الثورات تٌسقِط أنظمة الافكار ايضا !
«هذا اوان الحرائق، لا يجب ان يُرى غير النُور»
(هوسي مارتي)
فواّز طرابلسي
وصف الفيلسوف الماركسي سلافوي جيجك الانتفاضات الشعبية التي تشهدها المنطقة العربية بأنها معجزة. الوصف دقيق طالما ان الحالة التي يتحدث عنها ينطبق عليها التعريف المألوف للمعجزة بما هي حدث خارق لم يتنبأ بحدوثه احد.
قد يقال رداً على هذه المفرقعة التي اطلقها جيجك ان الثورات تأتي دوما على غفلة. وهو بذلك ادرى. ومع ان هذه ليست بقاعدة عامة، الا انها لا تعفي من ضرورة التساؤل والتأمل في المغافلات الكبرى التي نعيشها منذ اشهر. فليس غريبا مثلا ان تعترف وكالات الاستخبارات الاسرائيلية والاميركية بأنها تضرب أخماسا بأسداس لتفسير عجزها عن توقع الانفجارات التي زعزعت «الامن والاستقرار » في المنطقة والتي شبهها رئيس الوزراء الاسرائيلي بالزلزال.
ثمة تفسير اكثر زمنية من التدخل الرباني. فأحد الاسباب التي حالت دون استشعار الانتفاضات – في توقيتها وزخمها وتزامنها وعفويتها واهدافها والوسائل – هو أن البحث في ازمات المنطقة كان يتم في حقل آخر وبادوات بحث وإستخبار لا تصلح لمثل ذلك الرصد. وهذا الحقل هو حقل خطاب عالمي مهيمن تبلور بعيد نهاية الحرب الباردة وتكرّس بعد هجمات ١١ ايلول ٢٠٠١. انه خطاب النيوليبرالية المتعولمة و«اجنداتها» المتكاملة والمستبطنة في المنطقة من قبل سلطات ومؤسسات وقوى مدنية واهلية واحزاب ومثقفين:
- – في الهوية: التعريف الثقافوي-الديني للشعوب والمجتمعات؛ وتعميم مقولة «الاستثناء الاسلامي»؛
- – في السياسة، نظرية المجتمع المدني/الدولة، و«النقصان الديمقراطي»؛
- – في الاقتصاديات، تفكيك الدولة التنموية، وفرض الخصخصة ودكتاتورية الاسواق، والتسليف الجزيئي (الميكروي) والتربية على «الريادة في الاعمال»؛
- – في الاجتماعيات، إحتساب معدلات الفقر لا الفروقات الاجتماعية، والتبشير بالشفافية ضد الفساد وطمس كل منوعات الاستغلال؛
- – وفي العلاقات الدولية، وحدانية واولوية الامن و«الحرب ضد الارهاب ».
حقيقة الامر، ان الجهد البحثي والفكري عن المنطقة وفيها لم يخل من استشعار الازمات والتحذير من مخاطر انفجارات إجتماعية وسياسية. وهذا مثال. نبّه خبراء الديمغرافيا باكرا من خطورة «القنبلة الديمغرافية » في العالم العربي الذي سوف يبلغ عدد سكانه ٣٩٥ مليون نسمة عام ٢٠١٥، ٦٠٪ منهم دون الخامسة والعشرين، وحيث لا اقل من ٢٥٠ مليون نسمة باتت تسكن المدن. وأشارت «تقارير التنمية البشرية العربية»، التي اصدرتها «وكالة الامم المتحدة للتنمية » الى كون المنطقة تملك اعلى معدلات للبطالة في العالم. من جهتهم، لاحظ علماء الاجتماع والسياسة ما سوف يترتب على الانفجار السكاني والهجرات الريفية من اختلالات على كافة الصعد، من ولادة «العشوائيات» حول المدن او داخلها، الى تفكك البنية البطريركية عند الشباب.
ولكن معظم هذه الابحاث انحكمت بالاشكالية المهيمنة – خصوصا وجهها المتعلّق بـ«الاستثناء الاسلامي » قياسا الى ما يمكن اعتباره «قاعدة غربية» كونية – فاتجهت وجهة الخلاصات التي تمليها تلك الاشكالية. توقعت الدراسات ان يشكل الوافدون الجدد من الارياف والشباب العاطل عن العمل تربة خصبة للتعبئة من اجل العنف الجهادي او ان يتحولوا الى جمهور للخدمات الخيرية والتربوية والصحية التي توفرها الحركات الاسلامية لاغراض الكسب السياسي او ان يضافوا الى عديد مشاهدي محطات التلفزيون «الراديكالية» مثل «الجزيرة» القطرية.
