «المؤتمر الوطني الافريقي»، ومحرّكه الرئيسي الحزب الشيوعي في جنوب افريقيا، ضد سلطة التمييز العنصري للاقلية البيضاء. وقد اختتم ذاك النزاع بانتصار الاكثرية الافريقية وانتقال الحكم اليها. وتفاديا لتكرار تجربة الاستقلال الجزائري التي ترافق فيها خروج المستعمر مع هجرة وتهجير الاكثرية الساحقة من «المعمّرين» البيض الاوروبيين، تلاقت ارادتان افريقية واوروبية للتعايش والحفاظ على وجود وحقوق الاقلية البيضاء وامتيازاتها الاقتصادية في ظل نظام انتقلت فيه السلطة السياسية الى الاكثرية الافريقية. وكانت واسطة الانتقال الى النظام الجديد تصفية الحسابات مع ماضي التمييز والقمع والاعتقالات الجماعية والعزل والتعذيب والتصفيات الجسدية للمقاومين والمدنيين معا. جرت محاسبات وجرت مواجهات مؤثرة جدا بين جلاوزة سلطة التمييز العنصري وبين ضحاياهم واهل الضحايا، نجم عنها عقاب وسجن وتعويضات.

لن تجري تصفية ذيول الحرب في لبنان الا بالمصارحة والمصالحة والمحاسبة ولو السياسية والمعنوية والاخلاقية. الذين حوسبوا في افريقيا كانوا موظفي امن وجنود وضباط القوات المسلحة التابعين لنظام الاقلية البيضاء. والسؤال من هم المسؤولون عن الحروب اللبنانية الاهلية وفيها؟

يثير السؤال اسئلة كثيرة ومعقدة. قد تتفاوت الاجابات عليها. لكن معظم المعالجات لا يزال يدور حول النظر الى الحرب بما هي عنف، اي اعمال خطف واغتصاب وقتل وجرائم واغتيالات ومجازر. ولعل على المنظمات الاهلية المعنية بتفتيح ذاكرة الحرب ان تفكّر مليا ما اذا كان مجرد التذكير بالحرب بما هي اعمال عنف وحسب يستنفد الحرب كلها. خصوصا عندما نشاهد يوميا زعماء الميليشيات يتبارون في تحويل ذاكرة الحرب والمصالحة والمحاسبة الى البحث في اغتيال هذا الزعيم او ذلك وما من احد يحاسب هذا وذاك على قتل عشرات الالوف. ناهيك عن وقاحة السعي الى المزيد والمزيد من لوي عنق العدالة باستصدار العفو عن مجرمين اضافيين ادينوا بعد صدور قانون العفو.

بلى، يجب رفض قانون العفو ذاته الذي وضع من موقع زعماء الميليشيات وقد صاروا حكاما وتبرئة لهم. ويجب اولا تعديله للتخلّص من تمييزه المهين للاكثر من مئة الف ضحية من ضحايا الحرب بين جرائم في حق مواطنين وما يسمّى «جرائم في حق امن الدولة»! وتأكيدا فكل هذا لا يعفي من المساءلة والمحاسبة والعقاب ولو كان معنويا وحسب.

على ان الجريمة الاكبر في حق الذاكرة وضد ضحايا الحرب هي ان تخليص الحرب باعمال العنف يحجب المواضيع التي تبقى ذات فائدة لتحقيق الاهم: عدم تكرار الحرب.

الاول هو الاعتراف بالبحث والنقاش في الاسباب المؤدية الى الحرب، اي تعيين العوامل التي سمحت بتحول الصراع السياسي الى صراع عسكري. وهذا يشمل الانطلاق من الافتراض بأن الحرب لم تكن قدرا مقدرا بقدر ما كانت اقرب الى خيار. لذا يتوجب محاسبة المسؤولين عن ذاك الخيار على الوجهين، بمن فيهم من عجزوا عن منع تدهور الاوضاع نحو العنف المسلّح. من هنا يبدأ البحث فيما ما هو مكمّل لمعرفة اسباب الحرب: استخلاص دروسها والعبر.

من هنا تبدأ المصارحة للمصالحة. وهنا لا يفيد النموذج النيجيري ولا الجنوب افريقي، إلا النموذج اللبناني. ولا ينفع العويل ولا الندم ولا صريف الاسنان. ناهيك عن القاء التبعات على «الآخرين» او على «الفلسطينيين» ولا طبعا على الاديان.

المواضيع
علاقات دولية
البلدان
لبنان
نُشر في
السفير
المؤلف
فواز طرابلسي
الكلمات المفتاحية
التاريخ الحرب الأهلية اللبنانية الذاكرة لبنان

مشاركة

المزيد
TelegramThreadsBlueskyMastodonReddit

مشاركة كصورة

نزّل الصورة أو شاركها، ثم أضف رابط المقال في التطبيق. في قصص إنستغرام، أضف ملصق الرابط بنفسك.