تبيّنت جزئية هذا التوقع وإنحيازه عندما شكل هذا الفائض من الشباب المتعلم والعاطل عن العمل الخليط المتفجّر الذي اطلق الانتفاضات الحالية ولعب الدور البارز فيها. لم تنطلق الانتفاضات باتجاه سلفي او جهادي، بل اتخذت وجهة الديمقراطية التي تتحقق بإسم الشعب – لا «الامة» – في ظل شعارات «العمل والحرية والخبز». وبدلًا من ان يصبّ الانفجار الديمغرافي والبطالة المستشرية في تعزيز تيار العنف بين الشباب، جنحا به نحو تظاهرات واعتصامات واضرابات إتسمت جميعها بالطابع السلمي.
+ + +
تسعى هذه المقالة الى البرهنة على ان الانتفاضات الشعبية قد اشارت الى مكامن خلل اساسية في الخطاب المهيمن، وما قد إستتبتعه من ممارسات، وانها قد شكلت نقداً بالممارسة – وبالدماء – لمقولاته الرئيسية. وسوف نتناول اربعا من هذه المقولات عن الديمقراطية، والمجتمع المدني والدولة، والشباب وفرص العمل، والفساد.
قبل الشروع في ذلك، لا بد من الاشارة الى مفاجأتين حملتهما الانتفاضات في موضوع الديمقراطية (يمكن ترك موضوع المفاجأة للنظريات «الثقافوية» لمعالجة اخرى).
المفاجأة الاولى هي لنظرية «النقصان الديمقراطي»، الوجه الآخر المكمّل لـ«لاستثناء الاسلامي »، وقد فرضت خلال ربع قرن اشكاليةٌ استشراقية قضت على الجهد الفكري والبحثي تفسير «غيابات» و «فجوات» و حالات «عجز » و«نقصان» تعاني منها المنطقة قياسا الى النموذج الغربي للديمقراطية الليبرالية.
شكّل عشرات الملايين من العرب النازلين الى الشارع لتقويض انظمة الاستبداد فائضاً في الديمقراطية لا نقصان فيها. ولكننا مع ذلك نقف مشدوهين ازاء حجم ما هدرنا من وقت وجهد في تفسير «غيابات» الديمقراطية فغاب عنا حضور طبائع الاستبداد، الياته ومؤسساته وركائزه وعوامل استمراره واعادة انتاجه وطرائق الانتقال من الاستبداد الى الديمقراطية. وها نحن في خضم الانتفاضات نقيس مدى جهلنا بالانظمة التي تحكمنا ما يترك اثاره السلبية على كل استراتيجيات التغيير ووسائله.
المفاجأة الثانية ان الانتفاضات إنطلقت من الداخل، على عكس ما التقى عليه او توقعه، كل من موقعه، ليبراليون محليون مثلهم مثل خصومهم من اسلاميين وقوميين ويساريين. قال الاولون، في امتداد الاحتلال الاميركي للعراق، بأن لا امكانية لبناء الديمقراطية في بلادنا الا اذا فرضت من الخارج. وإذ أقرّ الثانون بـ «خارجية» التغيير الديمقراطي، رفضوا الديمقراطية لاعتبارها جزءا من «مشروع الشرق الاوسط الجديد ». ان توقيت الانتفاضات جدير الملاحظة والتوكيد. تمّ بعد انقضاء عهد بوش الابن، وبعد ان تخلّت الادارة الاميركية حتى عن رطانتها «الديمقرطية» دون ان تحقق اي انجاز على كل حال. والاهم ان الانتقاضات اندلعت بعد الانسحاب العسكري الاميركي والحليف (غير المكتمل ) من العراق. على عكس التوقعات، قامت الانتفاضات دون مساعدة من الخارج بل هي قامت ضد هذا الـ«الخارج». فقد حضنت القوى الغربية ودعمت، او تواطأت مع، انظمة الاستبداد، من دكتاتوريات جمهورية توريثية او انظمة سلالية نفطية او غير نفطية، في طول العالم العربي وعرضه على امتداد ثلاثة او اربعة عقود من الزمن. ومهما يكن حجم التدخل الخارجي الحالي، ومدى المساعي للتعويض عما فاتها من ادعاء ابوة الديقمراطية، فلا مفعول رجعيا هنا يسمح بالادعاء ان قوة غربية ما كان لها اي دور في اطلاق الانتفاضات او تشجيعها او تسييرها. كل ما يمكن قوله انها تسعى الآن الى احتوائها او تحجيمها او الارتداد عليها او خنقها في المهد بكافة الوسائل.
«الشعب يريد»: ثورة في المفاهيم
لا حاجة لكبير جهد فكري للبرهنة على ان منبت شعار «الشعب يريد اسقاط النظام» يقع خارج منظومة المفاهيم والافكار والارشادات التي قامت عليها وروجت لها الايدلوجيا النيوليبرالية المهيمنة. انطلقت الصيحة من تونس مستلهمة قصيدة شاعرها الوطني ابو القاسم الشابي التي يتعلمها الشباب العربي ويحفـظونها عن ظهر قلب من المحيط الى الخليج. ولعلها اختلطت ايضا باصداء من مرويات الثورة الفرنسية. احيا الشعار مصطلحي «شعب» و «نظام » اللذين ينتميان الى عهود حركات التحرر الوطني، وقد باتا خارج التداول عمليا منذ الربع الاخير من القرن الماضي. فانطوى هذا الاحياء على نقض وانقلاب في المفاهيم والقيم بقدر ما انطوى على تعيين هدف للتغيير ومساراته. وفيما يلي بعض اوجه هذا النقض والانقلاب.
اولا، اعاد الشعار الاعتبار لمفهوم «الشعب» بما هو الهوية الرئيسية للسكان في مقابل التعريفات الانتمائية والثقافوية المهيمنة بمركباتها الاثنية والاقوامية والطائفية والمذهبية والاقلوية التي روّجت لها ايديولوجيا العولمة الاميركية خصوصا. «واحد، واحد، شعب واحد» هو الشعار الطاغي من الخليج الى المحيط الذي عبّر عن الرغبة في التركيز على الهوية الوطنية والوحدة الشعبية في وجه كافة تلك الانتماءات والهويات التي يستغلها الحاكم المستبدّ والعدو الخارجي على حد سواء.
ثانيا، «الشعب يريد» اعلان عن تطلّب لمصدر جديد لشرعية السلطة يحل محلّ «الشرعيات» السائدة: «الشرعية القبلية-السلالية » و«الشرعية العسكرية-العقائدية» و«الشرعية الثيوقراطية »، او «شرعية » تأويل النص الديني في امور السياسة والدولة، ناهيك عن « شرعية » الاحتلالات الاجنبية او «الشرعيات الخارجية » التي استعاضت بها الانظمة الاستبدادية العربية عن شرعية داخلية رفضت شعوبها منحها اياها. في مقابل هذه جميعا، يطمح شعار «الشعب يريد » الى تحقيق مبدأ السيادة الشعبية وحكم الشعب اساسا لاية سلطة واية شرعية.
الشعب والنظام مقابل المجتمع المدني والدولة
ثالثا، شكلت وتشكل مقولة «الشعب يريد اسقاط النظام» مراجعة جذرية لنظرية «الدولة /المجتمع المدني ». لنضع جانبا البلبلة في فهم هذه النظرية وتطبيقها، وتخلي اصحابها الغربيين عنها فيما لا يزال يدمنها إدمانا قطاع واسع من المثقفين والمنظمات غير الحكومية اضافة الى عديد من الاحزاب والحركات القومية واليسارية وحتى الاسلامية التي رأت فيها دَرْجة (موضة) دولية جديدة لا بد من مجاراتها فصارت حالتها مثل حالة الغراب التي اراد ان يقلّد نقلة الحجل.
لا يمكن النظر الى نظرية «الدولة/المجتمع المدني» الا بما هي الوجه السياسي للنيوليبرالية الاقتصادية، تقيم التعارض بين كتلتين متجانستين: الدولة، وهي مستبدة تعريفا، يقابلها «مجتمع مدني » قوامه القطاع الاقتصادي الخاص والنقابات المهنية والمنظمات غير الحكومية، يمثل الولاءات والانتماءات الاختيارية. ويضارع المجتمع المدني هذا «مجتمع اهلي» إكتُشف متأخراً، هو مرقد «الولاءات التقليدية ». والوصفة الجاهزة: بقدر ما يضعف دور الدولة، في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة، بذاك القدر تنمو حريات الافراد.
سال حبر كثير في نقد هذه النظرية إنصب على عدة محاور تستحق التسجيل. الاول، طمسها التراتب الاجتماعي – بما فيه من فوارق بين الطبقات، وبين مدينة وريف، وبين عمل ذهني وعمل يدوي وسواها. ثانيا، خلطها المستمر بين «الدولة» من جهة وبين النظام السياسي والاقتصادي-الاجتماعي والثقافي المسيطر على الدولة من جهة اخرى. ثالثا، القطيعة التي تفرضها بين الدولة والمجتمع، ما يسطّح جدل العلاقة بينهما ويحجب مرتكزات السلطة وخطوط دفاعها وآليات اعادة انتاجها وكلها كامنة في داخل المجتمع ذاته. رابعا، العداء لاي دور للدولة في اعادة التوزيع الاجتماعي لصالح الفئات المحرومة او المهمشة او المتضررة من اقتصاد السوق الرأسمالي الاحتكاري. خامسا والاهم، تطمس هذه النظرية الاهمية الاستثنائية للدور الذي تلعبه الدولة بما هي لحمة المجتمع ذاته، ولحمة الاجتماع السياسي، في البلدان المستقلة حديثا على وجه الخصوص.
وقد قدمّ الاحتلال الاميركي للعراق التطبيق العملي الفاجع لهذا الوجه الاخير من النظرية إذ لم يكتف باسقاط نظام البعث الدكتاتوري بل فكك، إن لم نقل دمّر، الدولة العراقية ذاتها. فماذا كانت النتيجة؟ بدلا من ان يستولد هذا التدمير «المجتمع المدني » المنشود ويؤدي الى تفتّح «حريات الافراد »، أخرج شياطين «المجتمع الاهلي » من جحورها، متمثلة بالمناطقية والاثنية والمذهبية.
على العكس من ذلك، انطوت اعادة الاعتبار لمفهوم «الشعب» على تعريف المجتمع بما هو كتلة من القوى والمصالح والجماعات المتفاوتة والمتفارقة تتكون في مرحلة تاريخية معينة حول ارادة واحدة وهدف تاريخي مشترك. وهي رؤية بعيدة كل البعد عن مقولات العولمة الدارجة الملونة كلها بالريبة والشك تجاه كل ما له علاقة بالوطنية والقومية تبشّر علنا بضرورة زوال «الدولة-الامة ».
رابعاً، ترافقَ استرجاع مقولة الشعب وارادته مع تقديم هوية المنطقة العربية الى الواجهة في وجه سلسلة الهويات التي فرضت عليها من الخارج عن طريق تقاسيم الهوية الجيوستراتيجية على مقام «الشرق الاوسط»، كبيره ومتوسطه وجديده واكبره، مندمجا بشمال افريقيا او غير مندمج، ناهيك عن دمجه في العالم الاسلامي او أسلمته. هكذا أعيد تعريف المنطقة من جديد بانها «عربية» – فصار العالم يتحدث عن «الثورات العربية» او عن «الربيع العربي» لوصف المسارات التي نتحدث عنها.
الاولوية للسياسة
خامساً، شكل شعار «الشعب يريد اسقاط النظام» نقدا من نوع آخر لنظرية المجتمع المدني/الدولة ولسلوك المنظمات غيرالحكومية والاهلية القائم على فصل قطاعات المجتمع بعضها عن بعض، في تذرير «بعدحداثي» يحيلها الى جندرة، بيئة، تنمية بشرية، مكافحة الفساد، مساءلة، حوكمة، حقوق اسان، تمكين المرأة، تسليف جزيئي («الميكروي»)، ريادة، الخ. وعند الحاجة يجري الربط بين قطاعين او قضيتين واكثر بواسطة «واو» العطف. هذه مثلا آخر توليفة في زمن الانتفاضات: «الفقر والحرية والامن »- هو عنوان مؤتمر تنظمه كلية العلوم الاجتماعية في جامعة مؤتة بالاردن في شهر تموز الحالي.
في مقابل التذرير بعد الحداثي للقطاعات والقضايا، والمجاورة بينهما، يعيد شعار الثوار العرب الاعتبار لوحدة النظام، في مكوناته السلطوية والامنية والعسكرية والاقتصادية والمالية والاجتماعية والثقافية والترابط بين مؤسساته المختلفة. هذا هو «النظام» المطلوب تفكيكه وقلب معادلات القوى بينه وبين الشعب من اجل استبداله بنظام ديمقراطي، اي نظام يمثل «ارادة الشعب ».
ماذا يعني ذلك؟ يعني اكتشاف الحلقة المركزية للنظام التي يجب ان ينصبّ الضغط عليها والفعل فيها: السلطة السياسية. ان المعنى العميق لشعار وممارسة «الشعب يريد اسقاط النظام » هو توجيه هدف التغيير نحو اعادة صياغة جذرية للعلاقة بين الحكام والمحكومين. وهذا ما يفسّر الاهمية الاستثنائية التي توليها الانتفاضات لقيام مجالس تأسيسية وانتقالية ولصياغة دساتير جديدة وتغيير نمط العلاقة السائدة بين المؤسسات التشريعية والتنفيذية لصالح الاولى.
اين المنظمات غير الحكومية والجمعيات الاهلية من كل هذا وهي التي تقوم افكارها وممارساته على منظومة الافكار النيوليبرالية المهيمنة؟
اقل ما يقال ان الانتفاضات تفرض على هذا التيار الواسع من الرأي العام والفاعل في الحياة العامة ان يقف وقفة مراجعة لتجاربه على امتداد ربع قرن. للدفع في هذا الاتجاه، مع وعي المجازفة الكبيرة التي ينطوي عليها التعميم على امتداد العالم العربي، هذا الملاحظات النقدية المقتصرة على المجال الديمقراطي.
اولا، لا يمكن اغفال الدور الكبير الذي لعبته المنظمات غير الحكومية في نشر الوعي والتنبيه الى الحقوق في مجالات حقوق الانسان والحريات، وبالقدر ذاته لا يمكن اغفال حقيقة انها نادرا ما مارست الديمقراطية، بما هي الانتخابات الحرة والمنافسة البرنامجية وتدول السلطة، في حياتها الداخلية.
ثانيا، بسبب تذريرها حقول الدعوى والفعل، وتكاثر هيئاتها، حيث تبلغ المئات من المنظمات العاملة في الحقل الواحد في البلد الواحد، ونتيجة غلبة المنافسة بينها على مصادر التمويل من المنظمات غير الحكومية الدولية (ومعظمها تحضر الحكومات الغربية فيها حضورا وازنا) اضعفت المنظمات غير الحكومية نفسها بنفسها وشتتت جهود الناشطين فيها وبددت فرصا كثيرة للانجاز الديمقراطي.
ثالثا، اثبتت الانتفاضات العكس تماما من الفرضية التي قام عليها القسم الاكبر من العمل الاهلي وهي من ان تجزئة حقول الدعوى والفعل، وتغليب الجهد التربوي، وتواضع المطالب يجعلها اوفر حظا من التحقيق. وهذا ما عبّر عنه العديد من ناشطي المجتمع المدني الذين انخرطوا في الانتفاضات الشعبية الذين فسروا مشاركتهم في التظاهرات والاعتصامات بأنهم، إكتشفوا، بعد سنوات من والدعوى والضغط من اجل مطلب جزئية لحقل واحد من حقوق المجتمع المدني، ان الحظ الوحيد في تحقيق ذلك لن يكون إلا بتغيير النظام السائد بمجمله.
بطالة الشباب وفرص العمل
لعل «العجز» الاكبر في الرؤية المهيمنة كامن في رؤيتها وبرامجها المتعلقة بالشباب. دأبت هيئات رسمية وخاصة على الدراسة والتخطيط لتطوير الانظمة التعليمية، وقد طغى عليها هَمّ استيلاد «الاسلام الرشيد». هذا في حين كان الانتشار الافقي للتعليم المترافق مع التقليص المتزايد للقطاعات الانتاجية والترييع المتزايد لاقتصاديات العربية، يستولد اعلى معدلات بطالة للشباب في العالم. وفيما تكاثرت البرامج والندوات وورشات العمل والتدريب لتكوين نخب من رجال الاعمال، المشبعين بالانانية والنيوليبرالية، بإسم «الريادة في الاقتصاد»، شحّت، حتى لا نقول انعدمت، الرؤى والتصورات لاقتصاديات توفر العمل والخبز والكفاءة والمستقبل.
اضطرت الانتفاضات العربية المسؤولين عن توجيه الاقتصاديات العالمية الى الاعتراف بأن تأمين فرص العمل كان غائبا عن برامجهم المتعلقة ببلدان الجنوب والبلدان العربية خصوصا. اعترف الرئيس السابق لـ «صندوق النقد الدولي » دومينيك ستروس-كان (قبل ايام من اعتقاله في الولايات المتحدة بتهمة اغتصاب عاملة فندق افريقية) انه لا بد من إدراج بند خاص يتعلّق بايجاد فرص عمل في برنامج مؤسسته. ولحق به زميله روبرت زوليك، رئيس البنك الدولي، ففصل اكثر. تساءل زوليك عن جدوى ما سمّي «التعافي الاقتصادي » في تونس ومصر طالما انه لم يولد فرص عمل جديدة. افادنا عن تونس ان نسبة البطالة فيها تصل الى٣٠٪ بين الشباب في حين يتمتّع البلد بمعدلات نمو اقتصادي عالية بلغت ٤،٥٪ بين السنوات ٢٠٠٥ و٢٠١٠. وفي الفترة ذاتها بلغت معدلات النمو الاقتصادي المصرية ٦٪ في حين بلغ عدد الفقراء ٤٠٪ من السكان وبلغت البطالة عند الشباب ٢٦٪. ( الصحافة، ١٨ نيسان/ابريل ٢٠١١). الغريب في الامر ان المسؤولين عن توجيه سياسات العالم الاقتصادية يتحدثان عن تقديم نمو الناتج المحلي بما هو المقياس الابرز للجدوى الاقتصادية وكأنه من وضع مؤسسات تنتمي الى المريخ وليس من بنات افكار «الخبراء» في «صندوق» السيد ستروس-كان وفي «بنك » السيد زوليك! والطريف في الامر ان السيد زوليك ما لبث ان «صحح» تصريحه السابق فأعاد «تطعيمه» بحقنة من النيوليبرالية، فطلع علينا بنظرية تقول ان الشهيد محمد بوعزيزي انما هو ضحية «البيرقراطية»!
لصوصية لا مجرد «فساد»
كشفت الثروات الخيالية التي جمعتها أسر المجمع المافيوي-الريعي-الامني العربي عمق العلاقات بين السلطات الاستبدادية العربية وبين مؤسسات الرأسمالية المتعولمة الدولية وشركاتها المتعدية الجنسيات والسلطات السياسية التي تمثلها. جُمعت تلك الثروات من خلال استغلال المواقع في السلطة لسرقة المال العام والاستحواذ على الاراضي الاميرية وتبييض الاموال وجني الأرباح الطائلة من بيع مؤسسات القطاع العام او الاستيلاء عليها وتنظيم الاحتكارات وحمايتها وقبض العمولات وفرض الخوات ونيل الرشاوى المليارية على صفقات السلاح والعقود والمقاولات مع الشركات الاجنبية. يجري ذلك في ظل نظام اقتصادي عالمي وظيفته الرئيسية فرض دكتاتورية الاسواق يتم في ظلها شفط الثروات والمداخيل من اسفل الى اعلى، ومن الجنوب الى الشمال، ومن الافقر والمتوسط الى الاغنى، على عكس ادعاء تسرّبها من اعلى الى اسفل. هذا السحت هو ذروة الاستغلال الرأسمالي للشعوب. وهو الفساد الفعلي وليس الفساد فقط فساد الموظف الصغير المرتشي الذي يراد معاقبته وتبرئة المفسِدين ممن يملك المال اللازم للإفساد.
والحكام الغربيون على علم بكل ذلك. تعرف الادارة الاميركية ان الصفقة الاخيرة لتزويد المملكة العربية السعودية بطائرات وسمتيات حربية اميركية بقيمة ٦٠ مليار دولار غرضها تعزيز ميزان المدفوعات الاميركية اكثر من تلبّية ضرورات استراتيجية في وجه ايران. ويعرف الرئيس اوباما تماما – وهو الذي قال بوجوب العمل على خلق فرص عمل للشباب العربي في خطابه يوم ٢٠ ايار الماضي – ان المليارات السعودية الستين سوف تسهم في تأمين فرص عمل لاكثر من ١٢٠ الف من عمال الصناعة الحربية الاميركية وتحرم في المقابل عشرات الالوف من الشباب السعودي من فرص عمل. وفي مجال ما يسمّى تأدبا «استغلال النفوذ»، تعرف الادارة الاميركية، وسائر حاكم اوروبا واميركا، ان ستة امراء سعوديين تعود اليهم عائدات مليون برميل من النفط يوميا من انتاج اجمالي يومي يبلغ ٨ ملايين برميل. ومن جهتها، تعرف السلطات الفرنسية ان سيف الاسلام القذافي يتقاضى حصة مباشرة من عائدات حقل النفط الليبي الذي تستثمره شركة «توتال» الفرنسية. والآن يعرف الملأ ان جمال مبارك كان يتقاضى لجيبه الخاص ٥٪ من عائدات شركات بيع الغاز المصري الى اسرائيل. بقي لمن يريد ان يعرف كيف يتمكن حكامنا من جمع عشرات المليارات من الدولارات خلال ولاياتهم ان يعودوا لاعتراف مليك المغرب بأن ارباح احدى شركاته المجمّعة للعام ٢٠١٠ بلغ ٢،٥ مليار دولار. هذا مع العلم ان الدستور المغربي يمنع على السياسيين تعاطي التجارة. لكن المليك فوق الدستور وفوق السياسة، اليس كذلك؟
هذه اللصوصية هي الفساد الحقيقي في بلادنا.
حاوِل احصاء كم دُفع من المال لاقامة المؤسسات والجمعيات والهيئات وكم نظمت مؤتمرات ومشاغل وندوات ودورات تدريب تحت عنوان مكافحة الفساد والبتشير بـ«اخلاقيات الاعمال (البزنس)». وإسمع ما شئت من العزف على مقامات الحوكمة والحكم الرشيد والمساءلة واخواتها تنخر العقول منذ ربع قرن. ثم قارن بما فرضته الجماهير في الشارع في غضون اشهر معدودة. فلاول مرة منذ العام ١٩٥٢ يسقط رئيس عربي (بل رئيسان والتالون على الطريق) تحت ضغط انتفاضة شعبية. والعام ١٩٥٢ هو تاريخ استقالة رئيس الجمهورية اللبنانية تحت ضغط اضراب شعبي سياسي عام. ولاول مرة في التاريخ العربي الحديث قاطبة يحال حاكم عربي (بل اثنان والتالون علي الطريق) للمحاكمة ليس فقط بتهمة قتل ابناء شعبه وانما ايضا بتهمة سوء استغلال السلطة ونهب الموارد وهدر الاموال العامة.
ومع ذلك، لا يريد مكافحو الفساد من دعاة النيوليبرالية وخبراء الهيئات الدولية ان يروا الهدر الا في تضخم جهاز الدولة وفي نفقات الموازنات على الخدمات الاجتماعية. وها هم يتحفظون على فتات الاموال الذي بدأت بعض الانظمة العربية تنفقها حفاظا على رؤوس حكامها وكراسيهم، عن طريق الاستمرار في دعم المواد الغذائية الرئيسية والمحروقات، او عن طريق رشاوى رسمية موصوفة من مثل رفع رواتب الموظفين وبناء المساكن الشعبية. في مقالة ذات عنوان معبّر – «رمي المال في الطرقات » – تحذّر «الايكونومست» البريطانية (عدد ١٢ اذار ٢٠١١) من هذه الاجراءات لانتمائها الى عهد مضى من تدخل الدولة في الاقتصاد، حسب تعبيرها. اما رمي ابناء معمر القذافي اموال الشعب الليبي لنجمات الغناء الانكليزيات والاميركيات بالمليون للحفلة الواحدة فلا يقلق. ولا يقلق الاسبوعية الاقتصادية الرصينة رمي الاموال داخل القصور حيث المخصص الشهري لافراد قبيلة آل سعود، الذين يزيد عددهم عن ستة الاف، يصل الى ٢٧٥ الف دولار للامير الواحد.
على ان اعلان سقوط منظومة فكرية لا يكفي بذاته لاسقاطها. مثلما الانتفاضات تتحدى الانظمة السياسة-الاجتماعية السائدة، وتخلخلها وتسقط اركانا منها، كذلك الامر بالنسبة للانظمة الفكرية السائدة. ما حاولناه اعلاه مجرد وضع عدد من مقارنات قد تصلح كعلامات استدلال للشروع في بلورة رؤية واهداف ومسارات ووسائل نضال بديلة.
